شلل تام يصيب منظومة الحكم في العراق بعد 19 عاماً من سقوط صدام

صراعات داخل البيت الشيعي وخلافات كردية - كردية

العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)
العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)
TT

شلل تام يصيب منظومة الحكم في العراق بعد 19 عاماً من سقوط صدام

العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)
العراق يعيش انسداداً سياسياً كاملاً بعد 19 سنة من سقوط نظام صدام حسين (رويترز)

في ذكرى سقوط بغداد بأيدي الجنود الأميركيين، عام 2003، يبدو العراق غارقاً اليوم في انسداد سياسي تام، في ظل عجز مكوناته السياسية المختلفة على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وكذلك فشلها في الاتفاق على من هو الطرف الذي يشكل الغالبية النيابية التي تسمح له بتحديد الشخصية التي ستوكل لها مهمة تشكيل الحكومة الجديدة خلفاً لحكومة مصطفى الكاظمي الحالية.
كيف تبدو العلاقة بين الأطراف المتصارعة داخل البيت الشيعي؟ ما مصير مهلة الأربعين يوماً التي منحها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لخصومه الشيعة في الإطار التنسيقي لتشكيل الحكومة الجديدة؟ ما وضع الخلاف بين الأكراد أنفسهم على منصب رئيس الجمهورية؟ هذه جولة على تطورات المشهد السياسي العراقي في ذكرى سقوط النظام السابق...
لم تنجح منظومة الحكم السياسية في العراق، بعد مرور 19 عاماً على سقوط نظام صدام حسين على أيدي الأميركيين، في الاتفاق على عقد سياسي جديد. قال ذلك صراحة الرئيس العراقي برهم صالح في الذكرى التاسعة عشرة لسقوط بغداد، محذراً من استمرار الأزمة السياسية الحالية التي تمر بها البلاد بعد نحو 6 شهور على إجراء الانتخابات النيابية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
قال صالح، وهو أحد 40 مرشحاً يتنافسون على منصب رئيس الجمهورية، في بيان بمناسبة ذكرى سقوط نظام صدام: «في يوم سقوط صنم الاستبداد، الحاجة مُلحة لتلبية مطلب العراقيين بحكم رشيد، ومعالجة الخلل البنيوي في منظومة الحكم». وأضاف: «بعد عقدين من التغيير، يمر بلدنا بظرف حساس وسط انسداد سياسي وتأخر استحقاقات دستورية عن مواعيدها المُحددة، وهو أمر غير مقبول بالمرة بعد مضي أكثر من خمسة أشهر على إجراء انتخابات مُبكرة استجابة لحراك شعبي وإجماع وطني لتكون وسيلة للإصلاح وضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي وتصحيح المسارات الخاطئة وتحسين أوضاع المواطنين والاستجابة لمطالبهم».
وجدد صالح الدعوة إلى «عقد سياسي واجتماعي ضامن للسلم الأهلي، يقوم على مراجعة موضوعية لأخطاء الماضي». لكن واقع الحال يشير إلى أن لا أحد يريد مراجعة أخطاء الماضي. فبعد شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية التي وصفت بأنها مبكرة (أبكر بشهور فقط من موعدها المبدئي)، لا يزال الشلل التام يصيب كل منظومة الحكم في العراق الذي دخل مرحلة الفراغ الدستوري.
وكان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قائد تحالف الأغلبية الوطنية، قد فاجأ خصومه في البيت الشيعي (الإطار التنسيقي)، حين رمى الكرة في ملعبهم بشأن ما إذا كانوا قادرين على تشكيل حكومة أغلبية وطنية بدلاً منه، أم لا. ويعرف الصدر وخصومه، بالطبع، أن المعادلة فيها اختلال كبير. وقوام هذا الاختلال أنه في الوقت الذي يملك فيه الصدر أغلبية «الثلثين المعطلين» فإن «الإطار التنسيقي» الذي يضم القوى الشيعية التي سبق لها أن رفضت نتائج الانتخابات يملك «الثلث المعطل».
