«حوار الثلاثية» السوداني يبدأ غداً بمقاطعة أحزاب

«تحالف الحرية والتغيير» يطالب بتنحي العسكريين عن الحكم

«حوار الثلاثية» السوداني يبدأ غداً بمقاطعة أحزاب
TT

«حوار الثلاثية» السوداني يبدأ غداً بمقاطعة أحزاب

«حوار الثلاثية» السوداني يبدأ غداً بمقاطعة أحزاب

تباعدت مواقف القوى السياسية من الجولة الثانية لملتقى الحوار السوداني الذي «تيسره» الآلية الأممية الثلاثية بين المدنيين والعسكريين، في وقت أعلنت فيه أحزاب رئيسية رفضها الجلوس والتفاوض مع العسكريين، فيما أكد «حزب الأمة القومي» منفرداً استعداده للمشاركة في الجولة، لكنه رهن مشاركته بتهيئة أجواء التفاوض عبر وقف الانتهاكات التي تهدد بفشل الجولة قبل بدايتها المنتظرة غداً (الثلاثاء)، في الوقت الذي نفت فيه أحزاب أخرى عدم تسلمها دعوات المشاركة.
وأعلن تحالف «الحرية والتغيير» الذي حكم البلاد قبل تولي الجيش السلطة في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأيضاً الحزب الشيوعي، رفضهما أي حوار مع العسكريين لا يتناول تنحيهم عن السلطة والعودة لثكناتهم واستعادة السلطة المدنية كاملة، فيما أعلن حزب «الأمة القومي»، وهو ضلع رئيسي في تحالف «الحرية والتغيير» مشاركته في الحوار والتمسك بما سماه «الحل السلمي» معلناً دعمه الآلية الأممية الثلاثية، المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و«الهيئة الحكومية للتنمية في أفريقيا» المعروفة اختصاراً بـ«إيقاد».
وقال رئيس «البعثة الأممية لدى السودان (يونيتامس)»، فولكر بيرتس، في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، أن بعثته تلقت ردود فعل إيجابية من الأطراف السياسية وقادة الجيش ولجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني والمتصوفة، تمثلت في رغبتها في الجلوس حول طاولة حوار واحدة، وأن آخرين يرفضون ويبدون عدم الاستعداد للحوار حالياً.
وكشف فولكر عن مشاورات تجرى لإشراك كل من «حزب المؤتمر الشعبي» و«حركة الإصلاح الآن»، اللذين يصنفهم «الحرية والتغيير» امتداداً لنظام الرئيس المعزول عمر البشير، بوصفهما منشقين عن حزب البشير المحظور «المؤتمر الوطني»، في ملتقى الحوار.
الترتيبات الدستورية
وينتظر أن تبحث الجولة من الحوار «الترتيبات الدستورية» التي تنظم العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وبناء مؤسسات الانتقال، وتشكيل مجلس سيادة، واختيار رئيس وزراء وحكومة، وتكوين مجلس تشريعي، وتحديد برنامج الحكم الانتقالي للوصول إلى انتخابات حرة نزيهة. وفي وقت سابق من أبريل الماضي، أعلن رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، أنه يعمل على تهيئة أجواء الحوار بمراجعة حالة الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين، بيد أنه اكتفى بإطلاق سراح بعض القادة السياسيين دون قيادات «لجان المقاومة الشعبية» التي تقود حراك الشارع، وعدد من النشطاء. كما واصلت قوات الأمن استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين؛ ما تسبب في مقتل 96 من المحتجين السلميين منذ تولي الجيش السلطة. وقال البرهان إنه يرحب بجميع المبادرات التي تخدم القضايا الوطنية، وإن هناك شبه اجماع بعدم إقصاء أي طرف في العملية السياسية، وهو الأمر الذي تعدّه أحزاب المعارضة محاولة منه لإشراك تنظيمات «الإخوان المسلمين» في العملية السياسية.
