غوارديولا: مدرب نجح في تطوير كرة القدم الإنجليزية

حقبة المدير الفني في مانشستر سيتي غيرت رؤية المدربين وفلسفتهم في إنجلترا

في حافلة مفتوحة جابت مدينة مانشستر احتفل سيتي وجماهيره بحصد لقب الدوري (رويترز)
في حافلة مفتوحة جابت مدينة مانشستر احتفل سيتي وجماهيره بحصد لقب الدوري (رويترز)
TT

غوارديولا: مدرب نجح في تطوير كرة القدم الإنجليزية

في حافلة مفتوحة جابت مدينة مانشستر احتفل سيتي وجماهيره بحصد لقب الدوري (رويترز)
في حافلة مفتوحة جابت مدينة مانشستر احتفل سيتي وجماهيره بحصد لقب الدوري (رويترز)

تمكن مانشستر سيتي من العودة من حافة الهاوية بعد التأخر بهدفين أمام أستون فيلا في الجولة الأخيرة من الدوري الإنجليزي الممتاز، وبدأ طريق العودة عن طريق إلكاي غوندوغان الذي ارتقى عالياً مثل طائر الفينيق الصغير بشكل رائع، ليضع الكرة برأسه في الشباك. وفي غضون 6 دقائق فقط من ذلك الهدف الافتتاحي، أكمل مانشستر سيتي، بقيادة المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا، الريمونتادا الأكثر جمالاً وإثارة في تاريخ كرة القدم الإنجليزية. لقد كان من الرائع أن يكون الفريق قادراً على العودة بهذه الطريقة، بعدما بدا الأمر وكأن العالم بأكمله يغلق أبوابه في وجهه.
وكان من المناسب أيضاً أن يُسجل غوندوغان الذي كان أول صفقة يبرمها غوارديولا مع مانشستر سيتي، هدف الفوز باللقب، والهدف الثاني له في المباراة، وأن يساهم كل من رحيم سترلينغ وكيفين دي بروين في هذه الأهداف الحاسمة، وهما اللاعبان الموجودان في الفريق خلال الفترة الكاملة لتولي المدير الفني الإسباني القيادة الفنية للفريق. لقد كان مانشستر سيتي هو الأكثر تسجيلاً للأهداف، والأكثر تمريراً، والأكثر استحواذاً على الكرة، بالمقارنة بأي فريق آخر في الدوريات الخمس الكبرى في أوروبا هذا الموسم. وقام جواو كانسيلو ورودري وإيمريك لابورت بتمريرات أكثر من أي لاعب آخر في الدوري الإنجليزي الممتاز (كان كانسيلو الذي يتمتع بقدرة هائلة على اللعب في أكثر من مركز والقيام بأكثر من دور داخل المستطيل الأخضر، أيضاً من بين أفضل 10 لاعبين من حيث الاعتراضات والتدخلات والمراوغات، كما جاء في المركز الثاني عشر من حيث عدد التسديدات على المرمى).
لقد كان مانشستر سيتي يقدم شكلاً من أشكال كرة القدم الشاملة؛ حيث كان يتحكم في زمام الأمور تماماً. وبعد نهاية هذا الموسم المثير، فهذه لحظة جيدة تماماً لالتقاط الأنفاس. لا توجد أي مؤشرات حتى الآن على أن غوارديولا سيرحل عن الفريق عندما ينتهي عقده العام المقبل؛ لكن بعض الأشياء ستتغير الآن؛ حيث وصل عدد من اللاعبين الأساسيين في هذا الفريق إلى ذروة عطائهم الكروي، وسيرحل عدد آخر من اللاعبين خلال الصيف الجاري، كما أن التعاقد مع المهاجم النرويجي الشاب إيرلينغ هالاند يعني أنه سيكون هناك نوع مختلف من إعادة البناء في المستقبل القريب.
وعندما ننظر الآن إلى الوراء، نجد أن السنوات الست الأولى لغوارديولا مع مانشستر سيتي كان لها طابعها المميز للغاية، من حيث العمل الخططي والتكتيكي وطريقة العمل ونموذج الملكية، وبالتالي يمكن القول بأن حقبة غوارديولا في مانشستر سيتي هي الأكثر تحوّلاً في التاريخ الحديث لكرة القدم الإنجليزية. وتجب الإشارة إلى شيئين واضحين للغاية في هذا الصدد. أولاً، يجب الاعتراف بأن غوارديولا حقق نجاحاً مذهلاً؛ حيث قاد «السيتيزنز» للحصول على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز 4 مرات خلال 6 سنوات، لتكون هذه واحدة من أعظم العصور لأي فريق في تاريخ كرة القدم الإنجليزية من حيث الفوز بلقب الدوري.
ومن حيث الأرقام والإحصائيات البحتة، فإن غوارديولا يتساوى الآن مع كيني دالغليش وهربرت تشابمان، ويأتي خلف مات بيسبي بلقب واحد، وخلف بوب بيزلي بلقبين؛ لكنه مثل الجميع يأتي متأخراً كثيراً عن المدير الفني الأسطوري لمانشستر يونايتد السير أليكس فيرغسون الذي حصل على 13 لقباً للدوري خلال 27 عاماً قضاها في ملعب «أولد ترافورد». لكن غوارديولا حقق هذا الإنجاز الكبير خلال فترة زمنية قصيرة، وهو الأمر الذي يجعل هذا الإنجاز أكثر بروزاً وأهمية. إنه ينتمي الآن إلى مجموعة صغيرة –مثل شابمان وبيسبي وبيل شانكلي وأرسين فينغر- التي غيّر نجاحها أيضاً الطريقة التي تُلعب بها كرة القدم؛ بل وطريقة التدريب وطريقة فهمنا للعبة كلها.

