ملك الأردن يوافق على تقييد اتصالات الأمير حمزة وإقامته وتحركاته

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (أرشيفية)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (أرشيفية)
TT

ملك الأردن يوافق على تقييد اتصالات الأمير حمزة وإقامته وتحركاته

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (أرشيفية)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (أرشيفية)

وجه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني رسالة إلى "الأسرة الأردنية الواحدة" وافق بموجبها على توصية المجلس المشكّل بموجب قانون الأسرة المالكة التي رفعت إليه في الثالث والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول)، بتقييد اتصالات الأمير حمزة وإقامته وتحركاته.
وجاء في رسالة الملك عبد الله الثاني:
أبعث إليكم بخالص مشاعر الود والاعتزاز بكم أبناء أسرتنا الأردنية الواحدة. فأنتم منبع الأمل، وأنتم مصدر العزم. معكم وبكم نستمر في بناء وطننا الأبي، الذي سيظل أنموذجا في المحبة والتماسك والوئام والانتصار على التحديات مهما عظمُت.
أكتب إليكم آملاً بطي صفحة مظلمة في تاريخ بلدنا وأسرتنا. فكما تعلمون، عندما تم كشف تفاصيل قضية "الفتنة" العام الماضي، اخترت التعامل مع أخي الأمير حمزة في إطار عائلتنا، على أمل أن يدرك خطأه ويعود لصوابه، عضوا فاعلا في عائلتنا الهاشمية. لكن، وبعد عام ونيف استنفد خلالها كل فرص العودة إلى رشده والالتزام بسيرة أسرتنا، فخلصت إلى النتيجة المخيبة أنه لن يغير ما هو عليه. ترسخت هذه القناعة لدي بعد كل فعل وكل كلمة من أخي الصغير الذي كنت أنظر إليه دائما نظرة الأب لابنه.  وتأكدت بأنه يعيش في وهم يرى فيه نفسه وصيا على إرثنا الهاشمي، وأنه يتعرض لحملة استهداف ممنهجة من مؤسساتنا. وعكست مخاطباته المتكررة حالة إنكار الواقع التي يعيشها، ورفضه تحمل أي مسؤولية عن أفعاله. 
ما يزال أخي حمزة يتجاهل جميع الوقائع والأدلة القاطعة، ويتلاعب بالحقائق والأحداث لتعزيز روايته الزائفة. وللأسف، يؤمن أخي حقا بما يدعيه. والوهم الذي يعيشه ليس جديدا، فقد أدركت وأفراد أسرتنا الهاشمية، ومنذ سنوات عديدة، انقلابه على تعهداته وتصرفاته اللامسؤولة التي تستهدف بث القلاقل، غير آبهٍ بتبعاتها على وطننا وأسرتنا. فما يلبث أن يتعهد بالعودة عما هو عليه من ضلال، حتى يعود إلى الطريق التي انتهجها منذ سنوات؛ يقدم مصالحه على الوطن بدلاً من استلهام تاريخ أسرته وقيمها، ويعيش في ضيق هواجسه بدلا من أن يقتنع برحابة مكانته ومساحة الاحترام والمحبة والعناية التي وفرناها له، يتجاهل الحقائق، وينكر الثّوابت، ويتقمص دور الضّحية.
لقد مارست، خلال الأعوام السابقة، أقصى درجات التسامح وضبط النفس والصبر مع أخي. التمست له الأعذار على أمل أنه سينضج يوما، وأنني سأجد فيه السند والعون في أداء واجبنا لخدمة شعبنا الأبي وحماية وطننا ومصالحه. صبرت عليه كثيرا، لكن خاب الظّن مرة تلو المرة.
الأهل والعزوة،
لم تكن قضية الفتنة في نيسان من العام الماضي بداية لحالة ضلال حمزة، فقد اختار الخروج عن سيرة أسرته منذ سنين طويلة، حيث ادّعى أنه قبل قراري الدستوري بإعادة ولاية العهد إلى قاعدتها الدّستوريّة الأساس، ولكن أظهرت كلّ تصرّفاته منذ ذلك الوقت غير ذلك، حيث انتهج سلوكا سلبيا، بدا واضحا لكلّ أفراد أسرتنا، وأحاط نفسه بأشخاص دأبوا على ترويج معارضة القرار من دون تحريك ساكن لإيقافهم.
كنت آمل أن يقتنع حمزة بما أنعم الله، عز وجل، عليه من مكانة ومساحة لخدمة وطننا وشعبنا العزيزين، إلا أنه استمر في تصرفاته المسيئة لي ولتاريخ أسرته ومؤسسات الدولة التي تقدم كل أشكال الدعم والعون له ولغيره. وبالرّغم من ذلك، اخترت أن أغض النّظر عله يخرج من الحالة التي وضع نفسه فيها؛ فهو أخي في كل حين. لكنه فضل على الدوام أن يعامل الجميع من حوله بشك وجفاء، مواصلاً دوره في إثارة المتاعب لبلدنا، ومبرراً عجزه عن خدمة وطننا وتقديم الحلول الواقعية لما نواجه من تحديات، بأنه محارَب ومستهدف.
