تسعة كتب نالت الشهرة ببطء

ازدادت شعبيتها بعد ترجمتها إلى الإنجليزية

عبد الرزاق قرنح  -  نجيب محفوظ  -  فاسيلي غروسمان  -  موراكامي
عبد الرزاق قرنح - نجيب محفوظ - فاسيلي غروسمان - موراكامي
TT

تسعة كتب نالت الشهرة ببطء

عبد الرزاق قرنح  -  نجيب محفوظ  -  فاسيلي غروسمان  -  موراكامي
عبد الرزاق قرنح - نجيب محفوظ - فاسيلي غروسمان - موراكامي

- «الغابة النرويجية»، لهاروكي موراكامي
أحدثت رواية هاروكي موراكامي الخامسة، «الغابة النرويجية»، ضجة في اليابان عندما صدرت للمرة الأولى سنة 1987. وبرغم نجا حها، لم تكن متوفرة باللغة الإنجليزية على نطاق واسع حتى سنة 2000، لكن قلة من الأشخاص خارج بلد المؤلف كانوا قد سمعوا عنها إلى حين صدور بعض مؤلفاته الأخرى لاحقا باللغة الإنجليزية. ويُقال إن الناشرين الأميركيين افترضوا في البداية أن «الغابة النرويجية» لن تحظى بقبول جمهور واسع. لكن بمجرد أن ظهرت أخيرا في العالم الناطق بالإنجليزية، كانت الضجة في كل مكان، وانتهى بها المطاف إلى بيع ملايين النسخ عالميا.
هذا مجرد مثال واحد لظاهرة معروفة: والواقع أن بعض الكتب والمؤلفين تُقرأ على نطاق واسع في الخارج، ولكنها تجد شعبية في الأسواق الأميركية بعد عقود من الزمان فقط.

- «لماذا هذا العالم؟» لبنجامين موسر
كتاب بنجامين موسر عن سيرة الكاتبة البرازيلية، الأوكرانية المولد، «كلاريس ليسبر» سنة 2009 بعنوان «لماذا هذا العالم؟»، ساعد على إطلاق مشروع لإعادة ترجمة أعمالها إلى اللغة الإنجليزية. رغم أن الروائي التنزاني «عبد الرزاق قرنح» يكتب باللغة الإنجليزية بالأساس، فإن الكاتب لم يكن معروفا بشكل كبير بالنسبة للجمهور الأميركي قبل فوزه بجائزة نوبل في الأدب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، برغم أنه كان ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر سنة 1994 ونشر 10 روايات. والآن، هرعت دار النشر الأميركية «ريفرهيد» للاستحواذ على بعض عناوين روايات قرنح الجديدة والقديمة، مثل «الهروب» (2005)، و«بحر» (2001)، وسوف تُنشر روايته الأخيرة «بعد الحياة» في الولايات المتحدة بعد عامين فقط من إصدارها الأولى. أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي قط.
العناوين التسعة المعروضة أدناه هي مجرد بعض من الكتب الكثيرة التي مضت لتعيش نوعا من حياة ثانية في الترجمة الإنجليزية بعد بروزها الأول أو إنجازها بلغة أخرى. وتدين الطبعات المتأخرة بالكثير للعاطفة المتفانية لدى المترجمين والناشرين - لكن، كما جرى تذكيري أثناء البحث في هذه المقالة - ربما كان من حسن الحظ أيضا.

