ماكرون يبحث عن رئيس حكومة بصفات محددة... ويفضل امرأة

تساؤلات حول هوية وزير الخارجية المقبل

الرئيس ماكرون... وترقب لمعرفة تفاصيل أول تشكيل حكومي في العهد الجديد  (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون... وترقب لمعرفة تفاصيل أول تشكيل حكومي في العهد الجديد (إ.ب.أ)
TT

ماكرون يبحث عن رئيس حكومة بصفات محددة... ويفضل امرأة

الرئيس ماكرون... وترقب لمعرفة تفاصيل أول تشكيل حكومي في العهد الجديد  (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون... وترقب لمعرفة تفاصيل أول تشكيل حكومي في العهد الجديد (إ.ب.أ)

بانتظار شهر يونيو (حزيران) المقبل والمعركة الانتخابية الحامية المنتظرة لاختيار أعضاء المجلس النيابي للسنوات الخمس المقبلة، ومعرفة ما إذا كان الرئيس المجدد له إيمانويل ماكرون سيحظى بأكثرية مريحة تدعم تنفيذ برنامجه الانتخابي والوعود التي أغدقها يميناً وشمالاً، فإن الأنظار تترقب معرفة الشخصية التي سيكلفها تشكيل أول حكومة للعهد الجديد.
وأمس، عقد قصر الإليزيه الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء الذي يمكن اعتباره «وداعياً»، إذ من المفترض أن يعمد رئيس الحكومة الحالي جان كاستيكس إلى تقديم استقالته في الساعات أو الأيام القليلة القادمة ليعمد ماكرون بعدها إلى تسمية من سيخلفه في قصر ماتينيون (مقر رئاسة الحكومة) ليتم بعدها تشكيل الحكومة.
ومنذ الأحد الماضي، فتحت بورصة الأسماء التي يفترض أن تتوافق مع الملامح التي رسمها ماكرون الذي أعلن قبل يومين أنه يريد شخصية (رجلاً أو امرأة) «تكون قريبة من المسائل الاجتماعية والبيئوية بالإضافة إلى أن تكون منتجة».
ويفضل ماكرون تكليف امرأة لهذا المنصب الذي لم تشغله امرأة سوى لمرة واحدة ولفترة قصيرة للغاية زمن ولاية الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران الثانية (1988 - 1995)، وأن تكون قريبة من اليسار ليشكر ناخبيه الذين ضمنوا فوزه بولاية جديدة.
وخلال ولايته الأولى، تعاقب على رئاسة الحكومة شخصيتان يمينيتان، هما أدوار فيليب، النائب السابق ورئيس بلدية مدينة «لو هافر» المطلة على بحر المانش وأحد أكبر الموانئ الفرنسية، وجان كاستيكس، الذي شغل زمن ولاية الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي منصب الأمين العام المساعد لرئاسة الجمهورية.
يضاف إلى ذلك أن ماكرون لم ينجح بعد من التخلص من اعتباره «رئيساً للأغنياء»، وقد قال في الكلمة التي ألقاها عند قدمي برج إيفيل مساء الأحد عقب انتصاره المريح على منافسته مارين لوبن، إنه «يريد أن يكون رئيساً لكل الفرنسيين». وبسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية المتمثلة بغلاء المعايشة وارتفاع نسب التضخم وانهيار القدرة الشرائية للطبقة الأقل ثراء، فإن كل المتابعين للشأن الفرنسي يتوقعون «صيفاً ساخناً» سينفخ فيه اليمين المتطرف واليسار المتشدد.
تكمن مصلحة ماكرون السياسية في أن تكون إلى جانبه شخصية ذات خلفية اجتماعية لا بل يسارية معتدلة، الأمر الذي ينطبق على الوزيرة إليزابيت بورن التي تنقلت في ثلاث حقائب وزارية منذ دخول ماكرون إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017. وفيما كانت حقيبتها الأولى وزارة النقل، فإنها شغلت منصب وزيرة البيئة لتنقل بعدها إلى وزارة العمل والاندماج الاجتماعي.
بورن التي بدأت حياتها مهندسة متخرجة في أرقى المعاهد الفرنسية، ثم مديرة مكتب وزيرة البيئة سيغولين رويال، تتمتع بسمعة طيبة. وقد ولجت العمل السياسي من باب الحزب الاشتراكي الذي تركته لتنضم إلى حزب الرئيس ماكرون «الجمهورية إلى الأمام» عند انتخابه للمرة الأولى. بيد أن إليزابيت بورن ليست المرشحة الوحيدة ولا شيء يمنع ماكرون من «إخراج أرنب من قبعته» كما يفيد القول الشعبي الفرنسي مثلما فعل عندما جاء، عام 2019، بجان كاستيكس رئيساً للحكومة الذي لم يكن الجمهور الفرنسي قد سمع به من قبل. ومن الأسماء المطروحة جوليان دونورماندي، وزير الزراعة وناتالي كوسيوسكو موريزيه، النائبة والوزيرة السابقة التي تركت السياسة (مؤقتاً) وانتقلت للعمل في القطاع الخاص في نيويورك، في عام 2017 عقب هزيمتها في الانتخابات النيابية.
