فرنسا تنتخب رئيساً اليوم وسط تحديات داخلية وخارجية

خطر حقيقي بإمكان وصول لوبن إلى الإليزيه

ينتظرون دورهم للإدلاء بأصواتهم في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية في مونتريال أمس (أ.ف.ب)
ينتظرون دورهم للإدلاء بأصواتهم في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية في مونتريال أمس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تنتخب رئيساً اليوم وسط تحديات داخلية وخارجية

ينتظرون دورهم للإدلاء بأصواتهم في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية في مونتريال أمس (أ.ف.ب)
ينتظرون دورهم للإدلاء بأصواتهم في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية في مونتريال أمس (أ.ف.ب)

يجمع المراقبون على اعتبار الانتخابات الرئاسية في دورتها الثانية الحاسمة التي انطلقت في السابعة من صباح اليوم في فرنسا، والتي دعي إليها الناخبون البالغ عددهم 48.7 مليون مواطن، بكافة المعايير، تاريخية، نظراً للتحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها البلاد. فللمرة الأولى ثمة خطر حقيقي، على الرغم مما تشي به استطلاعات الرأي، من أن تصل مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية، بما يحمله هذا التحول من انعطافات حبلى بمخاطر كثيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
كذلك، فإن بقاء الرئيس المنتهية ولايته 5 سنوات إضافية في قصر الإليزيه لا يعني أن دربه ستكون مفروشة بالورود بسبب التحديات الاقتصادية والمجتمعية والسياسية الداخلية والخارجية التي تنتظره منذ اليوم الأول لولايته الثانية.
ولذا، فإن أنظار الفرنسيين ومعهم كثير من الأوروبيين، ستكون مركزة على شاشات التلفزة حين تظهر في الساعة الثامنة تماماً من مساء هذا اليوم صورة الرئيس (أو الرئيسة) التي ستقود البلاد.
وبالنظر للقانون الانتخابي الفرنسي الذي يمنع نشر أو إذاعة أي معلومات تتعلق بتوقعات النتائج التي تتوفر تدريجياً لمؤسسات استطلاع الرأي، فإن المتلهفين لاستباقها يستعينون بوسائل الإعلام البلجيكية والسويسرية التي تسرب بدءاً من الظهيرة أولى المؤشرات.
مهما تكن النتائج النهائية، فإن التحدي الأول الذي يواجه الفائز(ة) بالرئاسة سيكون الحصول على أكثرية نيابية تكون قادرة على تمكينه من وضع برنامجه الانتخابي موضع التنفيذ. والحال أن هناك صعوبة حقيقية تواجه إيمانويل ماكرون كما مارين لوبن.
ودرج المحللون السياسيون على تسمية الانتخابات التشريعية المقررة هذا العام في شهر يونيو (حزيران) المقبل بـ«الجولة الانتخابية الثالثة» نظراً لمركزيتها وتأثيرها على الولاية الجديدة. ومن المعروف أن النظام الانتخابي الفرنسي الذي يجعل الانتخابات التشريعية تلي مباشرة الرئاسية يمنح الرئيس المنتخب دينامية سياسية لا يستهان بها، فإن هناك «رقماً صعباً» هذا العام اسمه جان لوك ميلونشون. ويريد الأخير الذي حصد ما يزيد على 7 ملايين ناخب وكاد أن يتأهل للدورة الثانية، أن تكون «الجولة الثالثة» مطيته لرئاسة الحكومة، وهو ما قاله صراحة. وعملياً، يأمل ميلونشون الذي يفاوض حزبه (فرنسا المتمردة) أحزاب اليسار لتشكيل لوائح موحدة تضم -إلى جانبه- «الخضر» والشيوعيين، وربما الاشتراكيين، وبقية التشكيلات اليسارية، بحيث تمثل الرافعة التي ستقلب المشهد السياسي.
وبالمقابل، فإن ماكرون يريد جبهة عريضة تضم حزبه (فرنسا إلى الأمام) ومن ينضم إليه من اليمين واليسار لتشكيل أكثرية عريضة تدعمه في البرلمان، وتمكّنه من تنفيذ وعوده الانتخابية.
أما لوبن، فلا أحد اليوم في فرنسا -نظراً للقانون الانتخابي المعمول به- يتوقع أن تحظى بأكثرية في حال انتخابها.
وفي أي حال، فإن فرنسا مقبلة -مهما تكن النتائج المنتظرة اليوم- على إعادة تشكيل المشهد السياسي، نظراً لضعف الأحزاب التاريخية، وبروز كتلتين متساويتين إلى حد كبير، لليمين المتطرف ولليسار المتشدد، وبينهما كتلة وسطية واسطة عقدها ماكرون وحزبه ومن يلتف حوله.
