ليبيا تنتظر «الخلاص»... وتتخوّف من شبح الحرب

«صراع الحكومتين» يرهنها مجدداً للتحديات

باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)
باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)
TT

ليبيا تنتظر «الخلاص»... وتتخوّف من شبح الحرب

باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)
باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)

لم تهدأ الأوضاع المتوترة في ليبيا بعد، فمصير شعبها مُعلق بطموحات الساسة وآمالهم، كما أن الأجندات المتقاطعة تُعيق قطار السياسة أن يصل إلى نهاية الطريق، لذا كلما ذهبت حكومة أتت أختها، فتعلقت أكثر بأذيال السلطة، وتمسكت بكرسي الحكم، لتتجه البلاد لمزيد من الاضطراب والاستقطاب. يجري ذلك وسط تدخلات دولية تسعى لرسم خريطة البلاد على نحو يخدم مصالحها النفطية، بينما البسطاء المغلوب على أمرهم ينشدون الاستقرار والخلاص، بعد عقد ونيف من الفوضى والفساد. فالصراع بين حكومتي عبد الحميد الدبيبة وخصمه فتحي باشاغا، وصل إلى مرحلة أوسع من «تكسير العظم»، والشحن والتحشيد، نتيجته الأولية توقف جزئي لإنتاج النفط، وتعطل أعمال اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» التي تُعد صمام أمان في مواجهة النزوع نحو إشعال فتيل الأزمة مجدداً. ولعل الحالة التي بدا عليها الفريق محمد الحداد، رئيس الأركان العامة للجيش الليبي بـ(غرب البلاد)، في أحد الاجتماعات الهامة بالعاصمة طرابلس، عكست بعضاً من كواليس ما يجري في دهاليز السياسة وكواليس الدبلوماسية الدولية، ونقلت خوفاً محدقاً من شبح الحرب، رغم نفي ذلك. الحداد، وبلهجة حادة غير معهودة وأمام الدبيبة، نأى بالمؤسسة العسكرية عن كل التجاذبات وفرض سياسة الأمر الواقع، متعهداً بأنها «لن تسمح باستغلالها، أو مسلحيها لتحقيق مشروعات أشخاص أو الوصول للمناصب». مكمن الخطر الذي يستشرفه الحداد، من جهة، وأعضاء اللجنة العسكرية الممثلون للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في لجنة «5+5» من جهة ثانية، يتمثل في تعطيل قطار السياسة واستدعاء آلة الحرب ودفع البلاد إلى الهاوية، لكنه قال: «الحرب لن تقوم... أنا مستعد أن أجول ليبيا وأناشد أهلها وأستعطفهم بأننا مضحكوك علينا؛ كل الذين يحاولون مساعدتنا يضربون بعضنا في بعض»!
في خضم متلاطم من التعقيدات السياسية والحسابات الضيقة، تعلقت آمال الليبيين قليلاً بلقاء لجنة «المسار الدستوري» التي انعقدت قبل عيد الفطر في العاصمة المصرية القاهرة سعياً للتوافق على صيغة تُنهي الجدل حول «القاعدة الدستورية» للانتخابات الرئاسية والنيابية المُنتظرة، وتعيد ضخ النفط المتوقف في بعض الحقول والموانئ، إلا أن الانقسام السياسي والاستقطاب الحاد حول الحكومتين طغى على حالة التوافق، وألقى بظلاله على المباحثات التي رعتها بعثة الأمم المتحدة. ولذا تعثرت وأُرجئت حينها إلى ما بعد عيد الفطر، وحتى الآن البلاد مرتهنة لصراع الدبيبة وباشاغا، كما أن البعثة لم تضرب موعداً جديداً لاستئناف مباحثاتها المتعثرة بعد.
الآن يخشى عدد كبير من الليبيين أن أزمة بلادهم، التي لا تزال تراوح مكانها، قد تدخل مجدداً مرحلة الاقتتال في حال فشلت الجهود الدولية والإقليمية في إنهاء التنازع على السلطة، متسائلين عما تبقى في جعبة البعثة الأممية لتقديمه للبلد، الذي استُنزفت ثرواته في الصراعات السياسية منذ عام 2011، وتعمل ستيفاني ويليامز، المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، على أصعدة مختلفة، من خلال جولات مكوكية عدة للبحث عن حل يمكّن من إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية، ويحول دون تفشي الفوضى السياسية في البلاد. لكن بعض المتابعين الليبيين يرون أن «تشتت المسارات السياسية»؛ و«تمسك كل فريق بما يراه مناسباً لأجندته»، زاد من تعقيد الأزمة، وأبقى عليها دون حلّ، مشيرين إلى أن «الهوّة تتسع بين جبهتي شرق ليبيا وغربها» بما يهدد باستمرار حكومة باشاغا.
