غياب «المناعة المتقاطعة» مهد الطريق لانتشار «جدري القردة»

طبيبة تحمل قارورة من «لقاح جدري القردة» (رويترز)
طبيبة تحمل قارورة من «لقاح جدري القردة» (رويترز)
TT

غياب «المناعة المتقاطعة» مهد الطريق لانتشار «جدري القردة»

طبيبة تحمل قارورة من «لقاح جدري القردة» (رويترز)
طبيبة تحمل قارورة من «لقاح جدري القردة» (رويترز)

قبل 34 عاماً وضع علماء بريطانيون في المجلة الدولية لعلم الأوبئة، تنبؤاً جريئاً حول «جدري القردة»، قالوا فيه إنه بمرور الوقت، «سيزداد متوسط حجم ومدة أوبئة جدري القردة».
وكان المرض نادراً للغاية في عام 1988، واكتشف العاملون في مجال الرعاية الصحية حالات قليلة فقط في غرب ووسط أفريقيا، وأصيب الناس بالمرض بشكل حصري تقريباً من القوارض أو الرئيسيات ثم نشروا الفيروس لعدد قليل فقط من الناس، وكان الانتقال بين الناس محدوداً. لكن العلماء حذروا من أن هذه الفاشيات المتفرقة ستزداد حجماً وتنتشر جغرافياً بمرور الوقت.
وفي التسعينيات، كان هناك نحو 50 حالة فقط من حالات الإصابة بجدري القردة سنوياً في غرب ووسط أفريقيا، وبعد نحو 20 عاماً، وتحديداً 2020. كان هناك على الأرجح أكثر من 5 آلاف حالة.
ويواجه العالم أول انتشار دولي لجدري القردة الآن، حيث تم الإبلاغ عن أكثر من 200 حالة في نحو 20 دولة، ويعتقد العديد من العلماء أن هناك حالات إضافية لم يتم اكتشافها، ومن المحتمل أن ينتشر الفيروس في المجتمعات التي لم ينتشر فيها جدري القردة من قبل.
إذن، كيف عرف العلماء البريطانيون، عام 1988، أن جدري القردة سيرتفع في النهاية؟ تقول عالمة الأوبئة آن ريموين من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس في تقرير نشره أول من أمس موقع الإذاعة الوطنية العامة بأميركا «إن بي آر» إن «ما نراه الآن هو نتيجة أعظم إنجاز في مجال الصحة العامة، وهو القضاء على الجدري».
ويعد الجدري أحد أكثر الأمراض فتكاً في تاريخ البشرية، ويقتل الفيروس شديد العدوى ما يصل إلى 30 في المائة من المصابين، وبالمقارنة، فإن نسخة جدري القردة في هذه الفاشية تقتل أقل من 1 في المائة، من المصابين. تقول ريموين: «لذا فإن جدري القردة، في جميع تكراراته، أقل خطورة بكثير من الجدري».
ومن خلال حملة تلقيح ضخمة، قضى العالم رسمياً على الجدري عام 1980، وقد أنقذ هذا الإنجاز ملايين الأرواح كل عام. لكن كما توضح ريموين، كان لنهاية الجدري تداعيات، فلقد فتح الباب أمام ظهور جدري القردة، ربما في جميع أنحاء العالم. وتقول: «بالطبع، سنرى فيروسات أخرى تظهر قد تملأ ذلك الفراغ أو ذلك المكان المناسب، وهذا ما نراه». فلماذا كان جدري القردة هو الفيروس لملء هذا الفراغ؟ إنه بسبب ما يعرف بـ«المناعة المتقاطعة».
ويرتبط جدري القردة ارتباطاً وثيقا بالجدري، وكلاهما في عائلة الفيروسات نفسها، وتوفر الإصابة بعدوى الجدري أو الحصول على لقاح الجدري، حماية جيدة حقاً ضد الجدري وكذلك جدري القردة، وقدّرت إحدى الدراسات حماية بنسبة 85 في المائة. بمعنى آخر، الحماية من الجدري تحمي أيضاً من جدري القردة.
وفي سبعينيات القرن الماضي، كان سكان العالم بأسره يتمتعون ببعض المناعة ضد جدري القردة، كما يقول عالم الأوبئة جو والكر من كلية ييل للصحة العامة بأميركا، وتم تطعيم معظم الناس ضد الجدري أو نجوا من العدوى.
يقول والكر في تقرير «إن بي آر» إن «الجدري مرض قديم حقاً، أصيب به معظم الناس، في مرحلة ما من حياتهم، غالباً في مرحلة الطفولة، أو تم تطعيمهم، لذلك بشكل ما، كان هناك الكثير من المناعة لدى السكان لعائلة الفيروسات هذه قبل 40 عاماً». ولكن بعد ذلك في أواخر السبعينيات، توقف العالم عن تطعيم الناس ضد الجدري، ولم يعد الناس يصابون، لذلك على مدى العقود الأربعة الماضية، انخفضت المناعة ضد الجدري - وجدري القردة - انخفاضاً حاداً.
ويوضح والكر أنه «بمرور الوقت، وُلد أطفال جدد ولم يحصلوا على اللقاح ولم يصابوا بالجدري، ومات العديد من كبار السن الذين تم تطعيمهم ضد الجدري أو أصيبوا بعدوى».
ونتيجة لذلك، يتمتع سكان العالم الآن بقدر ضئيل جداً من المناعة ضد جدري القردة. ويضيف: «نحن في الواقع في مرحلة تكون فيها مناعة السكان ضد جدري القردة هي الأدنى منذ آلاف السنين». ومن دون بعض المناعة، يكون الناس أكثر عرضة للإصابة بجدري القردة من حيوان ونقله إلى شخص آخر، لذا فإن تفشي المرض في غرب أفريقيا والذي كان من الممكن أن يكون صغيراً في التسعينيات هو أكبر بكثير اليوم، وزادت فرصة تسربه إلى قارات أخرى.
ونظراً لأن المناعة لدى السكان لن ترتفع بشكل كبير في المستقبل القريب، فمن المرجح أن تصبح هذه الفاشيات الدولية لجدري القردة أكثر شيوعاً مع مرور الوقت، كما تقول آن ريموين من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس. ويوجد الآن لقاح ضد جدري القردة، يمكن أن يساعد تطعيم الأشخاص الذين اتصلوا بالمصابين، المسؤولين الصحيين على إيقاف انتقال العدوى بسرعة. خلافاً لذلك، يشعر العلماء بالقلق من أن هذا الفيروس يمكن أن يؤسس وجوداً دائماً في أوروبا أو أميركا الشمالية، كما توضح آن ريموين.


