حدود وأسيجة تهدد التنوُّع الحيوي وتغيِّر النُّظم البيئية

حدود وأسيجة تهدد التنوُّع الحيوي وتغيِّر النُّظم البيئية
TT

حدود وأسيجة تهدد التنوُّع الحيوي وتغيِّر النُّظم البيئية

حدود وأسيجة تهدد التنوُّع الحيوي وتغيِّر النُّظم البيئية

ترتفع الجدران والحواجز في أكثر من مكان في العالم، وتشهد نمواً مطرداً منذ عقود. ففي أوروبا، تبني الدول أسواراً جديدة لمنع المهاجرين غير الشرعيين من عبور الحدود في المناطق المعزولة. وفي شرق أفريقيا، تُستخدم الأسيجة على نطاق واسع لتربية الماشية وتلبية الطلب المتنامي على الغذاء. ويُظهر عدد متزايد من الدراسات تأثير هذه العوائق الاصطناعية على سلامة الحياة البريّة ومخاطرها على الأنواع المهددة بالانقراض.
- عرقلة الانتشار الطبيعي
أشهر سياج في الولايات المتحدة هو الجدار الحدودي مع المكسيك الذي أقرّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لوقف الهجرة غير الشرعية؛ لكنه في الوقت نفسه يقيّد الحركة الطبيعية للأنواع الحيّة بين البلدين أكثر. ولا يقتصر تأثير هذا الجدار على المنطقة المحلية مسبباً فقدان الموائل وتدهورها، وإنما يمتد على مستوى المناظر الطبيعية فيقضي على التواصل فيما بينها.
وعلى سبيل المثال، تواجه حيوانات النمر الأميركي (الجاغوار) والنمر القزم (الأصلوت) نوعاً من العزلة بين أفرادها على جانبي الحدود. وهذا يعني أن التفاعل الجيني اللازم للحفاظ على المجموعات الصغيرة من هذه الحيوانات قد يتأثر. ومن ناحية أخرى، فإن كباش الجبال الصخرية وثيران «البيسون» الموجودة في المكسيك ستكون غير قادرة على الهجرة شمالاً للهرب من الأجواء الحارة والجافة.
إلى وقت قريب، كانت الدراسات عن الأسوار وأثرها في سلامة الحياة البرية قليلة نسبياً. وينوّه بحث بعنوان «علم بيئة السياج: أُطر لفهم الآثار البيئية للأسوار»، نشرته دورية «بيو ساينس» سنة 2020، إلى أنه غالباً ما يتم تجاهل الآثار العميقة للأسوار على التنوُّع الحيوي ويجري التقليل من شأنها إلى حدٍّ بعيد.
وتُظهر الدراسات الأخيرة أن هذه الآثار تمتد إلى ما هو أبعد من إعاقة طرق هجرة الحيوانات، وتشمل زيادة فرصة انتقال الأمراض عن طريق تركيز تجمّع الحيوانات، وتغيير ممارسات الصيد للحيوانات المفترسة، وإعاقة الوصول إلى المصادر الأساسية للمياه والأعلاف. وفي حالات المرض والكوارث، تمنع الأسوار «الإنقاذ الجيني»، وهو أداة حفظ طبيعية تقوم على تنويع العوامل الوراثية عن طريق نقل الجينات من مجموعة إلى أخرى، فتنخفض الأمراض الوراثية.
وتساعد الدراسات حول الأسوار في لفت النظر إلى أهمية تخطيط عمليات حماية الأنواع الحية، لا سيما في المناطق؛ حيث اعتادت المجتمعات على اعتبار الأسوار أمراً مفروغاً منه. ومن المصاعب التي تواجهه هذه الدراسات تعذُّر رصد الأسيجة عن طريق الأقمار الاصطناعية، مما يقلل من إدراك آثارها التراكمية على المناظر الطبيعية، وعمليات النظام البيئي وتقاطعاتها مع الأفراد والمجتمعات.
ويشير بحث «علم بيئة السياج» إلى أن الأسوار تؤثر في النُظم البيئية على جميع المستويات، بدءاً من تقليل وفرة الحشرات لأنها توفّر للعناكب أماكن واسعة لبناء شبكاتها، إلى إعاقة هجرة الحيوانات إلى أماكن بعيدة. ومن خلال تركيز الحيوانات معاً في أماكن ضيقة، تزداد احتمالات انتقال الأمراض، وهي قضية لم تحْظَ باهتمام كبير؛ خصوصاً مع الانتشار الحالي لجائحة «كورونا» والهزال المزمن بين مجموعات الحياة البرية.