كثيرون من الوزراء الحاليين سيودعون وزاراتهم، إما لأنهم لم يجلوا في مناصبهم أو لأن ماكرون يريد وجوهاً جديدة وإدخال شخصيات التحقت به في فترة الانتخابات من اليمين أو اليسار لمكافأتها أو لأن عدداً من الوزراء أمضى سنوات طويلة في منصبه. والتوصيف الأخير ينطبق بشكل خاص على وزير الخارجية جان إيف لو دريان الذي، في 17 مايو (أيار) المقبل، يكون قد أمضى خمس سنوات في هذا المنصب. ويتعين التذكير بأنه كان قد أمضى خمس سنوات أيضاً وزيراً للدفاع في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولند. ويعد لو دريان الأبرز من وزراء اليسار في حكومة شغل وزراء اليمين المناصب الرئيسية، وكان من الأوائل من الوزراء ووجوه الحزب الاشتراكي الذين وقفوا إلى جانب ماكرون عندما كان مرشحاً مغموراً لرئاسة الجمهورية في عام 2017. وحتى اليوم، ليست هناك مؤشرات حول ما إذا كان لو دريان البالغ من العمر 74 عاماً (أي أنه يكبر ماكرون بثلاثين عاماً) سيبقى في منصبه لسنوات إضافية أم أنه يفضل التفرغ لشؤون منطقته «لا بروتاني» الواقعة غرب البلاد. ومن الأسماء المعروفة والطامحة لاحتلال «كي دورسيه» برونو لو مير، وزير الاقتصاد الذي هو الآخر أمضى خمس سنوات في وزارته.
- السياسة الخارجية والدفاع
تفيد النصوص والتقاليد الدبلوماسية أن قطاعي السياسة الخارجية والدفاع هما من اختصاصات رئيس الجمهورية. هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وحامل رموز القوة النووية الفرنسية ومن يوقع المعاهدات الدولية ويرسم السياسة الخارجية وبالتالي، فإن دور الوزير تنفيذي إلى حد بعيد. ودأب كل الرؤساء الفرنسيين على اعتبار الخارج حكراً عليهم. وتلعب الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه التي يقودها راهناً السفير إيمانويل بون دوراً بارزاً في متابعة الملفات الدبلوماسية والتنسيق مع وزارة الخارجية. ورغم أن المسائل الخارجية لا تعد عنصراً مؤثراً في الانتخابات الرئاسية، فإن الحرب الروسية على أوكرانيا والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي تحولت إلى مواد جدلية في الأسابيع الماضية وهي تشكل، إلى جانب القضايا الداخلية، تحديات المرحلة القادمة.
بيد أنها ليست الملفات الوحيدة التي ستشغل الدبلوماسية الفرنسية التي تعاني من صعوبات في منطقة الساحل وهي منطقة نفوذ تقليدية لفرنسا الدولة المستعمرة السابقة. وتشكل مالي التي شهدت انقلابين عسكريين خلال أقل من عام، العقبة الكبرى. وشيئاً فشيئاً، تدهورت علاقاتها بفرنسا التي أرسلت قواتها إلى باماكو في عام 2013 لإنقاذها من السقوط بأيدي المجموعات الجهادية والإرهابية. ومنذ 2014، واظبت باريس على حضورها العسكري من خلال قوة «برخان» التي نشطت، إلى جانب مالي، في النيجر وبوركينا فاسو. إلا أن التطورات الأخيرة دفعت فرنسا وشركاءها الأوروبيين إلى اتخاذ قرار الانسحاب وإعادة انتشار قواتهم في بلدان الجوار. لكن مالي تبقى المشكلة الكبرى وعلاقاتها مع باريس تزداد تدهوراً خصوصاً بعد أن استدعت ميليشيا «فاغنير» الروسية للحفاظ على أمن النظام والحلول محل القوات الفرنسية المنسحبة.
وليس بعيداً من مالي، تواجه باريس المسألة الليبية التي سعت، من خلال 3 مؤتمرات دولية إلى إخراجها من عنق الزجاجة ولكن دون طائل بسبب تعقيدات المشهد السياسي الداخلي وتضارب مصالح الأطراف الخارجية. وكما في ليبيا، ففي السودان لم تحصد باريس نجاحاً يذكر رغم المؤتمر الدولي الذي دعت إليه نهاية العام الماضي لتشجيع المسار الديمقراطي ومساعدة السودان التخلص من جزء كبير من ديونه وعلى مواجهة صعوباته الاقتصادية والاجتماعية.
أما في لبنان الذي يمكن اعتباره المكان شبه الوحيد الذي ما زالت فرنسا تتمتع فيه ببعض النفوذ، فإن جهود الرئيس ماكرون لإخراجه من أزماته، منذ انفجاري المرفأ صيف عام 2018، فقد تراجع إلى الاهتمام بالشأنين الإنساني والاقتصادي، بينما كانت طموحات ماكرون أن يكون عرابه لإخراجه من الهاوية التي سقط فيها بينما الطبقة السياسية تتفرج على سقوطه.
عندما جاء ماكرون للرئاسة المرة الأولى، حمل معه مشروعاً لأوروبا التي يريد أن تتوصل إلى التمتع بـ«استقلاليتها الاستراتيجية» وأن تكون لها قوتها الدفاعية ليس بديلاً للحلف الأطلسي بل إلى جانبه. كذلك تريد باريس أن تكون لها كلمتها فيما يخص أمن أوروبا، ما يستدعي بقاء قنوات الحوار مع موسكو والرئيس بوتين. لكن حربه على أوكرانيا حملت متغيرات كثيرة، ليس أقلها أن واشنطن أعادت فرض هيمنتها على الحلف الأطلسي، ما ترك هامشاً ضيقاً للأوروبيين وعلى رأسهم باريس وبرلين للتحرك المستقل. وسيكون توسيع هذا الهامش أحد أهم تحديات الولاية الجديدة لماكرون.



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».