وكانت المعادلة السياسية في العراق تقوم على مبدأ التوافقية التي تعني توزيع المناصب بما فيها السيادية والوزارية، وسواها طبقاً لمبدأ المحاصصة. لكن الذي حصل بعد ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة، في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، هو خروج زعيم التيار الصدري عما كان إجماعاً يحكم البيت الشيعي، حين أصر على تشكيل حكومة أغلبية وطنية ألحقها بشعاره المعروف «لا شرقية ولا غربية». إصرار الصدر على تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية يستلزم مشاركة قوى أخرى خارج البيت الشيعي الذي بات منقسماً بين طرفين: الكتلة الصدرية التي تملك 75 مقعداً في البرلمان العراقي مقابل قوى الإطار التنسيقي (تضم تحالف الفتح بزعامة هادي العامري، ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، ائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي، عطاء بزعامة فالح الفياض، السند الوطني بزعامة أحمد الأسدي)، التي تملك كلها نحو 81 مقعداً مع اختلاف كبير في حجومها داخل هذه التركيبة.
- فيتو... لا فيتو
ففي الوقت الذي حصل فيه ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، على 34 مقعداً وهو ما جعله الثاني في البيت الشيعي بعد الصدر بعد أن كان المالكي يملك 24 مقعداً في انتخابات 2018، فإن تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم الذي كان عدد مقاعده في الانتخابات الماضية 22 مقعداً لم يحصل في الانتخابات المبكرة سوى على مقعدين اثنين. وفي الوقت نفسه، فإن زعيم ائتلاف النصر حيدر العبادي الذي كان يملك أكثر من 12 مقعداً في الانتخابات السابقة، لم يحصد في الانتخابات الأخيرة إلا مقعداً واحداً. والأمر نفسه ينطبق على منظمة بدر التي يتزعمها هادي العامري ضمن تحالف الفتح الذي كان يملك 21 مقعداً، إذ لم يحصل إلا على 7 مقاعد.
فاجأت النتائج تماماً قادة هذه الأحزاب الشيعية العراقية، الأمر الذي جعلهم يرفضونها ويصفونها بأنها مزورة. وبرغم أنهم قدموا عدة طعون إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ومن ثم إلى المحكمة الاتحادية العليا بشأن ذلك، فإن النتائج جاءت مطابقة للنتائج المعلنة في البداية. كما أن المحكمة الاتحادية أقرت النتائج النهائية للانتخابات، مؤكدة بذلك أن التيار الصدري يتقدم وبفارق كبير عن أقرب منافسيه من الأحزاب والتيارات الشيعية.
وبعد إعلان النتائج، أعلن الصدر، المتصدر، برنامجه لتشكيل حكومة أغلبية وطنية خارج البيت الشيعي الذي أصبح بيتين: بيت يتزعمه مقتدى الصدر ويملك الأغلبية، وبيت بعدة رؤوس لم يعد عملياً يملك الأغلبية. وفي محاولة من الإطار التنسيقي لإجراء مفاوضات مع الصدر لتأمين الكتلة الأكبر وبقائها ضمن البيت الشيعي، فإن المفاوضات التي أجريت بين بغداد والحنانة بمدينة النجف، حيث مقر الصدر، لم تسفر عن نتيجة بسبب الفيتو الذي وضعه الصدر على نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون والخصم الرئيسي للصدر منذ ما سمي عملية «صولة الفرسان» التي قادها المالكي عام 2007 حين كان رئيساً للوزراء آنذاك ضد «جيش المهدي» الذي شكله الصدر بعد احتلال أميركا للعراق عام 2003 بهدف مقاومة الأميركيين. استمرت المفاوضات بين الطرفين واستمر فيتو الصدر على المالكي، حتى قام الصدر بنفسه برفع هذا الفيتو عبر اتصال هاتفي مفاجئ بالمالكي. وفي الوقت الذي بدا فيه أن هذا الاتصال الهاتفي مثّل بداية انفراجة داخل البيت الشيعي، فإن المفاجأة سرعان ما انتهت أو استوعبها المالكي حين عرض الصدر على المالكي القبول بابن عمه جعفر الصدر (سفير العراق الحالي لدى المملكة المتحدة) مرشحه لرئاسة الوزراء طالباً من خصومه في البيت الشيعي قبول هذا الترشيح.
