علي الدميني... «حالة استثنائية» في المشهد الثقافي السعودي

شعراء ونقاد ومثقفون ينعون أحد رواد الحداثة الأدبية والفنية

علي الدميني
علي الدميني
TT

علي الدميني... «حالة استثنائية» في المشهد الثقافي السعودي

علي الدميني
علي الدميني

بعد معاناة مع المرض، ترجل فجر أمس الشاعر السعودي علي الدميني (74 عاماً)، عن صهوة الشعر، تاركاً خلفه دهراً طويلاً يصدح بالقصائد التي اختطها على دروبٍ محفورة بالشغف والمعاناة، وغرسها كأشجار السنديان الوارفة.
إنه الشاعر الذي ظل ينافح عن قيم الحداثة والحرية والوطن طوال حياته: «ولي وطنٌ قاسَمتُه فتنة الهوى / ونافحتُ عن بطحائه من يقاتلُه / إذا ما سقاني الغيث رطباً من الحيا / تنفّس صبح الخيل وانهلّ وابلُه / وإن مسّني قهرٌ تلمّستُ بابه / فتورق في قلبي بروقاً قبائلُه / تمسّكت من خوفٍ عليه بأمّتي / وأشهرتُ سيف الحبّ هذي قوافلُه».
قبل أيام قليلة كتب لي الدميني رسالة بعد مقال كتبته عنه في هذه الصحيفة، كانت تحمل شعور فارسٍ يكاد يهزمه الألم... هذه النغمة ليست معتادة من صاحب قصيدة «الهوادج»: «ما تبقى من العمر إلا الكثيرْ / فماذا أسمي البياض الذي يتعقّبني / غازياً أم أسيرا؟ / قم من الليل، يا لابس الخيل كيما ترى أفقاً / ناسكاً ونهاراً طهورا».


عناوين مؤلفاته

شاعر الحداثة
مثّل الدميني «حالة استثنائية» في المشهد الثقافي السعودي. منذ هلّ من قرية «المحضرة» في ريف الباحة الجنوبي المفعم بالتلوينات المُلْهِمة، إلى الظهران على ساحل الخليج العربي في عام 1968، منذ ذلك الوقت وهو يمثّل حالة إبداعية فريدة من نوعها، فقد حوّل القصيدة، والكلمة المكتوبة، عبر الصحافة، خصوصاً ملحق «المربد» إلى مدماك ثقافي يرسم المسارات نحو الحداثة.
لم يكن الدميني مجرد حالة أدبية أسهمت بفاعلية في تأسيس الحركة الشعرية الحديثة في المملكة، وإنما كان عنواناً بارزاً في مشروع الحداثة الثقافية والفكرية والاجتماعية الذي وجد رواداً ينافحون من أجله ويحملون شعلته. وكانت القصيدة في يده «كفاعلية ممكنة لاختراق السائد وإعلان التساؤل حول كمال المنجز، وفتح الأبواب العلنية لتأسيس ذائقة جديدة تؤدي دور المفاعيل الثقافية والاجتماعية الأخرى الغائبة».
امتزجت شعرية الدميني بالوعي: وعي اللحظة الشعورية، ووعي الزمان الذي يتشكل سريعاً، ووعي المكان الذي تسري فيه عجلة التحديث والتطوير والنمو مع اتساع دائرة التعليم والمعرفة.
ولم تكن المعركة بين الحداثيين وخصومهم محصورة باجتراحهم لقصيدة النثر أو التفعيلة، كانت قوالب الشعر الحديثة مجرد واجهة للانفتاح على العالم والانعتاق من الثقافة السائدة. وكان الدميني ينحاز للشعر المنتمي للحداثة «بقدر انحياز رؤيته إلى العقلانية، والحرية، وقيم العدالة الاجتماعية، والمساواة، والانتصار للتقدم والرفع من مكانة المرأة».
خاض معارك الحداثة، في وجه دولاب التشدد. ويقول لي في حوار نشرته «الشرق الأوسط»: «أؤكد أن مشروع الحداثة الأدبية والفنية في بلادنا قد تغلّب على كل العنف المضاد له من الجهات كافة»، ورغم أن تلك المعارك أدمت أصحابها، فإنه ينظر بوعي ثاقب إلى أن المعركة لم تنجز بعد، يحدثني قائلاً: (مشوار الحداثة في الأدب والشعر في بلادنا تحديداً لا يمكن له أن ينجز مشروعه الحداثي الحلمي إلا حين تتكامل للمجتمع كل مقومات تبنّي قيم وآليات تحقيق زمن الحداثة، في أبعادها الحياتية المختلفة».
ويقول إن «الحداثة وفق قيمها الناظمة لسيادة العقلانية والحرية والديمقراطية وتحرير الكينونة الذاتية والإبداعية من أحمال الإرث والعادات والنمط والقهر الاجتماعي والسياسي، لا تتحقق بشكل عام إلا ضمن منظومة من التفاعلات الجدلية والتكاملية بين المكوّن الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي لأي مجتمع، وليست مقتصرة على الفكر والآداب والفنون فقط، وإن كانت هذه الأخيرة تحتفظ بخصوصية واستقلالية مختلفة».
ويتحدث عن تجربته قائلاً: «إذا أتينا إلى حقل الشعر تحديداً، فإنني أعد نفسي غصناً في شجرة التجديد والرنو إلى الحرية والحداثة في العالم كله، مثلما أراني في بلادنا واحداً ممن مضوا في هذا الدرب الطويل، الذي امتد من العواد إلى حسن القرشي وغازي القصيبي إلى محمد العلي، وجيلي الذي أنتمي له».
صدرت للشاعر علي الدميني دواوين شعرية عدة: «رياح المواقع»، و«بياض الأزمنة»، و«مثلما نفتح الباب»، و«بأجنحتها تدق أجراس النافذة». كما صدرت له رواية وحيدة بعنوان «الغيمة الرصاصية»، وتعد قصيدته (الخبت) من أشهر القصائد على المستوى العربي.
أشرف الدميني على ملحق «المربد» الثقافي الشهير في الثمانينات في جريدة «اليوم»، ومن ثم أسس مجلة «النص الجديد» التي عرفت باحتضانها للتجارب الحديثة واحتوت على تجارب ونصوص حداثية.