وقد سعيت إلى دعم مسيرته المهنيّة في القوات المسلحة، آملا أن يحيي فيه صبر رفاق السلاح وتضحياتهم الإرادة والعزم، ويخرجوه مما كان يغرق فيه من مشاعر سلبية. لكن الأمل خاب. فعلى مدى سنوات عمله في قواتنا المسلحة الباسلة، مدرسة الرّجولة والشّرف، كنت أتلقّى الشّكاوى من قيادات نشامى جيشنا العربيّ ومن زملائه حول الفوقيّة التي كان يتعامل فيها مع رؤسائه، ومحاولاته زرع الشّك في مهنيّة قواتنا المسلحة وحرفيّتها.
حاولت، وحاول أفراد أسرتنا، مساعدته على كسر قيد الهواجس التي كبّل نفسه بها، ليكون فردا فاعلا من أفراد أسرتنا في خدمة الأردن والأردنيين، وعرضت عليه مهمات وأدوارا عديدة لخدمة الوطن، لكنه قابل كل ذلك بسوء النوايا والتشكيك. لم يقدّم يوما إلا التذمّر والشعارات المستهلكة، ولم يأت لي يوما بحل أو اقتراح عمليّ للتّعامل مع أي من المشاكل التي تواجه وطننا العزيز، وكان الاقتراح الوحيد الذي قدمه الأمير حمزة هو توحيد الأجهزة الاستخبارية لقواتنا المسلّحة جميعها تحت إمرته، متجاهلا عدم منطقية اقتراحه، وتناقضه مع منظومة عمل قواتنا المسلّحة.
إنني أدرك التّحديات التي تواجه بلدنا والحاجة المستمرّة لمعالجة الاختلالات وسدّ الثّغرات، وأرحب بالنّقد البنّاء والحوار الهادف وأطلبهما من الجميع، ولكنني أدرك في الوقت نفسه أن هذه التحديات لا يمكن معالجتها والتصدي لها بتصرفات استعراضية تحاول توظيف ظروفنا الاقتصادية واستغلالها لبثّ اليأس والخطاب العدمي.
دعوت الله، عز وجل، أن يخرج حمزة من عزلته في كل مرّة اعتصرني الألم، وأنا أجد مكانه خاليا في مناسباتنا الوطنية والأسرية. لكنه فضل الإثارة التي تطرح الأسئلة حول غيابه علها تقوي صورة الضحية التي افتعلها على القيام بواجباته الأسرية والوطنية، فأبى حتى المشاركة في مراسم تشييع جثمان عمّنا الأكبر، المغفور له سمو الأمير محمد بن طلال، لتسجيل موقف شخصي في لحظة عائلية تستدعي التضامن والمواساة.
الأهل والعزوة،
ومنذ وأد محاولة الفتنة العام الماضي في مهدها، وفي إطار جهود التعامل مع الأمير حمزة في سياق العائلة، جلس معه عمنا سمو الأمير الحسن أطال الله في عمره، مرات عدة، ناصحا وموجها. وبذل إخوتنا وأبناء عمينا جهودا مكثفة لإعادته إلى طريق الصواب. لكننا نجده اليوم، بعد كل ما أتيح له من وقت لمراجعة الذّات والتّصالح مع النّفس، على ما كان عليه من تيه وضياع.
لم أر منه إلا التّجاهل للحقائق ولكلّ ما ارتكب من أخطاء وخطايا ألقت بظلالها على وطن بأكمله، وكان ذلك جليا في رسالته الخاصة التي أرسلها لي في الخامس عشر من شهر كانون الثاني الماضي. لم أجد في تلك الرسالة إلا التّحريف للوقائع والتأويل والتّجاهل لما لم ينسجم مع روايته للأحداث، لا بل ذهب به الخيال حد "تقويلي" ما لم أقله قط.
حرف ما دار بينه وبين رئيس هيئة الأركان المشتركة، مدّعيا زيارة رئيس هيئة الأركان لمنزله بشكل مفاجئ، في حين جاء اللقاء في الزمان والمكان اللذين حددهما هو.
وقدم سردا مشوّها عن دوره في قضية الفتنة، متجاهلا ما تكشّف للملأ من حيثيّات لعلاقته المريبة واتّصالاته مع خائن الأمانة باسم عوض الله، وحسن بن زيد، الذي كان يعلم أخي جيدا أنّه طرق أبواب سفارتين أجنبيتين مستفسرا عن إمكانية دعم بلديهما في حال ما وصفه بحدوث تغيير في الحكم.
وادّعى حمزة وقوعه وأفراد أسرته الصّغيرة ضحيّة استهداف لسنوات عديدة، في حين أنه ينعم هو وعائلته بشتّى سبل الرّاحة والرفاهية التي لطالما وفّرناها لهم في شتى مناحي حياتهم وفي قصره حتى بعد أحداث الفتنة، دون أية قيود أو محددّات على أهل بيته أو على قدرتهم على الوصول إلى أرصدته وحساباته.
