شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (1 - 4) : الارتباك الفقهي لـ«داعش» يشجع الانشقاقات داخله

التنظيم يغيِّر فتاواه للحد من خسائره على الأرض

أبو بكر البغدادي قائد التنظيم الارهابي، و غلاف كتاب «مقرر في التوحيد» للتدريس في معسكرات «داعش» (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
أبو بكر البغدادي قائد التنظيم الارهابي، و غلاف كتاب «مقرر في التوحيد» للتدريس في معسكرات «داعش» (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
TT

شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (1 - 4) : الارتباك الفقهي لـ«داعش» يشجع الانشقاقات داخله

أبو بكر البغدادي قائد التنظيم الارهابي، و غلاف كتاب «مقرر في التوحيد» للتدريس في معسكرات «داعش» (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
أبو بكر البغدادي قائد التنظيم الارهابي، و غلاف كتاب «مقرر في التوحيد» للتدريس في معسكرات «داعش» (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)

في مساء نهار صيفي حار في شمال سوريا، خرج أحد الفقهاء الصغار في تنظيم داعش، عن رباطة جأشه، ولم يكن يعلم أن انتقاداته للتنظيم الذي يقاتل في صفوفه ستجعله خصما مهدر الدم ومطاردا من «إخوة الأمس»، إلى أن تمكن من الفرار من العراق قبل عدة أسابيع.
اسمه «أبو هريرة». يبلغ من العمر 22 عاما. ليبي الجنسية. شاب متشكك بطبعه. كان متشددا. يشعر بالغضب. ذو شعر كثيف وطويل يغطي رأسه ووجهه. متحمس وله عينان تلمعان في تحد، لكنه لم يفهم طبيعة المتغيرات الحالية داخل دولة «الخلافة» المزعومة.
وقف ذات يوم أمام شاب بحريني يدعى تركي البنعلي، ويبلغ من العمر 31 عاما، ويعد أحد أهم ثلاثة من كبار رجال الشرع في «داعش»، وقال له: «ماذا يحدث لو قلت لك إنني متمسك بموقفي من تكفير أيمن الظواهري؟ ليس أنا فقط لكن كل هؤلاء الإخوة الذين معي، لأننا لهذا السبب جئنا للقتال».
كانت هذه بداية النهاية لـ«أبو هريرة» ولزميل له سوري يدعى «أبو شعيب»، وللكثير من مقاتلي التنظيم سواء ممن تمكنوا في آخر المطاف من الفرار، أو من أصحاب الحظ العاثر ممن انتهوا في سجون «داعش» الرهيبة.
وحصلت «الشرق الأوسط» على شهادات، عبر وسطاء، من خمسة من المقاتلين السابقين، من بينهم «أبو هريرة» و«أبو شعيب».. وبينما تمكن الأول من الفرار إلى إحدى دول الجوار الليبي، هرب الثاني أخيرا إلى تركيا، أما الثلاثة الآخرون فهم من تونس، وتمكنوا من العودة إلى بلادهم، وقدموا معلومات شحيحة عن تجربتهم داخل التنظيم. كان يجري تأهيل هؤلاء ليكونوا، مع آخرين، فقهاء في «داعش»، لا مجرد مقاتلين، إلا أنهم انشقوا عن التنظيم لسبب مشترك وهو بكل بساطة، كما يقول «أبو شعيب» البالغ من العمر 25 عاما، أن ما تعلنه من أقوال لا يقابله تطبيق على الأرض.
ويضيف قائلا إنه كان مع مجموعات أخرى مؤمنا بفكرة «داعش».. «إلا أننا اكتشفنا أنها مثلها مثل الجماعات الأخرى التي جعلت لنفسها وجماعتها الحق المطلق لرعاية القتال، وجعلت هذا أصلاً مطردًا، بل كفرت من خالفها فيه، والعجب كل العجب أنها لم تكفر من خالفها فيما تعتقده وتزعم أنها تنظر له، ألا وهو حقيقة التوحيد (الكفر بالطاغوت والإيمان بالله) وتزعم إيمانها به كأصل للإسلام، لكن نجدهم عند تنزيل هذه الحقيقة يضطربون، فتارة يدخلون فيها ما ليس فيها، وتارة يخرِّجون منها ما ليس منها».
تشير تداعيات كهذه إلى حجم الخلافات التي انعكست على تحالفات التنظيم في حروبه، خلال الشهور الماضية، مع جماعات أخرى متطرفة وعشائر وقبائل وحتى نظام بشار الأسد نفسه. وانشقت مجموعة تونسية عن «داعش» بينما جرى القبض على مجموعات أخرى من بينهم تونسيون أيضا، إضافة لليبيين وجزائريين وكويتيين، بعد أن تجرأوا على أمراء التنظيم وردوا على فقهائه في مسائل تخص شروط قتل الخصوم وتوزيع الغنائم وغيرها.
كان «أبو هريرة» و«أبو شعيب» الذي يوصف بأنه نحيف وأصفر الوجه والشعر، إضافة إلى التونسيين الثلاثة الذين رفضوا ذكر أسمائهم الحقيقية أو الكنية التي كانوا يعرفون بها داخل «داعش».. كان كل هؤلاء جزءا من مشكلة ظلت تتدحرج وتكبر، دون حل وتتعلق بمسائل الفتاوى الداعشية المتخبطة وسياسات التنظيم غير المفهومة.
