فرنسا: المتنافسان الرئاسيان يعدّلان برنامجيهما لتوسيع قاعدتيهما الانتخابية

المناظرة التلفزيونية غداً واستطلاعات الرأي تميل لصالح ماكرون

ملصق يقول: من دونه (ماكرون) ومع (مارين لوبن) في تجمع انتخابي للوبن بشمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)
ملصق يقول: من دونه (ماكرون) ومع (مارين لوبن) في تجمع انتخابي للوبن بشمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا: المتنافسان الرئاسيان يعدّلان برنامجيهما لتوسيع قاعدتيهما الانتخابية

ملصق يقول: من دونه (ماكرون) ومع (مارين لوبن) في تجمع انتخابي للوبن بشمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)
ملصق يقول: من دونه (ماكرون) ومع (مارين لوبن) في تجمع انتخابي للوبن بشمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)

مجدداً، يتوجه الناخبون الفرنسيون إلى صناديق الاقتراع، الأحد المقبل، للفصل بين المرشحين اللذين تأهلا للمعركة الفاصلة التي لا تبدو، قبل أربعة أيام من حلولها، محسومة النتائج بعكس ما كانت عليه المعركة السابقة التي شهدت تفوق الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون، على منافسته من اليمين المتطرف مارين لوبن، التي تخوض ثالث معاركها الرئاسية، وهي نجحت في التأهل للجولة الثانية مرتين، متخطية بذلك والدها جان ماري لوبن، الزعيم غير المنازع للجبهة الوطنية، وقد تأهل للدورة الثانية في عام 2002 بوجه الرئيس الأسبق جاك شيراك.
ورغم أن استطلاعات الرأي تبين كلها، مع فوارق بسيطة للغاية، أن ماكرون سيتفوق على لوبن يوم الأحد المقبل، بحيث سيحصل على نسبة أصوات تتراوح ما بين 53 في المائة و55.5 في المائة مقابل 44.5 في المائة إلى 47 في المائة لمرشحة اليمين المتطرف، إلا أن تقلص الفارق بين المرشحين لا يجعل أياً منهما بمنأى عن مفاجأة غير مرتقبة.
تجدر الإشارة إلى أن ماكرون تفوق على منافسته في عام 2017 بـ32 نقطة. إلا أن الأخيرة دأبت في السنوات الخمس الماضية على اتباع استراتيجية سياسية - انتخابية مختلفة تماماً عن مسارها السابق، إذ ركزت على «تطبيع» صورة الحزب الذي أسسه والدها وسلمها زمامه قبل عشر سنوات. كما ابتعدت تماماً عن مواقفه التي قادته في العديد من المرات إلى المحاكم بسبب تصريحات نارية تشتم منها رائحة معاداة السامية أو العنصرية، وكره الأجانب. ولذا، فإن لوبن «جمّلت» صورتها شكلاً، بحيث تبدو دائماً مبتسمة وقريبة من الناس، وتخلت في المضمون عن مقترحات يصعب الدفاع عنها مثل الخروج من الاتحاد الأوروبي (الفريكسيت) ومن العملة الموحدة (اليورو) ومن اتفاقية شنغن للتنقل الحر داخل الاتحاد الأوروبي. كما تخلت عن عزمها العودة إلى العمل بعقوبة الإعدام التي ألغتها فرنسا قبل 40 عاماً. ومؤخراً، بعد أن تبين لها أن دعوتها لمنع ارتداء الحجاب في الفضاء العام تثير جدلاً قوياً، وتبعد عنها شريحة من الناخبين المحتملين، فقد تراجعت عنها بحيث لم تعد أولى أولوياتها متمسكة بمبدأ الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين الأقل ثراءً الذين يعانون من التضخم وغلاء الأسعار. وفائدة التركيز على هذا الجانب من الحياة اليومية للمواطنين أنها تظهر قربها من الناس، إضافة إلى أن طرحاً كهذا لا يميز بين يمين ويسار، لأن المعاناة هي نفسها للطبقة غير الميسورة.

