قذاف الدم لـ {الشرق الأوسط}: الغرب يدق طبول الحرب للتدخل العسكري في ليبيا

أكد أن مؤتمر القبائل المزمع عقده في القاهرة الاثنين المقبل فرصة تاريخية لإنقاذ البلاد من التقسيم

أحمد قذاف الدم («الشرق الأوسط»)
أحمد قذاف الدم («الشرق الأوسط»)
TT

قذاف الدم لـ {الشرق الأوسط}: الغرب يدق طبول الحرب للتدخل العسكري في ليبيا

أحمد قذاف الدم («الشرق الأوسط»)
أحمد قذاف الدم («الشرق الأوسط»)

قبل يومين من انطلاق ملتقى القبائل الليبية المزمع عقده في القاهرة الاثنين المقبل، حذَّر أحمد قذاف الدم، ابن عم العقيد الراحل معمر القذافي، من نيات عدد من الدول الغربية التدخل في بلاده. وقال في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الغرب أصبح يدق طبول الحرب للتدخل العسكري في ليبيا، تحت مزاعم مختلفة، من بينها مواجهة الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط انطلاقا من السواحل الليبية، وغيرها من الحجج، مشددا على أن ملتقى القبائل أمامه فرصة تاريخية لإنقاذ ليبيا من أن تصبح دولة فاشلة يضطر العالم لوضعها تحت الوصاية من جديد.
ووجَّه قذاف الدم انتقادات شديدة لممثل الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، برناردينو ليون، وقال إنه كان يتعمد، على ما يبدو من دعواته لليبيين للحوار في الفترة الأخيرة، تجاهل القبائل الرئيسية والقوى الحقيقية على الأرض في البلاد.
وتطرق قذاف الدم، الذي كان مبعوثا شخصيا للقذافي وعمل لسنوات كمنسق للعلاقات المصرية - الليبية، إلى صعوبة عقد ملتقى شامل للقبائل في الداخل لأنه لا يوجد مكان آمن في ليبيا، مشيرا إلى أنه كان قد جرى تأجيل عقد الملتقى أكثر من مرة، حرصا على مشاركة الجميع، وأضاف أن لقاء القبائل المزمع بالقاهرة «فرصة لإنقاذ ليبيا ووحدتها من التقسيم».. وإلى أهم ما جاء في الحوار
* ما سبب عقد ملتقى للقبائل الليبية في مصر المقرر له يوم الاثنين المقبل؟
- لقد جرت عدة محاولات ليبية في السابق في هذا الاتجاه، لكن على أي حال يمكن القول إن هناك ثلاثة محاور يتحرك عليها الليبيون منذ التدخل الغربي والحلف الأطلسي في ليبيا في 2011.. أنت تعلم ما تسبب فيه هذا الحلف من فوضى عارمة نشهدها في البلاد طيلة السنين الأخيرة. أما بالنسبة للمحاور الثلاثة فهي المحور السياسي، والمحور العسكري، والمحور الاجتماعي. بالتأكيد هناك اختلاف كبير في المحور السياسي، وأيضا هناك اختلاف كبير أو مواجهات عسكرية تحدث دائما، في المحور العسكري، ومن الصعب الوصول فيه إلى وفاق، لكن المحور الاجتماعي يمكن التعويل عليه لأنه لا بد أن نسعى ونتحرك بكل ما هو ممكن للحفاظ على ليبيا، ولذلك تنادت القبائل في أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة من أجل مثل هذا اللقاء المزمع.