غوارديولا وجون ستون وكأس بطولة الدوري (أ.ف.ب)

إن هذا التأثير الخططي والتكتيكي هو الجزء الأكثر وضوحاً في العمل المذهل الذي قام به غوارديولا. وخلال فترة وجوده مع مانشستر سيتي، كانت كرة القدم الإنجليزية تميل بشكل كبير نحو طريقة الاستحواذ على الكرة والتفوق التكتيكي والهوس الكاتالوني الهولندي بتمرير الكرة والاستحواذ عليها لأطول فترة ممكنة، وهو ما يجسده تماماً مانشستر سيتي الآن تحت قيادة غوارديولا. ويمكن شرح ذلك بكل بساطة من خلال الإشارة إلى أنه في الموسم السابق لوصول غوارديولا إلى ملعب الاتحاد، سجل مانشستر سيتي 71 هدفاً، ومرر الكرة 20488 مرة؛ لكن في الموسم الجاري الذي فاز فيه الفريق بلقب الدوري، فإنه سجل 99 هدفاً ومرر الكرة 26132 مرة.
ومن السهل أن نضع في الاعتبار العناصر الأخرى التي كان لها تأثير كبير على اللعبة خلال تلك الفترة، مثل تغيير مهام الأجنحة واقترابها أكثر من المرمى، والاعتماد على المهاجم الوهمي بشكل أكبر بدلاً من المهاجم الصريح، وتقدم ظهراء الجنب للأمام للقيام بمهام هجومية أكبر، والتحسن الهائل الذي طرأ على حراس المرمى فيما يتعلق بلعب الكرة بالقدم. ويجب التأكيد على أن غوارديولا كان المؤثر الأكبر في تطور كل هذه الأمور في كرة القدم الإنجليزية؛ بل وفي تغيير رؤية و«فلسفة» المدربين الإنجليز المبتدئين.
وعندما ننظر إلى الخلف الآن، نجد أنه من المضحك أنه حتى عام 2016 كان لا يزال هناك عداء لهذا المدير الفني الرائع، واتهامه بأنه لم يحقق ما يثبت أنه مدير فني كبير، على الرغم من حصوله على لقب دوري أبطال أوروبا مرتين حتى ذلك الوقت! في ذلك الوقت كانت هناك درجة من السخرية؛ لكن بعد مرور 5 سنوات ونصف، فمن اللافت للنظر أن نرى التأثير المستمر والهائل لغوارديولا على كرة القدم الإنجليزية كلها؛ بل وعلى المنتخب الإنجليزي الوطني الذي كان أبرز ما يميزه على مدار تاريخه الممتد إلى 140 عاماً هو اللعب المباشر والكرات العالية واللياقة البدنية القوية؛ لكنه الآن أصبح يلعب بطريقة مختلفة تعتمد على الاستحواذ على الكرة والصبر؛ بل ووصل الأمر لدرجة أن اللاعبين المحليين تحت 11 عاماً أصبحوا يلعبون في المتنزهات بطريقة مختلفة تعتمد على تمرير الكرة، في الوقت الذي يصرخ فيه الآباء في أبنائهم مطالبين إياهم بالضغط على المنافس والتمرير الدقيق للكرة بدلاً من تشتيتها بشكل طويل، وبالتالي أصبح هناك هوس بالتمرير القصير والاستحواذ على الكرة، ومن المؤكد أن الفضل في ذلك يعود بالطبع إلى غوارديولا.
