لماذا لا يتدخل معظم الناس إذا تعرض غيرهم للتنمر؟

التنمر يؤثر بشكل خطير على الصحة العقلية والجسدية للضحايا
التنمر يؤثر بشكل خطير على الصحة العقلية والجسدية للضحايا
TT

لماذا لا يتدخل معظم الناس إذا تعرض غيرهم للتنمر؟

التنمر يؤثر بشكل خطير على الصحة العقلية والجسدية للضحايا
التنمر يؤثر بشكل خطير على الصحة العقلية والجسدية للضحايا

تخيل أنك في العمل، وشهدت زميلاً يتنمر بشكل متكرر على زميل آخر. ماذا كنت ستفعل؟ بينما يرغب الكثير منا في الاعتقاد بأننا سنتدخل لإيقافه، تظهر الدراسات الاستقصائية أن معظم الموظفين الذين يشهدون على مواقف لها علاقة بالتنمر، والمعروفين باسم المتفرجين، لا يستجيبون بطرق من شأنها أن تساعد الضحية.
وحسب تقرير نشرته مجلة «The Conversation»، أفاد ما يصل إلى 60 في المائة من الموظفين في بعض الأماكن، بأنهم لا يفعلون شيئاً عند مشاهدة التنمر. لماذا؟ وما هي عواقب ذلك؟
يحدث التنمر في مكان العمل عندما يتعرض الموظف لسلوكيات متكررة من شأنها مضايقة شخص ما أو استبعاده أو التأثير عليه سلباً. قد يتراوح هذا من أعمال العنف الجسدي الواضحة إلى السلوك الأكثر غموضاً، مثل السخرية أو الإهانة أو استبعاد شخص اجتماعياً.
يمكن أن يؤثر التنمر بشكل خطير على الصحة العقلية والجسدية للضحايا، حيث تؤدي الحالات القصوى إلى إيذاء النفس أو الانتحار. في المتوسط، يؤثر التنمر في مكان العمل على نحو 15 في المائة من الناس، على الرغم من أن بعض القطاعات، مثل الرعاية الصحية والتعليم العالي، تشير إلى معدلات أعلى.

تأثير عدم القيام بأي شيء
يُنظر إلى التنمر في مكان العمل تقليدياً على أنه مشكلة بين الضحية والمتنمر - ويتم التعامل مع الأمر وفقاً لذلك. لكن غالباً ما يحدث التنمر أمام الآخرين. تظهر الاستطلاعات أن ما يصل إلى 83 في المائة من الموظفين في بعض المنظمات أفادوا بمشاهدة التنمر في العمل.
هذا مقلق. قد تؤدي مشاهدة التنمر إلى الإضرار بالصحة النفسية للمتفرجين؛ مما يثير الخوف من كيفية معاملتهم في المستقبل.
لكن كيفية استجابة المتفرجين يمكن أن تساعد أو تؤدي إلى تفاقم وضع الضحايا. في الدراسة الأخيرة، طُلب من موظفين في جامعة كبيرة الإجابة عن أسئلة حول تجاربهم في التنمر، كضحية أو كمتفرج.
أظهرت الدراسة، أن ضحايا التنمر تعرضوا لضرر أقل عندما كان لديهم مارة متعاونون يتدخلون بنشاط. وعلى العكس من ذلك، فإن الضحايا في مجموعات من المارة الذين لم يفعلوا شيئاً قد تعرضوا لأضرار أكبر.
السبب في ذلك هو أن الضحايا في هذه المواقف لا يجب أن يتعاملوا مع التنمر فحسب، بل يجب عليهم أيضاً فهم سبب عدم استجابة الآخرين، وهو ما يزيد من الضغط. بدا أن المتفرجين هم مفتاح المساعدة في خلق ثقافة مكافحة التنمر في مكان العمل.
رأى الباحثون، أن ردود المارة تجاه التنمر في مكان العمل يمكن تصنيفها بطريقتين: النشطة مقابل السلبية، والبنّاءة مقابل الهدّامة. يصف الأول مدى استباقية الاستجابة في معالجة موقف التنمر، بينما يوضح الأخير ما إذا كانت الاستجابة تهدف إلى تحسين أو تفاقم وضع الضحايا.
هناك أربعة أنواع من المتفرجين. هناك متفرجون نشيطون بنّاؤون، يسعون بشكل استباقي ومباشر إلى تحسين حالة التنمر عن طريق، على سبيل المثال، الإبلاغ عن المتنمر أو مواجهته. هناك أيضاً متفرجون سلبيون بنّاؤون لا يحلون بشكل مباشر المشكلة، لكنهم يستمعون إلى الضحية أو يتعاطفون معه.
من ناحية أخرى، يتجنب المتفرجون السلبيون التنمر ولا يفعلون شيئاً. في حين أن هذا قد يبدو لطيفاً بالنسبة للبعض، فقد ينظر المستهدفون إلى السلبية على أنها تتغاضى عن أفعال المتنمر. أخيراً، يؤدي المتفرجون المدمرون النشطون إلى تفاقم حالة البلطجة، على سبيل المثال، من خلال الوقوف بشكل علني مع المتنمر أو إعداد مواقف يمكن فيها للمتحرش أن ينتقد الناس. يصبحون فعلياً متنمرين ثانويين.