وللتذكير، جدّد مجلس الأمن الدولي نهاية أبريل (نيسان) الماضي، بالإجماع تفويض البعثة الأممية 3 أشهر إضافية حتى 31 يوليو (تموز) المقبل، وسط خلافات بين روسيا وبين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بشأن مدة تجديد البعثة وتعيين مبعوث أممي جديد.

فتحي باشاغا  -  ستيفاني ويليامز  -  عبد الحميد الدبيبة

- «لا جنيف ولا باريس»
يلاحظ هنا أن المسار الذي تسير فيه البعثة الأممية يختلف كلياً عما تريده أطياف ليبية كثيرة ومتباينة في توجهاتها. فالهيئة التأسيسية لمشروع الدستور ترى أن ما تفعله ويليامز، بشأن مناقشة «القاعدة الدستورية»، وما أصدره مجلس النواب أخيراً من تشكيل لجنة لتعديل الدستور «محض افتئات على حقوق الهيئة»، لتظل آفة ليبيا في أصحاب «سلطة الأمر الواقع». إذ إن من أنيطت إليهم مهمة، ولو مؤقتة، لا يريدون مغادرة مناصبهم، بل يسعون للاحتفاظ بها ولو بسفك الدم، دفاعاً عما تحقق لهم من «مكتسبات»، حتى أضحوا جزءاً من المشكلة!
ويرى سياسيون ليبيون، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أنه «كان على الدبيبة ترك موقعه فور فشله في إجراء الانتخابات العامة بالبلاد؛ وليس الترشح لرئاسة ليبيا ناقضاً تعهده بألا يقدم على ذلك»، مشيرين إلى أن البلاد «تطوق للخلاص من أزمتها، بعيداً عن الطامعين في السلطة، أين كانت انتماءاتهم».
غير أن الدبيبة، المُتحصن بكتائب عسكرية وميليشيات مسلحة مموّلة داخل «بيت الحكم» في طرابلس بمواجهة غريمه باشاغا، يتمسك بمنصبه ويواصل تأدية عمله مرتاحاً إلى «حين تسليم السلطة لحكومة شرعية منتخبة». بل يرى الحديث عن التسلم والتسليم ودخول طرابلس «عبث ومضيعة للوقت وبيع للوهم»، في إشارة إلى باشاغا، الذي فشل هو الآخر في دخول العاصمة، حتى الآن.
ومن قبيل قطع الصلة مع خريطة الطريق الأممية، قال الدبيبة، خلال حديثه وسط جمع من مشايخ مدينته مصراتة، إن «الانتخابات البرلمانية سهلة وقوانينها موجودة، وسنصل إليها مهما كاد الكائدون»، متابعاً: «لا نملك جنيف ولا باريس ولا اجتماعات... أما من يمثلون أنفسهم فنقول لهم أُغلق الطريق، ونحن سنرجع للشعب ليختار من يخدمه». وبات الدبيبة أكثر تمسكاً بمنصبه، وحدّة مما سبق في وصف حكومة باشاغا، فها هو يتحدث عن أن «ما أنتجه برلمان طبرق تحت مسمى حكومة قد وُلد ميتاً»، وأرجع ذلك إلى ما أسماه «بنتاج التزوير وفقدان الشرعية والمشروعية»، بل إنه رأى أن حصر المشكلة في محاولة دخول العاصمة ما هو إلا «قفزة على الحقيقة التي تقول من وُلد بالتزوير لن تُحييه محاولات التسلل والاقتحام، وما بُني على باطل فهو باطل».
