علي الدميني... «حالة استثنائية» في المشهد الثقافي السعودي

شعراء ونقاد ومثقفون ينعون أحد رواد الحداثة الأدبية والفنية

علي الدميني
علي الدميني
TT

علي الدميني... «حالة استثنائية» في المشهد الثقافي السعودي

علي الدميني
علي الدميني

بعد معاناة مع المرض، ترجل فجر أمس الشاعر السعودي علي الدميني (74 عاماً)، عن صهوة الشعر، تاركاً خلفه دهراً طويلاً يصدح بالقصائد التي اختطها على دروبٍ محفورة بالشغف والمعاناة، وغرسها كأشجار السنديان الوارفة.
إنه الشاعر الذي ظل ينافح عن قيم الحداثة والحرية والوطن طوال حياته: «ولي وطنٌ قاسَمتُه فتنة الهوى / ونافحتُ عن بطحائه من يقاتلُه / إذا ما سقاني الغيث رطباً من الحيا / تنفّس صبح الخيل وانهلّ وابلُه / وإن مسّني قهرٌ تلمّستُ بابه / فتورق في قلبي بروقاً قبائلُه / تمسّكت من خوفٍ عليه بأمّتي / وأشهرتُ سيف الحبّ هذي قوافلُه».
قبل أيام قليلة كتب لي الدميني رسالة بعد مقال كتبته عنه في هذه الصحيفة، كانت تحمل شعور فارسٍ يكاد يهزمه الألم... هذه النغمة ليست معتادة من صاحب قصيدة «الهوادج»: «ما تبقى من العمر إلا الكثيرْ / فماذا أسمي البياض الذي يتعقّبني / غازياً أم أسيرا؟ / قم من الليل، يا لابس الخيل كيما ترى أفقاً / ناسكاً ونهاراً طهورا».


عناوين مؤلفاته

شاعر الحداثة
مثّل الدميني «حالة استثنائية» في المشهد الثقافي السعودي. منذ هلّ من قرية «المحضرة» في ريف الباحة الجنوبي المفعم بالتلوينات المُلْهِمة، إلى الظهران على ساحل الخليج العربي في عام 1968، منذ ذلك الوقت وهو يمثّل حالة إبداعية فريدة من نوعها، فقد حوّل القصيدة، والكلمة المكتوبة، عبر الصحافة، خصوصاً ملحق «المربد» إلى مدماك ثقافي يرسم المسارات نحو الحداثة.
لم يكن الدميني مجرد حالة أدبية أسهمت بفاعلية في تأسيس الحركة الشعرية الحديثة في المملكة، وإنما كان عنواناً بارزاً في مشروع الحداثة الثقافية والفكرية والاجتماعية الذي وجد رواداً ينافحون من أجله ويحملون شعلته. وكانت القصيدة في يده «كفاعلية ممكنة لاختراق السائد وإعلان التساؤل حول كمال المنجز، وفتح الأبواب العلنية لتأسيس ذائقة جديدة تؤدي دور المفاعيل الثقافية والاجتماعية الأخرى الغائبة».
امتزجت شعرية الدميني بالوعي: وعي اللحظة الشعورية، ووعي الزمان الذي يتشكل سريعاً، ووعي المكان الذي تسري فيه عجلة التحديث والتطوير والنمو مع اتساع دائرة التعليم والمعرفة.
ولم تكن المعركة بين الحداثيين وخصومهم محصورة باجتراحهم لقصيدة النثر أو التفعيلة، كانت قوالب الشعر الحديثة مجرد واجهة للانفتاح على العالم والانعتاق من الثقافة السائدة. وكان الدميني ينحاز للشعر المنتمي للحداثة «بقدر انحياز رؤيته إلى العقلانية، والحرية، وقيم العدالة الاجتماعية، والمساواة، والانتصار للتقدم والرفع من مكانة المرأة».
خاض معارك الحداثة، في وجه دولاب التشدد. ويقول لي في حوار نشرته «الشرق الأوسط»: «أؤكد أن مشروع الحداثة الأدبية والفنية في بلادنا قد تغلّب على كل العنف المضاد له من الجهات كافة»، ورغم أن تلك المعارك أدمت أصحابها، فإنه ينظر بوعي ثاقب إلى أن المعركة لم تنجز بعد، يحدثني قائلاً: (مشوار الحداثة في الأدب والشعر في بلادنا تحديداً لا يمكن له أن ينجز مشروعه الحداثي الحلمي إلا حين تتكامل للمجتمع كل مقومات تبنّي قيم وآليات تحقيق زمن الحداثة، في أبعادها الحياتية المختلفة».
ويقول إن «الحداثة وفق قيمها الناظمة لسيادة العقلانية والحرية والديمقراطية وتحرير الكينونة الذاتية والإبداعية من أحمال الإرث والعادات والنمط والقهر الاجتماعي والسياسي، لا تتحقق بشكل عام إلا ضمن منظومة من التفاعلات الجدلية والتكاملية بين المكوّن الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي لأي مجتمع، وليست مقتصرة على الفكر والآداب والفنون فقط، وإن كانت هذه الأخيرة تحتفظ بخصوصية واستقلالية مختلفة».
ويتحدث عن تجربته قائلاً: «إذا أتينا إلى حقل الشعر تحديداً، فإنني أعد نفسي غصناً في شجرة التجديد والرنو إلى الحرية والحداثة في العالم كله، مثلما أراني في بلادنا واحداً ممن مضوا في هذا الدرب الطويل، الذي امتد من العواد إلى حسن القرشي وغازي القصيبي إلى محمد العلي، وجيلي الذي أنتمي له».
صدرت للشاعر علي الدميني دواوين شعرية عدة: «رياح المواقع»، و«بياض الأزمنة»، و«مثلما نفتح الباب»، و«بأجنحتها تدق أجراس النافذة». كما صدرت له رواية وحيدة بعنوان «الغيمة الرصاصية»، وتعد قصيدته (الخبت) من أشهر القصائد على المستوى العربي.
أشرف الدميني على ملحق «المربد» الثقافي الشهير في الثمانينات في جريدة «اليوم»، ومن ثم أسس مجلة «النص الجديد» التي عرفت باحتضانها للتجارب الحديثة واحتوت على تجارب ونصوص حداثية.