شروخ في المجتمع الفرنسي
تبين الدراسات المعمقة لنتائج الدورة الأولى وجود ثلاثة شروخ رئيسية في المجتمع الفرنسي: الأول، والأهم، عنوانه تحول الناخبين (أي المواطنين) باتجاه الأطراف المتشددة يميناً ويساراً. والدليل على ذلك أن اليمين المتطرف والشعبوي حصل على 32.3 في المائة من الناخبين (11.34 مليون صوت) واليسار المتشدد على 25.7 في المائة (9 ملايين صوت)، بحيث يكون المجموع 58 في المائة من الأصوات. وبالمقابل، فإن الجبهة الوسطية أو الأحزاب الحكومية التي تضم ماكرون إلى جانب مرشحي اليمين الكلاسيكي والحزب الاشتراكي والخضر تمثل 37.2 في المائة من الناخبين (13 مليون ناخب).
والشرخ الثاني يقسم الناخبين إلى قسمين: الشباب دون الـ35 عاماً وقد صوتوا بغالبيتهم لصالح مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون ومرشحة اليمين المتطرف، فيما شريحة السن لما فوق السن المشار إليه سابقاً والكادرات العليا وأصحاب الشهادات والمؤهلات والمتقاعدون الميسورون صوتوا لصالح ماكرون.
والشرخ الأخير اقتصادي بحت، حيث إن ناخبي ماكرون وأيضاً مرشحي الحزب اليميني الكلاسيكي (الجمهوريون) والخضر وبعض اليسار الاشتراكي هم في الغالب من الطبقة الميسورة، فيما الآخرون فضلوا التصويت للأطراف. لذا، فإن الاستراتيجية السياسية المتبعة للدورة الثانية يفترض أن تستجيب لتطلعات المرشحين الاثنين لتوسيع قاعدتهما الانتخابية، واجتذاب أصوات المرشحين الذين خرجوا من السباق، أبرزهم ميلونشون، وتحفيز المقاطعين على التوجه لصناديق الاقتراع وتحميلهم إلى حد ما مسؤولية فوز المرشح المنافس.
كذلك بينت الأيام العشرة المنقضية على الجولة الأولى عدم تردد المرشحين الاثنين في إدخال تعديلات على البرنامج الأساسي لكل منهما. ولعل أبرز دليل على ذلك أن ماكرون، في المهرجان الانتخابي الذي أقامه في مدينة مرسيليا الساحلية المتوسطية، السبت الماضي، سعى إلى اجتذاب ناخبي ميلونشون الفائز في المرتبة الأولى فيها من خلال التركيز على أمرين: تأكيده أن ولايته للسنوات الخمس المقبلة ستركز على التحديات البيئية - وكان ميلونشون قد جعل من هذه المسألة إحدى أولوياته. والثاني إظهار أنه قريب من الناس وأنه يتفهم أوضاعهم، مؤكداً أكثر من مرة أنه «تعلم من الأخطاء» التي ارتكبها في سنوات حكمه الخمس المنقضية. كذلك لم يتأخر ماكرون في التراجع خطوة إلى الخلف بخصوص خطته لرفع سن التقاعد إلى 65 عاماً، الأمر الذي يلاقي معارضة واسعة في أوساط الناخبين ما دفعه إلى إبراز الليونة.
والشيء نفسه ينطبق على لوبن التي عدلت بعض مواد برنامجها ومنها المتعلقة بارتداء الحجاب في الفضاء العام.
وتراهن لوبن، إلى جانب إغراءات برنامجها الانتخابي الذي يوزع المليارات من دون تردد، على الشعور المعادي للرئيس الحالي، بحيث إن التصويت لصالحها سيكون في جزء منه بفضل خطتها الاقتصادية - الاجتماعية، وفي جزئه الثاني لرغبة ناخبين في التخلص من ماكرون وحرمانه من خمس سنوات إضافية في قصر الإليزيه. وبالمقابل، فإن الأخير يدعو لتفعيل ما يسمى «الجبهة الجمهورية»، أي لرص صفوف كافة الرافضين لوصول مرشحة اليمين المتطرف إلى المنصب الأعلى في فرنسا لما لذلك من تبعات خطيرة على السلم الاجتماعي وعلى صحة الاقتصاد الفرنسي، وعلى صورة وموقع فرنسا في الاتحاد الأوروبي وفي العالم.
بيد أنه قبل الأحد المقبل، ثمة استحقاق رئيسي ينتظر لوبن وماكرون غداً الأربعاء. وهي المناظرة التلفزيونية المطولة التي ستنقلها كافة قنوات التلفزة والإذاعات.
