«الميتافيرس» الصيني... مستقبل واعد لأجيال التواصل الاجتماعي

وسائل التطوير ومراكز الحوسبة الخارقة ستدعم النمو الاقتصادي وتجتذب المواهب

«الميتافيرس» الصيني... مستقبل واعد لأجيال التواصل الاجتماعي
TT

«الميتافيرس» الصيني... مستقبل واعد لأجيال التواصل الاجتماعي

«الميتافيرس» الصيني... مستقبل واعد لأجيال التواصل الاجتماعي

تعدّدت توصيفات «الميتافيرس» منذ ظهوره، وأبرزها وصفه بأنه الثورة المقبلة في عالم التواصل الاجتماعي، وبأنه التصميم الذي سيكون خطيراً، وأنه يمثل مستقبل الإنترنت، إضافةً إلى اعتباره فرصة تجارية غير مسبوقة. لا شكّ في أنّ هذه التوصيفات ستتغيّر باستمرار، ولكنّ الشيء الوحيد الأكيد في الميتافيرس، سواء كان المستقبل فعلاً أم مجرّد موضة عابرة، هو أنّ الصين لن تفوّت فرصة تشكيل هذه البيئة الجديدة.

{ميتافيرس صيني}
وها نحن نشهد اليوم على ولادة ميتافيرس بمواصفات صينية قد يتحوّل في نهاية المطاف إلى سوق بقيمة 8 تريليونات دولار.
يستثمر اللاعبون الصينيون أموالهم اليوم في عوالم افتراضية بسرعة توازي تلك التي يتمتّع بها وادي السيليكون. فقد جمعت هذه العوالم 16 ألف طلب لعلامات تجارية مرتبطة بالميتافيرس، بالإضافة إلى استثمارات عمالقة التقنية في البرامج والأجهزة والبنى التحتية الأساسية المطلوبة لبناء الميتافيرس. وقد أعلنت شركة «تينسنت» مثلاً عن مشروع استثماري مشترك مع منصّة «روبلوكس» عام 2019، وهي تعمل منذ ذلك الوقت على تأسيس محفظة قوية عن الميتافيرس تغطي كلّ شيء من التواصل الاجتماعي إلى ألعاب الفيديو والحوسبة السحابية. بدورها، عمدت شركة «علي بابا» إلى الاستثمار في الواقعين المعزز والافتراضي منذ عام 2016، بينما أطلقت «بيدو» عالم «تشي رانغ» الافتراضي، وعزّزت «بايت دانس» قدراتها في تطوير وصناعة الأجهزة والأدوات الخاصة بالميتافيرس بالإضافة إلى استحواذها على «بيكو»، صانعة إكسسوارات الرأس المعزز بتقنية الواقع الافتراضي. وهذا ليس إلّا بعض أمثلة صينية كثيرة تستكشف الفرص التي يخبّئها هذا العالم الجديد.
ولكنّ موقف بكين من فكرة الميتافيرس لا يزال غامضاً؛ فعلى الرغم من وجود إشارات متوجسة ولجان تابعة للحكومة تحذّر من مخاطره على الأمن القومي، يرى القادة الصينيون في الميتافيرس تقنية مبتكرة تستحق الدّعم. وكما هو الحال غالباً في الصين، تحصل التجارب المهمّة في البلاد على المستوى الحكومي. ففي أواخر 2021، وليس بعد مضيّ وقتٍ طويل على تغيير اسم فيسبوك إلى «ميتا»، أعلنت حكومة شانغهاي أنّ الميتافيرس سيكون جزءاً من «خطة السنوات الخمس» الرابعة عشرة لتطوير صناعة المعلومات الإلكترونية، وواحداً من أربعة مجالات جديدة للاستكشاف. بعدها، سارعت أربع حكومات محلية أخرى منها مقاطعتا ووهان وخبي إلى الالتحاق بشانغهاي، وتعكف بلديات كثيرة أيضاً على تنظيم ندوات ومناقشات تتمحور حول تطوير الميتافيرس.
يُجمع الخبراء على أنّ المكاسب التي سيعود بها دعم فكرة الميتافيرس الصيني ستكون أكبر بكثير من المخاطر على اختلافها، خصوصاً أنّ تطوير البنى التحتية الضرورية للميتافيرس، كتكتّلات التطوير ومراكز الحوسبة الخارقة، سيكون له تأثيرات توسعية تطال صناعات محلية أخرى، بالإضافة إلى دعم النمو الاقتصادي وجذب المواهب –وكلّ هذا سيحصل في ميتافيرس ستبنيه الصين وفقاً لشروطها بدل السماح للآخرين بالسيطرة عليه.