في بداية شهور الصيف الجاف على الأراضي الواقعة بين «دير الزور» و«الرقة»، شمال شرق سوريا.. ورغم مجرى نهر الفرات، ورغم سماحة الكثير من العشائر، ورغم رغبة مقاتلي الجيش الحر في التخلص من نظام الأسد، فإن الآفاق كانت تضيق أمام مفكري ومقاتلي «داعش» مع استمرار قادة التنظيم في استفزاز السكان المحليين، وتضارب الفتاوى، ما زاد من الضربات التي يتلقاها من خصومه. وزاد الطين بلة تلويح المجتمع الدولي بالاستعداد لشن غارات بالطائرات الحربية ضد مواقع «داعش» في العراق وسوريا التي بدأت بالفعل مع مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي.
قد يعتقد البعض أن أمثال «أبو هريرة» و«أبو شعيب» والتونسيين، كانوا يرفضون المنهج المتشدد لـ«داعش». هذا غير صحيح. كان يمكن أن يستمروا في العمل معه كما بدأوا.. الخلاف أخذ يدور، بالأساس، حول مبادئ معينة أطلقها التنظيم في أول الأمر، وآمنوا بها، وهجروا عائلاتهم وأوطانهم لتحقيقها. حين شرعوا في تنفيذ هذه المبادئ، مثل كثير من المحاربين، اكتشفوا أن التنظيم لا يطبق ما ينادي به، ولديه مآرب خفية، ولا يختلف عن أي جماعة محاربة أخرى.
يقول «أبو هريرة»: «لقد تسبب إطلاق قيادات (داعش) للفتاوى ثم التراجع عنها، في مقتل المئات من كوادر ومقاتلي التيارات الإسلامية وغير الإسلامية التي تحارب نظام الأسد، على يد مقاتلينا.. كان من بين الضحايا (أبو خالد السوري)، الخصم اللدود لـ(داعش)، والقيادي المهم في (حركة أحرار الشام). اكتشفا، مع المجموعات التي كانت تعمل معنا في شمال شرقي سوريا نكوص التنظيم عن توجهاته وتفسيراته الفقهية، والتنكر لها».
كان فقهاء التنظيم الكبار المحيطون بمن يطلق على نفسه «الخليفة أبو بكر البغدادي»، يعلنون أمام أتباعهم الصغار، قبل عدة أشهر من هذه الوقائع، أنهم يقفون ضد الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة «لأنه كافر» بسبب تقديمه الأعذار لعدم تطبيق الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي للشريعة الإسلامية فور توليه الحكم في 2012. وبالتالي يحق لهم تكفير «جبهة النصرة» أحد فروع «القاعدة» في سوريا، ناهيك بتكفير التيارات الأخرى التي تعمل ضد الأسد بما فيها باقي التيارات الإسلامية. وحين بدأت جلسة للمناظرة بين قيادات ميدانية وفقهية وسطى من «داعش» في بلدة «الدانا» السورية، تقرر الزج بالمخالفين في السجون رغم أهميتهم للتنظيم. وبدأت رحلة الفرار لمن وجد طريقا للهروب.
ملخص المعادلة، منذ التحاقه بالتنظيم، من وجهة نظر أحد التونسيين الثلاثة، كان كالتالي: «إذا لم تعمل مع (داعش) وتعلن البيعة لها، فأنت جاهل بالدين، وبالتالي يتوجب قتلك حتى لو كنت غير مدرك لخطورة موقفك، لأن جهلك ليس مبررا لالتماس العذر لك. النقطة الثانية من المعادلة: إذا أفتى أحد الشيوخ بأنه يجوز عدم معاقبة الجاهل لجهله، أي تقديم العذر له، فإن مثل هذا الشيخ في أدبيات (داعش) يكون (كافرا)، يتوجب قتله أيضا».
يعتقد أن المجموعات التي كان التونسيون الثلاثة يعملون في صفوفها هي التي نفذت عملية الاغتيال لـ«أبو خالد السوري» حين كان موجودا مع قادة ميدانيين لكتائب معارضة للأسد، في مقر لـ«أحرار الشام» في حلب. في ذلك الوقت كانت الخصومة بين البغدادي من جانب والظواهري و«جبهة النصرة» من جانب آخر، على أشدها. كان «أبو خالد» يعمل مندوبا ووسيطا من الظواهري لإقناع جماعة البغدادي بالخروج من سوريا وترك الساحة هناك لـ«جبهة النصرة»، وهو أمر كان يرفضه مقاتلو «داعش» الموجودون في جبهات القتال قرب حلب وفي الرقة وريف دمشق.
يقول «أبو هريرة» عن بداية تعليمه ومن معه عقب انخراطهم في التنظيم: «لقد تعلمنا على يد طالب علم من الدولة (أي: داعش) وأعطانا القليل من الدروس.. دروسا أعطانا بها، أول الأمر، لمحات عن أصل الدين. علَّمنا القليل، وعلَّمنا أنه لا عذر للمشرك لا بالجهل ولا بالخطأ ولا بالتأويل، إلا الإكراه، وبعد ذلك اعتمد كل منا على نفسه لمعرفة هل نحن على حق أم على باطل. اليوم يمكن أن أقول لك إن التنظيم على باطل.. ونحن كنا معه على باطل».
