حدود وأسيجة تهدد التنوُّع الحيوي وتغيِّر النُّظم البيئية

حدود وأسيجة تهدد التنوُّع الحيوي وتغيِّر النُّظم البيئية
TT

حدود وأسيجة تهدد التنوُّع الحيوي وتغيِّر النُّظم البيئية

حدود وأسيجة تهدد التنوُّع الحيوي وتغيِّر النُّظم البيئية

ترتفع الجدران والحواجز في أكثر من مكان في العالم، وتشهد نمواً مطرداً منذ عقود. ففي أوروبا، تبني الدول أسواراً جديدة لمنع المهاجرين غير الشرعيين من عبور الحدود في المناطق المعزولة. وفي شرق أفريقيا، تُستخدم الأسيجة على نطاق واسع لتربية الماشية وتلبية الطلب المتنامي على الغذاء. ويُظهر عدد متزايد من الدراسات تأثير هذه العوائق الاصطناعية على سلامة الحياة البريّة ومخاطرها على الأنواع المهددة بالانقراض.
- عرقلة الانتشار الطبيعي
أشهر سياج في الولايات المتحدة هو الجدار الحدودي مع المكسيك الذي أقرّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لوقف الهجرة غير الشرعية؛ لكنه في الوقت نفسه يقيّد الحركة الطبيعية للأنواع الحيّة بين البلدين أكثر. ولا يقتصر تأثير هذا الجدار على المنطقة المحلية مسبباً فقدان الموائل وتدهورها، وإنما يمتد على مستوى المناظر الطبيعية فيقضي على التواصل فيما بينها.
وعلى سبيل المثال، تواجه حيوانات النمر الأميركي (الجاغوار) والنمر القزم (الأصلوت) نوعاً من العزلة بين أفرادها على جانبي الحدود. وهذا يعني أن التفاعل الجيني اللازم للحفاظ على المجموعات الصغيرة من هذه الحيوانات قد يتأثر. ومن ناحية أخرى، فإن كباش الجبال الصخرية وثيران «البيسون» الموجودة في المكسيك ستكون غير قادرة على الهجرة شمالاً للهرب من الأجواء الحارة والجافة.
إلى وقت قريب، كانت الدراسات عن الأسوار وأثرها في سلامة الحياة البرية قليلة نسبياً. وينوّه بحث بعنوان «علم بيئة السياج: أُطر لفهم الآثار البيئية للأسوار»، نشرته دورية «بيو ساينس» سنة 2020، إلى أنه غالباً ما يتم تجاهل الآثار العميقة للأسوار على التنوُّع الحيوي ويجري التقليل من شأنها إلى حدٍّ بعيد.
وتُظهر الدراسات الأخيرة أن هذه الآثار تمتد إلى ما هو أبعد من إعاقة طرق هجرة الحيوانات، وتشمل زيادة فرصة انتقال الأمراض عن طريق تركيز تجمّع الحيوانات، وتغيير ممارسات الصيد للحيوانات المفترسة، وإعاقة الوصول إلى المصادر الأساسية للمياه والأعلاف. وفي حالات المرض والكوارث، تمنع الأسوار «الإنقاذ الجيني»، وهو أداة حفظ طبيعية تقوم على تنويع العوامل الوراثية عن طريق نقل الجينات من مجموعة إلى أخرى، فتنخفض الأمراض الوراثية.
وتساعد الدراسات حول الأسوار في لفت النظر إلى أهمية تخطيط عمليات حماية الأنواع الحية، لا سيما في المناطق؛ حيث اعتادت المجتمعات على اعتبار الأسوار أمراً مفروغاً منه. ومن المصاعب التي تواجهه هذه الدراسات تعذُّر رصد الأسيجة عن طريق الأقمار الاصطناعية، مما يقلل من إدراك آثارها التراكمية على المناظر الطبيعية، وعمليات النظام البيئي وتقاطعاتها مع الأفراد والمجتمعات.
ويشير بحث «علم بيئة السياج» إلى أن الأسوار تؤثر في النُظم البيئية على جميع المستويات، بدءاً من تقليل وفرة الحشرات لأنها توفّر للعناكب أماكن واسعة لبناء شبكاتها، إلى إعاقة هجرة الحيوانات إلى أماكن بعيدة. ومن خلال تركيز الحيوانات معاً في أماكن ضيقة، تزداد احتمالات انتقال الأمراض، وهي قضية لم تحْظَ باهتمام كبير؛ خصوصاً مع الانتشار الحالي لجائحة «كورونا» والهزال المزمن بين مجموعات الحياة البرية.