جيل افتراضي جديد

تسير الأمور في هذا المجال بسرعة كبيرة لأنّ الميتافيرس طوّر علاقة وطيدة مع المستهلكين الشباب في الصين. ولكنّ هذا الأمر ليس جديداً لأنّ جميع مكوّنات هذا العالم الافتراضي كانت حاضرة في البلاد قبل ظهور تطبيقاته الرسمية، فضلاً عن أنّ مبادئ العالم الرقمي والاتصالات تحظى بقبول واسع هناك لأنّ معظم النشاطات اليومية باتت مدعومة بالتقنية.
حقّقت تطبيقات مثل«كيو كيو شو QQ Show» المصمّم لصناعة الشخصيات الافتراضية من تطوير شركة «تنسينت»، نجاحاً هائلاً في بداية الألفية. استمتع الجيل الجديد حينذاك بفكرة تبديل ملابس الشخصيات الافتراضية، ولكنّه نبذ هذه المنصة وأسلوبها بعد ظهور شبكات اجتماعية أخرى ذات تصاميم بسيطة و«ملفات شخصية حقيقية» بعد عام 2010. أمّا اليوم، فقد تكيّفت تطبيقات تصميم الشخصيات الافتراضية الثلاثية الأبعاد كـ«زيبيتو Zepeto» و«تاو باو لايف Taobao Life» مع هذا الأمر ومنحت المستهلكين فرصة للتعبير عن أنفسهم بطريقة مبتكرة، وللانضمام إلى مجموعة أكبر تتفق مع اهتماماتهم وعاداتهم. يدلُّ هذا الأمر على أنّ الحياة والهوية الافتراضيتين بالنسبة للكثير من المستهلكين الصينيين في الميتافيرس هي مرحلة تطورية طبيعية للاتصال بأقرانهم.
يشكّل تطبيق «زيلي Zheli» حالة مثيرة للاهتمام أيضاً بعد أن تفوّق أخيراً على تطبيق التواصل الاجتماعي «وي تشات» كأكثر التطبيقات تحميلاً في متجر التطبيقات الصينية. يقدّم الأوّل تجربة اجتماعية حميمة تتيح للمستخدم الاتصال بخمسين صديقاً فقط، وتقدّم له تصميمات عصرية للشخصيات نجحت في أَسْر قلوب المستخدمين الشباب.
يعد تطبيق «سول Soul» الاجتماعي المرتبط بالميتافيرس أيضاً مثالاً أخر، إذ يستخدم هذا التطبيق خوارزمية للاتصال بمستخدميه عن طريق اهتماماتهم وهواياتهم المشتركة. يحقّق «سول» توازناً حذراً بين حرية الهوية الافتراضية والإثارة التي تولّدها العلاقات الحقيقية من خلال مزايا عدّة كمحادثات الفيديو المدعومة بالواقع المعزز والاتصالات الصوتية المدعومة بوظائف مشابهة.
احترم تطبيق «سول» حقيقة أنّ الجيل الصيني الجديد منفتح ومحب للاطلاع ومبدع، وعزّز منصته بثقافات فرعية تتنوّع بين الـ«غوفينغ» (الجماليات الصينية التقليدية) والموجة اليابانية الجديدة في السينما، خصوصاً أنّ الشباب يُبدون حماسة كبيرة لبناء علاقات أعمق من خلال مواضيع مثيرة وإبداعية في العوالم الافتراضية اللانهائية.