خرج أخي عن تقاليد أسرتنا كلّها وعن قيمنا الأردنية، وأساء لمكانته كأمير هاشميّ حين خرق أبسط مبادئ الأخلاق وحرمة المجالس بتسجيله لوقائع لقائه مع رئيس هيئة الاركان سرًا، ليرسله فورا إلى باسم عوض الله. ومن ثم سارع لبث تسجيل مصور للإعلام الخارجي، في سلوك لا يليق بوطننا ولا بأسرتنا. ولم يفكّر للحظة بتبعات ذلك على بلدنا وشعبنا. فقد كان بإمكانه أن يلجأ للاتصال معي، أو مع من يشاء من أفراد العائلة، ليعرض ما جرى حفاظا على سمعته وسمعة عائلتنا ووطننا، لكنه اختار التّشهير بالأردن سبيلاً لكسب الشّعبية وإثارة المشاعر والاستعراض.
ولم يحدث في تاريخ أسرتنا الهاشمية، أو في تاريخ أي من الأسر المالكة في العالم، أن قام أحد أفرادها بإرسال رسائل مصورة للإعلام الخارجي، يهاجم فيها مؤسسات وطنه التي ينعم بمزاياها وخدماتها، ويطعن في نزاهتها.
وتمثّل هذه التّصرفات خرقا واضحا لمكانته كأمير هاشمي، وتجاوزا على الأعراف والتقاليد التي احترمها كل أفراد أسرتنا منذ أن حمل عبدالله الأول، رحمه الله، أمانة المسؤولية. وتخيلوا الفوضى التي ستعمّ، لو اختار كل فرد من عائلتي التعبير عن مواقفه ووجهات نظره في شؤون السياسة والدولة بشكل علني، ووجّه الانتقادات لمؤسساتنا دون احترام لدستورنا وأعرافنا.
يلبس أخي حمزة ثوب الواعظ ويستذكر قيمنا الهاشمية في الوقت الذي خرقتها أفعاله وتصرفاته. يدّعي الامتثال بسلفنا الرّاحل قولاً ويتجاوز إرثهم فعلاً. فالتّشبّه بالآباء لا يكون بتقليد ظاهرهم؛ بل بحفظ إرثهم والتّمسك بمبادئهم واتّباع أخلاقهم. بدا واضحا أن الأمير يعيش في وهم زرعه بعض من حوله بامتلاكه وحده هذا الإرث العظيم، متجاهلاً صغر سنه وتواضع تجربته، فكم تمنيت لو عاش سنوات أطول مع أبينا الحسين، رحمه الله، ليتعلم منه قيم القيادة والثوابت الراسخة التي أورثنا إياها، لكن قدّر الله وما شاء فعل.
صارحت حمزة على مرّ السنين بكل ما سبق، وقدّمت له النّصح محاولاً مساعدته على الخروج من الحالة التي وضع نفسه فيها، لكنّه لم يتغيّر، على العكس من ذلك، ظلّ على ضلاله الذي وصل قاعه العام الماضي. وكان ذلك جلياً في كل رسائله، التي شعرت أنها معدّة مسبقاً للإعلام، والتي عكست قناعته بادعاء الظلم عليه بالرغم من المحاولات التي بُذلت معه.
لقد تيقّنت، بعد كل ذلك، أن أخي الصّغير سيظل يعيش في حالة ذهنية أفقدته القدرة على تمييز الواقع من الخيال. وتيقنت وقتها أيضاً، صعوبة التعامل مع شخصٍ يرى نفسه بطلاً وضحيةً في الوقت نفسه.
"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ". 
ورغم ذلك، بذلت المزيد من الجهد لإعادته إلى صوابه، وبعثت له ردا مكتوبا على رسالته الخاصة التي كان بعثها لي، وطلبت منه أن يأتيني متصالحاً مع نفسه، معترفاً بخطئه، ملتزماً بقيمنا وإرثنا. وأكدت له أنه إذا كان يريد التّعامل مع موضوعه قانونيا كما طلب، فخيار اللّجوء إلى القوانين ذات العلاقة متاح أمامه، على أن يتحمّل ما يصدر عنها من قرارات.
وبناء على طلبه، التقيته بحضور أخوينا صاحبي السمو الأمير فيصل بن الحسين والأمير علي بن الحسين علّه يهتدي. وقدّمت له في ذلك اللّقاء خارطة طريق لإعادة بناء الثّقة، تتضمّن خطوات واقعيّة يقود التزامه بها إلى عودته، إن شاء، عضوا فاعلا في الأسرة المالكة، وأعطيته حرّية الاختيار كاملة. وتفاءلت خيرا حين اختار حمزة أن يقرّ بما فعل، وبعث لي رسالة اعتذر فيها للوطن والشعب ولي عمّا قام به.
وللأسف، ما هي إلا أسابيع حتى أثبت الأمير حمزة سوء نيته، وعاد إلى استعراضيته ولعب دور الضّحية كما عوّدنا. فهو لم يخرج من قصره مدّة شهر كامل، ولم يستخدم التسهيلات التي منحت له، بل خرج ببيان عبر وسائل التواصل الاجتماعي معلنًا فيه تخلّيه عن لقبه. فعل أخي الصغير ذلك، وهو يعرف تمامًا أن منح الألقاب واستردادها صلاحية حصرية للملك، حسب المادة 37 من الدستور وقانون الأسرة المالكة. وفي الوقت الذي أعلن الأمير حمزة قراره التّخلي عن لقبه، بعث لي برسالة خاصة يطلب فيها الاحتفاظ بمزايا لقبه المالية واللوجستية خلال الفترة المقبلة.
