تسعة كتب نالت الشهرة ببطء

ازدادت شعبيتها بعد ترجمتها إلى الإنجليزية

عبد الرزاق قرنح  -  نجيب محفوظ  -  فاسيلي غروسمان  -  موراكامي
عبد الرزاق قرنح - نجيب محفوظ - فاسيلي غروسمان - موراكامي
TT

تسعة كتب نالت الشهرة ببطء

عبد الرزاق قرنح  -  نجيب محفوظ  -  فاسيلي غروسمان  -  موراكامي
عبد الرزاق قرنح - نجيب محفوظ - فاسيلي غروسمان - موراكامي

- «الغابة النرويجية»، لهاروكي موراكامي
أحدثت رواية هاروكي موراكامي الخامسة، «الغابة النرويجية»، ضجة في اليابان عندما صدرت للمرة الأولى سنة 1987. وبرغم نجا حها، لم تكن متوفرة باللغة الإنجليزية على نطاق واسع حتى سنة 2000، لكن قلة من الأشخاص خارج بلد المؤلف كانوا قد سمعوا عنها إلى حين صدور بعض مؤلفاته الأخرى لاحقا باللغة الإنجليزية. ويُقال إن الناشرين الأميركيين افترضوا في البداية أن «الغابة النرويجية» لن تحظى بقبول جمهور واسع. لكن بمجرد أن ظهرت أخيرا في العالم الناطق بالإنجليزية، كانت الضجة في كل مكان، وانتهى بها المطاف إلى بيع ملايين النسخ عالميا.
هذا مجرد مثال واحد لظاهرة معروفة: والواقع أن بعض الكتب والمؤلفين تُقرأ على نطاق واسع في الخارج، ولكنها تجد شعبية في الأسواق الأميركية بعد عقود من الزمان فقط.

- «لماذا هذا العالم؟» لبنجامين موسر
كتاب بنجامين موسر عن سيرة الكاتبة البرازيلية، الأوكرانية المولد، «كلاريس ليسبر» سنة 2009 بعنوان «لماذا هذا العالم؟»، ساعد على إطلاق مشروع لإعادة ترجمة أعمالها إلى اللغة الإنجليزية. رغم أن الروائي التنزاني «عبد الرزاق قرنح» يكتب باللغة الإنجليزية بالأساس، فإن الكاتب لم يكن معروفا بشكل كبير بالنسبة للجمهور الأميركي قبل فوزه بجائزة نوبل في الأدب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، برغم أنه كان ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر سنة 1994 ونشر 10 روايات. والآن، هرعت دار النشر الأميركية «ريفرهيد» للاستحواذ على بعض عناوين روايات قرنح الجديدة والقديمة، مثل «الهروب» (2005)، و«بحر» (2001)، وسوف تُنشر روايته الأخيرة «بعد الحياة» في الولايات المتحدة بعد عامين فقط من إصدارها الأولى. أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي قط.
العناوين التسعة المعروضة أدناه هي مجرد بعض من الكتب الكثيرة التي مضت لتعيش نوعا من حياة ثانية في الترجمة الإنجليزية بعد بروزها الأول أو إنجازها بلغة أخرى. وتدين الطبعات المتأخرة بالكثير للعاطفة المتفانية لدى المترجمين والناشرين - لكن، كما جرى تذكيري أثناء البحث في هذه المقالة - ربما كان من حسن الحظ أيضا.

