مشروع رفع سن التقاعد عقبة بوجه إعادة انتخاب ماكرون

استطلاعات الرأي تظهر تقدماً طفيفاً للرئيس الحالي على لوبن

ملصق ممزق للرئيس ماكرون في باريس أمس (أ.ب)  -  ملصق ممزق لمرشحة اليمين المتطرف مارين في باريس أمس (أ.ب)
ملصق ممزق للرئيس ماكرون في باريس أمس (أ.ب) - ملصق ممزق لمرشحة اليمين المتطرف مارين في باريس أمس (أ.ب)
TT

مشروع رفع سن التقاعد عقبة بوجه إعادة انتخاب ماكرون

ملصق ممزق للرئيس ماكرون في باريس أمس (أ.ب)  -  ملصق ممزق لمرشحة اليمين المتطرف مارين في باريس أمس (أ.ب)
ملصق ممزق للرئيس ماكرون في باريس أمس (أ.ب) - ملصق ممزق لمرشحة اليمين المتطرف مارين في باريس أمس (أ.ب)

قطعاً، تبدو الحملة الرئاسية الفرنسية بالغة الحماوة بين المتأهلَين اللذين أفرزتهما دورتها الأولى: الرئيس إيمانويل ماكرون الساعي لاستنهاض «جبهة جمهورية» عريضة بوجه مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن من أجل «حماية الدولة والمؤسسات»، في حين الأخيرة تريد تحويل الجولة الحاسمة يوم 24 الحالي «استفتاءً» ضد ماكرون؛ انطلاقاً من اعتبارها أن الـ73 في المائة من الناخبين الفرنسيين الذين لم يصوّتوا للرئيس الحالي الأحد الماضي إنما «صوّتوا ضده»، وبالتالي فإنهم مرحب بهم لإخراجه من قصر الإليزيه.
اليوم، يتراشق الطرفان عن بُعد: اتهامات متبادلة تصل إلى حد التجريح الشخصي. واقتراحات واقتراحات مضادة بشأن الأكثرية الساحقة من الملفات من غير أن يعني ذلك أنهما مختلفان على كل شيء. والطريف، أن لوبن وماكرون متفقان مثلاً على العودة إلى ولاية رئاسية من سبع سنوات (عوض خمس حالياً)، أي كما كانت إبان خمسة عهود رئاسية، وكما نص عليها دستور الجمهورية الخامسة الذي سنّه الجنرال ديغول قبل 64 عاماً. والثابت، أن الاثنين يلقيان بقواهما كافة في المعركة بالنظر للفارق الضئيل في نتائج الجولة الثانية، كما تظهرها استطلاعات الرأي منذ الأحد الماضي.
ورجحت آخر دراسة قامت بها مؤسسة «إيفوب» ونشرت نتائجها أول من أمس، أن ماكرون يتقدم قليلاً على منافسته؛ إذ سيحصل على 52.5 في المائة من الأصوات، بينما ستحصل على لوبن على 47.5 في المائة. والحال أن هامش الخطأ الحسابي المعروف في استطلاعات الرأي يقع في حدود اثنين في المائة؛ ما يعني أن احتمال فوز الأول أو الثانية قائم؛ الأمر الذي يزيد من شراسة المعركة.
وأمس، حذر إدوار فيليب، رئيس الحكومة السابق وأحد الشخصيات المرموقة في فرنسا، في حديث إذاعي من فوز لوبن، وقال لإذاعة «فرانس أنتير»، «إن أي شخص يؤكد أن لوبن، بطبيعة الحال، لا يمكن أن تفوز يخطئ بشكل كبير وهو بلا دراية. نعم، لوبن تستطيع كسب الانتخابات». وخلاصة فيليب، أنه «يتعين التعاطي مع هذه الانتخابات بجدية والتعاطي مع الفرنسيين بجدية، وكذلك التعامل مع الجولة الثانية».
حقيقة الأمر، أن لوبن التي خسرت المنافسة بوجه ماكرون في العام 2017، أحرزت تقدماً كبيراً لدى الرأي العام. والدليل على ذلك، أن الرئيس الحالي تفوق على مرشحة اليمين المتطرف بفارق 32 نقطة؛ الأمر الذي يبين المسافة التي قطعتها لوبن للاقتراب حافة الفوز.
ويبدو قلق المعسكر الرئاسي في الجهد الاستثنائي الذي يبذله ماكرون منذ صباح الاثنين، إن على صعيد القيام بأكبر عدد ممكن من الزيارات الميدانية أو من خلال حرصه على «الاحتكاك» بالجمهور والتحاور معه على الرغم مما تحمله هذه الرغبة من مفاجآت.
أول من أمس، قام ماكرون بجولة من محطات ثلاث في منطقة شرق فرنسا آخرها في مدينة ستراسبوغ، مقر البرلمان الأوروبي. وفي محطته الثانية في مدينة «شاتونوا» في منطقة الألزاس، دار حوار سريالي بينه وبين أحد المواطنين نقلته قنوات التلفزة صوتاً وصورة. فقد بادر هذا الرجل الستيني باتهام ماكرون بأن إدارته لشؤون البلاد بمثابة «فضيحة». وأردف قائلاً «أنت متعجرف، ساخر وتحتقر الناس. أنت قتلت المستشفيات (الحكومية) ولم أر في حياتي أبداً رئيساً للجمهورية الخامسة بهذا القدر من التعاسة». لكن ماكرون حافظ على هدوئه ورد بدعوة منتقده إلى الحوار وإلى عرض حججه، مؤكداً أنه «الوحيد» الذي يقبل هذا التناول. وعلى الرغم من عدوانية منتقده، اختتم ماكرون كلامه، وسط تصفيق المتحلقين حوله، بالتعبير مرة أخرى عن «احترامه» له.