مواصفات صينية
يختلف الميتافيرس الصيني عن غيره بعامل جوهري هو السيطرة الحكومية والرقابة السياسية وفق استراتيجية تنظيمية لم تُحدّد بعد –ما يضع الشركات الصينية في حالة من الحذر بعد عامٍ من الضوابط التنظيمية التي تستهدف التقنيات التعليمية، وألعاب الأطفال الإلكترونية، وحماية البيانات الشخصية، والعملات المشفّرة، والاحتكارات التقنية في إطار تحوّل الحكومة إلى ما يُسمّى «الازدهار العام». تُمنع في الصين مثلاً تجارة الرموز غير القابلة للاستبدال (يُسمح بجمعها فقط) واستخدام العملات المشفّرة. ففي ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، اضطرّت منصة «روبلوكس» إلى إيقاف عملها في الصين وسط توقعات بأنّها تحتاج إلى المزيد من الوقت للحصول على الضوء الأخضر التنظيمي.
توجد أيضاً عوامل أخرى يختلف فيها الميتافيرس الصيني. فبينما يركّز معظم الاستكشافات داخل الميتافيرس على البصريات، تقدّم الصوتيات فرصة مهمّة لتطوير الاختلاط الاجتماعي. تلعب مزايا التدفّق الحي والمحتوى الصوتي الذي يصنعه المستخدمون والذي يسهم في تعزيز الصداقات وبناء المجموعات، الدور الأكبر في عودة المستخدمين إلى الميتافيرس الصيني، وأبرزها تطبيق الغناء «وي سينغ»، وعملاق المدونات الصوتية والكتب الصوتية «هيمالايا إف إم». ويركّز معظم التطبيقات الغربية على الوظائف التي تهمّ المستخدمين، بينما تستثمر التطبيقات الصينية رغبة المستهلك في التواصل البشري؛ فحتّى عندما يتواصل النّاس باستخدام شخصيات افتراضية أو شاشات، يضفي الصوت البشري نوعاً من الأنسنة أو الأصالة لأنّه يعطي لمحة عن شخصية الفرد ويشعل مخيلة المستخدم، ما يؤدّي إلى نشأة علاقات أعمق. وفي دولة يشيع فيها الهوس بالتدفّق الحي والصداقة، يستطيع الميتافيرس المدعوم بالصوتيات أن يحقّق توازناً مؤثراً بين مجهولية الهوية والابتكار والأصالة.
مع الإقبال على المزيد من الاندماج بين العالمين الافتراضي والحقيقي، يمكنكم أن تتخيّلوا مثلاً زوجين يستمتعان بجولة تبضّع في منزلهما في الميتافيرس، حيث يستطيعان التبضّع بناءً على تجربتهما المفضّلة في نزهة هادئة في ممرات سوبرماركت حيوي التصميم أو في متجر ذي طابع سيبراني غير مألوف لبيع المنتجات الرقمية المحدودة الإصدار. ولكنّ الفكرة الأساسية هي أنّ المستهلكين ليسوا مهتمين بنسخة ميتافيرس لإعلان منتج ما، بل يتدفّقون إلى الميتافيرس للتواصل مع البشر، لذا على العلامات التجارية ابتكار قيمة حقيقية تحسّن حياة المستهلكين –مع التركيز على الثقافات الفرعية الكثيرة والصيحات والاختلافات بين الريف والمدينة، والتجارب الفريدة.
يشهد الميتافيرس نمواً سريعاً في الصين ويبدو أنّ الشباب الصيني يحبّ هذه العوالم ويضعها في خانة التطوّر الطبيعي، ما يمنحه حريات جديدة ووسائل للتعبير عن نفسه ببناء علاقات اجتماعية حميمة.
* «ذا ديبلومات»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تكنولوجيا تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تُقدم «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» للعمل المستمر عبر التطبيقات مع حوسبة سحابية وصلاحيات وضوابط لإدارة المهامّ تلقائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)

روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

طوّر باحثون في «MIT» روبوتاً سبّاحاً فائق النحافة يستخدم خلايا عضلية حية ومحفزات ضوئية للحركة داخل الماء.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر الأمن السيبراني

يكشف تقرير «PwC» اتساع مخاطر الذكاء الاصطناعي سيبرانياً مقابل استمرار غموض المسؤولية وتفاوت الجاهزية رغم زيادة الميزانيات والاستثمار في الحماية.

نسيم رمضان (لندن)
خاص لا تقتصر السيادة في الذكاء الاصطناعي على وجود البيانات والخوادم بل تشمل السيطرة على النماذج والوكلاء والعمليات والقدرات التشغيلية (شاترستوك)

خاص السعودية تنتقل من بناء القدرة الحاسوبية إلى تشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع

ترى «ماغنا AI» أن المرحلة المقبلة في السعودية تتمثل في تحويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى قدرة تشغيلية سيادية واسعة النطاق.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد الخدمة على 3 فئات من البنية التحتية الجاهزة تبدأ من أحمال أصغر لعشرات المستخدمين وتصل إلى نماذج بحجم تريليون معامل (أدوبي)

«لينوفو» تُطلق «AI Express» لتسريع نشر البنية التحتية للذكاء الاصطناعي

تطلق «لينوفو» خدمة «AI Express» لتسريع نشر بنية الذكاء الاصطناعي المؤسسية بتكوينات جاهزة قابلة للتوسع بالتعاون مع «إنفيديا».

نسيم رمضان (لندن)

«أمازون» تطلق نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر لاتخاذ القرارات

لافتة لشركة «أمازون ويب سيرفيسز»  خلال «أسبوع لندن للتكنولوجيا» في مركز «أوليمبيا» بلندن (رويترز)
لافتة لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» خلال «أسبوع لندن للتكنولوجيا» في مركز «أوليمبيا» بلندن (رويترز)
TT

«أمازون» تطلق نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر لاتخاذ القرارات

لافتة لشركة «أمازون ويب سيرفيسز»  خلال «أسبوع لندن للتكنولوجيا» في مركز «أوليمبيا» بلندن (رويترز)
لافتة لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» خلال «أسبوع لندن للتكنولوجيا» في مركز «أوليمبيا» بلندن (رويترز)

أطلقت «أمازون ويب سيرفيسز (إيه دبليو إس)» لخدمات الحوسبة السحابية التابعة لمجموعة التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا الأميركية العملاقة «أمازون دوت كوم» نموذج ذكاء اصطناعي لاتخاذ القرار مفتوح المصدر مستوحى من النموذج «جيف» التابع لشركة «تايب سيف»، في ظلِّ ازدياد سعي مطوري الذكاء الاصطناعي للحصول على أنظمة ذكية تتناسب مع الأتمتة الحاسوبية بصورة أكبر من نماذج اللغة الكبيرة المتطورة للغاية.

وأشار موقع «تك كرانش» المتخصص في موضوعات التكنولوجيا إلى أن نموذج الذكاء الاصطناعي لاتخاذ القرار «ستراندس ديسايدر 2 بي»، الذي أطلقته «أمازون» تزامن من منتج مماثل كشفت عنه شركة تطبيقات الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي».