نقض حمزة ما تعهد به في رسالته، وأخل بما التزم به خلال لقائنا، رغم أن التزامه كان بخطوات قصيرة الأجل، هدفت لإعادة بناء الثقة. ولجأ كما اعتدنا منه على الدّوام إلى الإعلام، متعمّدا إثارة البلبلة وجذب الاستعطاف والانتباه.
وعلى المنوال نفسه، حاول حمزة فرض احتكاك على نشامى الحرس الملكي صبيحة عيد الفطر المبارك في مؤشر قاطع على أنه مستمر في سعيه افتعال القلاقل وإشعال الأزمات على غرار ما فعل مع رئيس هيئة الأركان المشتركة العام الماضي. يعرف حمزة أن ترتيبات صلاة العيد كانت مقرة وضمن الترتيبات الأمنية المعتمدة في كل تحركاته. ومع ذلك، بدأ يستفز نشامى الحرس الملكي بتصرفات تأزيمية، موظفا الخطاب الديني لكسب التعاطف وتصوير ما افتعل وما نطق من حق أراد به باطلا. وبحمد لله أدى منتسبو الحرس عملهم بمهنية عالية وباحترام، وحالوا دون حمزة ورغبته افتعال مشكلة لا تليق بمكانته ولا يستحقها رجال قواتنا المسلحة. 
"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ". 
أبناء أسرتنا الأردنية الواحدة،
بعد استنفاد محاولات التّعامل مع كل ما ورد من أخي حمزة في إطار الأسرة، وعبر النّصح والحوار الأخويّ والأسريّ، لا أرى الآن بدّا من القيام بما تمليه علي الأمانة والمسؤولية؛ فواجبي تجاه أسرتي الصغيرة كبير، لكن واجبي إزاء أسرتي الأردنية الكبيرة ومصالحها أكبر وأسمى. ولن أسمح لأيٍّ كان أن يقدم مصالحه على مصلحة الوطن، ولن أسمح حتى لأخي أن يكون سببا للمزيد من القلق في وطننا الشامخ.
لا وقت نضيعه في التعامل مع تقلبات الأمير حمزة وغاياته. فالتّحدّيات كبيرة، والصّعاب كثيرة، وعملنا كلّه منصبّ على تجاوزها، وعلى تلبية طموحات شعبنا وحقه في الحياة الكريمة المستقرة.
وعليه، فقد قرّرت الموافقة على توصية المجلس المشكّل بموجب قانون الأسرة المالكة، بتقييد اتصالات الأمير حمزة وإقامته وتحركاته، والتي رفعها المجلس لنا منذ الثالث والعشرين من شهر كانون الأول الماضي، وكنت قد ارتأيت التّريث في الموافقة عليها لمنح أخي حمزة فرصة لمراجعة الذّات والعودة إلى طريق الصّواب.
وبالنظر إلى سلوك الأمير الهدام، فإنني لن أفاجأ إذا ما خرج علينا بعد هذا كله برسائل مسيئة تطعن بالوطن والمؤسسات. لكنني وكل أبناء شعبنا لن نهدر وقتنا في الرد عليه، لقناعتي بأنه سيستمر في روايته المضللة طوال حياته. إننا لا نملك ترف الوقت للتعامل مع هذه الروايات؛ فأمامنا الكثير من الأولويات الوطنية والتحديات التي يجب أن نواجهها بشكل سريع وصارم.
وسنوفّر لحمزة كل ما يحتاجه لضمان العيش اللائق، لكنه لن يحصل على المساحة التي كان يستغلها للإساءة للوطن ومؤسساته وأسرته، ومحاولة تعريض استقرار الأردن للخطر. فالأردن أكبر منّا جميعا، ومصالح شعبنا أكبر من أي فرد منه، ولن أرضى أن يكون الوطن حبيس نزوات شخص لم يقدم شيئا لبلده. وبناء على ذلك، سيبقى حمزة في قصره التزاماً بقرار مجلس العائلة، ولضمان عدم تكرار أي من تصرفاته غير المسؤولة، والتي إن تكررت سيتم التعامل معها. 
أما أهل بيت الأمير حمزة، فلا يحملون وزر ما فعل، فهم أهل بيتي، لهم مني في المستقبل، كما في الماضي، كل الرّعاية والمحبّة والعناية.
الأهل والعزوة،
بحمد الله ورعايته، سيبقى أردننا منيعا آمنا مستقرا، قويا بوحدتكم، شعبنا الأبي، وبتماسككم وتآخيكم. فهذا هو الأردن، وطن الحكمة والتّسامح، ووطن العزم والحزم العصي على الفتنة وعلى التّحديات.
وبكم ومعكم ستستمر مسيرتنا، بثقة المؤمنين بالله، عز وجل، وسأبقى أستمد منكم العزم والأمل، ونحن نبني معا على ما أنجزه الآباء والأجداد، ونشيد المستقبل الأفضل الواعد المستقر.
حفظكم الله جميعا، وحمى وطننا الأشم، ويسّر لنا، سبحانه وتعالى، طريق الخير، إنه سميع مجيب.
 



سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الجماعة الحوثية حكراً على خصومها؛ إذ بدأت خلال السنوات الماضية أصوات من داخل بيئتها الموالية توجه انتقادات لاذعة إلى طريقة إدارتها لمناطق سيطرتها، متهمةً قياداتها بالجباية، والفساد، والاستحواذ على مؤسسات الدولة، وتغليب مصالح الجماعة وأجنحتها على مصالح المواطنين.

وفي أحدث هذه المواقف، هاجم محمد المقالح -القيادي السابق فيما كانت تُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا» التي أدارت انقلاب الجماعة- جماعة الحوثي واصفاً إياها بأنها «سلطة طاردة للحياة»، وقال إنها دفعت برؤوس الأموال والمثقفين والفنانين والسياسيين والنشطاء والإعلاميين إلى مغادرة البلاد.

وقال المقالح، في تغريدة على منصة «إكس»، إن صنعاء شهدت خلال سنوات سيطرة الحوثيين نزيفاً وهجرة جماعية لرؤوس الأموال، وشرائح واسعة من النخب، إلى جانب مغادرة قنوات، ومراسلين إعلاميين، فيما يعيش من تبقى، وفق وصفه، حالة من الانكفاء على الذات، ومعاناة يومية تعكس تدهور الأوضاع المعيشية.

مقر أمني حوثي تابع لما يُسمى جهاز «الأمن الوقائي» في صنعاء (الشرق الأوسط)

ولم يكتفِ المقالح بتوصيف التداعيات الاقتصادية، والاجتماعية، بل ربط الانقسامات داخل سلطة الحوثيين بما وصفه بقضية «الولاية»، معتبراً أنها استنزفت الجماعة، وأصبحت سبباً رئيساً في انقسامها.

وقال إن سلطة الحوثيين باتت «منقسمة على نفسها»، معتبراً أن السبب الجذري لذلك هو قضية الولاية التي قال إنها «تستهلكها، وستُهلكها حتماً».

وتحمل تصريحات المقالح دلالة سياسية لافتة، خصوصاً أنها صادرة عن شخصية عرفت المشهد الحوثي من الداخل، وسبق أن كانت جزءاً من بنيته السياسية، ما يمنح الانتقادات وزناً أكبر من تلك التي تصدر عن خصوم الجماعة التقليديين.

انشقاق من أمني

في مؤشر آخر على اتساع دائرة السخط، أعلن قبل أيام ضابط في جهاز الأمن المركزي التابع للحوثيين انشقاقه عن الجماعة، بعد أن حظي باهتمام واسع إثر ظهوره في تسجيل مصور اشتكى فيه من الجوع، وتدهور الظروف المعيشية التي يعاني منها أفراد الأمن.

واشتهر النقيب أبو مرتاح الصيادي بعد ظهوره في تسجيل مصور قال فيه إنه «جائع»، قبل أن تتحول العبارة إلى مادة للتداول الواسع، باعتبارها تعبيراً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مناطق سيطرة الحوثيين.

وفي تسجيل مصور جديد، قال الصيادي: «الحمد لله الذي أخرجني من بين الظالمين، والمجرمين. لقد نجوت بمعجزة».

مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضح أنه خدم لسنوات في قوات الأمن المركزي، وأقر بدوره السابق في دعم الحوثيين، قائلاً إنه حشد الناس لفعاليات الجماعة، وشارك في عمليات أمنية، وجمع أموالاً من المدنيين، بينهم مالكو سيارات، لدعم أنشطتها، معرباً عن أسفه لذلك.

وقال إن انخراطه في التجنيد وتعبئة الناس كان من أكبر أخطائه، وزعم أن مسؤولين حوثيين أجبروه على الاعتذار بعد انتشار مقطع «أنا جائع».

وأضاف أن انتشار التسجيل أثار قلقاً لدى قيادات الجماعة، التي أمرت قوات الأمن في صنعاء بالبقاء في حالة تأهب خشية اندلاع احتجاجات شعبية.