هنا شهادات شعراء ونقاد ومثقفين عن الفقيد

عبد الرزاق الربيعي: لم تكتب وصيتك فأنت «لست وصياً على أحد»
ليس من المصادفة أن ألتقيه، وجهاً لوجه، بعد سنوات من لقاءات الكلمات بالدمّام في عيد الحب عام 2014 الموافق ١٤ فبراير (شباط)، فالمحبة عنوان عريض في حياة شاعرنا الكبير الراحل علي الدميني، وقد تهجّى حروف هذا العنوان كلّ من عرفه عن قرب، أو قرأ تعليقاته على منشورات الأصدقاء في صفحته بـ«فيسبوك»، أو قرأ شعره، وعرف مواقفه الإنسانية والوطنية.
جرى ذلك اللقاء في ملتقى الوعد الثقافي، عندما استضافنا بتنسيق مع الصديق الكاتب حسين الجفّال في أمسية جمعتني بالعزيزين عدنان الصائغ ود. أمين الزاوي بمقرّه بالدمام، أدارها الشاعر حسين آل دهيم، في تلك الأمسية رمى صنّارته في شباك القلب، ولم نفترق تلك الليلة إلا بوقت متأخّر، وظلّ تواصلنا مستمراً، حتى اللقاء الأخير الذي جمعنا في المنامة أواخر ديسمبر (كانون الأول) ٢٠١٨م، فما أن سمع بوصلنا، أنا مع صديقي الشاعر عدنان الصائغ، حتى قدم من (الدمّام) ليحضر الأمسية التي نظمتها أسرة الأدباء في البحرين، وقدّمها د. علوي الهاشمي، وقد جاء مصطحباً زوجته، وابتسامته العريضة وقلبه الكبير، وما تيسّر من إصدارات جديدة، ودعانا للغداء في اليوم التالي، وكان قاسمنا الأعظم هموم المنطقة، والقصيدة، والناس، ومشروع جمع أعمالي الشعرية، ونهاراتي التي بلا تجاعيد، و(نرد النص) كتاب عدنان الصائغ الذي لم يتسنَّ له قراءته بعد صدوره هذا العام، والتخطيط لمشروعات مقبلة أجهز عليها المرض الذي لم يمهله طويلاً، فيا علي الدميني، أعرف أنك لم تكتب وصيتك فأنت «لست وصياً على أحد» كما عنونت سيرتك، واليوم، ونحن نلوّح لك، وأنت تغادرنا، يلزمنا «الكثير من الوقت، والكثير من العباءات السود لنقيم الحداد» عليك.
عزاؤنا أنّ حياتك «لم تكن خاوية،، بل كانت ملأى بأجنحة الأحلام المنكسرة والمتع المجهضة والحكايات الكبرى».