هنا شهادات شعراء ونقاد ومثقفين عن الفقيد

عبد الرزاق الربيعي: لم تكتب وصيتك فأنت «لست وصياً على أحد»
ليس من المصادفة أن ألتقيه، وجهاً لوجه، بعد سنوات من لقاءات الكلمات بالدمّام في عيد الحب عام 2014 الموافق ١٤ فبراير (شباط)، فالمحبة عنوان عريض في حياة شاعرنا الكبير الراحل علي الدميني، وقد تهجّى حروف هذا العنوان كلّ من عرفه عن قرب، أو قرأ تعليقاته على منشورات الأصدقاء في صفحته بـ«فيسبوك»، أو قرأ شعره، وعرف مواقفه الإنسانية والوطنية.
جرى ذلك اللقاء في ملتقى الوعد الثقافي، عندما استضافنا بتنسيق مع الصديق الكاتب حسين الجفّال في أمسية جمعتني بالعزيزين عدنان الصائغ ود. أمين الزاوي بمقرّه بالدمام، أدارها الشاعر حسين آل دهيم، في تلك الأمسية رمى صنّارته في شباك القلب، ولم نفترق تلك الليلة إلا بوقت متأخّر، وظلّ تواصلنا مستمراً، حتى اللقاء الأخير الذي جمعنا في المنامة أواخر ديسمبر (كانون الأول) ٢٠١٨م، فما أن سمع بوصلنا، أنا مع صديقي الشاعر عدنان الصائغ، حتى قدم من (الدمّام) ليحضر الأمسية التي نظمتها أسرة الأدباء في البحرين، وقدّمها د. علوي الهاشمي، وقد جاء مصطحباً زوجته، وابتسامته العريضة وقلبه الكبير، وما تيسّر من إصدارات جديدة، ودعانا للغداء في اليوم التالي، وكان قاسمنا الأعظم هموم المنطقة، والقصيدة، والناس، ومشروع جمع أعمالي الشعرية، ونهاراتي التي بلا تجاعيد، و(نرد النص) كتاب عدنان الصائغ الذي لم يتسنَّ له قراءته بعد صدوره هذا العام، والتخطيط لمشروعات مقبلة أجهز عليها المرض الذي لم يمهله طويلاً، فيا علي الدميني، أعرف أنك لم تكتب وصيتك فأنت «لست وصياً على أحد» كما عنونت سيرتك، واليوم، ونحن نلوّح لك، وأنت تغادرنا، يلزمنا «الكثير من الوقت، والكثير من العباءات السود لنقيم الحداد» عليك.
عزاؤنا أنّ حياتك «لم تكن خاوية،، بل كانت ملأى بأجنحة الأحلام المنكسرة والمتع المجهضة والحكايات الكبرى».