* هل المحور الاجتماعي مهم لدرجة أنه يمكن أن يحل مشكلات ليبيا؟
- أولا، الصراع لم يعد صراعا على سلطة، لكنه صراع على وطن. نحن تركيبتنا في ليبيا ليست سياسية. نحن بنية اجتماعية. حاول إخواننا في (مدينة) ترهونة وفي الغرب وفي الشرق وفي (مدينة) بني وليد، وفي ورشفانة وفي طبرق، عقد مجموعة من اللقاءات القبلية، لكن للأسف كانت كلها ذات طابع جهوي أكثر من أن تكون معبرة عن كل الليبيين. إذا تركنا الوضع هكذا، فهذا يعني أننا نعترف أيضا بانقسام الليبيين اجتماعيا شرقا وغربا وجنوبا، وهذا شيء خطير. لذلك نحن نسعى منذ فترة، وكذلك يسعى كثيرٌ من الخيِّرين الليبيين، لكي نجد مكانا آمنا نجتمع فيه، لأن ليبيا لم تعد آمنة لكي تلتقي فيها كل الأطراف بعيدا عن الضغوط العسكرية والرعب والابتزاز. على كل حال تواصلنا مع كثير من الدول، وأخيرا وافقت الشقيقة مصر على أن ينعقد المؤتمر على أرضها، وتنادت القبائل لكي تلتقي في هذا المؤتمر، على أن تفرز كل قبيلة قياداتها من أجل أن تحضر هذا الملتقى المهم.
* هل هناك أي شروط أو قيود حيال بعض القبائل التي تعتزم المشاركة؟
- ليس هناك أي شروط أو قيود أو فيتو (اعتراض) على أحد لهذا الحضور.
* بما في ذلك قبائل مصراتة؟
- كل الأطراف الليبية.. كل القبائل والمدن الليبية بما فيها مصراتة وزوَّارة وسرت وفزان وغات وطبرق. ليس هناك أي قيد على أي أحد. وأيضا لن يكون هناك أي ضغوط من أي دولة على ما سيجري في هذا المؤتمر. ليس هناك أي أجندة إلا أجندة الوطن.
* ما هي أهم أهدف هذا المؤتمر؟
- المؤتمر يستهدف التأكيد على ثوابت الوطن وحريته ووحدته، وهو أنه وطن لكل الليبيين، ومصيره يقرره الليبيون، وعدم تبعيته لأحد. والتأكيد على رفض التدخل الأجنبي. وهذه الثوابت نتفق عليها نحن وخصومنا وكل الفرقاء في ليبيا.
* لكن بعض القبائل استبقت موعد المؤتمر وتحدثت عن تحفظات بشأنه؟
- بعض الأطراف كان لديها تحفظات على انعقاده خارج ليبيا، وهذا مردود عليه بالتأكيد.. وبالتأكيد، كما قلت، اكتشفنا أنه ليس هناك مكان آمن داخل ليبيا حتى نلتقي فيه ونستطيع أن نتحدث فيه عن الخلافات والصراعات التي تشكلت في كل المناطق للأسف. هناك بعض الأطراف كانت تخشى أن تكون هناك قوائم معدة سلفا، أو أن يكون هناك فيتو على بعض الأطراف. وأنا أعود وأؤكد أنه لن يكون هناك أي قيود.. كل قبيلة تختار من يمثلها. وكل حي في المدن وكل من في القرى يقررون من يمثلهم ليحضر دون أي شروط مسبقة.
* هل هناك قبائل بعينها لديها تحفظات، وهل سيؤثر موقفها على المؤتمر، وما هي التداعيات التي يمكن أن تحدث في حال عدم حضورها؟
- لقد جرى تأجيل المؤتمر أكثر من مرة، لأن الإخوة المشرفين عليه حريصون على التواصل مع الجميع وحريصون على أن يكون الكل مشاركا، ولا أعتقد أن هناك ليبيًا يترك الوطن بينما توجد فرصة لإنقاذه وإنقاذ وحدته من هذا التقسيم القبلي الموجود. قبائل في الشرق وقبائل في الغرب. لا أعتقد أنه يوجد ليبي يتردد ولو للحظة في المشاركة في المؤتمر ويدلي بدلوه بما يشاء وبحرية كاملة ودون أي ضغوطات. هذا جانب.. الجانب الثاني نحن نسرع الخطى لأن طبول الحرب بدأت تدق من دول حلف الأطلسي للتدخل في ليبيا من جديد، وتقوم في الوقت الراهن بإصدار بيانات وتعد خططا للتدخل بحجج مختلفة، تارة لحماية مصالحها، وتارة أخرى لمواجهة الهجرة غير الشرعية، وغيرها من الأعذار الواهية أحيانا. ولذا علينا قبل أن تصدر قرارات أممية مرة أخرى ضد ليبيا، وضد شعبنا الذي عانى الكثير من مثل هذه التدخلات، أن نمتلك زمام أمرنا وأن نلتقي لنتخذ قرارات لنبرهن للعالم بأننا لسنا قاصرين ولسنا غير قادرين على إنقاذ وطننا مما يجري فيه.