- ثلاثية نجيب محفوظ
كانت جائزة نوبل في الأدب لمحفوظ سنة 1988، هي أول جائزة يفوز بها مصري أو عربي. وصدرت الثلاثية كاملة للمرة الأولى باللغة العربية سنة 1957، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية بين عامي 1990 و1992. وتتبع الرواية المؤلفة من ثلاثة أجزاء ثلاثة أجيال من عائلة «السيد أحمد عبد الجواد» خلال الصعود المضطرب للهوية الوطنية المصرية، بدءا من السنوات السابقة على سقوط الإمبراطورية العثمانية. البنية المعمارية لمنزلهم ذات الطوابق المختلفة هي رمز لعلاقاتهم الاجتماعية، إما مفتوحة أو هي محظورة على بعض أفراد الأسرة (سيما النساء). هذا التراتب الهرمي يتجلى في إيقاعات تقاسم الوجبات والمناقشات السياسية، بما في ذلك الآيديولوجيات التي تشعل أحيانا الثورات.
يركز محفوظ على شخصية «أمينة»، الأم، رئيسة الأسرة، كصورة مصغرة لعقود من التغيير. وفي رواية «السكرية»، ثالثة الثلاثية، تلتصق النساء سويا حول دفء الموقد في يوم بارد من يناير (كانون الثاني) القارس، ورغم استمرار الطقوس الخاصة بساعة القهوة العائلية، فإنها ينتابها التغيير الواضح إثر الاضطرابات في السنوات الماضية: إذ تبقى بعض الكراسي فارغة.
«الصدور والبيض»، لميكو كواكامي لأي مدى يتحكم الجسد في وجود المرأة؟ يبحث كواكامي في رواية «الصدور والبيض» في قضية الأنوثة، بالإضافة إلى فحص الذات، والحكم الخارجي الذي يلهمه. ثلاث نساء من الطبقة العاملة يجتمعن في طوكيو: «ماكيكو»، أم لابنتها المراهقة تقريبا، و«ميدوريكو»، التي تزور أختها الصغرى وخالة «ميدوريكو»، و«ناتسوكو»، وهي فتاة غير متزوجة بالغة من العمر 30 عاما، وتعاني لاحقا من عدم الإنجاب وتحديد مكانتها في المجتمع. إنهن يواجهن العذاب الداخلي. تُبحر ناتسوكو في أوجاع عائلتها الماضية والحاضرة، فنرى ماكيكو، التي تواجه الشيخوخة وعدم الأمن، تفكر في تكبير ثدييها، بينما صامت ميدوريكو، التي لجأت إلى مذكراتها، عن الكلام وقد أرهقتها أعباء المراهقة العاطفية. ينقل كواكامي الأخوية، والتضحية، والتوترات بين الأجيال إلى علاقة حميمة مثيرة للمشاعر في الجزء الأول من الرواية، عبر ملاحظات تبدو ملطفة للأجواء. «ماذا يمكن أن نصنع بالبيض فقط؟» تسأل إحدى الشخصيات، وهي تتفقد الثلاجة أمامها. يمكن صناعة الكثير بالبيض كما يتضح. توسعت الرواية من نسختها القصيرة سنة 2008 إلى رواية كاملة من جزأين، ونُشرت باللغة الإنجليزية سنة 2020، ثم تتباطأ وتيرة رواية «الصدور والبيض» مع انتقال ناتسوكو من الوساطة في الصراع بين شقيقتها وابنة أخيها إلى الاهتمام بأحلامها المكبوتة. وهذا، على نحو مفهوم، يستلزم جهدا كبيرا ومزيدا من التصميم.

- رواية «التألق والشروق»، للوبي ك. سانتوس
ظهرت رواية «التألق والشروق» في البداية في شكل كتاب سنة 1906، وتُرجمت إلى الإنجليزية سنة 2021. لقد كتب سانتوس، المؤلف البارز، والمترجم، والسيناتور في الفلبين، رواية متأثرة بالحياة إبان الحرب الفلبينية الأميركية أثناء تبنيه آيديولوجيات يسارية نشطة في ذلك الوقت، وكان مشاركا في أول اتحاد نقابي حديث في البلاد، «الاتحاد الديمقراطي الفلبيني».
في قصة الحب هذه، والتي تبدو وكأنها نشرة سياسية، تقاسم الصديقان ديلفين وفيليب، المشاعر السلبية والإيجابية عبر مجريات الحياة اليومية. فالأولى اشتراكية، والثاني فوضوي. ولا تتواءم أفكارهما على الدوام، وهما يناضلان لإقصاء الرأسمالية عن حياتهما، لا سيما عندما تؤدي لتعقيد علاقاتهما.

- «ثلاثية كوبنهاغن: الطفولة والشباب والتبعية»، لتوف ديتليفسن «الطفولة طويلة وضيقة كالتابوت، ولا يمكنك مغادرتها من تلقاء نفسك»، هذا ما كتبته توف ديتليفسن في الجزء الأول من الثلاثية بعنوان «الطفولة» في كوبنهاغن. وكانت المجلدات الأولى من مذكراتها قد نُشرت سنة 1967 قبل 9 سنوات من وفاتها انتحارا، ورغم ذلك لم تُنشر ترجمتها الإنجليزية الكاملة إلا في سنة 2019. في البداية تسعى المؤلفة إلى فهم المغزى من الحياة في الوقت الذي تواجه فيه وصمة الفقر، ثم يعلو صوت «الشباب» الرافض للسقوط في مثل هذه الورطة. تتوق ديتليفسن كثيرا إلى الحرية، حتى وهي تتأرجح بين الالتزام بالقواعد الراسخة والتخلي عنها.