- ثلاثية نجيب محفوظ
كانت جائزة نوبل في الأدب لمحفوظ سنة 1988، هي أول جائزة يفوز بها مصري أو عربي. وصدرت الثلاثية كاملة للمرة الأولى باللغة العربية سنة 1957، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية بين عامي 1990 و1992. وتتبع الرواية المؤلفة من ثلاثة أجزاء ثلاثة أجيال من عائلة «السيد أحمد عبد الجواد» خلال الصعود المضطرب للهوية الوطنية المصرية، بدءا من السنوات السابقة على سقوط الإمبراطورية العثمانية. البنية المعمارية لمنزلهم ذات الطوابق المختلفة هي رمز لعلاقاتهم الاجتماعية، إما مفتوحة أو هي محظورة على بعض أفراد الأسرة (سيما النساء). هذا التراتب الهرمي يتجلى في إيقاعات تقاسم الوجبات والمناقشات السياسية، بما في ذلك الآيديولوجيات التي تشعل أحيانا الثورات.
يركز محفوظ على شخصية «أمينة»، الأم، رئيسة الأسرة، كصورة مصغرة لعقود من التغيير. وفي رواية «السكرية»، ثالثة الثلاثية، تلتصق النساء سويا حول دفء الموقد في يوم بارد من يناير (كانون الثاني) القارس، ورغم استمرار الطقوس الخاصة بساعة القهوة العائلية، فإنها ينتابها التغيير الواضح إثر الاضطرابات في السنوات الماضية: إذ تبقى بعض الكراسي فارغة.
«الصدور والبيض»، لميكو كواكامي لأي مدى يتحكم الجسد في وجود المرأة؟ يبحث كواكامي في رواية «الصدور والبيض» في قضية الأنوثة، بالإضافة إلى فحص الذات، والحكم الخارجي الذي يلهمه. ثلاث نساء من الطبقة العاملة يجتمعن في طوكيو: «ماكيكو»، أم لابنتها المراهقة تقريبا، و«ميدوريكو»، التي تزور أختها الصغرى وخالة «ميدوريكو»، و«ناتسوكو»، وهي فتاة غير متزوجة بالغة من العمر 30 عاما، وتعاني لاحقا من عدم الإنجاب وتحديد مكانتها في المجتمع. إنهن يواجهن العذاب الداخلي. تُبحر ناتسوكو في أوجاع عائلتها الماضية والحاضرة، فنرى ماكيكو، التي تواجه الشيخوخة وعدم الأمن، تفكر في تكبير ثدييها، بينما صامت ميدوريكو، التي لجأت إلى مذكراتها، عن الكلام وقد أرهقتها أعباء المراهقة العاطفية. ينقل كواكامي الأخوية، والتضحية، والتوترات بين الأجيال إلى علاقة حميمة مثيرة للمشاعر في الجزء الأول من الرواية، عبر ملاحظات تبدو ملطفة للأجواء. «ماذا يمكن أن نصنع بالبيض فقط؟» تسأل إحدى الشخصيات، وهي تتفقد الثلاجة أمامها. يمكن صناعة الكثير بالبيض كما يتضح. توسعت الرواية من نسختها القصيرة سنة 2008 إلى رواية كاملة من جزأين، ونُشرت باللغة الإنجليزية سنة 2020، ثم تتباطأ وتيرة رواية «الصدور والبيض» مع انتقال ناتسوكو من الوساطة في الصراع بين شقيقتها وابنة أخيها إلى الاهتمام بأحلامها المكبوتة. وهذا، على نحو مفهوم، يستلزم جهدا كبيرا ومزيدا من التصميم.

- رواية «التألق والشروق»، للوبي ك. سانتوس
ظهرت رواية «التألق والشروق» في البداية في شكل كتاب سنة 1906، وتُرجمت إلى الإنجليزية سنة 2021. لقد كتب سانتوس، المؤلف البارز، والمترجم، والسيناتور في الفلبين، رواية متأثرة بالحياة إبان الحرب الفلبينية الأميركية أثناء تبنيه آيديولوجيات يسارية نشطة في ذلك الوقت، وكان مشاركا في أول اتحاد نقابي حديث في البلاد، «الاتحاد الديمقراطي الفلبيني».
في قصة الحب هذه، والتي تبدو وكأنها نشرة سياسية، تقاسم الصديقان ديلفين وفيليب، المشاعر السلبية والإيجابية عبر مجريات الحياة اليومية. فالأولى اشتراكية، والثاني فوضوي. ولا تتواءم أفكارهما على الدوام، وهما يناضلان لإقصاء الرأسمالية عن حياتهما، لا سيما عندما تؤدي لتعقيد علاقاتهما.

- «ثلاثية كوبنهاغن: الطفولة والشباب والتبعية»، لتوف ديتليفسن «الطفولة طويلة وضيقة كالتابوت، ولا يمكنك مغادرتها من تلقاء نفسك»، هذا ما كتبته توف ديتليفسن في الجزء الأول من الثلاثية بعنوان «الطفولة» في كوبنهاغن. وكانت المجلدات الأولى من مذكراتها قد نُشرت سنة 1967 قبل 9 سنوات من وفاتها انتحارا، ورغم ذلك لم تُنشر ترجمتها الإنجليزية الكاملة إلا في سنة 2019. في البداية تسعى المؤلفة إلى فهم المغزى من الحياة في الوقت الذي تواجه فيه وصمة الفقر، ثم يعلو صوت «الشباب» الرافض للسقوط في مثل هذه الورطة. تتوق ديتليفسن كثيرا إلى الحرية، حتى وهي تتأرجح بين الالتزام بالقواعد الراسخة والتخلي عنها.