ويعد هذا النموذج وسيلةً سريعةً ومنخفضة التكلفة للمفاضلة بين خيارات محددة مسبقاً، مع تقديم مؤشر يحدِّد مدى الثقة في القرار المقترح. كما يتميَّز النموذج «ستراندس ديسايدر 2 بي» بأنه مفتوح المصدر بالكامل ومتاح حالياً، بما يتيح استخدامه مع تطبيقات من إنتاج شركات أخرى غير «أمازون». في الوقت نفسه فهو صغير الحجم بحيث يمكن للمستخدمين تشغيله على أجهزتهم مباشرة دون الحاجة إلى خوادم خارجية.

وقال موقع «تك كرانش» إن مارك بروكر المهندس في «أمازون» ابتكر هذا النموذج بعد اطلاعه على نموذج «جيف» ومحاولته بناء نسخته الخاصة من هذا النوع من النماذج. وقد حقق المشروع - الذي بدأ بوصفه مبادرةً شخصيةً - نجاحاً لافتاً، إذ تصدر لفترة وجيزة تصنيف «Jevbench» جيف إنش للنماذج المماثلة له في الحجم مما دفع مهندسي «أمازون» إلى تحسينه وإطلاقه بوصفه منتجاً ضمن وحدة «ستراندس لابس»، وهي وحدة تابعة للشركة تقوم بتطوير أدوات وبروتوكولات جديدة لنشر وكلاء الذكاء الاصطناعي ويشير بروكر إلى أن الحاجة إلى أداة مثل هذه برزت خلال النقاشات مع عملاء «أمازون ويب سيرفيسز»، الذين لا تحتاج أعمالهم دائماً إلى استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي التي تحتاج القدرات العالية أو التكلفة المرتفعة المرتبطة بنماذج اللغة الكبير، بكل قدراتها.


موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
TT

موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)

انتقد موظف سابق في قسم السلامة لدى (أوبن إيه آي)، قدم استقالته في الآونة الأخيرة، نهج الشركة تجاه سلامة الذكاء الاصطناعي، قائلا إن الثقافة المتسارعة التي تركز على التطوير السريع تزيد من مخاطر الإخفاقات.

وفي مقال نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» اليوم السبت بعنوان «استقلت من أوبن إيه آي لأن ثقافتها معيبة»، قال ديفيد روبنسون إن شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أوبن إيه آي، لا تتحلى بالحذر الكافي وينبغي لها أن تولي اهتماماً أكبر للخبرة والبحوث في مجال السلامة قبل تطوير أنظمة بقدرات أكبر.

وقال روبنسون: «انتهى عصر التجربة والخطأ»، وأكد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة تتطلب إجراءات وقائية أقرب إلى تلك المستخدمة في قطاعات مثل الطاقة النووية والطيران.

وأضاف روبنسون أن أوبن إيه آي تعتمد إلى حد كبير على ما تسميه «النشر التكراري»، إذ تطلق الأنظمة وتعزز إجراءات الحماية عند ظهور المشكلات.

و تأتي هذه التعليقات لتزيد من الجدل الدائر داخل قطاع الذكاء الاصطناعي حول ما إذا كانت الشركات تتحرك بسرعة مفرطة لتطوير أنظمة ذات قدرات متزايدة. وواجهت أوبن إيه آي والشركة المنافسة لها (أنثروبيك) تدقيقاً شديداً عقب وقائع لم تفلح فيها ضوابط السلامة، أو تصرفت فيها الأنظمة التجريبية بنحو غير متوقع.

وكتب روبنسون، الذي قال إنه أمضى ثلاث سنوات ونصف سنة في أوبن إيه آي وساعد في صياغة إطار عمل التأهب الخاص بالشركة وأشرف على تقارير السلامة في 12 عملية إطلاق لنماذج رائدة «مع اندفاع الشركة من عملية إطلاق إلى أخرى، فإنها تفشل في تحقيق مستوى العناية الذي «أعتقد أنه ضروري».