جدير بالذكر أن مجلس النواب، الذي يعقد جلساته في طبرق بأقصى شرق ليبيا، منح الثقة لحكومة «الاستقرار» الجديدة برئاسة باشاغا، مطلع مارس (آذار) الماضي، لتكون بديلة لحكومة الدبيبة، التي انتخبها «ملتقى الحوار السياسي» الليبي في فبراير (شباط) عام 2021. وجاء منح الثقة ليفتح رسمياً باب الانقسام السياسي في ليبيا، ويجدد الخلاف بشأن «الشرعية» المتنازع عليها، في بلد لا ينجح كثيراً في الخروج من دائرة الخلاف السياسي والانقسام والفوضى منذ إسقاط نظام معمر القذافي.
ولقد سبق للمستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أن صعّد باتجاه حكومة الدبيبة، وطالب جميع المؤسسات والإدارات والمصالح والشركات العامة والخاصة والبعثات الدبلوماسية بعدم التخاطب باسم حكومة «الوحدة الوطنية» لكونها «منتهية الولاية».
- باشاغا بين سبها وسرت
في هذه الأثناء، تسعى حكومة باشاغا إلى دخول العاصمة، لممارسة مهامها بشكل مركزي من هناك، لكن أمام تمترس حكومة «الوحدة» فشلت محاولتها الأولى، مع أنها استعانت هي الأخرى بمسلحين، فمضت تؤكد، غير مرة، أنها «لن تدخل طرابلس بقوة السلاح ولكن بسلاح القانون».
ومن مدينة سبها (جنوب البلاد) بدأ باشاغا تفكيك معضلة عجز حكومته عن ممارسة مهامها بالعاصمة، ليتجاوز جانباً من التحديات التي تراكمت في طريقها وتكاد تسقطها، وذلك بعقد أول اجتماع لها من هناك، مبرراً اختياره هذه المدينة بأن «حكومته لكل الليبيين»، وأنه «لا يمكن معالجة مشكلات المناطق عن بُعد». وغمز باشاغا من قناة خصمه الدبيبة، وقال إن «ليبيا ليست غنيمة كي يستولي عليها شخص أو حكومة أو عائلة بعينها تعتقد أنها تستطيع شراء الوطن بمال الليبيين، أو شراء الرجال مقابل التنازل عن الوطن». وللعلم، تتنازع حكومة «الوحدة» وقوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، السيطرة على سبها التي توصف بأنها «عروس الجنوب». وسبق للأخير بسط سيطرته عليها في عملية عسكرية ضد قوات حكومة «الوفاق الوطني» السابقة مطلع عام 2019.
وسعياً لحلحلة الأوضاع المتأزمة، أطلق باشاغا مطلع الشهر الحالي، مبادرة للحوار الوطني بقصد «التواصل المباشر مع الأطراف كافة والوصول إلى توافق حقيقي». ورأى باشاغا أن حكومته «مدت يدها للجميع بلا استثناء، ولم ترفض الجلوس مع أي طرف يعتقد أنها أتت ضده أو بمواجهته ومحاربته»، وذهب إلى أن المبادرة تهدف إلى «ترسيخ مبدأ المشاركة الوطنية الواسعة في هذه المرحلة الحساسة التي تتطلب تضافر وتعاضد الجميع».
ولكن رغم مرور أسبوع على هذه المبادرة، فإنها لم تشهد تفاعلاً على الأرض من قبل الأطراف المتنافسة. وقال باشاغا إن حكومته يهمها ممارسة مهام عملها من العاصمة طرابلس «دون سقوط قطرة دم واحدة»، و«إن لم تستطع ذلك؛ يمكننا أن نفعل من أي مدينة أخرى، وسرت هي الأقرب». ورأى أن الخلاف في بلاده ليس خلافاً ليبياً – ليبياً، «بل هو نتيجة لتدخل بعض الأطراف والدول للحصول على مكاسب دولية»، وقال: «خلافنا لا يتعدى 20 في المائة مما يحصل في ليبيا، ونحن قادرون على تجاوزه».
- الملاذ الخارجي
من جهة ثانية، ركّز الطرفان المتصارعان جهودهما على خطب ودّ الأطراف الدولية، بحثاً عن دعم إضافي يكسر حالة الجمود السياسي التي تعانيها ليبيا، وسعياً للتمكين في مواجهة «الخصم». ومبكراً تحدثت تقارير أجنبية عن محاولة حكومة الدبيبة لعقد صفقة مع مجموعة ضغط في الولايات المتحدة، بقصد التسويق لها في مقبل الأيام بمواجهة حكومة باشاغا. وشمل تقرير نشره موقع «بوليتيكو» وثائق مقدمة إلى وزارة العدل الأميركية تظهر تعاقد الحكومة في طرابلس مع «مجموعة بوديستا»، التي ستعمل معها كمقاول من الباطن، من أجل «عرض رؤيتها دولياً»، و«للضغط من أجل إجراء انتخابات نزيهة».