دخيل الخليفة: الدميني
محرك الحركة الإبداعية
يرحل المبدع جسداً لكن روحه تظل محلقة في آفاق المشهد الشعري والفكري، وقامة كبيرة كعلي الدميني ستبقى راياته خفاقة، كيف لا وهو الذي ربط في تجربته بين الإبداعي والإنساني والأخلاقي، بين القلق المعرفي والانزياحات الشعرية. لقد أسس الدميني ورفاقه بدءاً من الكبير محمد العلي لمفهوم حقيقي للحداثة في المملكة العربية السعودية في وقت صعب، خضع خلاله الوضع الاجتماعي والثقافي لسيطرة فكر متشدد ومناهض لحركة التحديث في بنية المجتمع وعاداته التي ينشدها الدميني ورفاقه.
ويكمل قائلاً: «اللافت طبعاً أن تلك الأهداف المنشودة تحققت الآن مع الرؤية الجديدة التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي منحت المواطن السعودي طاقات جديدة وأفكاراً نالت إعجاب العالم». المؤكد أن تجربة الدميني ورفاقه، أثّرت جداً في الحركة الإبداعية التي تلتها، وفتحت الباب واسعاً للأجيال التالية، خصوصاً من ممتهني قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، ليعبروا عن أفكارهم وأساليبهم دون ارتجاف من مفهوم الشكل، الذي كثيراً ما تحجج به أتباع النص التقليدي ومناهضو الحداثة، فبرزت أسماء كمحمد الثبيتي ومحمد جبر الحربي وخديجة العمري وعبد الله الصيخان وأحمد الحربي ومحمد الألمعي ومحمد الدميني... وتبعهم التسعينيون أمثال أحمد الملا وحمد الفقيه وأحمد كتوعة وعلي العمري وإبراهيم الحسين ومحمد حبيبي ومحمد الحرز وعبد الله السفر وإبراهيم الوافي وآخرين هم الآن في طليعة كتاب هذا النمط الشعري الحداثي.
ويختتم خليفة قائلاً: «كل هذا وعلي الدميني كان زاهداً في الظهور الإعلامي والحوارات، وجل تركيزه المساهمة بصنع واقع فكري وثقافي مغاير».

سعد البازعي: اسم محفور
على واجهة الشعر
علي الدميني اسم كبير محفور على واجهة الشعر العربي الحديث ومثقف ترك أثره الذي لا يُنسى على مشهدنا الفكري والإبداعي.
لا أعرف تعبيراً أعمق أو أجمل عن الضيق بالحياة حين تضن بالمؤمل وتحجب الأحلام من عبارة علي الدميني «ما تبقى من العمر إلا الكثير». الكل يقول «ما تبقى من العمر إلا القليل»، لكن قلب العبارة أبلغ في الدلالة على أن السنين لا قيمة لها حين تخلو مما نتمنى».

سعيد السريحي: كان أنموذجاً
في النبل والصدق
«فقدنا بفقد علي الدميني رمزاً من رموز الوطن والثقافة. فقد عرفتُه، مُذ عرفتُه، أنموذجاً في النبل والصدق والإخلاص والعمل والإيمان بالقيم العليا، حتّى تنزّل منا منزلة المعلّم الذي نستلهم من سيرته ومسيرته ما يصحح مساراتنا حين تشتبه علينا معالم الطريق».