وفي كثير من الأحيان، تتسبب الأسوار في مقتل الحيوانات. فطائر «الطيهوج» الكبير الذي تتراجع أعداده على نحو متسارع في غرب الولايات المتحدة، يطير على ارتفاعات منخفضة، مما يجعله عرضة للموت نتيجة الاصطدام بالأسلاك الشائكة. وتتشابك الظباء في أميركا الشمالية واللاما البرية (الغوناق) في أميركا الجنوبية مع الأسوار، وتموت من الجوع أو تؤذي نفسها.
وفي سلوفينيا التي أقامت حاجزاً من الأسلاك الشائكة بطول 178 كيلومتراً على حدودها مع كرواتيا نهاية سنة 2015، جرى تسجيل موت 21 غزالاً على أسلاك الحاجز خلال عشرة أشهر فقط، كما وُجِد اثنان من طيور «مالك الحزين» الرمادي متشابكين في الأسلاك.
وتشير ورقة بحثية، نُشرت في المجلة الأوروبية لأبحاث الحياة البرية في 2017، إلى أن هذا السياج قد يمثل تهديداً خطيراً للحياة البرية على المدى الطويل، من خلال تأثيره في تجزئة الموائل وفصل المجموعات الأحيائية.
وتشمل التهديدات غير المباشرة قطع طرق الهجرة، والقضاء على الموائل، والتغيُّرات في عادات الصيد. فعلى سبيل المثال، تستخدم الذئاب أحياناً الأسوار لمحاصرة فرائسها. وفي الصين، تمثل تجزئة الموائل بسبب الحواجز الجديدة التهديد الرئيسي لغزال «برزوالسكي». كما أدى التوسع السريع في عدد الأسيجة في شرق أفريقيا الغنية بالحياة البرية إلى منع هجرة الحيوانات البرية في منطقة «ماساي مارا» في كينيا؛ حيث تقوم الحيوانات بتتبع أماكن هطول الأمطار للعثور على الطعام والماء.
ويجري نصب الأسيجة في «ماساي مارا» وأماكن كثيرة في العالم، من أجل احتجاز المواشي وحمايتها من التعديات، ولإبعاد الحيوانات عن المحاصيل. ولهذا السبب تتشابك بيئة السياج مع القضايا الاجتماعية والثقافية. وفي مسالك الهجرة غير الشرعية، تدفع الأسوار البشر والحيوانات أيضاً للبحث عن طرق أكثر خطورة، كمعابر الأنهار والصحاري التي قد تتقاطع مع مناطق ذات قيمة طبيعية أو ثقافية عالية.
وتشير دراسة بحثية، نُشرت في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» خلال السنة الماضية، إلى أن النطاقات التي تشغلها 29 في المائة من الطيور و35 في المائة من الثدييات، من المرجح أن تتغير بشكل كبير بسبب الاحترار العالمي حتى سنة 2070، بحيث ستكون هناك ضرورة إلى إعادة نشر أكثر من نصف أعداد أفرادها في بلدان لا توجد فيها حالياً. وستكون معظم حركات الأنواع عبر الحدود في غرب الأمازون وحول جبال هيملايا، وفي وسط وشرق أوروبا.
وتخلص الدراسة إلى أن 3 حواجز ستكون مثيرة للقلق على نحو خاص، هي الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك التي يمكنها وحدها احتجاز 122 نوعاً من الثدييات في أي من البلدين، والحدود بين الهند وميانمار، والحدود بين روسيا والصين. وبينما تقوم الدول الغنية بشكل فعال بتصدير حالات انقراض الأنواع الحية إلى البلدان الأقل ثراءً بسبب دورها في تغيُّر المناخ، فإن الحدّ من تحركات الحياة البرية عبر الحدود سيؤدي إلى تفاقم هذه المشكلة.
- الأسوار تغيِّر النُّظم البيئية
وبينما تمضي بولندا في بناء جدارها الحدودي بطول 180 كيلومتراً ضمن غابة «بياوفيجا» لمواجهة الهجرة غير الشرعية عبر جارتها بيلاروسيا، يخشى علماء الأحياء من الآثار البيئية لهذا الجدار الذي سيرتفع إلى 5 أمتار وتعلوه الأسلاك الشائكة. ولا تقتصر المخاوف على إعاقة هجرة الدببة والغزلان وثيران «البيسون»؛ بل تمتد إلى تعريض الغابة، المسجّلة كأحد مواقع التراث العالمي، لغزو النباتات الغريبة التي ستنتقل بذورها مع مواد البناء وأحذية العمال وإطارات المركبات.