هذا التحرك أثار استغراب سياسيين في شرق ليبيا، بالنظر إلى «انتهاء مهام» حكومة الدبيبة، فور تكليف البرلمان لأخرى جديدة، بحسب قولهم. وفي حين عيّر موالون لباشاغا حكومة «الوحدة» بهذا التصرف - الذي لم تؤكده أو تنفه - قرأ الليبيون مقالاً لباشاغا في صحيفة «التايمز» البريطانية، يعرض فيه رغبته على المسؤولين البريطانيين بـ«شراكة استراتيجية» في مجالات الأعمال والأمن والاستخبارات المشتركة، من أجل مساعدة ليبيا على إخراج مرتزقة مجموعة «فاغنر» الروسية. وقال: «كرئيس للوزراء، وعدت بإعادة (فاغنر) إلى وطنهم، لكننا بحاجة إلى مساعدة بريطانيا... وستكون بريطانيا حليفاً لا يقدر بثمن في حرب ليبيا ضد المرتزقة الأجانب».
ولكن بعد مضي 24 ساعة على نشر المقال، تبرأ باشاغا منه، وقال عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» إنه فوجئ بالمقال، وتمنى على «التايمز» تحري الدقة «لتفادي التورط في نشر مقالات مكذوبة». غير أن ليبيين كثيرين استوقفهم انتظار باشاغا 24 ساعة قبل نفي ما نشرته الجريدة البريطانية، بدلاً من تكذيبه في حينه. وأرجعوا ذلك لغضب القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» مما أورده بشأن وجود عناصر «فاغنر» في ليبيا منذ عام 2014.
- البحث عن مبعوث
أخيراً، مع تعدد التجارب التي مرت بليبيا لم تعد كثرة من الليبيين تكترث بانعقاد جلسات مجلس الأمن، ولا تلتفت إلى ذهاب مبعوث أممي ومجيء آخر. ومع هذا من المرجح أن يلتئم المجلس خلال الشهر الحالي، بعدما أفاد في تقرير له أن الوضع السياسي في ليبيا يزداد تعقيداً، مع عودة شبح الحرب الأهلية، ومخاوف من تدفق السلاح والمقاتلين على البلاد. وأوضح التقرير أن أعضاء المجلس يمكنهم في جلستهم المقبلة النظر في اعتماد بيان لتوجيه رسالة موحدة لدعم جهود الوساطة التي تجريها البعثة الأممية هناك، وإعادة التأكيد على ضرورة المضي نحو إجراء الانتخابات. كذلك يمكن لأعضاء المجلس الإعراب عن دعمهم للجهود التي يبذلها الأمين العام أنطونيو غوتيريش في إيجاد مرشح مناسب لتولي قيادة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. والحاصل أن المعضلة الليبية، بقدر ما هي رهينة لتدخلات الأطراف الخارجية، التي تقف موقف المتفرج في أحايين كثيرة، فإن البلاد التي تنتظر الخلاص، مقبلة على تحديات عظيمة في ظل وجود حكومتين متنازعتين على السلطة، كل منهما يدعي لنفسه «الشرعية».
- تاريخ من صراعات «شرعية الأمر الواقع»
> مع غياب الدستور وشيوع حالة الفوضى منذ إسقاط النظام السابق، تعاني ليبيا من ظاهرة تمسك الأجسام السياسية المؤقتة بالاستمرار في عملها، على الرغم من انتهاء مدة ولايتها في واحدة من الظواهر التي يطلق عليها الليبيون مسمى «شرعية الأمر الواقع». وإذا كان هناك من غادر السلطة انصياعاً لمتغير سياسي جديد، فثمة من يتمسك بها بالنظر إلى ما حقّقه وفق ظنّه من «مكتسبات»، في ظل ما تكرس لديه من مؤيدين، ومنتفعين أيضاً. جانب من هذه الظاهرة حدث عقب اندلاع «ثورة 17 فبراير»، والبعض الآخر يتحقق راهناً...