علم النفس وراء التفهم
لماذا يفشل الكثير من الناس في التدخل عندما يرون شيئاً يعلمون أنه خاطئ أو ضار؟ أشهر نظرية لشرح هذه الظاهرة والمعروفة باسم تأثير المتفرج، مستوحاة من مقتل كيتي جينوفيز. كانت كيتي شابة في نيويورك في الستينات تعرضت للطعن حتى الموت خارج مبنى شقتها بينما كان 38 ساكناً يشاهدون من نوافذهم. في البداية، تم الإبلاغ عن عدم تدخل أي شخص أو استدعاء الشرطة.
ومع ذلك، يبدو أن التأثير يستمر في المواقف الأكثر غموضاً، مثل التنمر، والتي لا ترقى إلى مستوى حالة طبية طارئة. يفسر تأثير المتفرج تصرفاتهم من خلال اقتراح أن الأفراد تقل احتمالية مساعدتهم عند وجود أشخاص آخرين. هذا يجعلنا نشعر بمسؤولية أقل على المستوى الشخصي للتصرف، خاصة في المواقف الغامضة.
يجب أن يدرك الموظفون أن الضحية لا تستحق ما يحدث لهم. علاقات العمل معقدة وفي بعض الحالات، على سبيل المثال عندما يكون أداء المجموعة أمراً أساسياً، قد لا يوافق الموظفون على ارتكاب الآخرين للأخطاء أو إزعاجهم وقد يرون أن سوء المعاملة لها ما يبررها.
أخيراً، يجب أن يدرك الموظفون أنهم قادرون على التدخل بفاعلية. هناك العديد من الحالات التي يرغب فيها الموظفون في التصرف ولكنهم لا يشعرون بالقدرة على ذلك، مثل ما إذا كان المتنمر مشرفاً أو إذا فشلت المحاولات السابقة للتدخل.

التدخل
بينما لا يوجد حل واحد يناسب الجميع لتشجيع تدخل المتفرج، هناك أشياء تساعد على فهم موقف الضحية بشكل أفضل. تشير الأبحاث إلى أن تبني منظور، أو محاولة رؤية الأشياء من خلال وجهة نظر أخرى، يمكن أن يكون مفيداً.
أظهرت التجارب أن المشاركين الذين يُطلب منهم أخذ وجهة نظر الجاني هم أقل عرضة للاتفاق على أن سوء السلوك قد حدث من المشاركين الذين يُطلب منهم أخذ وجهة نظر الضحية.
تلعب المنظمات دوراً رئيسياً في إيقاف التنمر، ومن الناحية المثالية، يجب أن يكون لديها سياسات لمكافحة التنمر يمكن للموظفين الوصول إليها بسهولة. يجب أن تحدد هذه السياسات بوضوح ما هو التنمر وأن تحتوي على عمليات شفافة وسرية للإبلاغ عن الحوادث التي تم اختبارها أو مشاهدتها بشكل مباشر.
يجب أن تحظى السياسات ومبادرات مكافحة التنمر بتأييد الإدارة العليا. هذا من شأنه أن يساعد الموظفين في النهاية على الشعور بالأمان في التحدث علانية.
الأهم من ذلك، يجب على المنظمات محاولة العثور على الأسباب الجذرية للتنمر، وإذا كان هناك أي شيء يمكنهم تغييره للحد منه. على سبيل المثال، قد يساهم عبء العمل الكبير وضعف التواصل في ثقافة التنمر.


مقالات ذات صلة

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

يوميات الشرق الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك موجات الحر قد تُخلّ بتوازن الهرمونات في الجسم (بيكسلز)

لماذا تشعر النساء بإرهاق أكبر خلال الطقس الحار؟

مع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب فصل الصيف، لا يقتصر تأثير الطقس الحار على الشعور العابر بالإرهاق، بل تمتد آثاره لدى كثير من النساء إلى حالة من التعب المستمر.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
صحتك مزيج الزبادي وبذور الشيا يُعد خياراً فعالاً للتحكم في الشهية (بيكسلز)

من الهضم إلى المزاج... فوائد تناول الشيا مع الزبادي

لم يعد الزبادي مع بذور الشيا مجرد خيار شائع لوجبة خفيفة صحية، بل أصبح مزيجاً غذائياً يحظى باهتمام متزايد بسبب تأثيره الإيجابي المحتمل على صحة الأمعاء والطاقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تشكيلة من المقرمشات والأجبان واللحوم والفواكه (أ.ب)

بينها الجبن... 6 خيارات غذائية أقل بروتيناً مما تتوقع

يعتقد كثيرون أن بعض الأطعمة تُعد مصادر جيدة للبروتين لمجرد شهرتها أو تسويقها ضمن الأغذية الصحية، لكن الواقع الغذائي قد يكون مختلفاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  فيتامين «د» يُعرف بـ«فيتامين الشمس» (بيكسلز)

مكملات فيتامين «د» قد تحمل فوائد خفية لبعض الأشخاص

تشير دراسات حديثة إلى أن فوائد هذا الفيتامين قد لا تكون متساوية لدى الجميع، بل قد تعتمد على عوامل وراثية محددة تجعل بعض الأشخاص أكثر استفادة من غيرهم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.