مقالات ذات صلة

تيودور يشيد بعودة روميرو قبل مواجهة أتلتيكو

رياضة عالمية إيغور تيدور المدرب المؤقت لنادي توتنهام الإنجليزي (إ.ب.أ)

تيودور يشيد بعودة روميرو قبل مواجهة أتلتيكو

شدد إيغور تيدور، المدرب المؤقت لنادي توتنهام الإنجليزي، على الأهمية البالغة لعودة المدافع الأرجنتيني كريستيان روميرو لقيادة خط دفاع الفريق.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية الدوري الأميركي لكرة القدم (إم إل إس)

إيقاف لاعبَين مدى الحياة في الدوري الأميركي لتورطهما بالمراهنات

أُوقف لاعبان من الدوري الأميركي لكرة القدم (إم إل إس) مدى الحياة؛ بسبب تورطهما في مراهنات رياضية، بعضها على مباريات لفريقيهما.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية إيدي هاو مدرب نيوكاسل يونايتد الإنجليزي (إ.ب.أ)

إيدي هاو: نيوكاسل قادر على تكرار «سيناريو 1997» أمام برشلونة

طالب إيدي هاو مدرب نيوكاسل يونايتد الإنجليزي، لاعبيه، بضرورة اغتنام الفرصة والسير على خطى الفريق الذي هزم برشلونة في عام 1997.

«الشرق الأوسط» (نيوكاسل)
رياضة عالمية ليفربول هزم ولفرهامبتون وسيواجه مان سيتي (د.ب.أ)

«كأس إنجلترا»: قمة نارية بين سيتي وليفربول... وآرسنال يواجه ساوثهامبتون

يواجه مانشستر سيتي غريمه ليفربول في قمة نارية ضمن ربع نهائي كأس إنجلترا لكرة القدم، في حين يتوجه آرسنال الساعي إلى رباعية تاريخية لمواجهة ساوثهامبتون.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية هانزي فليك مدرب برشلونة (إ.ب.أ)

فليك: برشلونة لا يقل قوة عن نيوكاسل

أثنى هانزي فليك مدرب برشلونة على العناصر الشابة في الفريق قبل مواجهة نيوكاسل، الثلاثاء، في ذهاب دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا.

«الشرق الأوسط» (نيوكاسل)

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.