من جهته، قال «حزب الأمة القومي» في بيان عقب اجتماع مكتبه السياسي، أمس، إنه يرحب مبدئياً بأي مسعى جاد للحوار السلمي، معلناً دعمه الآلية الثلاثية والملتقى التحضيري المزمع استهلاله الاثنين. وأضاف في البيان: «أجاز الحزب بالإجماع رؤيته التفصيلية بشأن مكان وزمان وأجندة وحضور الملتقى، وسوف يسعى بكل قوة للتوصل لموقف موحد لقوى الثورة، بدءاً بـ(تحالف الحرية والتغيير)». ورهن الحزب الحل السلمي بتهيئة أجواء التفاوض ووقف الانتهاكات، وتتمثل في إنهاء حالة الطوارئ في البلاد، وإطلاق سراح المعتقلين، بالقول: «لا تزال تحت نير حالة الطوارئ، والمعتقلات مكتظة بأعضاء لجان المقاومة وناشطي الشباب»، مضيفاً : «حتى الأمس تمارس قوات النظام القتل العمد للمتظاهرين، بصورة بشعة، دهساً للثوار أمام أعين العالم».
ضرورة تهيئة المناخ
وقال رئيس «حزب المؤتمر السوداني» عمر الدقير لـ«الشرق الأوسط»، إن حزبه يقاطع جولة التفاوض الحالية، بوصفها «تتماهي» مع «وجهة نظر المكون العسكري، في وقت تنخرط فيه السلطة الانقلابية في الممارسات الاستبدادية، المتمثلة في قتل المتظاهرين السلميين والاعتقالات وحالة الطوارئ»، وذلك رغم إعلانه في وقت سابق دعمه جهوط الآلية الثلاثية لحل الأزمة الراهنة في البلاد، والتي شارك في مرحلة المشاورات منها بهدف «إنهاء الوضع الانقلابي» والتوافق على «ترتيبات دستورية» تنشأ بموجبها سلطة مدنية.
وأرجع رئيس «المؤتمر السوداني» مقاطعة حزبه الجولة، إلى أنها بالصيغة المعلنة «تصور الأزمة الحالية على أنها نتيجة خلاف بين المدنيين»، مرجعاً أسبابها الحقيقة إلى «الانقلاب العسكري» الذي يصور الأزمة على أنها صراع بين المدنيين، بينما «الصراع السياسي الحالي هو بين الانقلابيين من عسكريين ومدنيين من جهة؛ وبين أنصار التحول المدني الديمقراطي من الجهة الأخرى». وعدّ الدقير الاجتماع التحضيري بصيغته المطروحة «مدخلاً خاطئاً للعملية السياسية»، قائلاً: «لن يفضي لإنهاء الانقلاب؛ بل ستكون النتيجة هي شرعنته والبناء عليه». وأضاف: «نصر على إنهاء الانقلاب وكل ما ترتب عليه.. ونؤكد أنه لا يوجد مخرج من الأزمة الحالية إلا بإنهاء الوضع الانقلابي الحالي».
تحديد أطراف الحوار
وقال المتحدث باسم «حزب البعث العربي الاشتراكي»، عادل خلف الله، لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن حزبه لن يشارك الجولة الثانية امتداداً لموقفه الرافض للمشاركة في الأولى، وإن موقفه يقوم على عدم تحديد «رعاة» المبادرة وأطراف الحوار، مضيفاً: «لا قيمة للجهود الأممية والإقليمية ما لم تتسق مع إرادة الشعب السوداني في إسقاط الانقلاب». وأوضح خلف الله أن رفضه الجولة الأولى التي أطلق عليها «حوار سوداني مدني - مدني»، جاء لرفض «الحوار غير محدد الأطراف، والذي يفتح الطريق أمام حشد فلول النظام السابق بمسمياتهم المختلفة، لذلك من الطبيعي أن نرفض المشاركة في جولة ثانية؛ طرفها العسكري». وتابع: «نعمل على تطوير الانتفاضة المستمرة منذ أكثر من 3 سنوات، للوصول للإضراب السياسي والعصيان المدني لإقامة سلطة مدنية ديمقراطية كاملة، تنهي الدور السياسي الذي تقوم به حفنة من العسكريين باسم المؤسسة العسكرية».
وأعلن «الحزب الشيوعي»، على لسان عضو لجنته المركزية صديق يوسف، أنه التقى رئيس بعثة «يونتامس» وأبلغه عدم مشاركته في أي تفاوض مع العسكريين، وأنهم يرفضون الوصول لأي اتفاق مع العسكر، مضيفاً: «نحن أبلغناه رفضنا شفاهة، وقلنا له: لو جاءتنا دعوة مكتوبة فسنرد عليكم بالموقف ذاته، وإلى الآن لم تقدم أية دعوة للمشاركة في الاجتماع»، قائلاً: «موقفنا: لن نشارك في هذا الاجتماع».



العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
TT

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)

وسط تأكيد سعودي على الاستمرار في دعم اليمن لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الاثنين، على ضرورة احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات ومنع أي تشكيلات عسكرية خارج سلطة الدولة.