و قال متحدث باسم أوبن إيه آي في بيان: «نحرص على ألا تصبح نماذجنا قدراتها أكبر مما يمكننا إدارته بأمان أو تأمينه، ونوقف التدريب مؤقتاً أو نؤجل إطلاق النماذج عندما نحتاج إلى إبطاء وتيرة العمل».

وحذر روبنسون من أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتقدم بوتيرة أسرع من فهم الباحثين لمفهوم «المواءمة»، وهو مجال يركز على ضمان أن تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقاً لأهداف البشر وقيمهم.


«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
TT

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

يبدو أن وكيل «دوتس» الجديد من «أوبن إيه آي» لا يحتاج إلى انتظار سؤال جديد كي يبدأ العمل، فالفكرة الأساسية تقوم على وكيل دائم يمكن تكليفه بهدف، وربطه بالتطبيقات التي يحتاج إليها، وتركه يواصل تنفيذ المهامّ في الخلفية، حتى بعد انتهاء المحادثة مع المستخدم.

فقد أعلنت الشركة عن «Dots»، خلال مؤتمرها للمطورين في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، وقدّمتها بوصفها نقلة من نموذج الذكاء الاصطناعي الذي يجيب عن الطلبات إلى نظام يستطيع متابعة مشروعات مفتوحة، والعمل عليها على مدار الساعة.

وتعتمد الخدمة على نموذج «GPT-6 Astra»، ويملك كل «دوتس» جهاز كمبيوتر سحابياً خاصاً به ومتصفحاً مستقلاً، مع إمكان الاتصال بأكثر من 4 آلاف تطبيق عبر منظومة الإضافات التابعة للشركة.

كما يمكن للمستخدم تكليف «دوتس» بمشروع ثم العودة إليه لاحقاً، بينما يواصل الوكيل العمل على مهامّ أخرى، في الوقت نفسه. كما يستطيع المستخدم التواصل معه عبر «شات جي بي تي» و«سلاك» و«تيمز»، مع احتفاظ الوكيل بالسياق بين هذه القنوات. وتقول «أوبن إيه آي» إن الرسائل النصية ستُضاف لاحقاً.

كيف ستستخدم التقنية؟

في تطوير البرمجيات، يمكن للوكيل متابعة ملاحظات العملاء، وتحديد الأخطاء المتكررة، وبناء الإصلاحات واختبارها قبل تقديمها للمراجعة. وفي العمل البحثي، يستطيع إعادة تشغيل التحليلات عند وصول بيانات جديدة وتحديث الرسوم والنتائج. أما في صناعة المحتوى، فيمكنه تحليل نص مقابلة واستخراج مقاطع مناسبة وتجهيز ملاحظات وصياغة منشورات للسوشيال ميديا قبل إرسالها للموافقة.

وتشير الشركة إلى حالة، خلال الاختبارات المبكرة، لاحظ فيها أحد الوكلاء أن مستخدماً نسي إصدار فاتورة لإحدى الجهات، فجهّزها ثم أرسلها بعد حصوله على الموافقة.

تطرح «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» بوصفها أنظمة دائمة يمكنها مواصلة العمل على المهام حتى بعد انتهاء المحادثة مع المستخدم (الشركة)

جهاز سحابي خاص بالوكيل

أحد الاختلافات التقنية في «Dots» هو أن الوكيل لا يعمل فحسب داخل نافذة دردشة، بل يحصل على بيئة حوسبة سحابية خاصة يستطيع استخدامها لتصفح المواقع وتشغيل الأدوات المرتبطة به.

ويمكن للمستخدم فتح جهاز الوكيل السحابي في أي وقت، لمشاهدة ما يقوم به، كما تسمح الخدمة، عند منح الإذن، بربط الوكيل بحاسوب المستخدم نفسه، بينما يظل الجهاز الشخصي منفصلاً افتراضياً عن بيئة الوكيل، ما لم يقرر المستخدم خلاف ذلك.