- إشكالية الكتلة الأكبر
لا أحد من الشيعة يرفض من حيث المبدأ مرشحاً مثل جعفر محمد باقر الصدر لترؤس الحكومة. فالصدر الابن هو في النهاية نجل أحد أكبر مراجع الشيعة ومفكريهم في القرن العشرين، فضلاً عن كونه المؤسس والمرجع الأول لحزب الدعوة. لكنه في ظل بناء نمط جديد من التحالفات، فإن المشكلة التي واجهت الجميع هي الكتلة الأكثر عدداً التي تملك حق تكليف رئيس وزراء لتشكيل الحكومة. وطبقاً لما تسرب من معلومات حول المكالمة الهاتفية بين الصدر والمالكي، أبلغ الأخير الصدر بأنه لا يوجد اعتراض من حيث المبدأ على شخصية جعفر الصدر، لكن السؤال يتعلق بكيف يمكن تقديمه لرئاسة الوزراء طالما أن الأمر مرهون بالكتلة الأكبر التي تقدمه. وهنا تساءل المالكي: هل يقدم جعفر الصدر من قبل كتلة شيعية أكبر تمثل التيار الصدري والإطار التنسيقي؟ أم يقدم من قبل كتلة الصدر التي تضم تحالف السيادة السنّي بزعامة محمد الحلبوسي والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني؟ عند هذا الحد، انتهت المكالمة الهاتفية وعادت الأمور بين التيار الصدري والإطار التنسيقي إلى المربع الأول. فالصدر بقي مصراً على أن تقدم كتلته (تحالف إنقاذ وطن) المكلف بتشكيل الحكومة، بينما رأى الإطار التنسيقي أنه في حال تم اللجوء إلى هذا الخيار فإن المكون الشيعي الذي يملك أغلبية السكان والبرلمان سيتحول إلى أقلية للمرة الأولى منذ عام 2003.
- عقدة الرئيس
طوال الدورات البرلمانية الأربع الماضية، لم يكن منصب رئيس الجمهورية عقدة بحد ذاته، إذ إن المناصب السيادية العليا (الرئاسات الثلاث) توزع عرفاً على المكونات (رئاسة الجمهورية للكرد، رئاسة البرلمان للعرب السنة، رئاسة الوزراء للشيعة). وطالما أن الحزبين الكرديين الرئيسيين في إقليم كردستان (الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل طالباني) كانا متفقين على تقسيم المناصب بينهما بين بغداد وأربيل، فإنه لم تكن هناك مشكلة في منصب رئيس الجمهورية. حتى عندما حصلت المشكلة المعروفة بين الحزبين عام 2018 ودخلا البرلمان بمرشحين اثنين، فإن الفضاء الوطني داخل البرلمان هو الذي حسم الموقف حين تم انتخاب الرئيس الحالي برهم صالح بأغلبية كبيرة ضد خصمه مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني فؤاد حسين وزير الخارجية الحالي.
وتكررت مشكلة الحزبين الآن، ولكن في ظل ظروف مختلفة قوامها تغيير نمط التحالفات. فالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني انضم إلى التحالف الثلاثي بزعامة مقتدى الصدر. كما انضم إلى هذا التحالف تحالف السيادة السني. وطالما أن منصب رئيس الجمهورية، طبقاً للدستور العراقي، يحتاج أغلبية الثلثين الذي تم تكريسه عبر التفسير الذي قدمته المحكمة الاتحادية العليا التي اشترطت أن تكون أغلبية الثلثين قائمة عبر كلتا الجولتين، فإن منصب رئيس الجمهورية تحوّل إلى العقدة الكبرى الآن بسبب النص الدستوري وتفسير الاتحادية. ففي هذه الحالة، فإن تحالف الصدر الثلاثي لا يملك أغلبية الثلثين اللازمة لانتخاب مرشحه لرئاسة الجمهورية وهو مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبر أحمد. وريبر أحمد جاء ترشيحه من قبل الحزب الديمقراطي بعد إقصاء المرشح السابق وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري من قبل المحكمة الاتحادية العليا. وقد حصلت إشكاليات تتعلق بفتح باب الترشح لمنصب رئيس الجمهورية بعد نهاية المهلة الدستورية للترشح، ذلك أن الديمقراطي الكردستاني، بعد إقصاء زيباري، كان يواجه خطر الحرمان من الترشح لهذا المنصب، وهو ما يعني فتح الطريق أمام مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني الرئيس الحالي برهم صالح لمنصب رئيس الجمهورية. وقد قبلت المحكمة الاتحادية العليا الطعن الذي قدمه أحد نواب البرلمان العراقي بشأن عدم دستورية فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية للمرة الثانية بعد إقصاء المرشح السابق للحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري. وبينما بدا موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني في غاية الصعوبة نظراً لغموض مصير مرشحه البديل ريبر أحمد البارزاني وزير داخلية إقليم كردستان، فقد اتخذت المحكمة الاتحادية قراراً بدا بمثابة حل وسط مثّل حبل إنقاذ للديمقراطي الكردستاني. فبعد أن اتخذت رئاسة البرلمان قراراً بفتح باب الترشيح لمدة ثلاثة أيام بهدف إتاحة الفرصة للديمقراطي الكردستاني ترشيح بديل لزيباري، فإن المحكمة الاتحادية التي طعنت بهذا القرار منحت في الوقت نفسه البرلمان، بالأغلبية البسيطة وليس نتيجة قرار من رئاسة البرلمان، الحق في إعادة فتح باب الترشيح لمرة واحدة وأخيرة. ونظراً لامتلاك كل من التحالفين («الثلاثي» و«الإطار التنسيقي») ما بات يسمى «الثلث المعطل»، فقد بدا من الصعوبة المضي ببقية الاستحقاقات الدستورية التي تتمثل بانتخاب رئيس جديد للجمهورية ومن ثم تحديد ما هي الكتلة الأكبر التي ستختار مكلفاً بتشكيل الحكومة.