وجاءت تصريحات العليمي خلال استقباله في الرياض قائد «القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية» في اليمن، الفريق الركن فهد بن حمد السلمان، حيث يأتي اللقاء ضمن جهود التنسيق المستمر بين اليمن و«التحالف» لتعزيز قدرات القوات المسلحة اليمنية في مواجهة التهديدات الأمنية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وضمان الأمن في المناطق المحررة.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن العليمي تأكيده على أن احتكار الدولة السلاح «خطوة حاسمة لتعزيز سيادة المؤسسات الحكومية وتحقيق الاستقرار في المحافظات المحررة، ومنع أي تشكيلات عسكرية أو أمنية خارج نطاق الدولة».

كما أشاد بالدعم السعودي المستمر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، إلى جانب الدعم المباشر من الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، في مواجهة الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

اجتماع للقيادات العسكرية اليمنية في عدن لمناقشة إخراج معسكرات القوات خارج المدينة (سبأ)

وأشار العليمي إلى النجاحات النوعية التي حققتها «القوات المشتركة» خلال عملية تسلم المواقع العسكرية، وما رافقها من تقدم ملموس في تأمين العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

كما أعرب عن تقديره الجهود الإنسانية والمشروعات التنموية السعودية المصاحبة، بما في ذلك تمويل رواتب الموظفين؛ مما أسهم في دعم الاستقرار المحلي وتعزيز التنمية الاقتصادية.

استمرار الدعم

وجدد الفريق السلمان، قائد «القوات المشتركة»، التأكيد على استمرار دعم السعودية اليمن في المجالات العسكرية والأمنية والتنموية، مشدداً على التزام «التحالف» مساندة القيادة اليمنية في تحقيق تطلعات الشعب اليمني نحو الأمن والسلام والتنمية المستدامة؛ وفق ما نقله الإعلام الرسمي اليمني.

كما قدم الفريق السلمان تهانيه للعليمي بالمكاسب الأخيرة والقرارات التي من شأنها تعزيز الاستقرار ودعم المواطنين في المناطق المحررة.

يأتي هذا اللقاء في وقت تتواصل فيه جهود استعادة الدولة اليمنية وإعادة هيكلة القوات المسلحة لضمان سيادة الدولة ووقف انتشار التشكيلات المسلحة خارج نطاقها، في خطوة محورية نحو تعزيز الأمن الوطني وتحقيق السلام الدائم.


الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
TT

الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)

اتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، دولة الإمارات العربية المتحدة باستغلال مشاركتها ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن لتحقيق أجنداتها الخاصة، مؤكداً أن ممارساتها في المحافظة شكلت صدمة للسلطات المحلية ولأبناء حضرموت.

وقال الخنبشي، خلال مؤتمر صحافي عقده في مدينة المكلا، الاثنين، إن السلطات المحلية كانت تعوّل على أن تكون الإمارات «سنداً وعوناً» لليمنيين في إطار التحالف، إلا أن تصرفاتها على الأرض جاءت «مخالفة للتوقعات»، مشيراً إلى أن حضرموت عانت من هيمنة مجموعات مسلحة تابعة لعيدروس الزبيدي، وبدعم مباشر من أبوظبي.

وأوضح الخنبشي أن المحافظة تحررت من تسلط عيدروس الزبيدي والهيمنة الإماراتية»، متهماً المجموعات المسلحة التابعة له بنهب مقرات الدولة، وترويع الأهالي، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالأمن والاستقرار في حضرموت خلال المرحلة الماضية.

وأكد الخنبشي أن السلطات ستتخذ «الإجراءات القانونية كافة» تجاه الإمارات والمجموعات المسلحة التابعة للزبيدي، مشدداً على أن العدالة ستُطبَّق، وأن القانون «سيأخذ مجراه دون استثناء»، مع التعهد بدعم ضحايا الانتهاكات ومحاسبة جميع المتورطين.

وكشف عضو مجلس القيادة الرئاسي عن اكتشاف «عدد كبير من السجون السرية» قال إنها كانت تدار بدعم إماراتي داخل حضرموت، إضافةً إلى العثور على متفجرات جرى تخزينها في معسكر مطار الريان، وُصفت بأنها كانت معدة لاستهداف أبناء المحافظة وتنفيذ عمليات اغتيال.