ففي 11 مارس 2014، صوّت «المؤتمر الوطني العام» بحجب الثقة عن حكومة علي زيدان، وتكليف وزير الدفاع عبد الله الثني بمهام رئيس الحكومة لحين انتخاب رئيس وزراء جديد.
وفي 12 مارس من العام ذاته، أدى الثني اليمين الدستورية رئيساً مؤقتاً للحكومة لحين انتخاب رئيس وزراء دائم، غير أنه ظل في هذا المنصب حتى مطلع العام الماضي، مدعوماً بشرعية مجلس النواب في طبرق، علماً بأن حكومته ظلت طول هذه الفترة لا تحظى باعتراف دولي.
وجاء تولي الثني إدارة البلاد بعدما سحب «المؤتمر الوطني العام» الثقة من زيدان، على خلفية تصريحات لمسلحين في شرق البلاد، قالوا فيها إن ناقلة محملة بالنفط كانت راسية في ميناء خاضع لسيطرتهم، أفلتت من سيطرة البحرية الليبية ودخلت المياه الدولية. وتعهد نوري أبو سهمين، رئيس «المؤتمر الوطني العام» في جلسة أذاعها التلفزيون الحكومي حينها، بدعم رئيس الوزراء المؤقت والامتناع عن عرقلة عمله؛ لكن شيئاً من ذلك لم يحدث مع تصاعد الخلافات وتفاقم الأزمات بين غرب ليبيا وشرقها.
وفي 25 أغسطس (آب) 2014، أقال «المؤتمر الوطني العام» الثني، وكلّف بدلاً منه عمر الحاسي. والحاسي، المنتمي إلى تيار الإسلام السياسي، كلف تشكيل ما سمي حينها بحكومة «الإنقاذ»، غير المعترف بها دولياً، التي أعلنتها «فجر ليبيا» بمدينة طرابلس، في الوقت الذي أعلن فيه النفير والتعبئة العامة بكل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.
وفي مطلع أبريل 2015 سلّم الحاسي رئاسة حكومة «الإنقاذ» لنائبه خليفة الغويل، في خطوة وصفها بأنها دليل «على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة». وهو ما وُصف بـ«نكاية» في معسكر شرق ليبيا، والبرلمان المنتخب برئاسة عقيلة صالح. وظلت حكومة الثني، غير المعترف بها في شرق البلاد، على حالها مدعومة من مجلس النواب، تتنازع السلطة مع حكومة «الوفاق الوطني» التي تشكلت في فبراير عام 2016 بموجب «اتفاق الصخيرات». وهو الاتفاق الذي وقع في المغرب يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 بدعم أممي.
هذا، وواصل المجلس الرئاسي السابق ممارسة عمله هو الآخر، رغم أن الاتفاق نص على أن «مدة ولاية حكومة (الوفاق الوطني) عام واحد»، إلى أن غادرها في عملية تسليم وتسلم سلسة للسلطة مع حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة.
ولم تقتصر هذه الأجسام على المجلس الرئاسي ومجلسه فقط، بل وصلت إلى المجلس الأعلى للدولة بطرابلس، ومجلس النواب في (شرق ليبيا)، بالإضافة إلى الميليشيات المسلحة، التي تنزع سلطتها بقوة السلاح. ولقد سبق للمستشارة الأممية ستيفاني ويليامز أن دعت النخبة السياسية في ليبيا إلى التوقف عن «لعبة الكراسي الموسيقية» للبقاء في السلطة، والتركيز بدلاً من ذلك على التحضير للانتخابات، مشيرة إلى انتهاء مدة التفويض الممنوح لمجلس النواب بموجب الانتخابات التي جرت قبل أكثر من 7 سنوات، وكذلك انتهاء صلاحية المجلس الأعلى للدولة المنتخب قبل 10 سنوات.
وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن رئيس مجلس النواب انتهاء ولاية حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة. وقال إن ولايتها انتهت في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مطالباً ببدء التحقيق في الأموال التي صرفتها الحكومة؛ خصوصاً ما يتعلق ببندي الطوارئ والتنمية، لكن رئيسها الدبيبة لم يأبه لهذا الحديث، مؤكداً استمراره في مهامه لحين انتخاب سلطة منتخبة من الشعب بشكل «شفاف ونزيه».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.