كما اتهم الصيادي مسؤولين ومشرفين حوثيين بالاستيلاء على منازل وممتلكات مواطنين، وانتقد أوضاع السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة، قائلاً إن بعض المحتجزين يقبعون فيها منذ أشهر بسبب خلافات بسيطة.

ويأتي ظهور الصيادي وانشقاقه في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً عسكرية متزايدة على جبهات القتال، وبالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية للأوضاع الاقتصادية، والمعيشية في مناطق سيطرتها، بما يضيف بُعداً أمنياً إلى حالة السخط التي بدأت تظهر من داخل بيئتها.

اتهامات بالظلم والتمييز

في مسار موازٍ، صعّد الأكاديمي في جامعة عمران، والموالي سابقاً لجماعة الحوثيين، عبد السلام الكبسي، انتقاداته لسلطة الجماعة، وحكومتها، متهماً إياها بتحميل أبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

وقال الكبسي، في منشور على «فيسبوك»، إن «الظلم الأعظم» يتمثل في إلقاء اللائمة على شخص مع معرفة أنه غير مسؤول عما حدث، وتحميله مسؤولية أمر «لم يعمله، أو يعلمه».

ولا تأتي هذه الانتقادات بمعزل عن مواقف سابقة للكبسي؛ إذ سبق له أن هاجم الأوضاع الاقتصادية والإدارية في مناطق سيطرة الحوثيين، وانتقد ما وصفه بـ«دولة الجبايات»، محذراً من الأعباء المالية المتزايدة التي يتحملها المواطنون في ظل انقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات، وتفاقم الأوضاع المعيشية.

يمنيون في صنعاء يتناولون وجبة «السلتة» الشعبية في أحد المطاعم (رويترز)

كما انتقد الخطاب السياسي للجماعة، ورفض اختزال اليمن في مشروعها السياسي، أو تقديمها باعتبارها الممثل الوحيد للبلاد.

وامتدت خلافاته مع سلطة الحوثيين إلى ملفات أخرى، بينها قضايا الأراضي، والممتلكات، حيث وجه انتقادات لما اعتبره استغلالاً للنفوذ، ومحاولات للاستحواذ على ممتلكات المواطنين.

أما القيادي الحوثي عبد السلام جحاف، الذي يشغل منصب عضو مجلس شورى الجماعة، فقد اتخذ انتقاده منحى أكثر مباشرة، بعد ظهوره في تسجيل مرئي تحدث فيه بنبرة غاضبة عن ممارسات قال إنه تعرض لها من داخل المنظومة الحوثية التي ينتمي إليها.

ووجه جحاف انتقادات حادة إلى قيادات نافذة في الجماعة، متهماً إياها بشن حملات تشويه وتحريض ضده، والتضييق عليه، وتهديده، في تصعيد علني ينقل الخلافات من الغرف المغلقة إلى المجال العام.

عناصر حوثيون خلال فعالية تعبوية في صنعاء دعا لها زعيمهم (رويترز)

وقال جحاف إنه لن يصمت أمام ما يتعرض له، حتى لو كلفه ذلك حياته، في موقف يعكس مستوى الاحتقان داخل الجماعة، خصوصاً أن الرجل عُرف خلال السنوات الماضية كأحد المدافعين عنها، والمهاجمين لخصومها.

ولا يُعد هذا أول خلاف لجحاف مع قيادات حوثية؛ إذ سبق أن انتقد قيادات من محافظة صعدة، معقل الجماعة، واتهمها بتهميش أبناء محافظة ريمة، والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من «الدرجة الخامسة».


الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)

بدأت وزارة النقل اليمنية إجراء تقييم شامل لأداء المطارات في المناطق المحررة، في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد الاحتياجات والمشكلات واقتراح الحلول، ضمن توجه لتحسين أدائها ورفع كفاءتها، في وقت لا يزال فيه مركز المراقبة الجوية الرئيسي تحت سيطرة الجماعة الحوثية.

وخُصص الاجتماع التقييمي الأول لقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، الذي عُقد في مدينة عدن العاصمة المؤقتة للبلاد، لمناقشة قطاع المطارات وسلامة الطيران، ومستوى الأداء والاحتياجات، وأبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل الجوي، وفي مقدمتها المطارات ومركز المراقبة الجوية.

ووفق المصادر الحكومية، وجَّه وزير النقل محسن العمري قيادة قطاعي المطارات وسلامة الطيران في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، ومديري المطارات في المناطق المحررة، برفع تقارير شاملة وشفافة تتضمن تقييماً دقيقاً لأوضاع المطارات في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد أبرز الإشكالات والاحتياجات والمقترحات والحلول، إلى جانب وضع آلية واضحة للتعامل مع الجهات المنتدبة والعاملة داخل المطارات.

مطار عدن الدولي أحد أبرز المطارات الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

كما وجَّه الوزير برفع مستوى التنسيق وإخضاع جميع الجهات العاملة داخل المطارات للإشراف المباشر من إداراتها، وفقاً للقانون والنظام، مع رفع أي مخالفات إلى قيادة الوزارة لاتخاذ الإجراءات المناسبة حيالها.