وأشار الخنبشي إلى أن حضرموت طوت «صفحة مريرة وخطيرة» من تاريخها، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن هذا الدعم أسهم في استعادة الاستقرار، وتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء مرحلة من الفوضى والانتهاكات.

يأتي المؤتمر الصحافي للخنبشي في ظل جهود حثيثة لإعادة تطبيع الأوضاع الأمنية في حضرموت، وسط مطالب محلية متزايدة بتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء أي وجود مسلح خارج الأطر الرسمية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الماضية.


دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
TT

دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)

في خطوة تؤكد استعادة ملف الجنوب اليمني بوصفه قضية مركزية في مسار السلام في اليمن، احتضنت الرياض «اللقاء التشاوري الجنوبي» تمهيداً لمؤتمر حوار جنوبي شامل، حيث جمع اللقاء قيادات ومكونات جنوبية، بمن فيهم المطالبون باستعادة الدولة التي كانت قائمة في الجنوب والشرق اليمني قبل الوحدة الاندماجية مع الشمال في 1990.

ويأتي اللقاء التشاوري، الذي حضره نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي وقرأ بيانه الختامي، في إطار مسار سياسي تسعى السعودية لرعايته، بعيداً عن الاستقطابات الداخلية، والتدخلات الخارجية المثيرة للجدل، سعياً لحلول «عادلة، وآمنة، ومستدامة» وفق البيان الختامي للقاء.

وتظهر السعودية، من خلال رعايتها لهذا اللقاء، تحولاً في أدائها الإقليمي من طرف داعم عسكرياً يقود التحالف الداعم للشرعية إلى راعٍ سياسي رئيس للحل الشامل. وقد عبّر البيان عن هذا الدور بوضوح، مشيراً إلى أن المملكة «لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار» جنوبي، شرط أن يكون نتاج حوار جنوبي-جنوبي شامل، وغير مُحتكر.

جانب من الحضور في المؤتمر التشاوري الجنوبي المنعقد في الرياض (أ.ب)

وإضافة إلى الطبيعة المباشرة والشاملة للرعاية السعودية، تجاوز ذلك الدعم السياسي إلى معالجات اقتصادية عاجلة، ومنها تخصيص 1.9 مليار ريال سعودي لدعم الاقتصاد، وضمان صرف مرتبات الموظفين والعسكريين.

ويؤكد مراقبون أن هذه الخطوات تُعطي الرعاية السعودية مصداقية عملية، وتُقيم ارتباطاً مباشراً بين الاستقرار المعيشي ونجاح المسار السياسي.

رفض التدخل الفوضوي

في المقابل، حمل البيان الختامي للقاء التشاور الجنوبي، والمواقف المصاحبة له نقداً لاذعاً، وإن كان غير مباشر، للدور الإماراتي، الذي يتهمه مراقبون بتعزيز الانقسامات الجنوبية عبر دعم أطراف محددة، هي التي كانت مستفيدة من كل ما حولها بقيادة عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل الذي هرب إلى أبوظبي بعد رفضه الانخراط في الحوار الذي ترعاه الرياض.

ويشير التحليل الضمني إلى أن الرياض تُقدم نفسها بوصف أنها نموذج مضاد للتدخلات الإماراتية «الفوضوية»، عبر التركيز على الحوار الجامع للجنوبيين، ودعم مؤسسات الدولة ضمن مسار يقود لاحقاً إلى ترتيب كامل الجغرافيا اليمنية، وصولاً إلى سلام شامل في الشمال والجنوب على حد سواء.

وفيما يتطلع فريق من القيادات الجنوبية إلى الانفصال عن الشمال، واستعادة الدولة التي كانت قائمة قبل الوحدة الاندماجية، يتطلع فرقاء آخرون إلى صيغ أخرى، حيث يفضلون البقاء ضمن يمن اتحادي يحظى بأقاليم تحكم نفسها ذاتياً، فيما يتطلع فرقاء آخرون إلى حلول أخرى يرون أنها ستكون أكثر إنصافاً وبعداً عن الهيمنة، والتبعية المركزية المجحفة.

اللقاء التشاوري الجنوبي أكد على رفض استغلال المظاهرات لإحداث الفوضى (أ.ف.ب)

كل هذه الرؤى والتطلعات –بحسب المراقبين- تضع السعودية في موقع الوسيط الحريص على توحيد الجنوبيين، فيما قد يُنظر إلى أبوظبي على أنها طرف يغذي التفتيت، ويهدف إلى زعزعة الاستقرار، وتنفيذ أجندات مشبوهة.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي طلب من الإمارات مغادرة اليمن عسكرياً، ووقف التدخل في شؤونه الداخلية بعد أن قامت بدعم ورعاية التحركات الأحادية التي قادها الزبيدي عسكرياً لإخضاع حضرموت والمهرة بالقوة.