حسين آل دهيم: كان عرّابنا
«تربينا على قصائده منذ بداياتنا، كان عراباً لنا بنصه المتجدد المدهش حد الانتشاء، ثم التقيناه فغدا موجهاً وعلامة من علامات تلمس طريقنا نحو الكتابة، جيل بأكمله يدين للأستاذ الشاعر الكبير علي الدميني بالفضل في تهذيب الكتابة الإبداعية».
وأضاف: «علي الدميني لا يموت وهو صانع رتلاً من المبدعين عبر عطائه الطويل جداً... وداعاً يا (سيد الخبت) فقد أورثتنا سيرة الحقول وسورة الإبداع».
جبير المليحان: متفرد في الشعر
كتب علي الدميني الشعر بتفرد خاص به، وأعتقد أنه أشبه بالنحت في دواوينه، ذلك أنه يكتب القصيدة الموجهة للآخرين، وليس لغواية الشعر».
في مقال نشره في مجلة «اليمامة» قال المليحان إن قصائد الدميني «هي رسائله للوقت وللآخرين، ومع بروزه كشاعر في وقت مبكر، فإن إسهاماته في المجال السردي معروفة؛ روايته (الغيمة الرصاصية)، وهي تجربته الروائية الوحيدة التي لم تأخذ حقها في الدراسات القرائية اللاحقة من قبل الكتاب. لكن هذا الشاعر برز في قراءاته التحليلية النقدية للكثير من الأعمال الأدبية، متسلحاً بحصيلة معرفية متراكمة، ومتابعة دقيقة للمنجز الأدبي المحلي والعربي والأدب العالمي».

أحمد بوقري: صاحب الديوان الاستثنائي

> في ذروة صراعه المرير مع تيارات التشدد، أصدر علي الدميني ديوانه الأول «رياح المواقع» الذي يعد من أهم دواوينه الشعرية، وضمّ فيه قصيدته المشهورة «الخبت». كتب الناقد السعودي أحمد بوقري، عن هذا الديوان صفة «الاستثنائي»، معتبراً أن «هذا الديوان يكتسب أهميته الفريدة في تجربة علي الدميني كلها لكونه جذّر المفهوم الحقيقي لمعنى الحداثة الشعرية في أبعادها الأسطورية والآيديولوجية والحضارية والحلمية، وخصوصياتها المكانية، كامتداد أصيل لبادئتها الرائدة التي تحققت على يد شاعرنا الكبير محمد العلي، بل أرى فيها امتداداً محليّاً ومغايراً للحركة ذاتها التي انطلقت في العراق وسوريا ومصر ولبنان، فلم تكن حداثتنا الأدبية في انفصالٍ عما كان يجري عربيّاً وإن جاءت متأخرة بضعة عقود، لكنها اكتسبت خصوصيتها وأسطوريتها ومنابعها المحلية ونكهتها المائزة، واستمراريتها في بيئتها المتشددة الضروس».
في مقالة نشرها بوقري في مجلة «الفيصل» يقول: «ديوان علي (الدميني) الأول يكتنز ملحمية ورموزاً أسطورية وشعبية ونَفَساً لغوياً حارقاً عالي الوتيرة ينتمي ويتقاطع مع التجربة الشعرية العربية القديمة برمتها تفعيليّاً وكلاسيكيّاً أمتحها من رؤيته الحداثية الخاصة ومن قدرته العالية (النقدية الشعرية) في امتصاص واستيعاب تجربة الحداثة الشعرية العربية المعاصرة كلها التي تخلّقت وأنجزت في تجارب الرعيل الحداثي الأول: السيَّاب وأدونيس وسعدي يوسف ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي مروراً بأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور وصولاً إلى تجربة محمود درويش في أوج فنيتها وخروجها من حصار الهاجس السياسي المباشر مع القضية وهمومها الإنسانية اليومية».
بل إنني أجد كل دواوينه اللاحقة وربما في شيء من المبالغة والحب معاً ليست إلا تنويعات تجريبية على هذا الديوان الماستر، نتلمس فيها الدفق الشعري نفسه والقلق المعرفي وقد اختفت عنها تلك الإنشادية القلقة وملحمية اللغة المؤسطرة، التي كتب بها شاعرنا ديوانه الأول وتميزت بها قصائده الأولى كما نجده في قصيدة «الخبت» الشهيرة.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.