تطوير ورفع كفاءة الكوادر

تأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتقييم مختلف قطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، لا سيما قطاع المطارات، والوقوف على مستوى أدائها واحتياجاتها، بما يعزز كفاءة منظومة النقل الجوي ويرفع مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين.

ونبَّه الوزير العمري إلى أن وزارته تقف أمام مسؤولية وطنية كبيرة في تنظيم قطاعات النقل الجوي والبري والبحري، مشدداً على ضرورة الالتزام بالقوانين واللوائح والنظم النافذة، ومعالجة الاختلالات الإدارية والفنية، وترسيخ الثقافة القانونية في مختلف مرافق الوزارة والهيئات التابعة لها.

مساعٍ يمنية لرفع كفاءة المطارات وتحسين جودة الخدمات للمسافرين (إعلام حكومي)

وطالب الوزير اليمني القائمين على قطاع الطيران المدني بالارتقاء بمستوى المطارات، وتوفير الحد الأدنى من الأجهزة والمعدات الملاحية والفنية اللازمة، والعمل على تطوير البنية التحتية للمطارات بما يتوافق مع معايير منظمة الطيران المدني الدولي والأنظمة والمعايير الدولية.

كما وجَّه بوضع خطة متكاملة للتدريب والتأهيل للعام الحالي، وإدراج الاحتياجات ضمن الموازنة العامة، لضمان رفع كفاءة الكوادر العاملة في قطاعات الهيئة والمطارات.

واطلع المشاركون في الاجتماع على حصيلة النقاشات التي أُجريت مع القيادة السياسية بشأن عدد من القضايا المتعلقة بقطاعات النقل، أبرزها مكافحة التهريب، وتنظيم عمل الجهات المنتدبة، وضمان تطبيق القوانين واللوائح والنظم المنظمة للعمل في المنافذ والمرافق التابعة لوزارة النقل.

وأكد الوزير مجدداً ضرورة الالتزام بالاختصاصات والصلاحيات المحددة بموجب قانون الطيران المدني واللوائح ذات الصلة، والعمل وفق الأطر القانونية والمؤسسية.

إعادة ضبط الإيرادات

بشأن إيرادات الهيئة العامة للطيران المدني، نبَّه الوزير العمري إلى أنها إيرادات عامة للدولة ينبغي الحفاظ عليها وعدم استنزافها أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية.

وقال إن مسؤولية تطوير وتحسين أداء المطارات والقطاعات التابعة للهيئة مسؤولية مشتركة، وتتطلب العمل ضمن فريق واحد والتنسيق المستمر، وتجاوز الممارسات والاختلالات التي نشأت خلال سنوات الحرب، وتصحيحها بما يتوافق مع القوانين والأنظمة النافذة.

كما ناقش المجتمعون القضايا المتعلقة بقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني واحتياجاتها الفنية والتدريبية والتجهيزية، إضافة إلى أنشطة بعض القطاعات التابعة للهيئة، ومنها مركز المراقبة الجوية، ومستوى تنفيذ التوجيهات الصادرة من وزارة النقل، بما يخدم تنظيم العمل وتحسين الأداء والوصول إلى أفضل مستوى من الكفاءة والانضباط.

ويعاني قطاع الطيران المدني في اليمن من تداعيات الحرب والانقسام المؤسسي الذي طال مختلف قطاعات الدولة؛ ما أدى إلى تعقيدات في إدارة حركة الطيران والمجال الجوي.

وتدير الحكومة المعترف بها دولياً المطارات الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفي مقدمها مطار عدن الدولي، ومطارا الريان وسيئون في محافظة حضرموت، ومطار المخا الدولي على ساحل البحر الأحمر، ومطار سقطرى الدولي، ومطار المهرة، في حين يدير الحوثيون مطار صنعاء، ويتحكمون بمركز المراقبة الجوية الرئيسي.

وتأتي مراجعة وزارة النقل لأداء المطارات ووضعها في وقت تسعى فيه الحكومة إلى إعادة تنظيم مؤسسات النقل والمنافذ، وتعزيز الرقابة على الموارد والإجراءات التشغيلية، مع التركيز على رفع جاهزية المطارات وتحسين مستوى السلامة والخدمات ومكافحة التهريب.


انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
TT

انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)

في بلد أنهكته أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، لم يعد تراجع التمويل الخارجي للقطاع الصحي مجرد أزمة مالية تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بل بات تهديداً مباشراً لاستمرار خدمات يعتمد عليها ملايين السكان، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الصحية وتتقلص الموارد بسبب استمرار الحوثيين في منع تصدير النفط والغاز.

وحذّر وزير الصحة اليمني، قاسم بحيبح، من التداعيات المتفاقمة للانحسار الحاد في الدعم الخارجي، داعياً إلى خطة انتقالية تقلل الاعتماد على المساعدات الدولية وتحمي الخدمات الصحية الأساسية من صدمة التمويل.