* هل لديك أي مؤشرات عما قلت إنه قرع لطبول الغرب للتدخل في ليبيا سواء من حلف الناتو أو من أوروبا؟
- نحن نتابع وبحذر كل التصريحات التي تأتي من الغرب وكل الاجتماعات التي تحدث هنا وهناك. بعضها فيه تطاول بالألفاظ على السيادة الليبية، وهذا شيء مستفز لمشاعرنا كليبيين، ويدل أيضا على أن شركاءنا في الشمال، في البحر المتوسط (أوروبا)، ليسوا جادين في حل المشكلة الليبية، لأن الذي يحدث، مثل الهجرة غير الشرعية، هو نتيجة طبيعية للوضع المأساوي الذي تعيشه ليبيا. إذن حين نريد أن نعالج فلا بد أن نعالج المأساة نفسها، وليس معالجة نتائجها أو ما صدر عن هذه المأساة.. كان ينبغي على الأوروبيين، طالما اختار الليبيون برلمانا واختاروا جيشا، أن يساعدوننا على الحوار وأن يساعدونا على الوقوف معا، وعلى تسليح قواتنا المسلحة.
* تعني أنه لو تحقق هذا ستكون ليبيا قادرة على السيطرة على حدودها؟
- نعم.. هذا ممكن. لدينا عشرات الآلاف من المقاتلين الليبيين لو تسلحوا لكانوا قادرين على السيطرة على كل الشواطئ الليبية وعلى حدودنا وعلى مطاراتنا. والقوات المسلحة ستكون قادرة على إعادة السيادة الليبية كاملة على أرضها بأبنائها، دون أي تدخل خارجي، ودون أن نجد أنفسنا في موجهة مرة أخرى مع هذه الدول التي تتحجج الآن بالهجرة غير الشرعية لمعالجة هذا الوضع بطريقة ليس فيها أي حنكة أو حكمة، بل هي تقع خارج اللياقة السياسية في التعاطي الدولي بهذا الشأن مع ليبيا.
* كيف استشفيت نيات الغرب الخاصة باعتزامه التدخل في ليبيا. هل من خلال حديثك مع بعض الأطراف الدولية أو الغربية؟
- هم يعبرون عن قلقهم من الأوضاع في ليبيا، ونحن نقدر هذا القلق. هم يتحملون مسؤولية تدخلهم في ليبيا ووصول ليبيا إلى هذه المأساة. عليهم أن يتعاونوا معنا. على الأمم المتحدة أو تتواصل بشكل حقيقي مع القوى السياسية الليبية الموجودة على الأرض. لأن هم (الأمم المتحدة) يتفاوضون الآن مع بعض القوى، ويتركون الرقم الصعب في المعادلة، وهي القبائل التي واجهت تدخل حلف الناتو في ليبيا في 2011 ولمدة 8 شهور. هم يصرون على استثناء هذه القبائل من الحوار، رغم أن هؤلاء يشكلون ثلثي الشعب الليبي. هذا خطأ كبير.
* يعني غير راضٍ عن محاولات السيد ليون لجمع الفرقاء حول طاولة الحوار في هذا البلد أو ذلك في الشهور الماضية؟
- القضية تتعلق بمدى وجود جدية من قبل الأمم المتحدة وممثلها الخاص في الحل. إذا كانوا جادين فلن تحل مشكلة ليبيا ما لم تكن هذه القبائل طرفا في المفاوضات وفي الحوارات السياسية التي تجري. إذا كانوا جادين فنحن أيضا جادون، ومستعدون للحوار مع إخواننا الليبيين. نحن لا نريد الاحتكام للسلاح ولا نريد أن نعيد صياغة نظام لا يرتضيه الليبيون. نحن نقبل بما يقبل به الليبيون جميعا. نحن شركاء في هذا الوطن، ونحن الرقم الصعب فيه. واستثناء «ليون» لكل هذه القبائل وتهربه من الالتقاء بها بشكل رسمي، سوف لن يحل المعادلة الليبية.