واعتمد تنظيم داعش على هيئة استحدثتها لتوفير الكتب التي تحمل توجهاته وتعليماته. وكان بعضها من تأليف البنعلي. واسم هذه الهيئة «البحوث والإفتاء»، ومن بين الكتب التي كانت مخصصة للمعسكرات فقط كتاب «مقرر في التوحيد» و«توعية الرعية بالسياسة الشرعية».
ومما تعلمه «أبو هريرة»، ومما آمن به لدرجة أن يعرض نفسه للقتل بعيدا عن وطنه وأسرته، هو أنه «لا عذر بالجهل.. تعلمنا أن العاذر كافر طالما أنها (أي الأعذار) تتعلق بأمور التوحيد.. كنا مندفعين. في أيدينا أسلحة، ونريد تطبيق هذا على الأرض.. كان ذلك عند التحاقي بـ(داعش). وقتها، وأنا أتنقل بين الموصل والبوكمال، حمدت الله على هذا. قلت تعلَّمْنا ما أفادنا مع بساطته، إذ إننا بعدها شرعنا في الجهر بتكفير أيمن الظواهري، وجبهة الجولاني (المقصود بها (جبهة النصرة) وقائدها محمد الجولاني)، وأبو محمد المقدسي (متشدد على نهج «القاعدة» ومتهم بدعم طالبان أفغانستان، وهو من أصل فلسطيني)، و(القاعدة)، وكل من يعذر بالجهل».
يبدو أن هؤلاء الشبان لم يدركوا حجم المشكلات التي كان التنظيم مقبلا عليها عقب واقعة اغتيال أبو خالد السوري، واتهام كتائب معارضة سورية لـ«داعش» بتدبير العملية. يقول «أبو شعيب»: «كنا نقاتل من أجل بناء أركان دولة الخلافة. لم نكن نلتفت خلفنا. فجأة بدأ يتردد هنا وهناك موضوع التوجيهات الجديدة عن عدم مهاجمة (القاعدة) أو (النصرة). هذا استمر ثلاثة أشهر أو أربعة، دون أن نلتزم به. لم نكن نعلم أنها توجيهات صحيحة، لأنها ببساطة تتعارض مع المبادئ التي أعلنها (داعش) منذ البداية. وتختلف كما هو موجود في كتب المعسكرات وفي مطويات البنعلي نفسه».
ومن جانبه يضيف «أبو هريرة»: «أنا أيضا قلت إنها مدسوسة من (جبهة النصرة) أو من (أحرار الشام). وبينما نحن ننتقل من حصار إلى حصار ويسقط منا (الشهداء)، كان تركي البنعلي يتولى موقع رئيس جهاز الحسبة في التنظيم، ويروج لتعليمات البغدادي للتهدئة مع المقاتلين السوريين والهدنة معهم رغم أنهم لم يجهروا بالبيعة لـ(الخليفة)».
جاء سؤال التحدي من «أبو هريرة» لـ«البنعلي»، حول تمسك الأول ومجموعته بتكفير الظوهري، رغم نهي كبار مستشاري البغدادي عن هذا الأمر في رسالة جرى تمريرها بين قادة وأتباع التنظيم منذ ربيع العام الماضي. ظلت الرسالة تتنقل عبر جبهات القتال دون أن يكون لها المفعول الذي يأمله مساعدو «الخليفة»، وأرادوا من ورائه، على ما يبدو، أن يقللوا من عدد الخصوم الذين يحاربونهم في العراق وسوريا.
يقول «أبو شعيب» إنه طوال أشهر من الحصار والجوع ومواجهة الموت أمام أسلحة أعداء التنظيم، استمر معظم من معنا في العناد، ولم يتعاملوا بجدية مع رسالة البغدادي، وعدوها بمثابة «بيان مدسوس»؛ لأن ما تتضمنه من كلمات وتحذيرات، وجدوا أنها مغايرة تماما لما سبق وتعلمه هؤلاء الفقهاء الصغار على أيدي منظري التنظيم، وما اطلعوا عليه من توجهات «الخليفة» المناهضة لنفوذ الظواهري.
يشرح «أبو هريرة» هذا الأمر بالقول إنه «منذ الربيع بدأت تنتشر رسالة من القادة.. وصلت إلينا في سوريا حين كنا ما زلنا هناك. قلنا إنها ليست حقيقية لأن ما فيها يتناقض تماما مع ما تعلمناه من أميرنا أيضا حين التحقنا بـ(داعش). لكن بعد عدة أشهر من الجدل والتشكك في الأمر، أخذ كبار المنظرين، ومنهم البنعلي يهددون المجموعات التي تقول إن الرسالة مدسوسة، ويهددون كل من يجهر بانتقاد الظواهري أو من يقولون بـ(تكفير العاذر) في المسائل الدينية الجوهرية مثل التوحيد، وكذا تم نبذ الذين يسألون عن حدود أخذ الغنائم ثم التنكيل بهم. هذه التهديدات وصلت للجميع تقريبا، سواء ممن يقاتلون في سوريا أو في العراق».
الخلافات الفقهية بشأن التكفير أو عدم التكفير لمن يعذر الجاهل بجهله وما يترتب على هذا الأمر من عمليات قتالية، كانت تتزايد بينما الحرب مستمرة. يوم آخر من الحصار في ريف دمشق. سيارات الدفع الرباعي المحملة بمدافع من عيار 14.5 مم و23 مم تثير الغبار، والقذائف تشعل النيران بينما ألسنة الدخان الأسود ترتفع من وراء الشجيرات القصيرة عبر المنحدر. هكذا يتذكر «أبو شعيب» ويضيف أن الشمس كانت هي الأخرى قد أخذت تصب الحر فوق الرؤوس. والمقاتلون لا يجدون الماء.