دخيل الخليفة: الدميني
محرك الحركة الإبداعية
يرحل المبدع جسداً لكن روحه تظل محلقة في آفاق المشهد الشعري والفكري، وقامة كبيرة كعلي الدميني ستبقى راياته خفاقة، كيف لا وهو الذي ربط في تجربته بين الإبداعي والإنساني والأخلاقي، بين القلق المعرفي والانزياحات الشعرية. لقد أسس الدميني ورفاقه بدءاً من الكبير محمد العلي لمفهوم حقيقي للحداثة في المملكة العربية السعودية في وقت صعب، خضع خلاله الوضع الاجتماعي والثقافي لسيطرة فكر متشدد ومناهض لحركة التحديث في بنية المجتمع وعاداته التي ينشدها الدميني ورفاقه.
ويكمل قائلاً: «اللافت طبعاً أن تلك الأهداف المنشودة تحققت الآن مع الرؤية الجديدة التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي منحت المواطن السعودي طاقات جديدة وأفكاراً نالت إعجاب العالم». المؤكد أن تجربة الدميني ورفاقه، أثّرت جداً في الحركة الإبداعية التي تلتها، وفتحت الباب واسعاً للأجيال التالية، خصوصاً من ممتهني قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، ليعبروا عن أفكارهم وأساليبهم دون ارتجاف من مفهوم الشكل، الذي كثيراً ما تحجج به أتباع النص التقليدي ومناهضو الحداثة، فبرزت أسماء كمحمد الثبيتي ومحمد جبر الحربي وخديجة العمري وعبد الله الصيخان وأحمد الحربي ومحمد الألمعي ومحمد الدميني... وتبعهم التسعينيون أمثال أحمد الملا وحمد الفقيه وأحمد كتوعة وعلي العمري وإبراهيم الحسين ومحمد حبيبي ومحمد الحرز وعبد الله السفر وإبراهيم الوافي وآخرين هم الآن في طليعة كتاب هذا النمط الشعري الحداثي.
ويختتم خليفة قائلاً: «كل هذا وعلي الدميني كان زاهداً في الظهور الإعلامي والحوارات، وجل تركيزه المساهمة بصنع واقع فكري وثقافي مغاير».

سعد البازعي: اسم محفور
على واجهة الشعر
علي الدميني اسم كبير محفور على واجهة الشعر العربي الحديث ومثقف ترك أثره الذي لا يُنسى على مشهدنا الفكري والإبداعي.
لا أعرف تعبيراً أعمق أو أجمل عن الضيق بالحياة حين تضن بالمؤمل وتحجب الأحلام من عبارة علي الدميني «ما تبقى من العمر إلا الكثير». الكل يقول «ما تبقى من العمر إلا القليل»، لكن قلب العبارة أبلغ في الدلالة على أن السنين لا قيمة لها حين تخلو مما نتمنى».

سعيد السريحي: كان أنموذجاً
في النبل والصدق
«فقدنا بفقد علي الدميني رمزاً من رموز الوطن والثقافة. فقد عرفتُه، مُذ عرفتُه، أنموذجاً في النبل والصدق والإخلاص والعمل والإيمان بالقيم العليا، حتّى تنزّل منا منزلة المعلّم الذي نستلهم من سيرته ومسيرته ما يصحح مساراتنا حين تشتبه علينا معالم الطريق».