من هنا، فإن التحدي السياسي الأول الذي سيواجه الرئيس (ة) الجديد (ة) إعادة اللحمة إلى المجتمع الفرنسي، وخفض التوترات التي تعتمله. وثمة من يؤكد، منذ ما قبل النتائج، أن هزات جدية تنتظر البلاد مهما تكن هوية الرئيس الجديد، وأن كل المكونات الضرورية جاهزة لاندلاع احتجاجات على غرار «السترات الصفراء» التي تفجرت في عامي 2018 و2019. فإذا قرر ماكرون حقيقة السير بخطة إصلاح قانون التقاعد فسينزل المحتجون إلى الشوارع كما فعلوا سابقاً. وإذا قررت لوبن تطبيق برنامجها المتطرف فسوف تثير مشكلات حقيقية اجتماعياً وأمنياً.
تشكل الصعوبات الاقتصادية عائقاً كبيراً بوجه ساكن الإليزيه، نظراً لتراجع القدرة الشرائية للمواطن؛ خصوصاً الشرائح الاجتماعية الأقل يسراً، وارتفاع التضخم، وغلاء الأسعار. وما يزيد الأمور تعقيداً أن النمو الاقتصادي سيتراجع وسيتقلص من 4 في المائة إلى 2 في المائة. وبينت دراسة لمعهد «ريكسكود» أن التضخم الذي وصل إلى 4.5 في المائة في شهر مارس (آذار) الماضي، سوف يحقق أرقاماً قياسية هذا العام، بينما ديون الدولة الفرنسية تجاوزت 112 في المائة من الناتج الداخلي الخام. ووصل العجز التجاري إلى نسبة 6.5 في المائة من الناتج المحلي بحلول نهاية عام 2021.
والحال أن برنامج لوبن الاقتصادي تقدر كلفته بـ68 مليار يورو مقابل 50 ملياراً لماكرون، ما يعني صعوبة توفير الأموال الضرورية لذلك، إلا إذا رأى كلا المرشحين أن الحل الوحيد هو مزيد من الديون أو فرض ضرائب جديدة. وكلا الحلين لن يلقيا ترحيباً؛ لا من الأوساط الاقتصادية ولا من المواطنين. والخوف الكبير للسلطات سيكون من تراكم النقمات بحيث ينفجر الشارع دفعة واحدة.
وفي أي حال، فإن الوعود التي تدفقت على الناخبين في الأسبوعين الأخيرين على المستوى الاقتصادي ستكون صعبة التنفيذ، وبالتالي ستفضي إلى خيبات حقيقية.
بيد أن الصعوبات ليست فقط داخلية، وإنما خارجية أيضاً؛ خصوصاً إذا كانت لوبن هي الفائزة.
سياسة ماكرون الأوروبية معروفة، والتعديل الوحيد الذي سيطالب به هو إعادة النظر في اتفاقية شينغن للتنقل الحر. إلا أن وصول لوبن إلى الرئاسة سيعني سريعاً اندلاع أزمة مع الاتحاد الأوروبي الذي كانت فرنسا، بالشراكة مع ألمانيا، محركه الأساسي. وتريد لوبن خفض مساهمة باريس في الميزانية المشتركة، كما تطمح إلى تغيير طبيعة الاتحاد بتحويله إلى «تحالف» الأمم الأوروبية، الأمر الذي يعني عملياً تفكيكه. والأهم أن الأخيرة تريد أن تكون القوانين الفرنسية فوق القوانين الأوروبية. والحال أن القرارات الأساسية في الاتحاد تؤخذ بالإجماع، وستجد لوبن نفسها شبه وحيدة، وربما حظيت بدعم الرئيس المجري فيكتور أوربان أو رئيس الوزراء البولندي، وبالتالي ستتعمق الانقسامات الأوروبية. كما أن وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في فرنسا سيشكل رافعة لليمين المتطرف في دول أعضاء أخرى، مثل هولندا والنمسا وتشيكيا؛ ثم إن صورة فرنسا داخل الاتحاد وخارجه ستصاب بنكسة.
تمارس فرنسا وحتى نهاية شهر يونيو المقبل رئاسة الاتحاد الأوروبي، ما يجعل إحدى مهمات رئيسها السعي للمحافظة على وحدة الأوروبيين إزاء الحرب الروسية على أوكرانيا، والعلاقات مع الولايات المتحدة، وكذلك مع الحلف الأطلسي؛ بيد أن التشققات ازدادت أوروبياً، وتغير القيادة في فرنسا يزيد من انعدام اليقين بالنظر لما نص عليه برنامج لوبن في السياسة الخارجية.
وخلال السنوات الخمس المنقضية، حاول ماكرون أن يلعب أدواراً فاعلة في التعاطي مع الأزمات التي نشبت: (ليبيا، والسودان، ولبنان، والعراق، والنووي الإيراني، وأوكرانيا، والعلاقة مع روسيا والولايات المتحدة...). وهذه الأزمات لم تنطفئ؛ لا بل استعرت. ويذكر الجميع أن ماكرون دافع عن مبدأ «استقلالية الاستراتيجية» لأوروبا، أي عدم تبعيتها للولايات المتحدة وبناء أوروبا الدفاعية، وسعى لتكون القارة القديمة جزءاً من المفاوضات اللاحقة بين موسكو وواشنطن بشأن «الهندسة الأمنية» في أوروبا؛ ثم هناك العلاقة الخاصة بين باريس وبرلين التي تريد لوبن وضع حد لها، وصعوبات فرنسا في منطقة الساحل والحرب على التنظيمات الإرهابية والعلاقات مع أفريقيا بشكل عام. ومجموع هذه العناصر يشكل تحديات جدية للدبلوماسية الفرنسية، وسوف تتضاعف بلا شك إذا أخرجت الانتخابات ماكرون من القصر الرئاسي.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».