«أبو هريرة» من جانبه كان يقف خلف تلة صغيرة مع مجموعته التي يطلق عليها «الإخوة»، وهم بضع عشرات من زملائه من «داعش» معهم تسع سيارات مزودة بمدافع. محاصرون ومتحزمون بأشرطة الذخيرة في انتظار الفرج.
يقول «أبو هريرة»: «كنا وسط الحصار.. كنا نظن أن الدولة (يقصد: داعش) بنفس اعتقادنا، وأنها فعلا تكفِّر العاذر، ولكن عندها خرج بيان للدولة تقول فيه إنها لا تكفر الظواهري، وإنها ستعاقب من يكفره.. نحن عندها لم نصدق. قلنا ونحن نحمل البنادق ونحارب من أجل الخلافة: إن هذا القول يمكن القبول به في حالة واحدة، وهو أن يكون صادرا من جهة أخرى غير الدولة».
ويضيف: «ببساطة تجاهلنا البيان.. لكننا كنا أحيانا نتبادل الرأي حول هذا ونحن ما زلنا في منطقة الحصار في ريف دمشق، حتى ضاقت بنا السبل، وأتى أمر بانسحابنا إلى حدود الدولة (المقصود الانسحاب باتجاه مدينة الرقَّة، في شمال وسط سوريا). كانت عملية الانسحاب صعبة. وأخيرا وجدنا ثغرة. ضمدنا الجرحى وانطلقنا عبر التلال في اتجاه الرقة. في الحقيقة كنا نعلم أن هذا استدعاء من البنعلي، وأننا سندخل في حصار من نوع آخر من التفاسير الفقهية».
يبدو من الرسالة التي يتحدث عنها «أبو هريرة» و«أبو شعيب»، وتسببت، بمرور الوقت، في تغير مفاهيم كثير من مقاتلي التنظيم والفرار منه في الأسابيع الأخيرة، أنها جاءت بعد أن نَفِدَ صبر القادة المقربين من البغدادي تجاه من يروجون ضد الظواهري، في وقت كان فيه مندوبوه، ومن بينهم البنعلي، المعروف أيضا بلقب «أبو سفيان السلمي»، قد دخلوا في مفاوضات على التهدئة مع «جبهة النصرة» الموالية لـ«القاعدة»، وذلك بعد أن تعرض «داعش» العام الماضي لضربات موجعة على جبهات القتال مع مجموعات تابعة لـ«النصرة» وتيارات إسلامية أخرى، إضافة لقوات تابعة لنظام الرئيس بشار، إلى جانب خلافاتها مع بعض العشائر السورية.
ترفض رسالة البغدادي في لهجة صارمة كل من يروج للأقاويل التي انتشرت بين مجموعات «داعش» ضد «القاعدة»، ووصفت ما كان يقال عن هذا الأمر بـ«الإشاعات» و«الأراجيف»، ووصمت من يقوم بترويجها بـ«السفهاء» و«صناع الفتن». كانت الرسالة ضمن تيار عام يقوده زعماء «داعش» للجم المنتقدين الذين يتزايد عددهم يوما بعد يوم داخل صفوف التنظيم، خاصة في سوريا.
خرجت الخلافات بشأن الموقف من الظواهري لأول مرة، وفقا لشهادة «أبو شعيب»، حين جرى تسريب تسجيل صوتي مطلع العام الماضي يتحدث فيه فقهاء من «داعش» في الشام، ويظهر من فتاواهم أنهم يكفرون قادة تنظيم القاعدة. ويعتقد أن هذه الفتاوى جرى الاستناد عليها، في قتل وسيط الظواهري «الشيخ أبو خالد». ثم بعد ذلك انتشرت لقاءات المناظرات عن الأسرى وما يتوجب اتخاذه حيالهم وشرعية أخذ غنائم من عشيرة الشعيطات وأهالي مدينة البوكمال.
لم يتحرك مستشارو البغدادي بشأن واقعة التسجيل الصوتي وما فيه من فتاوى، إلا بعد أن تغيرت الظروف ضد التنظيم، وبدأت أصوات قوات سورية معارضة مهمة تتوعد بالانتقام لمقتل أبو خالد، وأصبح «داعش» يخسر على الأرض ويبحث عن حلفاء، خاصة حين بدأت تتشكل بين أبناء العشائر في سوريا والعراق ما يعرف باسم «الصحوات» التي تحاول مقاومة تمدد التنظيم الدموي على جانبي حدود البلدين، بينما كان المجتمع الدولي يضع اللبنات الأولى لتحالف يتولى توجيه ضربات جوية منتظمة لقواعد «داعش».
ولأنه لم تحدث استجابة لتعليمات «الخليفة» قام رجاله بعد ذلك بعدة أشهر بالتهديد والوعيد بشر العقاب لكل من يعيد مناقشة موضوع الموقف من «القاعدة» والأسرى والغنائم، ووصل التهديد إلى حد القتل. جرى تعميم منشور على أمراء المناطق، عبر العراق وسوريا، بأنه في حال ثبت أن أحد جنود الدولة (داعش) يروج لهذا الأمر ويشترك في ذلك النوع من المناظرات، فسيكون عبرة لغيره «كائنا من كان»، و«لا خير فينا إن لم نقم بذلك».