- «الحياة والمصير» لفاسيلي غروسمان
يوضح كتاب «الحياة والمصير»، الذي ألفه غروسمان، الطبيعة الغريبة للحرب في حالة نثرية جاذبة، ورائعة، ويقدم رواية واقعية لا مثيل لها عن معركة ستالينغراد بين عامي 1942 و1943. لقد أتم تأليف الرواية سنة 1959، في أعقاب ما بعد الستالينية، وتضم شخصيات الرواية عائلة «شابوشنيكوف» و«شتروم»، فضلا عن الجنود الألمان والسوفيات والمثقفين والناس العاديين. إن مصائرهم الفردية متشابكة ومرتبطة ببقاء المدينة، والشخصيات السوفياتية عالقة ما بين الدفاع عن بلادها ودعم نظامها السفاح. وبرغم وجود تلميحات على الانفتاح السياسي في نهاية الخمسينات فإن إدانة «الحياة والمصير» للفظائع التي أقرتها الدولة تجاوزت الحدود؛ وقد صادرت الاستخبارات السوفياتية مسودة رواية غروسمان أثناء عرضها على الناشرين. وتمكن أصدقاء له من تهريب نسخة خفية من المسودة إلى سويسرا، حيث نُشرت الرواية أخيرا سنة 1980، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية سنة 1985. حقيقة الرواية مستمدة من الوضوح الأخلاقي الاستثنائي لمؤلفها. ولأنه صحافي، شهد غروسمان بنفسه على مجازر لا يُسبر غورها، وكتب تقارير مبكرة عن الجرائم النازية. ومع ذلك، لم يتمكن غروسمان من إنقاذ والدته من بيرديشيف في أوكرانيا، حيث قتلها النازيون مع ما يقرب من 30 ألف يهودي آخرين.

- «كتابات مختارة» لنمرود
نشر الكاتب «نمرود»، المولد في تشاد، أكثر من 20 كتابا باللغة الفرنسية منذ 1989، ونال جائزة «إدوار غليسان» وجائزة «أبولينير» الشعرية، من بين امتيازات أدبية أخرى بالفرنكوفونية. وقد أشرفت «فريدا إكوتو»، أستاذة الأدب في جامعة ميشيغان، على نشر معظم نصوص «نمرود» المثيرة للعواطف والذكريات سنة 2018 مما جعلها متاحة للجمهور الناطق بالإنجليزية للمرة الأولى. يستكشف نمرود من خلال هذه المقالات، والقصص القصيرة، والقصائد ما إذا كانت اللغة الفرنسية يمكن أن تجسد العواطف والرغبات والحب في عالم ما بعد الاستعمار.
«الطريق إلى المدينة والقلب الجاف» لناتاليا جينزبورغ
تُرجمت هذه الرواية للمرة الأولى من الإيطالية بعد بضع سنوات من نشرها في أربعينات القرن الماضي، ثم أعيد نشرها مؤخرا سنة 2021، وهي عبارة عن حكايات الرغبة المعقدة واكتمال الأنوثة في سن الرشد ما بين قوسي: الزواج والأمومة. وفي هذه الأقاصيص المترابطة، التي نُشرت بين دفتي كتاب واحد، تتوق شخصيات الرواية إلى المعنى والحب المتبادل. إحداهما تحمل طفلا بلا زواج، وتصارع الأخرى للحفاظ على زواجها السعيد مع زوجها البارد عاطفيا. وتُغري المدينة السيدة الأولى، في حين تعيش الثانية حياة منعزلة في ضواحيها. والمؤلفة ناتاليا جينزبورغ صوت أدبي ظهر في إيطاليا الأربعينات والخمسينات، وقد شغلها موضوع الخيانة وعواقبها، وطرحت أسئلة عما إذا كان على النساء المطالبة بالمزيد بدلا من الاستقرار.