هناك بالطبع جوانب أخرى لهذا التحول. مانشستر سيتي مملوك لدولة قومية الآن منذ 14 عاماً، ولم يكن هناك أحد مستعداً للتغييرات التي أحدثها هذا النموذج المختلف تماماً من الملكية، وهذه المجموعة المختلفة تماماً من الدوافع والحوافز. ومن نواحٍ كثيرة، كانت الثقافة والتجارة والاقتصاد في إنجلترا عبارة عن تجارة وتصدير واستيراد وتعاقد مع المواهب الشابة اللامعة والمؤثرة، وقد تم تسريع هذا الأمر بشكل كبير بسبب العولمة، فأصبحت قطر تمتلك أطول مبنى في إنجلترا، وأصبحت أبوظبي تمتلك مانشستر سيتي، وأصبح هذا المشروع بطريقته الخاصة بمثابة أعجوبة اقتصادية حديثة تفتح مساحات جديدة وأرضاً جديدة وتبني فريقاً جديداً وأسلوباً جديداً.
لكن هذه التجربة تستحق أيضاً أن يتم الحكم عليها على أنها أكثر من مجرد مجموعة من المباني وكشوف المرتبات. وبينما يحاول كثير من الفرق الأخرى أن ينفق كثيراً من الأموال بطريقتهم الخاصة لتحقيق النجاح خلال الفترة نفسها، كان مانشستر سيتي هو القوة العظمى؛ حيث أضفى على ممارسة الرياضة على مستوى النخبة مشروعاً سياسياً علنياً، مدعوماً باحتياطيات لا حدود لها، وكفاءة تنفيذية وإدارية قصوى.
ومن نواحٍ عديدة، يمكن أن يبدو النجاح الذي حققه مانشستر سيتي عادياً من الخارج: التعاقد مع أفضل المواهب، وإنفاق أكبر قدر من الأموال، والتخلص من اليأس المعتاد والمحسوبية وعدم الكفاءة؛ لكن الحقيقة أن غوارديولا يعد سبباً رئيسياً ومهماً للغاية في تحقيق هذا النجاح، وفي أن يظل هذا المشروع جميلاً ورياضياً قبل أي شيء آخر.
في الحقيقة، يعد مانشستر سيتي هو الأحق بالفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز لأسباب عديدة، من بينها بالطبع أنه أنهى الموسم متفوقاً بفارق نقطة وحيدة عن مطارده ليفربول الذي يقدم هو أيضاً مستويات أكثر من رائعة.


مقالات ذات صلة


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».


اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
TT

اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)

بين فريق بدأ الموسم بطريقة قوية، وآخر لا يزال يبحث عن نفسه بعد عودته إلى دوري الأضواء، يحل بايرن ميونيخ ضيفاً ثقيلاً على مستضيفه شالكه (السبت) في الجولة الثانية من دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم. ويخوض النادي البافاري مباراته الثانية في «البوندسليغا» بثقة كبيرة بعد البداية التي قدَّمها في حملة الدفاع عن لقبه، عندما تغلَّب على شتوتغارت (5-1) في الجولة الأولى. ولم يستغرق بايرن وقتاً طويلاً لإظهار ما يمكن أن يقدِّمه هذا الموسم. وجاء الفوز الكبير على شتوتغارت بعد الانتصار على بروسيا دورتموند في كأس السوبر، وأعقب ذلك الفوز على أوسنابروك (4-1) في كأس ألمانيا.

ويحظى النادي البافاري بميزة استثنائية، إذ إنه لم يعد يعتمد على مصدر واحد للخطورة، في ظلِّ قدرته على صناعة الفرص من الأطراف والعمق، مع دور بارز لجوشوا كيميتش في تنظيم اللعب، والفرنسي مايكل أوليسيه في الثلث الهجومي، كما بدأ الوافد المغربي الجديد إسماعيل صيباري مشواره مع الفريق بصورة لافتة بعدما صنع هدفين أمام شتوتغارت. ولا يزال الهداف الإنجليزي هاري كين يمثّل النقطة الأهم في هجوم بايرن، حتى لو لم يسجِّل في المباراة الأولى، حيث إنَّ وجوده يمنح الفريق أكثر من خيار في الثلث الأخير، سواء عندما يتحرَّك داخل منطقة الجزاء أو عندما يتراجع لتسلُّم الكرة والمشاركة في بناء الهجمة. ومع لويس دياز وأوليسيه وبقية العناصر الهجومية، سيكون لدى بايرن ما يكفي من الحلول إذا حاول شالكه إغلاق المساحات أمام المرمى.

وعلى الجانب الآخر، لم تكن بداية شالكه بالهدوء نفسه. الفريق خسر أمام أوغسبورغ بثلاثية نظيفة في الجولة الأولى، بعدما تلقَّى هزائم ثقيلة أمام أتالانتا، وريال مدريد في فترة الإعداد. وبينما أظهر شالكه قدرته على التسجيل عندما فاز (5-2) على هالهشير في كأس ألمانيا و(5-صفر) على هيسن كاسل ودياً، فإنَّ مشكلته الأساسية حتى الآن تتمثَّل في الحفاظ على التوازن عندما يواجه منافساً قادراً على الضغط المستمر. وتميل كفة المواجهات المباشرة لصالح بايرن الذي فاز في آخر 12 مباراة أمام شالكه، وسجَّل خلالها 42 هدفاً مقابل هدفين فقط سكنت شباكه.

وكانت آخر مواجهة بين الفريقين في مايو (أيار) 2023 وانتهت بفوز بايرن بنصف دستة أهداف، في حين انتهت آخر مباراة على ملعب شالكه بفوز النادي البافاري بهدفين دون رد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويدخل بايرن المباراة مع بعض الغيابات، أبرزها طارق بوخمان، وسيرج غنابري، وجمال موسيالا. أما شالكه فيغيب عنه بريان لاسمه، وأدريان غانتنباين؛ بسبب الإصابة، بالإضافة إلى رون شالنبرغ للإيقاف.

من جانبه، يبدو بروسيا دورتموند الطرف الأكثر جاهزية قبل رحلته إلى هوفنهايم (السبت)، بعدما افتتح الموسم بالفوز على هامبورغ بهدفين نظيفين، ثم أكد بدايته القوية بانتصار كبير بخماسية نظيفة على إتش إي بي سي هامبورغ في كأس ألمانيا، في مباراتين حافظ خلالهما على نظافة شباكه. وفي المقابل، يدخل هوفنهايم المواجهة بعد خسارة مثيرة (2-3) أمام كولن، رغم أنه تقدَّم مرتين وكان قريباً من الخروج بنتيجة إيجابية. وتشير البداية إلى أن هوفنهايم يملك ما يكفي من الحلول الهجومية لإزعاج دورتموند، لكنه لا يزال بحاجة إلى معالجة مشكلاته الدفاعية. بعد استقبال 3 أهداف في المباراة الأولى.