- «الحياة والمصير» لفاسيلي غروسمان
يوضح كتاب «الحياة والمصير»، الذي ألفه غروسمان، الطبيعة الغريبة للحرب في حالة نثرية جاذبة، ورائعة، ويقدم رواية واقعية لا مثيل لها عن معركة ستالينغراد بين عامي 1942 و1943. لقد أتم تأليف الرواية سنة 1959، في أعقاب ما بعد الستالينية، وتضم شخصيات الرواية عائلة «شابوشنيكوف» و«شتروم»، فضلا عن الجنود الألمان والسوفيات والمثقفين والناس العاديين. إن مصائرهم الفردية متشابكة ومرتبطة ببقاء المدينة، والشخصيات السوفياتية عالقة ما بين الدفاع عن بلادها ودعم نظامها السفاح. وبرغم وجود تلميحات على الانفتاح السياسي في نهاية الخمسينات فإن إدانة «الحياة والمصير» للفظائع التي أقرتها الدولة تجاوزت الحدود؛ وقد صادرت الاستخبارات السوفياتية مسودة رواية غروسمان أثناء عرضها على الناشرين. وتمكن أصدقاء له من تهريب نسخة خفية من المسودة إلى سويسرا، حيث نُشرت الرواية أخيرا سنة 1980، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية سنة 1985. حقيقة الرواية مستمدة من الوضوح الأخلاقي الاستثنائي لمؤلفها. ولأنه صحافي، شهد غروسمان بنفسه على مجازر لا يُسبر غورها، وكتب تقارير مبكرة عن الجرائم النازية. ومع ذلك، لم يتمكن غروسمان من إنقاذ والدته من بيرديشيف في أوكرانيا، حيث قتلها النازيون مع ما يقرب من 30 ألف يهودي آخرين.

- «كتابات مختارة» لنمرود
نشر الكاتب «نمرود»، المولد في تشاد، أكثر من 20 كتابا باللغة الفرنسية منذ 1989، ونال جائزة «إدوار غليسان» وجائزة «أبولينير» الشعرية، من بين امتيازات أدبية أخرى بالفرنكوفونية. وقد أشرفت «فريدا إكوتو»، أستاذة الأدب في جامعة ميشيغان، على نشر معظم نصوص «نمرود» المثيرة للعواطف والذكريات سنة 2018 مما جعلها متاحة للجمهور الناطق بالإنجليزية للمرة الأولى. يستكشف نمرود من خلال هذه المقالات، والقصص القصيرة، والقصائد ما إذا كانت اللغة الفرنسية يمكن أن تجسد العواطف والرغبات والحب في عالم ما بعد الاستعمار.
«الطريق إلى المدينة والقلب الجاف» لناتاليا جينزبورغ
تُرجمت هذه الرواية للمرة الأولى من الإيطالية بعد بضع سنوات من نشرها في أربعينات القرن الماضي، ثم أعيد نشرها مؤخرا سنة 2021، وهي عبارة عن حكايات الرغبة المعقدة واكتمال الأنوثة في سن الرشد ما بين قوسي: الزواج والأمومة. وفي هذه الأقاصيص المترابطة، التي نُشرت بين دفتي كتاب واحد، تتوق شخصيات الرواية إلى المعنى والحب المتبادل. إحداهما تحمل طفلا بلا زواج، وتصارع الأخرى للحفاظ على زواجها السعيد مع زوجها البارد عاطفيا. وتُغري المدينة السيدة الأولى، في حين تعيش الثانية حياة منعزلة في ضواحيها. والمؤلفة ناتاليا جينزبورغ صوت أدبي ظهر في إيطاليا الأربعينات والخمسينات، وقد شغلها موضوع الخيانة وعواقبها، وطرحت أسئلة عما إذا كان على النساء المطالبة بالمزيد بدلا من الاستقرار.

- «مذكرات براس كوباس بعد وفاته» لماشادو دي أسيس
كان الكاتب البرازيلي «ماشادو دي أسيس» من فترة أواخر القرن التاسع عشر، متقدما بشكل حاسم على زمانه لما أعاد تفسير الشخصية الرئيسية في روايته «مذكرات براس كوباس بعد وفاته»، التي ألفها سنة 1881. وتُرجمت إلى الإنجليزية في السنوات 1952 و1955، و1997، مع ترجمتين جديدتين ظهرتا سنة 2020، في كتاب ينضح بروعة الحداثة. كان براس كوباس، الشخصية المتوفاة، قد ولد سنة 1805، ولم يبلغ النعمة أو المجد في حياته قط.

- «الحرفيون: قرية صينية متلاشية» لشين فويو
تتسع محبة شين فويو لقريته التي يبلغ عمرها 600 عام في جنوب شرقي الصين، كمثل سعيه للحفاظ على ذكريات الأسرة. إنها مهمة ملحة بالنسبة لمؤلف أكثر من 12 كتابا يعيش في باريس، ذلك لأن أسلوب حياة قريته يتلاشى بمرور الأيام بصورة مؤلمة. وفي كل مرة يعود إلى القرية، يلاحظ أن المزيد من المنازل ينالها التدهور، وأن القرية يجري «تطويرها» بوتيرة مقلقة. وعبر هذا التحول السريع، يمثل الحرفيون طبقة متلاشية. يرسم شين فويو لوحة اجتماعية وعاطفية لمكان على مدى قرن كامل من الزمان.

خدمة: «تريبيون ميديا»



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».