* إذن كيف ترى حوار ليون المستمر حتى الآن مع بعض الفرقاء الليبيين؟
- ببساطة، أقول إن ما يجري حاليا في هذا الخصوص نوع من ذر الرماد في العيون، ومحاولة لتلفيق أو ترقيع واقع لا يمتلك أصلا أي شرعية إلا شرعية السلاح.. توجد عصابات يحاولون تجميعها من جديد لتحكم الشعب الليبي سنوات أخرى، وكأنهم يتناسون أن الشعب عانى منها أربع سنوات من الدمار والقتل والتهجير والنهب والسلب، وما ترتب على ذلك من الهجرة غير الشرعية للشمال أو تهريب السلاح للدول المجاورة أو تشكيل خطر لكل دول الجوار عموما.
* وهل السيد ليون سيحضر ملتقى القبائل الليبية في مصر؟
- لقد زار ليون القاهرة والتقى باللجنة الليبية المشتركة المكلفة الإعداد للملتقى وطلبوا منه ألا يتدخل في أعمال المؤتمر، وطلبوا منه أيضا ألا يحشر نفسه في هذه القضية وأنه لا علاقة لأي دولة ولا للمجتمع الدولي بهذا، ولكنه دُعي كغيره من السفراء ومن ممثلي الدول، ليكونوا شهودا، في نهاية المؤتمر، على اتفاق الليبيين، وأن يدعموا الموقف الليبي الجماعي من أجل إنقاذ ليبيا.
* إلى أي حد تنخرط مصر في أعمال هذا الملتقى؟
- الشقيقة مصر تستضيف هذا المؤتمر أو الملتقى، ولا تتدخل فيه.. نحن نريد أن نبرهن للعالم أن الليبيين قادرون على أن يلتقوا، وأن يرتفعوا من أجل الوطن وأن ينحنوا أمامه من أجل خروجه من النفق المظلم الذي يسير فيه والخلاص من حالة الاحتراب والاقتتال، وعودته إلى أبنائه، والوصول إلى توافق من أجل الخروج من هذه المأساة المدمرة التي طالت الجميع.
* ماذا تتوقع من المؤتمر؟
- المؤتمر سيستمر يومين أو ثلاثة، ومن الممكن أكثر من ذلك في حال تطلب الأمر، لكن سوف ينبثق عنه بعض اللجان للحوار والمصالحة والتواصل مع الدول، والتوافق على عودة القوات المسلحة ودعمها. ولا أريد أن أستبق الأحدث. ما يقبل به الليبيون في هذا المؤتمر نحن نقبل به. لا أحد يقرر الآن نيابة عن الناس أو عن الليبيين. وعندما يوجدون في المؤتمر يقررون ما يشاءون بحرية كاملة وبمنتهى الشفافية وبتوافق كامل وأنا أثق في أن الخيِّرين الليبيين سوف يستجيبون لهذا النداء وسيحضرون ويوجدون. أما الذين يماطلون أو يترددون في هذه اللحظة الحاسمة في تاريخ الوطن، فهؤلاء يتصرفون من دون مسؤولية أو بمصالح شخصية، وهذا سيؤدي مرة أخرى لضياع آخر لليبيا لأن العالم قد يجد نفسه مضطرا لأن يعامل الليبيين كدولة فاشلة ويضعها تحت الوصاية من جديد، وهذا أمر خطير نحذر منه، ولذلك مهما كانت تنازلاتنا نحن الليبيين بعضنا لبعض، سوف تكون أقل (ضررا) مما قد نواجهه في المستقبل من أحداث وتداعيات.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.