ويفتقر دورتموند إلى جهود نيكو شلوتربيك؛ بسبب إصابة في الكاحل، إلى جانب إيقاف صامويل إيناسيو وإصابة الوافد الجديد جيانيس كونستانتيلياس. ويمثّل القناص الغيني سيرهو غيراسي أحد أبرز مفاتيح دورتموند الهجومية، فيما سيبقى أندريه كراماريتش مصدر الخطورة الأهم لهوفنهايم، خصوصاً بعد تسجيله هدفي فريقه من ركلتَي جزاء أمام دورتموند في المواجهة الأخيرة بين الفريقين. ويلتقي (السبت) أيضاً باير ليفركوزن مع ضيفه يونيون برلين، رافعاً شعار «لا بديل عن الفوز»، وبعرض مقنع لمصالحة جماهيره بعد حسرة الخسارة (2-3) أمام إلفرسبرغ الصاعد لـ«البوندسليغا» للمرة الأولى في تاريخه.

ويملك ليفركوزن أيضاً سجلاً يمنحه بعض الثقة، بعدما خسر مرة واحدة فقط في آخر 11 مواجهة له أمام يونيون برلين في «البوندسليغا». لكن يونيون فاز في آخر لقاء بينهما بهدف راني خضيرة في فبراير (شباط) الماضي. واستهل يونيون برلين مشواره في «البوندسليغا» بتعادل مثير أمام آينتراخت فرانكفورت (3-3) بعدما كان متأخراً (1-3). ويتطلع لايبزيغ لمواصلة بدايته الرائعة للموسم الجديد من «البوندسليغا» حينما يحل ضيفاً على فيردر بريمن (السبت). وسجَّل لايبزيغ 9 أهداف دون أن تهتز شباكه في أول مباراتين له بالموسم، حيث تغلب على بروسيا مونشنغلادباخ بثلاثية نظيفة في «البوندسليغا» بجانب فوزه على آينتراخت ترير بـ6 أهداف دون رد في كأس ألمانيا، في الوقت الذي يحتاج فيه بريمن إلى رد فعل سريع بعد خسارته الثقيلة (1-4) أمام فرايبورغ في الجولة الأولى، عقب موسم سابق نجا فيه الفريق بصعوبة من صراع الهبوط. ويلتقي (السبت) مونشنغلادباخ مع إلفرسبرغ، وبادربورن مع فرايبورغ، على أن يلتقي (الأحد) هامبورغ مع ماينز، وآينتراخت فرانكفورت مع أوغسبورغ.


ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)

في ليلة من ليالي خريف عام 2000، رصيف ميناء بوينس آيرس كان شاهداً على خطى فتى نحيل، تملأ عينيه دهشة مشوبة بالقلق، يحمل في حقيبته الصغيرة أحلاماً تفوق بنيته الجسدية الضعيفة. لم يكن يملك ليونيل أندريس ميسي حينها سوى موهبة فطرية خارقة، ونقص في هرمونات النمو كاد يعصف بمسيرته قبل أن تبدأ.

الفتى الذي لم يتوقف عن الركض خلف حلمه

عائلته المثقلة بالأعباء الاقتصادية في روزاريو بالأرجنتين، لم تكن تبحث عن مجد كروي بقدر ما كانت تبحث عن نادٍ يتكفل بنفقات علاجه الباهظة.

عندما وقعت عينا كشافي نادي برشلونة على هذا الساحر الصغير، لم يكن لديهم متسع من الوقت لإحضار عقد رسمي، فصيغ أول التزام على منديل ورقي في مقهى كاتالوني. ذلك المنديل لم يكن مجرد ورقة، بل كان وثيقة إعادة كتابة تاريخ كرة القدم الحديثة.