- انغلاق أم انسداد سياسي؟
في هذه الأثناء، زاد المشهد تعقيداً بعد إخفاق البرلمان في انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإخفاق الأكراد في الاتفاق على مرشح متفق عليه بينهم. في كل الأزمات السياسية السابقة، كانت الأطراف المتنازعة تخرج من عنق الزجاجة في الوقت بدل الضائع ونتيجة ضغط إقليمي في الغالب من إيران، وكان كل واحد منها يخرج وهو راضٍ بالغنيمة التي حصل عليها وبالحصص الوزارية التي نالها. لكن الأمر اختلف في هذه الانتخابات، حيث وصل المشهد السياسي إلى ما بات يصنف على أنه «انسداد سياسي» كامل.
حاول الزعيم الكردي مسعود بارزاني أن يفتح كوة في جدار الانغلاق السياسي حين أطلق مبادرة تهدف إلى إقناع الصدر برفع الفيتو عن المالكي، قبل اتصال الصدر بالمالكي فيما بعد. كان الهدف من مبادرة بارزاني التي لم يتعامل معها الصدر، برغم أن بارزاني حليفه، محاولة لحلحلة الأزمة بين التيار الصدر والإطار التنسيقي. وطبقاً لما بدا مشهداً جديداً في العملية السياسية في العراق بعد عام 2003، فإن المتغير الرئيسي هو أن الصدر دخل بنفسه وبكل ثقله بهدف تغيير المعادلات السياسية. وطبقاً لما أبلغ به «الشرق الأوسط» سياسي قريب من الكواليس، فإن الصدر ألغى دور «العراب» الذي كان يقوم في الماضي بترتيب الأمور، ومن ثم يتم التوافق بين الجميع بصرف النظر عما إذا كان هذا العرّاب خارجياً أم داخلياً، بحيث بات اليوم هو الذي يتصرف ويفاوض، بدليل مجيئه إلى بغداد أكثر من مرة واتصالاته الهاتفية من الأطراف السياسية المختلفة. ورداً على سؤال بشأن رفع فيتو الصدر عن المالكي، يقول هذا السياسي إن «هناك أموراً كثيرة حصلت خلال الفترة الأخيرة من بينها تراجع العلاقة بين الصدريين والحزب الديمقراطي الكردستاني، التي تكاد تكون وصلت إلى حافة حرجة، لا سيما بعد قرارات المحكمة الاتحادية وعدم اعتراف السيد بارزاني وحكومة الإقليم بقراراتها»، مضيفاً أن «الأمر نفسه انسحب على الموقف من تحالف السيادة، خصوصاً أن الصدر انزعج كثيراً من الصورة التي جمعت زعيمي تحالف السيادة الحلبوسي وخميس الخنجر مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بحضور مدير مخابراته». ويمضي المصدر السياسي بالقول إنه «بعد هذه الأمور، بالإضافة إلى تصاعد النقمة الشعبية بعد ارتفاع الأسعار وتأخير تشكيل الحكومة نتيجة للفشل في انتخاب رئيس للجمهورية، قرر الصدر قلب المعادلة على الجميع وإعادة بناء التحالفات».
