ماكرون يبحث عن رئيس حكومة بصفات محددة... ويفضل امرأة

تساؤلات حول هوية وزير الخارجية المقبل

الرئيس ماكرون... وترقب لمعرفة تفاصيل أول تشكيل حكومي في العهد الجديد  (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون... وترقب لمعرفة تفاصيل أول تشكيل حكومي في العهد الجديد (إ.ب.أ)
TT

ماكرون يبحث عن رئيس حكومة بصفات محددة... ويفضل امرأة

الرئيس ماكرون... وترقب لمعرفة تفاصيل أول تشكيل حكومي في العهد الجديد  (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون... وترقب لمعرفة تفاصيل أول تشكيل حكومي في العهد الجديد (إ.ب.أ)

بانتظار شهر يونيو (حزيران) المقبل والمعركة الانتخابية الحامية المنتظرة لاختيار أعضاء المجلس النيابي للسنوات الخمس المقبلة، ومعرفة ما إذا كان الرئيس المجدد له إيمانويل ماكرون سيحظى بأكثرية مريحة تدعم تنفيذ برنامجه الانتخابي والوعود التي أغدقها يميناً وشمالاً، فإن الأنظار تترقب معرفة الشخصية التي سيكلفها تشكيل أول حكومة للعهد الجديد.
وأمس، عقد قصر الإليزيه الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء الذي يمكن اعتباره «وداعياً»، إذ من المفترض أن يعمد رئيس الحكومة الحالي جان كاستيكس إلى تقديم استقالته في الساعات أو الأيام القليلة القادمة ليعمد ماكرون بعدها إلى تسمية من سيخلفه في قصر ماتينيون (مقر رئاسة الحكومة) ليتم بعدها تشكيل الحكومة.
ومنذ الأحد الماضي، فتحت بورصة الأسماء التي يفترض أن تتوافق مع الملامح التي رسمها ماكرون الذي أعلن قبل يومين أنه يريد شخصية (رجلاً أو امرأة) «تكون قريبة من المسائل الاجتماعية والبيئوية بالإضافة إلى أن تكون منتجة».
ويفضل ماكرون تكليف امرأة لهذا المنصب الذي لم تشغله امرأة سوى لمرة واحدة ولفترة قصيرة للغاية زمن ولاية الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران الثانية (1988 - 1995)، وأن تكون قريبة من اليسار ليشكر ناخبيه الذين ضمنوا فوزه بولاية جديدة.
وخلال ولايته الأولى، تعاقب على رئاسة الحكومة شخصيتان يمينيتان، هما أدوار فيليب، النائب السابق ورئيس بلدية مدينة «لو هافر» المطلة على بحر المانش وأحد أكبر الموانئ الفرنسية، وجان كاستيكس، الذي شغل زمن ولاية الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي منصب الأمين العام المساعد لرئاسة الجمهورية.
يضاف إلى ذلك أن ماكرون لم ينجح بعد من التخلص من اعتباره «رئيساً للأغنياء»، وقد قال في الكلمة التي ألقاها عند قدمي برج إيفيل مساء الأحد عقب انتصاره المريح على منافسته مارين لوبن، إنه «يريد أن يكون رئيساً لكل الفرنسيين». وبسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية المتمثلة بغلاء المعايشة وارتفاع نسب التضخم وانهيار القدرة الشرائية للطبقة الأقل ثراء، فإن كل المتابعين للشأن الفرنسي يتوقعون «صيفاً ساخناً» سينفخ فيه اليمين المتطرف واليسار المتشدد.
تكمن مصلحة ماكرون السياسية في أن تكون إلى جانبه شخصية ذات خلفية اجتماعية لا بل يسارية معتدلة، الأمر الذي ينطبق على الوزيرة إليزابيت بورن التي تنقلت في ثلاث حقائب وزارية منذ دخول ماكرون إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017. وفيما كانت حقيبتها الأولى وزارة النقل، فإنها شغلت منصب وزيرة البيئة لتنقل بعدها إلى وزارة العمل والاندماج الاجتماعي.
بورن التي بدأت حياتها مهندسة متخرجة في أرقى المعاهد الفرنسية، ثم مديرة مكتب وزيرة البيئة سيغولين رويال، تتمتع بسمعة طيبة. وقد ولجت العمل السياسي من باب الحزب الاشتراكي الذي تركته لتنضم إلى حزب الرئيس ماكرون «الجمهورية إلى الأمام» عند انتخابه للمرة الأولى. بيد أن إليزابيت بورن ليست المرشحة الوحيدة ولا شيء يمنع ماكرون من «إخراج أرنب من قبعته» كما يفيد القول الشعبي الفرنسي مثلما فعل عندما جاء، عام 2019، بجان كاستيكس رئيساً للحكومة الذي لم يكن الجمهور الفرنسي قد سمع به من قبل. ومن الأسماء المطروحة جوليان دونورماندي، وزير الزراعة وناتالي كوسيوسكو موريزيه، النائبة والوزيرة السابقة التي تركت السياسة (مؤقتاً) وانتقلت للعمل في القطاع الخاص في نيويورك، في عام 2017 عقب هزيمتها في الانتخابات النيابية.