ويضع ذلك «دوتس» ضِمن سباق أوسع بين شركات الذكاء الاصطناعي لتطوير وكلاء دائمين، بدلاً من المساعدات التي تبدأ عملها وتُنهيه داخل جلسة واحدة. ووصفت «رويترز» الإطلاق بأنه جزء من توسع «أوبن إيه آي» في سوق الوكلاء المستقلين، في مواجهة منتجات منافِسة؛ من بينها «ميوز» من «ميتا».

العمل في الخلفية... ضمن حدود

تمنح فكرة الوكيل الدائم النظام وصولاً أوسع إلى التطبيقات والبيانات، ولذلك خصصت «أوبن إيه آي» جانباً من الإعلان للضوابط والصلاحيات. فعندما يعمل «دوتس» بصورة استباقية في الخلفية، تقول الشركة إنه يستخدم التطبيقات المرتبطة به في وضع للقراءة فقط، ما يمنعه في هذه الحالة من إرسال الرسائل أو تغيير المحتوى داخل التطبيقات أو التحكم في المتصفح والحاسوب. ويمكن للمستخدم أيضاً تحديد إجراءات مسموح بها مسبقاً، أو اشتراط الموافقة قبل تنفيذها، أو منعها تماماً.

وتخضع بعض الإجراءات لمراجعة تلقائية، لتحديد ما إذا كان يمكن تنفيذها مباشرة أم تحتاج إلى موافقة المستخدم. وتبقى مهامّ حساسة معينة، مثل تغيير كلمات المرور، بيد المستخدم نفسه. كما تؤكد الشركة أن «Dots» قد ترتكب أخطاء، وتوصي بمراجعة الأعمال ذات العواقب المهمة.

تأتي هذه الضوابط مع تصاعد النقاش حول مخاطر الأنظمة القادرة على اتخاذ إجراءات بصورة مستقلة. وذكرت «أكسيوس» أن الإطلاق يضع وعود السلامة لدى الشركة أمام اختبار جديد؛ لأن التحدي لم يعد متعلقاً فحسب بما قد يقوله النموذج، بل بما قد يفعله عندما يحصل على أدوات وصلاحيات للعمل.

تعتمد الخدمة على صلاحيات وضوابط تحدد ما يستطيع الوكيل فعله مع الحاجة لموافقة المستخدم قبل بعض الإجراءات الحساسة (الشركة)

وكلاء متخصصون داخل الشركات

لا تقتصر خطة «أوبن إيه آي» على وكيل شخصي واحد، فالشركة تختبر أيضاً «دوتس» متخصصة للمؤسسات، يكون لكل منها هوية وصلاحيات خاصة وربط مباشر بأنظمة الشركة.

وتشمل الاستخدامات التي جُرّبت داخل «أوبن إيه آي» المشتريات، ومعالجة الفواتير، والتسويق عبر البريد الإلكتروني، ودعم العملاء والعقود التجارية، كما تعمل الشركة مع «مايكروسوفت» لدمج هذه الوكلاء مع أدوات الحوكمة والأمن في «Agent 365».

ويجري طرح «Dots» تدريجياً لمشتركي «برو» و«بيزنس بريميوم» في الأسواق المؤهلة، مع نسخة تجريبية للمؤسسات عند تفعيلها من مسؤولي بيئة العمل.

ويبدأ المستخدم حالياً بوكيل رئيسي واحد، بينما تتحدث «أوبن إيه آي» عن مرحلة لاحقة يمكن فيها لفِرق كاملة من الوكلاء العمل معاً نيابة عن المستخدم.

وبهذا تنتقل المنافسة في الذكاء الاصطناعي إلى سؤال مختلف عن جودة الإجابة وحدها: إلى أي مدى يمكن للنظام أن يتذكر السياق، ويواصل العمل، ويتصرف عبر تطبيقات متعددة، دون أن يحتاج المستخدم إلى توجيه كل خطوة؟ وهذه هي المساحة التي تحاول «Dots» دخولها.