«أبو هريرة» و«أبو شعيب» كان يجري إعدادهما مع التونسيين الثلاثة، لكي يكونوا من قادة الخلافة في مناطقهم مستقبلا. كان البنعلي يمد هؤلاء الشبان بالكتب والمطويات والتنظيرات والفتاوى في معسكرات التدريب وعلى جبهات القتال. حين بدا أن هناك بوادر من جانبهم تشكك في رسالة الخليفة بشأن الظواهري، سارع البنعلي بإيفاد مندوب عنه للتحدث مع «هؤلاء الفقهاء الصغار».
يرفض «أبو هريرة» الكشف عن اسم الأمير الذي كان مسؤولا عن العمليات العسكرية الميدانية في «ريف دمشق». يكتفي بالإشارة إلى أن هذا الأمير كان يميل أيضا إلى موقفه وموقف «أبو شعيب» من مسألة التكفير ولا يأخذ التحذيرات المنسوبة للبغدادي بهذا الخصوص مأخذ الجد، وإن لم يعلن ذلك صراحة. وشارك الأمير في مناظرات بلدة «الدانا» واسمه موجود ضمن قائمة قدمها «أبو شعيب» لـ«الشرق الأوسط» لمن جرى إهدار دمهم بعد ذلك من قادة «داعش».
يواصل «أبو شعيب» حديثه عن البنعلي.. ويقول إنه حين علم بـ«هذه الخلافات الفقهية»، أرسل في طلبه هو والإخوة الذين معه للحضور إليه في الرقة، حيث كان هذا الشاب البحريني يقيم هناك مع مجموعة من المقاتلين وقادة من «داعش»، في ذلك الوقت، متخذين من المدينة الواقعة على ضفة نهر الفرات ما يشبه العاصمة الثانية لـ«دولة الخلافة». ويقول «أبو شعيب»: «بدأ التنظيم وقتها يتجسس علينا وعلى ما نقوله».
المشكلة، وفقا لـ«أبو هريرة»، لم تكن تتعلق فقط بموضوع رسالة «الخليفة» الخاصة بمنع تكفير تنظيم القاعدة، ولكنها كانت أكثر من ذلك، لأنها تمس أشخاصا يقاتلون في الصف نفسه معه على «الجبهة»؛ أي أن مسألة الجدل كانت تجري على مدار الساعة، ليلا ونهارا. ويشير لموضوع التجسس على مجريات هذا الجدل: «نعم.. كان هناك اثنان على الأقل ينقلان ما نقوله للقادة.. هما يؤمنان بصحة رسالة البغدادي ويتطيران من أي شخص ينكرها أو يشكك فيها.. كانا بمثابة جاسوسين يعملان ضدنا علانية دون خجل.. بعد ذلك خفت.. كنت أخشى التحدث أمامهما».
بمجرد خروج هذه المجموعة من حصار ريف دمشق، أصبح التنازع في الأمر أكثر حدة ويخيف.. يقول أحد التونسيين المنشقين: «شعرتُ أن الشابين المتعصبين للخليفة والرسالة المتداولة يمكن أن يحرضا الباقين لقتلنا. أحدهما عراقي يدعى (أبو سعيد) والآخر سوري يلقب بـ(أبو أحمد)». ويضيف: «كان شعورا مرعبا، أن يقتلك من تقاتل في صفه».
ويزيد قائلا إن هذين الشابين «كانا لا يكفِّران العاذر ويرفضان المناظرات.. يدوران ويروجان لأقوال (الخليفة). هذا يعني أن تكفير (القاعدة) أمامهما أو مناقشة أي قضية أخرى أصبح أمرا محظورا.. لهذا كنتُ، وباقي المجموعة، نرى أنهما كافران. هما، في المقابل، كان يبدو أنهما يفكران في الهجوم عليَّ. كنت أنا ومجموعتنا نخشى أن يبقى أي منا بمفرده أو يمشي بعيدا عن أنظار الآخرين، خوفا من الغدر».
بدأ الأمير المسؤول عن هذه المجموعات المتربصة ببعضها، يشعر بالقلق.. يقول «أبو شعيب»: «أميرنا، في ذلك الوقت، كان مثلنا غير قادر على استيعاب التحولات السريعة في مواقف التنظيم. قال لنا، وكأنه قد حل المشكلة، وكأنه يطمئننا إلى سلامة موقفنا وموقفه: سنأخذ الشابين معنا ونتحاجج هناك. والدولة هي التي تتصرف معهما. سنعرف لمن يتجسسان ولمن يعملان». يضيف «أبو شعيب»: «كنت أشعر بوجود متغيرات تحدث.. متغيرات كبيرة، وأن الطريق التي كنا نسير عليها تنحرف من تحت أقدامنا.. أنظر إلى أميرنا، وأقول إنه ما زال يظن أن (داعش) يقف ضد (القاعدة). أنا أقول لنفسي إنه يوجد خطر لكنني أطرد الهواجس وأعود لأحاول أن أضع قدمي على الطريق من جديد».
«أبو هريرة» يتذكر قائلا إنه «عندما وصلنا إلى الرّقة سبقنا هذان الشخصان (الجاسوسان) إلى تركي البنعلي، دخلا عليه أولا، وقالا له، وكأننا ارتكبنا جرما بحق التنظيم، معنا جماعة تكفِّر أيمن الظواهري، وتكفِّر العاذر وتعقد المناظرات.
وفي المساء أتانا البنعلي ليناقشنا عن العاذر، فهيأ نفسه، وأتى، فتلقيناه.. فجمعنا، وقال: (نريد النقاش في هذه المسألة). ومنذ تلك الليلة بدأت الحقائق تتكشف وحدها، ورغم دفعنا، بعد ذلك، في معارك بالعراق وسوريا لعدة أشهر، فإن مصداقية التنظيم تهاوت وأصبح الفرار منه مسألة وقت».



السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.


إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
TT

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)

في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب وتتابع الكوارث الطبيعية والانهيارات الاقتصادية، تبرز مشاريع البنية التحتية بوصفها واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في دعم قدرة المجتمعات على الصمود، ليس فقط من خلال إصلاح ما دمرته الأزمات، بل عبر إعادة وصل السكان بالخدمات والأسواق ومصادر الدخل.

في هذا السياق، يقدم المشروع الطارئ لتحسين طرق الربط الحيوي في اليمن نموذجاً عملياً لكيفية تحول الطرق الريفية من ممرات معزولة وموسمية إلى شرايين حياة تنقل الناس والسلع والخدمات، وتعيد تنشيط الاقتصاد المحلي في مناطق ظلت لسنوات رهينة العزلة وصعوبة الوصول.

ووفق بيانات أممية، نجح المشروع الذي ينفذه مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتمويل من البنك الدولي في إعادة تأهيل 153 كيلومتراً من الطرق الريفية، مما أتاح لأكثر من 1.5 مليون شخص الوصول بصورة أكثر انتظاماً إلى الأسواق والمدارس والمرافق الصحية، والحصول على الخدمات الأساسية رغم التحديات المناخية القاسية التي تشمل الفيضانات والانهيارات الأرضية والسيول الموسمية التي كانت تعزل قرى ومناطق واسعة عن محيطها لأيام وربما أسابيع.

إصلاح أكثر من 150 كيلومتراً من الطرقات في اليمن (الأمم المتحدة)

ولا تتوقف أهمية هذا المشروع عند إعادة تأهيل البنية التحتية المادية، بل تمتد إلى إعادة صياغة الحياة اليومية في المجتمعات الريفية. ففي محافظتي إب وتعز، لم تعد الطرق تُجرف بالكامل مع كل موسم أمطار كما كان يحدث سابقاً، ولم يعد الوصول إلى المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية رحلة شاقة تستغرق أياماً بسبب انقطاع المسارات وارتفاع منسوب السيول.

هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، الذين كانوا الأكثر تأثراً بعزلة المناطق الريفية. كما بات بإمكان الطلاب الوصول إلى مدارسهم بصورة أكثر انتظاماً، وهو ما يمنح العملية التعليمية قدراً أكبر من الاستقرار في بيئة تعاني أصلاً من تحديات مركَّبة تشمل الفقر والنزوح وتراجع الخدمات العامة.

دفعة قوية

على المستوى الاقتصادي، شكَّلت الطرق المؤهلة حديثاً عنصراً حاسماً في تنشيط الحركة التجارية، لا سيما في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها على بيع منتجاتهم في الأسواق المحلية والإقليمية. فقبل هذه الإصلاحات، كانت وعورة الطرق أو انقطاعها خلال مواسم الأمطار تؤدي إلى تلف جزء كبير من المحاصيل الزراعية قبل وصولها إلى الأسواق، مما يضاعف خسائر المزارعين ويقلل من عوائدهم.

وحسب البيانات الأممية، فقد أصبح بمقدور المنتجين نقل محاصيلهم بسرعة أكبر وتكلفة أقل وكفاءة أعلى، بما يحافظ على جودة المنتجات ويزيد من فرص تسويقها بأسعار أفضل. وهذا التحسن لا يدعم دخل الأسر الزراعية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار تدفق السلع الزراعية إلى الأسواق وتقليل فجوات العرض التي كانت تتسبب في ارتفاع الأسعار أو شح بعض المنتجات.