وفي كثير من الأحيان، تتسبب الأسوار في مقتل الحيوانات. فطائر «الطيهوج» الكبير الذي تتراجع أعداده على نحو متسارع في غرب الولايات المتحدة، يطير على ارتفاعات منخفضة، مما يجعله عرضة للموت نتيجة الاصطدام بالأسلاك الشائكة. وتتشابك الظباء في أميركا الشمالية واللاما البرية (الغوناق) في أميركا الجنوبية مع الأسوار، وتموت من الجوع أو تؤذي نفسها.
وفي سلوفينيا التي أقامت حاجزاً من الأسلاك الشائكة بطول 178 كيلومتراً على حدودها مع كرواتيا نهاية سنة 2015، جرى تسجيل موت 21 غزالاً على أسلاك الحاجز خلال عشرة أشهر فقط، كما وُجِد اثنان من طيور «مالك الحزين» الرمادي متشابكين في الأسلاك.
وتشير ورقة بحثية، نُشرت في المجلة الأوروبية لأبحاث الحياة البرية في 2017، إلى أن هذا السياج قد يمثل تهديداً خطيراً للحياة البرية على المدى الطويل، من خلال تأثيره في تجزئة الموائل وفصل المجموعات الأحيائية.
وتشمل التهديدات غير المباشرة قطع طرق الهجرة، والقضاء على الموائل، والتغيُّرات في عادات الصيد. فعلى سبيل المثال، تستخدم الذئاب أحياناً الأسوار لمحاصرة فرائسها. وفي الصين، تمثل تجزئة الموائل بسبب الحواجز الجديدة التهديد الرئيسي لغزال «برزوالسكي». كما أدى التوسع السريع في عدد الأسيجة في شرق أفريقيا الغنية بالحياة البرية إلى منع هجرة الحيوانات البرية في منطقة «ماساي مارا» في كينيا؛ حيث تقوم الحيوانات بتتبع أماكن هطول الأمطار للعثور على الطعام والماء.
ويجري نصب الأسيجة في «ماساي مارا» وأماكن كثيرة في العالم، من أجل احتجاز المواشي وحمايتها من التعديات، ولإبعاد الحيوانات عن المحاصيل. ولهذا السبب تتشابك بيئة السياج مع القضايا الاجتماعية والثقافية. وفي مسالك الهجرة غير الشرعية، تدفع الأسوار البشر والحيوانات أيضاً للبحث عن طرق أكثر خطورة، كمعابر الأنهار والصحاري التي قد تتقاطع مع مناطق ذات قيمة طبيعية أو ثقافية عالية.
وتشير دراسة بحثية، نُشرت في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» خلال السنة الماضية، إلى أن النطاقات التي تشغلها 29 في المائة من الطيور و35 في المائة من الثدييات، من المرجح أن تتغير بشكل كبير بسبب الاحترار العالمي حتى سنة 2070، بحيث ستكون هناك ضرورة إلى إعادة نشر أكثر من نصف أعداد أفرادها في بلدان لا توجد فيها حالياً. وستكون معظم حركات الأنواع عبر الحدود في غرب الأمازون وحول جبال هيملايا، وفي وسط وشرق أوروبا.
وتخلص الدراسة إلى أن 3 حواجز ستكون مثيرة للقلق على نحو خاص، هي الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك التي يمكنها وحدها احتجاز 122 نوعاً من الثدييات في أي من البلدين، والحدود بين الهند وميانمار، والحدود بين روسيا والصين. وبينما تقوم الدول الغنية بشكل فعال بتصدير حالات انقراض الأنواع الحية إلى البلدان الأقل ثراءً بسبب دورها في تغيُّر المناخ، فإن الحدّ من تحركات الحياة البرية عبر الحدود سيؤدي إلى تفاقم هذه المشكلة.
- الأسوار تغيِّر النُّظم البيئية
وبينما تمضي بولندا في بناء جدارها الحدودي بطول 180 كيلومتراً ضمن غابة «بياوفيجا» لمواجهة الهجرة غير الشرعية عبر جارتها بيلاروسيا، يخشى علماء الأحياء من الآثار البيئية لهذا الجدار الذي سيرتفع إلى 5 أمتار وتعلوه الأسلاك الشائكة. ولا تقتصر المخاوف على إعاقة هجرة الدببة والغزلان وثيران «البيسون»؛ بل تمتد إلى تعريض الغابة، المسجّلة كأحد مواقع التراث العالمي، لغزو النباتات الغريبة التي ستنتقل بذورها مع مواد البناء وأحذية العمال وإطارات المركبات.