ليونيل ميسي وضع بصمة تهديفية لا تُنسى بفضل التسجيل والصناعة (أ.ف.ب)

على مدار أكثر من ربع قرن، لم يكن ميسي مجرد لاعب يركض بركل الكرة، بل كان رساماً يخط برجليه اليسرى لوحات سريالية على العشب الأخضر، وموسيقياً يضبط إيقاع الملاعب العالمية، ليمسي عبر السنين الفكرة الثابتة في عالم دائم التغير، والأسطورة الحية التي روضت المستديرة حتى انصاعت له طواعية.

من أزقة روزاريو إلى أضواء لاماسيا

ولد ليونيل ميسي في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين بمدينة روزاريو الأرجنتينية، ونشأ في عائلة عاشقة لكرة القدم بدأت تلمح عبقريته منذ سن الخامسة. انضم الصغير إلى نادي نيويلز أولد بويز المحلي، لكن تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو وهو في الحادية عشرة من عمره مَثّل المنعطف الأبرز في حياته.

وفي ظل عجز الأندية الأرجنتينية عن تمويل علاجه، ظهرت أكاديمية لاماسيا التابعة لنادي برشلونة باعتبارها طوق نجاة، لينتقل الفتى إلى إسبانيا وتبدأ رحلة صقل الجوهرة النادرة التي غَيّرت موازين اللعبة عالمياً.

العصر الذهبي وتأسيس الإمبراطورية الكاتالونية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

تمثل مسيرة ميسي مع نادي برشلونة الإسباني العصر الأزهى في تاريخ النادي الكاتالوني، حيث صعد إلى الفريق الأول عام ألفين وأربعة ليتعلم بجانب الساحر البرازيلي رونالدينيو قبل أن يصبح المحرك الأساسي لمنظومة التيكي تاكا الشهيرة. وعلى مدار سبعة عشر عاماً بالقميص البلوغرانا، خاض ميسي سبعمائة وثمانية وسبعين مباراة، ومزق شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، محققاً عشرة ألقاب في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وسبعة كؤوس لملك إسبانيا، بالإضافة إلى ثلاثية تاريخية في كل من كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبية.

ليونيل ميسي وجوزيه مورينيو (رويترز)

محطات الارتحال من حديقة باريس إلى شمس ميامي

في صيف عام ألفين وواحد وعشرين، وفي مشهد درامي أبكى الملايين، غادر ميسي كامب نو مجبراً بسبب الأزمة المالية الخانقة للنادي، ليتجه إلى العاصمة الفرنسية وينضم إلى باريس سان جيرمان.

ورغم أن التجربة الباريسية لم تحمل الزخم العاطفي ذاته، فإنه أضاف إلى خزائنه لقبين في الدوري الفرنسي ولقباً في كأس السوبر الفرنسية، قبل أن يقرر خوض تجربة جديدة في الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي، ليقود الفريق سريعاً لتحقيق أول ألقابه التاريخية بالفوز بكأس الدوريات، ويحدث ثورة شعبية غير مسبوقة للعبة في الولايات المتحدة.

ليونيل ميسي (رويترز)

ملحمة الآلام والآمال والتتويج بالذهب العالمي

لطالما كانت العلاقة بين ميسي والقميص الأرجنتيني مزيجاً معقداً من الحب الجارف والانتقادات الحادة بسبب المقارنات المستمرة مع الراحل دييغو مارادونا، خاصة بعد خسارته لثلاثة نهائيات متتالية في كوبا أميركا ونهائي كأس العالم عام 2014.