وتشير المعطيات إلى أن كل كيلومتر من الطرق التي أُعيد تأهيلها أسهم في تحريك النشاط الاقتصادي في محيطه، سواء عبر زيادة حركة النقل، أو تنشيط التجارة المحلية، أو تسهيل وصول التجار والموردين إلى مناطق كانت في السابق شبه معزولة اقتصادياً.

مشروع الطرق في اليمن ساعد على سرعة الوصول إلى المستشفيات (المتحدة)

إلى جانب الأثر الخدمي والاقتصادي، وفَّر المشروع مكاسب مباشرة لسوق العمل المحلية. فقد أسهم في توفير نحو 80 ألف يوم عمل، إلى جانب آلاف فرص العمل غير المباشرة خارج مواقع التنفيذ، كما أتاح وظائف لأكثر من 10700 يمني، بينهم نساء وأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما وفر مصدر دخل بالغ الأهمية لشرائح اجتماعية شديدة الهشاشة.

وفي إطار دعم الاقتصاد المحلي، شمل المشروع تدريب 42 مقاولاً محلياً، بينهم سبع شركات مقاولات مملوكة لنساء، مع منحهم فرصاً للمشاركة في تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل. ولم يقتصر الدعم على العقود التشغيلية، بل شمل أيضاً تطوير المهارات في مجالات إدارة المشاريع، وسلامة الطرق، والمعايير البيئية، بما يعزز جاهزية الكفاءات المحلية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية.

كما عززت العقود الممنوحة للشركات المحلية من شعور المجتمع بالملكية والمسؤولية تجاه هذه المشاريع، ووفرت قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يصبح القطاع الخاص المحلي شريكاً رئيسياً في التنمية وإعادة البناء.

تمويل إنساني صاعد

بالتوازي مع هذه المشاريع التنموية، أظهرت بيانات الأمم المتحدة تحسناً نسبياً في وتيرة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي إدراك المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات الإنسانية والتنموية في البلاد.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ إجمالي التمويل المستلم لخطة الاستجابة حتى أبريل (نيسان) 2026 نحو 264.3 مليون دولار، بزيادة قدرها 61.4 مليون دولار مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، أي بارتفاع نسبته 30.3 في المائة. كما ارتفع إجمالي التمويل المخصص لليمن داخل الخطة وخارجها إلى 293 مليون دولار، مقارنةً بـ228.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2025.

مع تحسن الطرق باتت المنتجات تُنقل إلى الأسواق بسهولة (الأمم المتحدة)

وارتفعت نسبة تمويل الخطة إلى 12.2 في المائة، مقابل 8.2 في المائة فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، وهي زيادة تعكس تحسناً في حجم التعهدات والصرف، وإن كانت لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين بقيمة 73.4 مليون دولار، تلتها بريطانيا بـ37.9 مليون دولار، ثم ألمانيا بـ23.4 مليون دولار، واليابان بـ19.6 مليون دولار، وكندا بـ16.2 مليون دولار، مما يشير إلى استمرار الحضور الدولي في دعم اليمن، سواء عبر التدخلات الإنسانية المباشرة أو عبر المشاريع التنموية التي تركز على بناء الصمود.


اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
TT

اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)

في ظل تصاعد تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى السواحل اليمنية منذ مطلع العام الحالي، صعّدت السلطات اليمنية من عملياتها الأمنية ضد شبكات تهريب المهاجرين، ونفذت حملة مداهمات واسعة استهدفت أوكاراً تستخدمها تلك الشبكات في محافظة أبين، لاحتجاز المهاجرين وتعذيبهم، في تحرك يعكس تنامي القلق الرسمي من تحول بعض المناطق الساحلية إلى ممرات مفتوحة لأنشطة التهريب والاتجار بالبشر.

وقالت مصادر أمنية في محافظة أبين (شرق عدن)، إن قوة مشتركة من الأمن العام والقوات الخاصة والأمن الوطني، نفذت، بتوجيهات من السلطة المحلية، عمليات مداهمة استهدفت مواقع في مديرية أحور الساحلية، تُستخدم من قبل مهربين لإيواء مهاجرين غير شرعيين، قبل نقلهم عبر مسارات غير قانونية نحو مناطق داخلية، أو إلى وجهات حدودية.

وذكرت السلطات أن القوة الأمنية واجهت مقاومة مسلحة من المهربين أثناء تنفيذ الحملة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات انتهت بالسيطرة على المواقع المستهدفة، واعتقال عدد من المتورطين في عمليات الاحتجاز والتعذيب، إلى جانب ضبط أسلحة ومعدات كانت تستخدم في إدارة هذه الأنشطة غير القانونية، فضلاً عن إحراق مواقع اتُّخذت مراكز احتجاز مؤقتة للمهاجرين.