ويرى المحللون أن المناظرة التي تجمع أكبر عدد من المشاهدين لبرنامج تلفزيوني إطلاقاً (16.4 مليون مشاهد في عام 2017 بين ماكرون ولوبن)، تؤثر بالطبع على تصويت الناخبين لكنها ليست هي التي تصنع النتيجة. تجدر الإشارة إلى أن مناظرة 2017 كشفت ضعف ثقافة لوبن الاقتصادية والمالية وصعوبة العمل بالبرنامج الذي اعتمدته ما مكن منافسها ماكرون من «إغراقها». لكن نتيجة الجولة الحاسمة كانت معروفة سلفاً بسبب الفارق الكبير بين المرشحين بعكس ما هي الحال هذه المرة. ومن المعلوم أن أدق التفاصيل الفنية تمت مناقشتها بين فريقي المرشحين وبين القناتين الأولى والثانية في التلفزة الفرنسية اللتين تنظمان المبارزة، بما في ذلك اختيار مقدمي البرنامج، وهما الصحافية ليا سلامة اللبنانية الأصل (ابنة الوزير السابق غسان سلامة) عن القناة الثانية ومقدم الأخبار على القناة الأولى جيل بولو. ويلعب الصحافيان دور الحكم لجهة ضمان التساوي في الوقت المخصص لكل من المرشحين اللذين يتواجهان. ومن الأمور المتفق عليها سلفاً الإضاءة وقوتها وحرارة الاستوديو، ومن يبدأ الكلام ومن ينهيه والملفات التي ستثار. ولا يمنع مقدما المناظرة من توجيه الأسئلة وليس الاستحواذ على الكلام.
يشار إلى أن أول مناظرة رئاسية حصلت في عام 1974 بين مرشح الوسط واليمين فاليري جيسكار ديستان ومرشح اليسار فرنسوا ميتران، والأول هو من فاز في الانتخابات فيما هزمه الثاني بعد مرور سبع سنوات. لكن الجنرال ديغول والرئيس جورج بومبيدو رفضا المناظرات التي لم تنقطع سوى مرة واحدة في عام 2002 عندما رفض جاك شيراك منازلة جان ماري لوبن تلفزيونياً، والسبب أنه كان واثقاً من الفوز، وبالتالي لا حاجة لتوفير «دعاية» مجانية لمنافسه. وبالنظر لأهمية المناظرة، فإن برنامج المرشحين تم «تخفيفه» لتمكين كل منهما من التحضر جيداً. إلا أن الهجمات المباشرة أو عبر المساعدين لم تتوقف لا بل ازدادت حدة. وواضح أن لوبن تريد طمأنة مؤيديها الذين يتخوفون من تكرار المناظرة السابقة، إذ أعلنت أكثر من مرة أنها مستعدة بشكل أفضل وأنها «هادئة للغاية». وأضافت السبت الماضي: «لقد قرأت الكثير من الأشياء المتناقضة حول مشروعي، ورأيت الكثير من الرسوم الكاريكاتورية، وحتى الأخبار الزائفة، ومن المهم أن أحظى بوقت (كاف) مع كل الفرنسيين المهتمين لأتمكن من طمأنة الجميع».
وتعاني لوبن من الملف الذي كشفته مجلة استقصائية رقمية فرنسية (ميديا بارت)، والذي يتضمن اتهامها من جانب مكتب مكافحة الاحتيال الأوروبي مستندة إلى تقرير قدم إلى القضاء الفرنسي الشهر الماضي. وفي الوقائع أن لوبن ونواباً مثلها في البرلمان الأوروبي قاموا باختلاس مبلغ يقدر بـ600 ألف يورو.
بموازاة لوبن، يتمتع ماكرون بقدرة كبيرة على المنازلة الكلامية ورمي الحجج ومهاجمة الخصم. يضاف إلى ذلك أن ممارسته الحكم طيلة خمس سنوات مكنته من تملك كافة الملفات. ويُعرف عنه أنه يعمل كثيراً ولا ينام سوى القليل من الوقت. ويتفوق ماكرون على لوبن بأنه نال تأييداً واسعاً من المرشحين الذين خرجوا من الدورة الأولى، فضلاً عن دعم الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي وشخصيات بارزة فكرية ورياضية، فضلاً عن دعوة للتصويت لصالحه من ممثلي الطائفة اليهودية ومن جمعيتين تمثلان المسلمين.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».