كثيرون من الوزراء الحاليين سيودعون وزاراتهم، إما لأنهم لم يجلوا في مناصبهم أو لأن ماكرون يريد وجوهاً جديدة وإدخال شخصيات التحقت به في فترة الانتخابات من اليمين أو اليسار لمكافأتها أو لأن عدداً من الوزراء أمضى سنوات طويلة في منصبه. والتوصيف الأخير ينطبق بشكل خاص على وزير الخارجية جان إيف لو دريان الذي، في 17 مايو (أيار) المقبل، يكون قد أمضى خمس سنوات في هذا المنصب. ويتعين التذكير بأنه كان قد أمضى خمس سنوات أيضاً وزيراً للدفاع في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولند. ويعد لو دريان الأبرز من وزراء اليسار في حكومة شغل وزراء اليمين المناصب الرئيسية، وكان من الأوائل من الوزراء ووجوه الحزب الاشتراكي الذين وقفوا إلى جانب ماكرون عندما كان مرشحاً مغموراً لرئاسة الجمهورية في عام 2017. وحتى اليوم، ليست هناك مؤشرات حول ما إذا كان لو دريان البالغ من العمر 74 عاماً (أي أنه يكبر ماكرون بثلاثين عاماً) سيبقى في منصبه لسنوات إضافية أم أنه يفضل التفرغ لشؤون منطقته «لا بروتاني» الواقعة غرب البلاد. ومن الأسماء المعروفة والطامحة لاحتلال «كي دورسيه» برونو لو مير، وزير الاقتصاد الذي هو الآخر أمضى خمس سنوات في وزارته.
- السياسة الخارجية والدفاع
تفيد النصوص والتقاليد الدبلوماسية أن قطاعي السياسة الخارجية والدفاع هما من اختصاصات رئيس الجمهورية. هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وحامل رموز القوة النووية الفرنسية ومن يوقع المعاهدات الدولية ويرسم السياسة الخارجية وبالتالي، فإن دور الوزير تنفيذي إلى حد بعيد. ودأب كل الرؤساء الفرنسيين على اعتبار الخارج حكراً عليهم. وتلعب الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه التي يقودها راهناً السفير إيمانويل بون دوراً بارزاً في متابعة الملفات الدبلوماسية والتنسيق مع وزارة الخارجية. ورغم أن المسائل الخارجية لا تعد عنصراً مؤثراً في الانتخابات الرئاسية، فإن الحرب الروسية على أوكرانيا والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي تحولت إلى مواد جدلية في الأسابيع الماضية وهي تشكل، إلى جانب القضايا الداخلية، تحديات المرحلة القادمة.
بيد أنها ليست الملفات الوحيدة التي ستشغل الدبلوماسية الفرنسية التي تعاني من صعوبات في منطقة الساحل وهي منطقة نفوذ تقليدية لفرنسا الدولة المستعمرة السابقة. وتشكل مالي التي شهدت انقلابين عسكريين خلال أقل من عام، العقبة الكبرى. وشيئاً فشيئاً، تدهورت علاقاتها بفرنسا التي أرسلت قواتها إلى باماكو في عام 2013 لإنقاذها من السقوط بأيدي المجموعات الجهادية والإرهابية. ومنذ 2014، واظبت باريس على حضورها العسكري من خلال قوة «برخان» التي نشطت، إلى جانب مالي، في النيجر وبوركينا فاسو. إلا أن التطورات الأخيرة دفعت فرنسا وشركاءها الأوروبيين إلى اتخاذ قرار الانسحاب وإعادة انتشار قواتهم في بلدان الجوار. لكن مالي تبقى المشكلة الكبرى وعلاقاتها مع باريس تزداد تدهوراً خصوصاً بعد أن استدعت ميليشيا «فاغنير» الروسية للحفاظ على أمن النظام والحلول محل القوات الفرنسية المنسحبة.
وليس بعيداً من مالي، تواجه باريس المسألة الليبية التي سعت، من خلال 3 مؤتمرات دولية إلى إخراجها من عنق الزجاجة ولكن دون طائل بسبب تعقيدات المشهد السياسي الداخلي وتضارب مصالح الأطراف الخارجية. وكما في ليبيا، ففي السودان لم تحصد باريس نجاحاً يذكر رغم المؤتمر الدولي الذي دعت إليه نهاية العام الماضي لتشجيع المسار الديمقراطي ومساعدة السودان التخلص من جزء كبير من ديونه وعلى مواجهة صعوباته الاقتصادية والاجتماعية.
أما في لبنان الذي يمكن اعتباره المكان شبه الوحيد الذي ما زالت فرنسا تتمتع فيه ببعض النفوذ، فإن جهود الرئيس ماكرون لإخراجه من أزماته، منذ انفجاري المرفأ صيف عام 2018، فقد تراجع إلى الاهتمام بالشأنين الإنساني والاقتصادي، بينما كانت طموحات ماكرون أن يكون عرابه لإخراجه من الهاوية التي سقط فيها بينما الطبقة السياسية تتفرج على سقوطه.
عندما جاء ماكرون للرئاسة المرة الأولى، حمل معه مشروعاً لأوروبا التي يريد أن تتوصل إلى التمتع بـ«استقلاليتها الاستراتيجية» وأن تكون لها قوتها الدفاعية ليس بديلاً للحلف الأطلسي بل إلى جانبه. كذلك تريد باريس أن تكون لها كلمتها فيما يخص أمن أوروبا، ما يستدعي بقاء قنوات الحوار مع موسكو والرئيس بوتين. لكن حربه على أوكرانيا حملت متغيرات كثيرة، ليس أقلها أن واشنطن أعادت فرض هيمنتها على الحلف الأطلسي، ما ترك هامشاً ضيقاً للأوروبيين وعلى رأسهم باريس وبرلين للتحرك المستقل. وسيكون توسيع هذا الهامش أحد أهم تحديات الولاية الجديدة لماكرون.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».