وقال بحيبح، خلال اجتماع موسع في العاصمة المؤقتة عدن، إن القطاع الصحي يمر بمرحلة «دقيقة»، وإن انخفاض التمويل الخارجي يفرض إعادة النظر في طريقة إدارة الموارد وتحديد الأولويات، والعمل على بناء نموذج أكثر قدرة على الاستمرار.

ويأتي تحذير الوزير في وقت تناقش فيه السلطات الصحية مشروعاً جديداً يموله البنك الدولي في مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، في محاولة لتعزيز الخدمات في المناطق المستهدفة والحفاظ على قدرة المرافق الصحية على العمل.

لكنه شدد على أن استمرار الدعم الدولي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء قدرة محلية على تمويل الخدمات الصحية.

فجوة التمويل

تعني أي فجوة جديدة في تمويل القطاع الصحي، واقعياً، مزيداً من الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية والكوادر الطبية، وقد تعني بالنسبة لكثير من الأسر اليمنية رحلة أطول بحثاً عن العلاج، أو دفع تكاليف لا تستطيع تحملها، أو ببساطة تأجيل العلاج حتى تتفاقم الحالة.

وقال بحيبح إن المطلوب هو التعامل مع حجم التحدي «كما هو»، والعمل وفق الموارد المتاحة، من دون أن يعني ذلك الاستسلام للظروف أو التراجع عن مسؤولية الدولة تجاه المواطنين.

وزارة الصحة اليمنية تبحث الحد من الاعتماد على التمويل الخارجي (إعلام حكومي)

ورأى أن الانخفاض الكبير في التمويل الخارجي يفرض على الوزارة والسلطات الصحية إعادة ترتيب الأولويات ووضع خطة لـ«الخروج السلس» من الاعتماد الكبير على التمويل الدولي، بما يمنع حدوث صدمة مفاجئة في الخدمات.

ويدق هذا التوجه ناقوس الخطر من تقليص الخدمات الصحية، في بلد لا تزال 40 في المائة من منشآته الصحية خارج الخدمة بسبب الحرب التي أشعلها الحوثيون، مع تدهور كبير في الوضع الاقتصادي واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية.

الاعتماد على الذات

الاجتماع، وفق المصادر الرسمية، ناقش مكونات مشروع البنك الدولي الجديد وأولوياته، إلى جانب مراجعة تجربة المشروع السابق الممول من البنك ضمن مشروع رأس المال البشري، وما قدمه من دعم وتدخلات للقطاع الصحي.

ويهدف المشروع الجديد إلى دعم مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، وتعزيز قدرة المرافق الصحية المستهدفة على مواصلة تقديم خدماتها.

تراجع الدعم الدولي يضع القطاع الصحي اليمني أمام ضغوط متزايدة (إعلام حكومي)

غير أن حجم التحدي يتجاوز مشروعاً واحداً، إذ تسعى السلطات الصحية إلى التعامل مع مشكلة أكثر عمقاً تتمثل في كيفية الحفاظ على الخدمات عندما تتراجع المساعدات الخارجية التي ساعدت طوال سنوات الحرب في سد جزء من الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المحلية.

وقال بحيبح إن المرحلة المقبلة تتطلب حماية الخدمات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وتوجيه الموارد المحدودة إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من تشتيتها على تدخلات لا تملك الجهات الصحية القدرة على تمويلها بصورة مستدامة.

ودعا الوزير اليمني إلى تعزيز كفاءة الإنفاق والحوكمة والإدارة، وتطوير الشراكات، وتشجيع المبادرات المحلية والمجتمعية، مع الحفاظ على الشراكات القائمة مع المنظمات والمانحين وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية.

وقال إن «الاعتماد على الذات أصبح ضرورة وليس خياراً»، داعياً مسؤولي الصحة إلى عدم انتظار الحلول من الخارج والعمل على إيجاد بدائل محلية قابلة للتنفيذ.

الدعم الدولي أوصل الخدمات الصحية إلى مناطق نائية في اليمن (إعلام حكومي)

كما طرح تعزيز المساهمة المجتمعية كأحد البدائل الممكنة، لكنه شدد على أن مشاركة المجتمع يجب ألا تتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة، وإنما إلى رافد منظم وشفاف للخدمات الصحية.

وخلص اجتماع وزارة الصحة إلى وضع توجهات لتعزيز تنفيذ مشروع البنك الدولي ورفع جاهزية المرافق الصحية، بالتوازي مع البحث عن حلول طويلة الأمد لأزمة التمويل.

لكن التحدي الأكبر، وفق توجهات الوزارة، لم يعد فقط كيف يحصل القطاع الصحي على تمويل جديد، بل كيف يمنع انهيار الخدمات عندما ينحسر التمويل الخارجي؛ وهي معادلة سيكون المواطن اليمني، في نهاية المطاف، أول من يدفع ثمنها.