- «مذكرات براس كوباس بعد وفاته» لماشادو دي أسيس
كان الكاتب البرازيلي «ماشادو دي أسيس» من فترة أواخر القرن التاسع عشر، متقدما بشكل حاسم على زمانه لما أعاد تفسير الشخصية الرئيسية في روايته «مذكرات براس كوباس بعد وفاته»، التي ألفها سنة 1881. وتُرجمت إلى الإنجليزية في السنوات 1952 و1955، و1997، مع ترجمتين جديدتين ظهرتا سنة 2020، في كتاب ينضح بروعة الحداثة. كان براس كوباس، الشخصية المتوفاة، قد ولد سنة 1805، ولم يبلغ النعمة أو المجد في حياته قط.

- «الحرفيون: قرية صينية متلاشية» لشين فويو
تتسع محبة شين فويو لقريته التي يبلغ عمرها 600 عام في جنوب شرقي الصين، كمثل سعيه للحفاظ على ذكريات الأسرة. إنها مهمة ملحة بالنسبة لمؤلف أكثر من 12 كتابا يعيش في باريس، ذلك لأن أسلوب حياة قريته يتلاشى بمرور الأيام بصورة مؤلمة. وفي كل مرة يعود إلى القرية، يلاحظ أن المزيد من المنازل ينالها التدهور، وأن القرية يجري «تطويرها» بوتيرة مقلقة. وعبر هذا التحول السريع، يمثل الحرفيون طبقة متلاشية. يرسم شين فويو لوحة اجتماعية وعاطفية لمكان على مدى قرن كامل من الزمان.

خدمة: «تريبيون ميديا»



كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
TT

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)

فازت الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026؛ وذلك تقديراً لـ«أعمالها الجريئة والمبتكرة التي خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر من خلال حوار مرِح مع التقاليد الكلاسيكية»، وفق ما أعلنت الجهة المانحة للجائزة، يوم الخميس، وفقاً لوكالة «رويترز».

تُمنح الجائزة من قِبل الأكاديمية السويدية، وتبلغ قيمتها 12 مليون كرونة سويدية (1.2 مليون دولار).

وغالباً ما تمزج أعمال كارسون - وهي شاعرة وكاتبة مقالات كندية - بين الشعر والنثر والحوار والترجمة في مزيج يتجاوز التصنيفات الأدبية التقليدية.

وتشتهر كارسون، على نطاق واسع، بترجماتها للأدب اليوناني الكلاسيكي، الذي يترك أثراً كبيراً في أعمالها المتنوعة؛ إذ تتراوح هذه الأعمال بين نصوص الأوبرا (الليبريتو) والنقد الأدبي والروايات الشعرية.

ويتجلى أسلوبها بوضوح في عملها «نورما جين بيكر من طروادة»» (Norma Jeane Baker of Troy)، الصادر عام 2019، وهو عمل أدائي يمزج بين قصتي هيلين الطروادية - كما وردت في مسرحية «هيلين» للكاتب يوريبيديس - ومارلين مونرو.

نُسخ من كُتب آن كارسون الحائزة جائزة نوبل في الأدب لعام 2026 (رويترز)

وبهذا الفوز، تنضم كارسون إلى قائمة من العمالقة الأدبيين حائزي الجائزة، أمثال ألكسندر سولجينتسين وأليس مونرو وإرنست همنغواي؛ وهي جائزة كثيراً ما تثير انقساماً في الآراء بين عشاق الأدب.

وقد واجهت الأكاديمية انتقادات لاذعة لتجاهُلها بعض عمالقة الأدب على مدار المائة وعشرين عاماً الماضية، مثل ليو تولستوي وفيرجينيا وولف وخورخي لويس بورخيس، كما انتُقدت لتجاهلها الكُتاب الأميركيين، رغم منحها الجائزة للمُغني وكاتب الأغاني بوب ديلان في عام 2016، واتُّهمت أيضاً بأن خياراتها تتسم بالغموض الشديد.

في المقابل، يرى المدافعون عن الأكاديمية أنها اختارت أسماءً تحظى بشعبية واسعة، مثل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عام 1982، ودوريس ليسينغ عام 2007، مؤكدين أن جزءاً من مهمتها يتمثل في تسليط الضوء على تقاليد أدبية أقل شهرة وتشجيع القراء على توسيع آفاقهم.