ويمكن للأسوار أن تتسبب في نشوء مناطق حُرم بيئية؛ حيث لا يستطيع سوى نطاق ضيق من الأنواع الحية والنُّظم البيئية الازدهار. ونظراً لازدياد الأسوار ونموها بوتيرة متسارعة في جميع أنحاء العالم، من المرجح أن يتبع ذلك انهيار النُّظم البيئية.
في جنوب شرقي أستراليا، يرى باحثون أن سياج «وايلد دوغ باريير» يتسبب في خلق «عوالم بيئية» منفصلة على جانبيه. ففي داخل السياج الذي يمتد إلى 5613 كيلومتراً ويُعدّ الأطول في العالم، يقوم المزارعون بمكافحة الكلاب الأسترالية (الدانغو)، ما أدى إلى خلل في السلاسل الغذائية. فبغياب كلاب «الدانغو» داخل السياج، ازدادت أعداد حيوان «الكنغر» التي تسببت نتيجة رعيها الجائر في تآكل التربة وفقدان المغذيات وتغيير تضاريس الكثبان الرملية والمجاري المائية. ومع تناقص الغطاء النباتي، أصبح الفأر القافز الداكن أكثر انكشافاً على الحيوانات المفترسة، وازداد خطر انقراضه.
ويزداد نمو الأسيجة بسرعة في جميع أنحاء العالم. ومن الأمثلة ما يجري حالياً من تمديد سياج «وايلد دوغ باريير» بإضافة 740 كيلومتراً أخرى. كما أن الجدران المنيعة ترتفع على الحدود بين بلدان أوروبا الشرقية لردع المهاجرين؛ حيث أصبحت أوروبا تمتلك أسواراً حدودية أكثر مما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة. ويُقدّر طول الأسيجة في الغرب الأميركي وحده بأكثر من مليون كيلومتر، أي ما يقرب من 3 أضعاف المسافة بين الأرض والقمر.
ويؤدي الفهم الأفضل للدور الذي تلعبه الأسوار في النُّظم البيئية إلى إصلاحات يمكن إجراؤها ببساطة عادة، كإزالة الأسيجة غير المستخدمة، أو تعديل ارتفاع أسلاك السياج للسماح بمرور الحيوانات تحتها أو القفز فوقها. ففي غرب الولايات المتحدة، مثلاً، تتم إضافة عواكس بسيطة إلى الأسيجة، لتمكين طائر «الطيهوج» وصقور «الشاهين» والطيور الأخرى من رؤية الأسلاك وتجنب الاصطدام بها. كما يستخدم بعض مربّي الماشية الأسيجة المحمولة، وينقلونها من مرعى إلى آخر، بدلاً من نصب الأسيجة الدائمة وتركها خلفهم.
وفي المقابل، يمكن أن تلعب الأسيجة دوراً مهماً في الحفاظ على الأنواع الحية إذا وُجِدت في المكان المناسب، وهي أداة مهمة في إدارة الحيوانات المفترسة. ففي أميركا الشمالية، تُستخدم الأسوار الكهربائية المنيعة في إبقاء الدببة الرمادية خارج المناطق المأهولة بالسكان، وتجعلها بعيدة عن عوامل الجذب كأقفاص الدجاج وخلايا النحل وغيرها.
وتشير ملاحظات استشاري التنوع الحيوي جيانلوكا سيرا، إلى أن الأسيجة الخاصة في محمية التليلة قرب مدينة تدمر السورية ساهمت في الحفاظ على الغطاء النباتي للبادية ضمن المحمية، بالمقارنة مع التدهور الكبير الذي طال المناطق خارج المسيّجات بسبب الرعي الجائر خلال فترة الجفاف التي شهدتها البلاد قبل 15 عاماً.
من الممكن التخفيف من آثار بعض الأسوار والأسيجة، عن طريق تحديد الأنواع والموائل المعرضة للخطر، وتصميم الأسوار لتقليل الضرر البيئي وتخفيفه، لا سيما في نقاط العبور المعروفة للحياة البرية. وفي أكثر من مكان في العالم، تُستخدم الأنفاق والجسور لضمان تواصل الموائل التي تقطّعت بسبب الطرق السريعة وأسيجتها، عبر توفير ممرات آمنة لانتقال الدببة والذئاب والغزلان والزواحف وغيرها.
ما يحدث حالياً هو أن الحدود الطبيعية تغرق أو تنجرف أو تنهار أو تجفّ بسبب تغيُّر المناخ، في حين ترتفع الحواجز المصطنعة في كل مكان. ومعالجة مشكلات هذه الحواجز لا يتطلب فقط إجراء إصلاحات في السياسات والتشريعات؛ بل يقتضي إدراكاً أفضل للأسباب التي أدّت إلى إنشائها وكيفية التخفيف من أضرارها.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».