مع ذلك، بقي الانسداد السياسي قائماً، لا سيما مع الفشل المستمر في انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وفي هذا السياق، أكد قيادي في «الإطار التنسيقي» لـ«الشرق الأوسط»، أن «مواقف الصدر لم تعد واضحة بالنسبة لهم قدر وضوحها بالنسبة لشركائه في التحالف الثلاثي»، مبيناً أنه «في الوقت الذي يحترم فيه الصدر تعهداته مع الأكراد والسنة إلى الحد الذي وصل فيه الأمر حد إعلان الدفاع عنهم بدعوى تعرضهم إلى تهديدات، فإنه اعتمد سياسة غير واضحة مع من يفترض أنهم الركن الآخر في البيت الشيعي حتى بافتراض وجود مشاكل داخل هذا البيت». وأضاف أن «الشروط التي طرحها الصدر لمفهوم الأغلبية الوطنية بدت موجهة ضد الأطراف الشيعية، وأولهم زعيم دولة القانون نوري المالكي، بينما لم يضع أي شرط لمشاركة الآخرين، لا سيما الأكراد والسنة بشأن ما يتبناه على صعيد حكومة الأغلبية الوطنية».
ويتضح مما يراه هذا القيادي في «الإطار التنسيقي» أن أزمة الثقة لا تزال عميقة بين الطرفين، حتى بعد اتصال الصدر بالمالكي. فالمعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من أكثر من مصدر تفيد بأن «هناك انزعاجاً من وجود قادة سنّة ضمن اجتماع لبحث الأزمة داخل البيت الشيعي في حين لم يتدخل الشيعة في الحوارات بل والسجالات التي كانت تدور بين القادة السنّة والتي لم تحسم الإ خارج العراق، ومن قبل الرئيس التركي تحديداً». وترى مصادر مطلعة أن «الاجتماع كان منذ البداية غير محدد بمناقشة الأزمة داخل البيت الشيعي، خصوصاً بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، إنما كان بهدف مناقشة مفهوم حكومة الأغلبية الوطنية بين التحالف الثلاثي بحضور الصدر وتحالف السيادة بغياب الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي لا أحد يعرف لماذا لم تتم دعوة ممثل عنه لحضور هذا الاجتماع».

أحد مؤيدي مقتدى الصدر في مدينة الصدر شرق بغداد (أ.ف.ب)

- الصواريخ على خط الأزمة
> على الرغم من الجهود التي حاول القيام بها قائد «فيلق القدس» بـ«الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قآني، على صعيد إمكانية حلحلة الأزمة داخل البيت الشيعي، حتى لو أدى ذلك إلى الضغط على حلفاء الصدر من الأكراد والسنة، فمن الواضح أن تلك الجهود باءت بالفشل. وفي هذه الأثناء، دخلت الصواريخ على خط الأزمة من أوسع أبوابها، عندما قصفت إيران ما قالت إنه موقع لـ«الموساد» الإسرائيلي في أربيل. وقد بلغ تبادل الأدوار بين إيران وأذرعها في العراق أوجه مؤخراً. فإيران «الحرس الثوري» أعلنت ضرب أربيل بـ12 صاروخاً باليستياً بدعوى وجود مقر للاستخبارات الإسرائيلية هناك. وبينما أعلنت إيران أنها يمكن أن تواصل قصف مواقع جديدة في إقليم كردستان تنطلق منها هجمات تستهدف إيران، فإن فصيلاً مجهولاً لم يعلن عن نفسه كالعادة أمطر قاعدة بلد الجوية بأربعة صواريخ كاتيوشا، بحجة وجود جنود أميركيين داخل هذه القاعدة التي تضم طائرات «إف 16» حصل عليها العراق من الولايات المتحدة.
لم تغيّر الصواريخ في المعادلة كثيراً، كما أنها لم تجعل الصدر يعيد حساباته. لكن القوى السياسية العراقية أدركت مجتمعة، كما يبدو، أنها وصلت إلى طريق مسدودة بشأن إمكانية التوصل إلى حل لأزمة انتخاب رئيس الجمهورية. ولم يعد أمام الصدر سوى أن يعيد رمي الكرة في مرمى خصومه في البيت الشيعي، حين منحهم فرصة تشكيل الحكومة خلال فترة أربعين يوماً تبدأ من اليوم الأول من شهر رمضان وتنتهي في التاسع من شوال، طالما هم يملكون الثلث بينما هو يملك الثلثين. وبين الثلث والثلثين تبقى الأنظار متجهة الآن نحو ما يمكن أن تقوله المحكمة الاتحادية العليا بعد تجاوز كل المدد الدستورية التي منحتها لانتخاب رئيس الجمهورية.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.