حسين آل دهيم: كان عرّابنا
«تربينا على قصائده منذ بداياتنا، كان عراباً لنا بنصه المتجدد المدهش حد الانتشاء، ثم التقيناه فغدا موجهاً وعلامة من علامات تلمس طريقنا نحو الكتابة، جيل بأكمله يدين للأستاذ الشاعر الكبير علي الدميني بالفضل في تهذيب الكتابة الإبداعية».
وأضاف: «علي الدميني لا يموت وهو صانع رتلاً من المبدعين عبر عطائه الطويل جداً... وداعاً يا (سيد الخبت) فقد أورثتنا سيرة الحقول وسورة الإبداع».
جبير المليحان: متفرد في الشعر
كتب علي الدميني الشعر بتفرد خاص به، وأعتقد أنه أشبه بالنحت في دواوينه، ذلك أنه يكتب القصيدة الموجهة للآخرين، وليس لغواية الشعر».
في مقال نشره في مجلة «اليمامة» قال المليحان إن قصائد الدميني «هي رسائله للوقت وللآخرين، ومع بروزه كشاعر في وقت مبكر، فإن إسهاماته في المجال السردي معروفة؛ روايته (الغيمة الرصاصية)، وهي تجربته الروائية الوحيدة التي لم تأخذ حقها في الدراسات القرائية اللاحقة من قبل الكتاب. لكن هذا الشاعر برز في قراءاته التحليلية النقدية للكثير من الأعمال الأدبية، متسلحاً بحصيلة معرفية متراكمة، ومتابعة دقيقة للمنجز الأدبي المحلي والعربي والأدب العالمي».

أحمد بوقري: صاحب الديوان الاستثنائي

> في ذروة صراعه المرير مع تيارات التشدد، أصدر علي الدميني ديوانه الأول «رياح المواقع» الذي يعد من أهم دواوينه الشعرية، وضمّ فيه قصيدته المشهورة «الخبت». كتب الناقد السعودي أحمد بوقري، عن هذا الديوان صفة «الاستثنائي»، معتبراً أن «هذا الديوان يكتسب أهميته الفريدة في تجربة علي الدميني كلها لكونه جذّر المفهوم الحقيقي لمعنى الحداثة الشعرية في أبعادها الأسطورية والآيديولوجية والحضارية والحلمية، وخصوصياتها المكانية، كامتداد أصيل لبادئتها الرائدة التي تحققت على يد شاعرنا الكبير محمد العلي، بل أرى فيها امتداداً محليّاً ومغايراً للحركة ذاتها التي انطلقت في العراق وسوريا ومصر ولبنان، فلم تكن حداثتنا الأدبية في انفصالٍ عما كان يجري عربيّاً وإن جاءت متأخرة بضعة عقود، لكنها اكتسبت خصوصيتها وأسطوريتها ومنابعها المحلية ونكهتها المائزة، واستمراريتها في بيئتها المتشددة الضروس».
في مقالة نشرها بوقري في مجلة «الفيصل» يقول: «ديوان علي (الدميني) الأول يكتنز ملحمية ورموزاً أسطورية وشعبية ونَفَساً لغوياً حارقاً عالي الوتيرة ينتمي ويتقاطع مع التجربة الشعرية العربية القديمة برمتها تفعيليّاً وكلاسيكيّاً أمتحها من رؤيته الحداثية الخاصة ومن قدرته العالية (النقدية الشعرية) في امتصاص واستيعاب تجربة الحداثة الشعرية العربية المعاصرة كلها التي تخلّقت وأنجزت في تجارب الرعيل الحداثي الأول: السيَّاب وأدونيس وسعدي يوسف ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي مروراً بأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور وصولاً إلى تجربة محمود درويش في أوج فنيتها وخروجها من حصار الهاجس السياسي المباشر مع القضية وهمومها الإنسانية اليومية».
بل إنني أجد كل دواوينه اللاحقة وربما في شيء من المبالغة والحب معاً ليست إلا تنويعات تجريبية على هذا الديوان الماستر، نتلمس فيها الدفق الشعري نفسه والقلق المعرفي وقد اختفت عنها تلك الإنشادية القلقة وملحمية اللغة المؤسطرة، التي كتب بها شاعرنا ديوانه الأول وتميزت بها قصائده الأولى كما نجده في قصيدة «الخبت» الشهيرة.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.