وتُمنح جوائز الإنجازات في مجالات الأدب والعلوم والسلام، التي أُسست بموجب وصية رجل الأعمال السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل، منذ عام 1901.

وقد فاز بجائزة العام الماضي الكاتب المجري لازلو كراسنـاهوركاي.


من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون
TT

من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون

من جديد، يعود موسم جوائز نوبل وتعود معه التخمينات حول من يفوز بجائزة نوبل في الآداب لعام 2026؛ إذ حددت الأكاديمية السويدية، كالعادة، يوم الخميس، للإعلان عن اسم الفائز/ أو الفائزة.

ومنذ أيام، والتكهنات تتبارى في الملاحق الثقافية لكبريات الصحف الصادرة في السويد ووسائل الاتصال المرئية والمسموعة، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي لتخمين اسم الأديب، أو الأديبة. لكنها تبقى تكهنات فحسب، وإن كانت قوية؛ ذلك لأن شروط نيل الجائزة صارمة فيما يتعلق بكتمان سر الأسماء المرشحة والتي لا يجوز الكشف عنها إلا بعد مرور خمسين عاماً على تأريخ الترشح لها.

لكن المهتمين بهذه الجائزة بإمكانهم استقراء بعض المؤشرات التي ربما تعين على الاستدلال على من سينال هذه الجائزة، ومن هذه المؤشرات اتباع ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية تبنيها في السنوات العشر الأخيرة، بمنحها بالتناوب بين كاتب وكاتبة، ابتداءً من عام 2017، حيث منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب إلى كازوو إيشيغورو، وهو كاتب بريطاني من أصل ياباني. وفي السنة التي تلتها منحت جائزة نوبل في الآداب إلى الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك.

واستمرت الأكاديمية السويدية على هذا التناوب حتى العام الماضي 2025، حيث مُنحت الجائزة إلى الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي، وبناء على هذه القاعدة فمن المرجح أن تُمنح جائزة نوبل في الآداب لهذا العام إلى كاتبة. الأكاديمية السويدية لا تعيش ضمن حدود دائرتها المغلقة، بل هي في تماس وقراءات متواصلة طوال العام لما يجري على الساحة الثقافية في السويد والعالم، فهناك بعض الكاتبات والكتّاب ممن حصدوا جوائز أخرى قيمة أيضاً، مثل جائزة مان بوكر العالمية، وجائزة غونه الألمانية، وجائزة ستيغ داغرمان السويدية، والتي بإمكانها أن تفتح طريقاً نحو جائزة نوبل.

جوخة الحارثي

 

ووفق لذلك، بإمكاننا القول إن من بين المفترضين لنيل جائزة نوبل للأدب هذا العام، العمانية جوخة الحارثي، التي حصدت جائزة مان بوكر العالمية في عام 2019 عن روايتها «سيدات القمر» (2010): وهي أول كاتبة عربية تنال هذه الجائزة المرموقة. وقد تميزت برصدها المتأني وبلغة سلسة، تحولات المجتمع العُماني عبر أجيال مختلفة. ومن مؤلفاتها الأخرى «منامات» الصادرة في عام 2004، و«نارنجة» (2016)، وهي رواية تستكشف بأسلوب عميق تفاصيل النفس البشرية والذكريات والعلاقات الإنسانية. و«حرير الغزالة» (2021): عمل روائي بارز يتواصل فيه السرد باستكشاف التحولات الاجتماعية والإنسانية. ونيلها الجائزة ليس بالمستبعد.

ومن بين الكاتبات اللواتي فزن بجائزة بوكر ويرجح أن يخطرن على بال الأكاديمية السويدية جيتانجالي شري، وهي كاتبة هندية، تُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في الهند. عُرفت أعمالها بالتجريب اللغوي وجرأتها في السرد وبانشغالها بأسئلة الهوية، والذاكرة، والجسد، والحدود، مع اهتمام خاص بتفكيك السرديات السائدة وإعادة النظر في أشكال الرواية التقليدية.

وهي أول كاتبة هندية تحصل على جائزة «بوكر» الدولية، في عام 2022، وذلك عن روايتها «ضريح الرمل» التي تدور أحداثها في شمال الهند، وتتناول فيها حياة امرأة تبلغ 80 عاماً، تبدأ حياة جديدة غير تقليدية بعد وفاة زوجها.