ويمكن للأسوار أن تتسبب في نشوء مناطق حُرم بيئية؛ حيث لا يستطيع سوى نطاق ضيق من الأنواع الحية والنُّظم البيئية الازدهار. ونظراً لازدياد الأسوار ونموها بوتيرة متسارعة في جميع أنحاء العالم، من المرجح أن يتبع ذلك انهيار النُّظم البيئية.
في جنوب شرقي أستراليا، يرى باحثون أن سياج «وايلد دوغ باريير» يتسبب في خلق «عوالم بيئية» منفصلة على جانبيه. ففي داخل السياج الذي يمتد إلى 5613 كيلومتراً ويُعدّ الأطول في العالم، يقوم المزارعون بمكافحة الكلاب الأسترالية (الدانغو)، ما أدى إلى خلل في السلاسل الغذائية. فبغياب كلاب «الدانغو» داخل السياج، ازدادت أعداد حيوان «الكنغر» التي تسببت نتيجة رعيها الجائر في تآكل التربة وفقدان المغذيات وتغيير تضاريس الكثبان الرملية والمجاري المائية. ومع تناقص الغطاء النباتي، أصبح الفأر القافز الداكن أكثر انكشافاً على الحيوانات المفترسة، وازداد خطر انقراضه.
ويزداد نمو الأسيجة بسرعة في جميع أنحاء العالم. ومن الأمثلة ما يجري حالياً من تمديد سياج «وايلد دوغ باريير» بإضافة 740 كيلومتراً أخرى. كما أن الجدران المنيعة ترتفع على الحدود بين بلدان أوروبا الشرقية لردع المهاجرين؛ حيث أصبحت أوروبا تمتلك أسواراً حدودية أكثر مما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة. ويُقدّر طول الأسيجة في الغرب الأميركي وحده بأكثر من مليون كيلومتر، أي ما يقرب من 3 أضعاف المسافة بين الأرض والقمر.
ويؤدي الفهم الأفضل للدور الذي تلعبه الأسوار في النُّظم البيئية إلى إصلاحات يمكن إجراؤها ببساطة عادة، كإزالة الأسيجة غير المستخدمة، أو تعديل ارتفاع أسلاك السياج للسماح بمرور الحيوانات تحتها أو القفز فوقها. ففي غرب الولايات المتحدة، مثلاً، تتم إضافة عواكس بسيطة إلى الأسيجة، لتمكين طائر «الطيهوج» وصقور «الشاهين» والطيور الأخرى من رؤية الأسلاك وتجنب الاصطدام بها. كما يستخدم بعض مربّي الماشية الأسيجة المحمولة، وينقلونها من مرعى إلى آخر، بدلاً من نصب الأسيجة الدائمة وتركها خلفهم.
وفي المقابل، يمكن أن تلعب الأسيجة دوراً مهماً في الحفاظ على الأنواع الحية إذا وُجِدت في المكان المناسب، وهي أداة مهمة في إدارة الحيوانات المفترسة. ففي أميركا الشمالية، تُستخدم الأسوار الكهربائية المنيعة في إبقاء الدببة الرمادية خارج المناطق المأهولة بالسكان، وتجعلها بعيدة عن عوامل الجذب كأقفاص الدجاج وخلايا النحل وغيرها.
وتشير ملاحظات استشاري التنوع الحيوي جيانلوكا سيرا، إلى أن الأسيجة الخاصة في محمية التليلة قرب مدينة تدمر السورية ساهمت في الحفاظ على الغطاء النباتي للبادية ضمن المحمية، بالمقارنة مع التدهور الكبير الذي طال المناطق خارج المسيّجات بسبب الرعي الجائر خلال فترة الجفاف التي شهدتها البلاد قبل 15 عاماً.
من الممكن التخفيف من آثار بعض الأسوار والأسيجة، عن طريق تحديد الأنواع والموائل المعرضة للخطر، وتصميم الأسوار لتقليل الضرر البيئي وتخفيفه، لا سيما في نقاط العبور المعروفة للحياة البرية. وفي أكثر من مكان في العالم، تُستخدم الأنفاق والجسور لضمان تواصل الموائل التي تقطّعت بسبب الطرق السريعة وأسيجتها، عبر توفير ممرات آمنة لانتقال الدببة والذئاب والغزلان والزواحف وغيرها.
ما يحدث حالياً هو أن الحدود الطبيعية تغرق أو تنجرف أو تنهار أو تجفّ بسبب تغيُّر المناخ، في حين ترتفع الحواجز المصطنعة في كل مكان. ومعالجة مشكلات هذه الحواجز لا يتطلب فقط إجراء إصلاحات في السياسات والتشريعات؛ بل يقتضي إدراكاً أفضل للأسباب التي أدّت إلى إنشائها وكيفية التخفيف من أضرارها.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.