المهاجرون الأفارقة إلى اليمن يتعرضون لأشكال متعددة من الانتهاكات (إعلام محلي)

وبحسب مسؤولين محليين، تأتي هذه العمليات ضمن خطة أمنية أوسع تهدف إلى تفكيك شبكات التهريب المنظمة التي تنشط على امتداد السواحل الجنوبية والشرقية، مستفيدة من اتساع الشريط الساحلي وصعوبة مراقبته بصورة كاملة، إلى جانب هشاشة الأوضاع الأمنية التي أفرزتها سنوات الحرب.

وأكدت السلطة المحلية في مديرية أحور، أن الحملة لن تكون إجراءً عابراً؛ بل بداية لسلسلة عمليات متواصلة لتعقب المتورطين، وملاحقة الشبكات التي تدير عمليات تهريب البشر، وتستخدم وسائل عنيفة بحق المهاجرين؛ من بينها الاحتجاز القسري والتعذيب والابتزاز المالي، وصولاً إلى استغلال بعضهم في أنشطة غير مشروعة.

ورغم عدم إعلان السلطات الحصيلة النهائية للموقوفين، تحدثت مصادر محلية عن ضبط عدد من العناصر المتورطة، في حين تمكن آخرون من الفرار إلى مناطق وعرة، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع نطاق التحري والملاحقة، مع تشديد الرقابة على المنافذ الساحلية التي تنطلق منها قوارب التهريب.

40 ألف مهاجر

تأتي هذه التطورات في وقت تظهر فيه بيانات رسمية استمرار التدفق الكبير للمهاجرين من القرن الأفريقي إلى اليمن؛ إذ وصل نحو 40 ألف مهاجر منذ بداية العام الحالي، غالبيتهم الساحقة من الجنسية الإثيوبية، فيما سجلت الأيام الماضية وحدها، وصول أكثر من 200 مهاجر إلى سواحل محافظة شبوة ضمن موجات متواصلة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن اليمن، رغم الحرب والانهيار الاقتصادي والأوضاع الإنسانية المعقدة، ما زال يمثل محطة رئيسية على طريق الهجرة المختلطة من القرن الأفريقي نحو دول الخليج، سواء باعتباره نقطة عبور أو وجهة مؤقتة للباحثين عن فرص اقتصادية أفضل.

تدمير مواقع تستخدم لاحتجاز وتعذيب المهاجرين غير الشرعيين (إعلام محلي)

لكن هذا المسار تحول، وفق تقارير حقوقية، إلى واحد من أخطر طرق الهجرة غير النظامية في المنطقة، حيث يتعرض القادمون عبره إلى سلسلة واسعة من الانتهاكات تبدأ منذ لحظة وصولهم إلى الشواطئ اليمنية، مروراً بعمليات احتجاز وتعذيب وابتزاز، ولا تنتهي عند الاستغلال في أعمال قسرية أو أنشطة مرتبطة بالجريمة المنظمة.

وتحمل تلك التقارير شبكات التهريب المسؤولية عن النسبة الأكبر من الانتهاكات بحق المهاجرين، يليها تأثير أطراف النزاع، إلى جانب ظروف الحرب التي جعلت كثيراً من المناطق خارج الرقابة القانونية الفاعلة، وهو ما أتاح لتلك الشبكات توسيع نفوذها وتحويل معاناة المهاجرين إلى تجارة مربحة تدر ملايين الدولارات سنوياً.

طريق محفوف بالموت

يرى مراقبون أن تشديد الإجراءات الأمنية في بعض السواحل الجنوبية باليمن، دفع شبكات التهريب إلى تحويل نشاطها تدريجياً نحو السواحل الشرقية، ما خلق مسارات جديدة أقل رقابة، لكنها أكثر خطورة من حيث الانتهاكات، في ظل ضعف الحماية القانونية وغياب التنسيق الإقليمي الكافي لمواجهة الظاهرة.

ووفقاً لتقديرات حكومية، يشكل الإثيوبيون نحو 89 في المائة من إجمالي المهاجرين الوافدين إلى اليمن سنوياً، مقابل 11 في المائة من الصوماليين، فيما تم تسجيل أكثر من 600 حالة وفاة منذ عام 2024 وحتى الآن، سواء بسبب الغرق أو العنف أو الظروف القاسية التي يواجهها المهاجرون خلال رحلتهم.

كما حذرت تقارير إنسانية من أن تراجع التمويل الدولي للمساعدات المخصصة للمهاجرين زاد من هشاشتهم، ودفع كثيرين، خصوصاً النساء والفتيات، إلى الوقوع ضحايا للاستغلال الجنسي والعمل القسري مقابل الغذاء أو المأوى أو وعود بإكمال الرحلة.

وفي مواجهة هذا الواقع، تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن عشرات الآلاف يواصلون سنوياً مغادرة القرن الأفريقي باتجاه اليمن مدفوعين بالفقر والنزاعات وانعدام الفرص، غير أن كثيراً منهم يجد نفسه في دائرة الاستغلال والعنف، بدلاً من الوصول إلى الأمان الذي سعوا إليه، ما يجعل مكافحة شبكات التهريب وحماية الضحايا تحدياً إنسانياً وأمنياً متصاعداً يتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم بأسره.