ويرد أيضاً اسم الكاتبة الهندية الثانية التي فازت ببوكر، العام الماضي، 2025 عن مجموعتها القصصية «هارت لامب... مصباح القلب»، التي تتناول الحياة اليومية لنساء مسلمات في جنوب الهند. وتكتب بلغة الكانادية، هي لغة محلية في الهند.

ومن الأسماء المتداولة جداً هذا العام، آن كارسون، وهي كاتبة كندية ولغوية، وشاعرة، ومترجمة، وناقدة أدبية،، وباحثة في الأدب القديم، كما هو الحال في كتابها «السيرة الذاتية الحمراء».

ويمزج أسلوب كارسون في الكتابة بين الشعر والمقالات والنقد الأدبي وأشكال أخرى من النثر، وأسلوبها فريد ومبتكر وعلمي في آن واحد. حصلت آن كارسون على العديد من الجوائز الأدبية ورُشِّحت لجائزة «الكتاب الوطني للشعر» لعام 2024 عن مجموعتها الشعرية «المعيار الخاطئ» في عام 2021، وجائزة PEN/Nabokov للتميز في الأدب العالمي. وتقيم كارسون في نيويورك.

ومن الأسماء النسوية البارزة كان شويه، أو تسان شيويه، كاتبة صينية، وُلدت خلال فترة مضطربة في تاريخ الصين وعاشت عائلتها تحت وطأة ظروف قاهرة، تعرض والدها للاعتقال والتعذيب جراء مناهضته للسلطات، كما تعرضت عائلتها للاضطهاد إبان الثورة الثقافية. وكل هذه التجارب انعكست بشكل كبير في رواياتها وقصصها القصيرة التي تعددت فيها أساليب الكتابة، ويقارن النقاد أعمالها الأدبية بكتابات كافكا، بسبب أسلوبها التجريبي الذي يمزج بين اليوتوبيا والواقع المرير؛ ففيها الواقع المتخيل والتخيلات الواقعية المحتقنة بالسلبيات، وما بينهما نوع من السوريالية التي تقوم بتحويل الحدث إلى قطعة غرائبية في عرضها للأحداث اليومية، بأسلوب غير واقعي وقاتم، يحول الأحداث اليومية إلى منحى سوريالي.

ومن كتبها المترجمة إلى السويدية، «أعيش في الأحياء الفقيرة»، وهي مجموعة قصصية تتناول فيها الحياة على هامش المجتمع، و«الحب في الألفية الجديدة» ترصد حيوات مجموعة من النساء في مجتمع تتربص فيه المؤامرات والشكوك في كل زاوية، كما يتربص السحر، وتعرضت الكثيرات منهن للاستغلال في مصنع القطن المحلي، لكنهن تمكنّ من الفرار.

ثم يأتي اسم جامايكا كينكيد، وهي روائية أميركية وكاتبة مسرحية نشأت في منطقة الكاريبي على جزيرة أنتيغوا الكاريبية. وقد وُلدت عام 1949 باسم إيلين بوتر ريتشاردسون، ونشأت مع والدتها في الجزيرة التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية. وفي سن السادسة عشرة، انتقلت إلى نيويورك للعمل مربيةَ أطفال، وبعد عشر سنوات أصبحت كاتبة دائمة في مجلة «نيويوركر».

واتخذت اسم جامايكا كينكيد؛ لأنها أرادت إخفاء حقيقة كونها كاتبة عن والدتها. كان أول ظهور لها بوصفها كاتبة مع مجموعة قصص قصيرة عنونتها بـ«في قاع النهر» عام 1983. وفي عام 1985، أصدرت روايتها «آني جون»، وتدور حول والدتها.

ومن بين الكاتبات المميزات أيضاً، المكسيكية كريستينا ريفيرا غارزا، التي اشتهرت برواياتها ومذكراتها. حازت العديد من رواياتها على أرفع جوائز أدبية في المكسيك وتكريمات دولية. من مؤلفاتها: «لن يراني أحد أبكي»، ومذكراتها الصادرة عام 2023 بعنوان «صيف ليليانا الذي لا يُقهر»، والتي توثق حياة شقيقتها ومقتلها عام 1990 على يد حبيبها وهي في العشرين من عمرها.