لكن القصة لم تكن لتنتهي دون إنصاف تاريخي، إذ عاد البرغوث ليقود بلاده إلى حقبة ذهبية بدأت بالتتويج بكأس كوبا أميركا عام 2021 في قلب البرازيل، تلاها الفوز بكأس فيناليسيما، ثم الذروة التاريخية في مونديال قطر 2022 برفع كأس العالم المستعصية، قبل أن يختتم مشواره القاري بالحفاظ على لقب كوبا أميركا لعام 2024.

لتتواصل رحلته الدولية المذهلة حتى بصم على ظهوره الأخير والمونديالي السادس في نهائي كأس العالم الولايات المتحدة كندا والمكسيك 2026 أمام إسبانيا.

العناق بين ميسي ويامال بدا وكأنه إعلان رمزي عن انتقال الشعلة بين جيلين (رويترز)

جوائز فردية غير قابلة للكسر على عرش البالون دور

طوال هذه المسيرة، احتكر النجم الأرجنتيني المنصات الفردية محققاً أرقاماً قياسية تبدو عصية على التحطيم في المستقبل القريب. وتربع ميسي على عرش جائزة الكرة الذهبية لثماني مرات باعتباره أكثر لاعب في التاريخ تحقيقاً لهذا الإنجاز، ونال الحذاء الذهبي الأوروبي في ست مناسبات، بالإضافة إلى تتويجه بجائزة الأفضل من الاتحاد الدولي لكرة القدم ثلاث مرات، وهو اللاعب الوحيد في التاريخ الذي حصد جائزة أفضل لاعب في بطولة كأس العالم مرتين، وذلك في نسختي البرازيل وقطر.

لقطة ميسي الأيقونية وهو يرفع كأس العالم 2022 (أ.ف.ب)

الصدمة المدوية وبيان الوداع التاريخي عبر «إنستغرام»

بعد مسيرة دولية ملحمية دامت لواحد وعشرين عاماً بقميص لالبيلسيستي، صدم ليونيل ميسي الأوساط الرياضية العالمية بإعلان اعتزاله اللعب دولياً رسمياً. وجاء الوداع الأخير عبر بيان مؤثر للغاية نشره الساحر الأرجنتيني على حسابه الرسمي في منصة «إنستغرام»، مؤكداً بكلمات حزينة تقطر شجناً أن القرار كان مؤلماً ويمس روحه في الأعماق، لكنه أدرك أن الوقت قد حان ليترجل عن صهوة جواده الدولي ويفسح المجال أمام المواهب الشابة الصاعدة.

كان مورينيو قد واجه ميسي مراراً خلال فترات قيادته لريال مدريد قبل أن يوجّه إليه الرسالة التقديرية (حساب ميسي في «إنستغرام»)

وكشف ميسي في ثنايا رسالته الوداعية أنه خطّ كلمات هذا البيان يدوياً في الحادي والعشرين من يوليو (تموز)، أي بعد يومين فقط من نهائي المونديال الأخير، غير أن الرحيل المفجع لوالده «خورخي ميسي» في شهر أغسطس (آب) عزز لديه اليقين التام بالاعتزال، لينهي النجم البالغ من العمر 39 عاماً مسيرته برصيد إعجازي يبلغ 207 مباريات دولية سجل خلالها 125 هدفاً، مغادراً من الباب الكبير وبراحة بال تامة بعد أن أفرغ كل ما في جعبته لوطنه.

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ووالده خورخي (رويترز)

عندما تودع كرة القدم جزءاً من روحها الجميلة

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

لم تكن مسيرة ليونيل ميسي مجرد إحصائيات جافة تُسجل في دفاتر الاتحاد الدولي، بل كانت مدرسة في الإصرار والعبقرية التي تثبت كيف يمكن للجسد الضئيل أن يقهر العمالقة بالفطرة والذكاء. ومع إغلاق هذا الفصل الدولي الأخير وتحول ميسي إلى مشجع يناصر بلاده من المدرجات، تدرك كرة القدم أنها لن تودع مجرد لاعب عظيم، بل ستودع حقبة بأكملها وجزءاً من روحها التي جعلت الملايين يعشقون المستديرة.