تحديات داخلية

ويكشف اللقاء الجنوبي التشاوري والبيان الختامي عن إدراك عميق للتحديات الداخلية التي أنهكت القضية الجنوبية، فقد شدد المشاركون على رفض «احتكار التمثيل»، أو «اختزال القضية» في مكون أو شخص، في إشارة واضحة إلى ممارسات سابقة لبعض القيادات، يتصدرهم عيدروس الزبيدي.

كما ميّز البيان بوضوح بين «عدالة القضية» بوصف أنها مطلب سياسي وحقوقي مشروع، وبين «الممارسات الفردية» لبعض القيادات التي ألحقت ضرراً بالقضية عبر «توظيفها في صراعات إقليمية»، أو «قضايا فساد وسوء إدارة». وسط الكشف عن قضايا فساد كبيرة مرتبطة بالزبيدي، والمقربين منه.

ويبدو أن هذا النقد الذاتي، لا سيما في أوساط من كانوا منتمين للمجلس الانتقالي الجنوبي قبل حلّه بقيادة الزبيدي، يعد تطوراً ملحوظاً، حيث يُظهر رغبة في تصحيح المسار، واستعادة المصداقية المفقودة أمام الشارع الجنوبي، والمجتمع الدولي.

اللقاء التشاوري الجنوبي انعقد بحضور عبد الرحمن المحرّمي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني (رويترز)

كما أن الدعوة الموجهة لجماهير الجنوب لدعم المسار الراهن «بوعي، ومسؤولية» تأتي في سياق محاولة استعادة الشرعية الشعبية للعملية السياسية، بعيداً عن توظيف الاحتجاجات الشعبية في عدن لأغراض ضيقة، كما يريد لها المراهنون على الفوضى التي تريد الإمارات تغذيتها عبر أدواتها، والرافضون لمنطق الحوار.

كل ذلك يشير إلى أن «القضية الجنوبية» باتت الآن في طريقها للبحث عن هيكلة جديدة، يكون الحوار والتمثيل الجامع أساسها، بدلاً من الزعامات الفردية، والخضوع للرغبات الأحادية المعتمدة على قوة السلاح.

فرصة تاريخية

ويصف البيان الختامي للقاء التشاوري مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل المرتقب انعقاده بأنه «فرصة تاريخية نادرة»، وهي فرصة تكمن في توفر رعاية سعودية تدفع للحوار من ناحية، ومن ناحية ثانية في وجود إجماع جنوبي مبدئي على الاحتكام لطاولة المفاوضات باعتبار أنه مسار وحيد، وآمن.

الأهم من كل ذلك، هو أن الحل السياسي للقضية الجنوبية أصبح يُنظر إليه، إقليمياً ودولياً، على أنه «مدخل أساسي» لأي تسوية شاملة في اليمن، مما يرفع سقف الأهمية والتركيز عليه.

شخصيات جنوبية تاريخية حضرت اللقاء التشاوري في الرياض يتصدرهم حيدر أبوبكر العطاس (رويترز)

لكن هذه الأرضية واعدة ومحفوفة بالمخاطر في الوقت ذاته، حيث إن الخطر الأكبر يتمثل في «محاولات العبث» بهذه الفرصة، سواء عبر «خلق استقطابات داخلية» مدعومة إقليمياً، أو «الزج بالجنوب في صراعات جانبية»، فضلاً عن تراكم المظالم والانقسامات الجنوبية-الجنوبية العميق، وهو ما سيجعل مهمة الحوار بحاجة إلى أكبر قدر من المسؤولية السياسية والتاريخية.

إلى ذلك، يظهر اللقاء التشاوري الجنوبي على أنه محاولة لإعادة تدوير القضية الجنوبية من مسار الصراع والانقسام إلى مسار الحوار والتسوية، لكن النجاح سيبقى مرهوناً بقدرة القيادات الجنوبية على تجاوز إرث الاحتكار والصراع وتوحيد كلمتهم، إلى جانب الجهد السعودي الذي سيتواصل لتحييد التدخلات المعيقة، وإقناع المجتمع الدولي بدعم هذا المسار باعتبار أنه جزء من حل يمني شامل.