ووصلت إلى القائمة النهائية لجائزة «الكتاب الوطني» لعام 2023 عن فئة الأعمال غير الروائية، وفازت بجائزة «بوليتزر» عن فئة المذكرات أو السيرة الذاتية. ووصفت أعمال ريفيرا غارزا بأنها «ممتعة ومُقلقة في آن». بصفتها كاتبة، تسعى إلى إضفاء طابعٍ مُظلم على الأشياء وإثارة الشكوك لدى القراء، إيماناً منها بأن «العالم مليءٌ بالنور والوضوح» ولكنها لا تعتقد أن غاية الأدب هي التثقيف، فهناك طرق أخرى لتحقيق ذلك، بل تنظر إلى الكتابة على أنها تجسيدٌ ماديٌّ للتفكير.

وتؤمن ريفيرا غارزا بأن الأدب من الوسائل القليلة التي يُمكن للناس من خلالها استكشاف حدود التجربة الإنسانية عبر اللغة. وهي تمزج بين السرد والشعر والقصة القصيرة والرواية وعناصر من خيالها مع أخرى من الواقع، بما في ذلك الوثائق التاريخية، بل أدرجت نفسها في إحدى رواياتها. وغالباً ما ركزت أعمالها على المهمشين، مثل المرضى النفسيين والعاملات في الدعارة.

مارغريت آتوود

ومن الكاتبات المتداولة أسماؤهن على لائحة التكهنات لنيل جائزة نوبل في الآداب، أليكسيس رايت، المولودة عام 1950، وتنتمي إلى شعب وانجي في المرتفعات جنوب خليج كاربنتاريا في شمال أستراليا. تُعدّ من أبرز الكاتبات الأستراليات، وتتميز كتبها بالإبداع والابتكار، فضلاً عن كونها حائزة على جوائز. وهي تكتب روايات واقعية تتناول مشاكل السكان الأصليين الأستراليين في التكيف مع القوانين والقيم السائدة. من إصداراتها رواية «كاربنتاريا» والتي توصف بملحمة آسرة، وتدور أحداثها حول عائلة فانتوم القوية في بلدة ديسبيرانس الساحلية الصغيرة، وقادة شعب بريكلبوش وصراعهم الدائر ضد عصابة جوزيف ميدنايت المتمردة، وضد سلطات البيض في أبتاون، والمنجم المدمر بيئياص واجتماعياً. كشفت هذه الرواية عن براعة أليكسيس رايت الزاخرة بشخصياتٍ رائعة، ومنبوذةٍ من المجتمع.

هناك ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية على تبنيها في السنوات العشر الأخيرة بمنح الجائزة بالتناوب بين كاتب وكاتبة

بالطبع، هذه ليست كل الأسماء التي يرجح أن تكون مستوفية لشروط الحصول على جائزة نوبل في الأدب؛ فهناك أسماء كثيرة أخرى، ومنها من ظل يتردد في كل عام سواء من الكاتبات الكلاسيكيات مثل، مارغيت أتوود أحد أبرز الأصوات الأدبية في العصر الحديث، وهي شاعرة وروائية وناقدة أدبية، وأكثر الكاتبات الكنديات شهرة عالمية، فقد كتبت أكثر من 50 عملاً أدبياً، يشمل روايات، وقصصاً قصيرة، وقصائد شعر، ومقالات نقدية. وتتميز أعمالها بالتركيز على قضايا لصيقة بالبعد الإنساني، كقضايا المرأة، والبيئة، والموقف من السلطة، وغالباً ما تتخذ رواياتها الطابع الديستوبي الذي يرسم العوالم المستقبلية المتخيلة.

وإذا لم تسر الأكاديمية السويدية على ما دأبت عليه في السنوات العشر الأخيرة، أي التناوب، بين سنة وأخرى، وقررت منحها هذا العام أيضاً لكاتب أو أديب رجل، فهناك وفرة بأسماء من يتوقع نيلهم جائزة نوبل في الآداب لعام 2026، ومن بينهم: هاروكي موراكامي من اليابان. والفرنسي ميشيل هولبيك، والأميركي توماس بينشون، والأرجنتيني سيزار أيرا، ومن الهند أميتاش غوش، والأسترالي جيرالد مورنان.


هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».