تنم هذه الحادثة عن رغبة الرئيس - المرشح في تحطيم الصورة التي رُسمت له والتي تقدمه مسؤولاً بعيداً عن الناس وعن اهتماماتهم اليومية والمعيشية. ولذا؛ فهو يكثر من تنقلاته ومن التحاور مع الفرنسيين بعكس تعاطيه مع الجولة الأولى حيث كان الأقل حضوراً من بين المرشحين كافة. والسبب في ذلك مثلث: من جهة، انشغاله بإدارة شؤون البلاد ولكن خصوصاً بالحرب الروسية على أوكرانيا والقمم والاتصالات المتلاحقة التي جرت بين القادة الغربيين في الأسابيع الخمسة الماضية. والثاني توقعه، مع فريقه، أن الحملة الرئاسية ستكون بمثابة «نزهة» بالنظر لتواتر الاستطلاعات التي تؤكد فوزه. والثالث، حاجته لشرح برنامجه الانتخابي وإدخال تعديلات عليه خصوصاً في شقه الاجتماعي - الاقتصادي. بيد أنّ عاملاً آخر يبدو الأكثر أهمية؛ إذ إن ماكرون في حاجة ماسة، كما مارين لوبن، إلى اجتذاب الأصوات الإضافية التي يحتاجها لاجتياز حاجز الخمسين في المائة الضرورية للفوز، وهذه الأصوات موجودة بشكل خاص عند مرشح اليسار المتشدد، جان لوك ميلونشون الذي حصد 7.771 مليون صوت، وما يوازي 22 في المائة من الأصوات. لذا؛ فإن ماكرون يجد نفسه مضطراً إلى تعديل برنامجه الانتخابي، خصوصاً اقتراحه رفع سن التقاعد القانوني من 62 عاماً إلى 65 عاماً. والحال، أن ميلونشون كان يدعو إلى خفضه لستين عاماً بينما لوبن تريد إبقاءه حيث هو مع الأخذ في الاعتبار لحالات خاصة تبرر خفضه. وفي كل محطة من محطاته، كان ماكرون يسأل عن هذه المسألة بالذات. ولأنه وجد رفضاً لها خصوصاً من اليسار ومن الفئات الأقل يسراً، فإنه بادر لتليين موقفه، متراجعاً لـ64 عاماً، ومبدياً استعداده لمزيد من الليونة، لا بل لطرح الملف في استفتاء عام، الأمر الذي يظهر تيقنه من أن ملف التقاعد الذي حاول إصلاحه قبل موجة «كوفيد - 19» يمكن أن يقطع عليه طريق الإليزيه. والحال، أن ميلونشون الذي دعا منذ ليل الأحد - الإثنين إلى حرمان لوبن من أي صوت من جمهوره، لم يدع إلى انتخاب ماكرون الذي كان أشد محاربيه في مجلس النواب. وبالمقابل، فإن حزبه بصدد تنظيم استفتاء داخلي يتناول 300 ألف شخص لتقرير ما سيفعله مناصروه ومحازبوه تصويتاً لماكرون أو امتناعاً عن المشاركة.
يفيد الاستطلاع المشار إليه، بأن 25.5 في المائة من الناخبين لن يتوجهوا إلى مراكز الاقتراع في الجولة الحاسمة وهي نسبة مشابهة لما حصل في الجولة الأولى. وتمثل هذه الإشكالية، المعضلة الثانية المستعصية على الناخبين بالنظر لتأثيرها المباشر على النتائج. وحتى اليوم، حظي ماكرون بدعم واسع، إما بالدعوة مباشرة للاقتراع لصالحه، كما فعل الحزب الاشتراكي وحزب الخضر وشخصيات من اليمين واليسار... أو بالامتناع عن التصويت لصالح لوبن التي تحظى بدعم المرشح اليميني الشعبوي إيريك زيمور وحزب «فرنسا الناهضة» ومرشحه نيكولا دوبون دينيان. ويوماً بعد يوم، تتزايد الدعوات لاستبعاد شبح لوبن بغض النظر عن المسار الذي سلكته سياسات ماكرون في السنوات الخمس الماضية التي عدت يمينة المنهج. وأبرز الداعمين له، مؤخراً، الرئيس اليميني الأسبق نيكولا ساركوزي، مؤسس حزب «الجمهوريون» الذي امتنع عن تأييد مرشحة حزبه فاليري بيكريس قبل الدورة الأولى. وعلق ماكرون على ذلك بقبوله أن تأييد ساركوزي «يشرفه» ويشكل دعماً لسياسته، خصوصاً بالنسبة لأوروبا. بيد أنه نفى أن يكون ذلك «نتيجة اتفاق» سياسي مع الرئيس الأسبق الذي لا يخفي قربه من الرئيس الحالي. إلا أن موقف ساركوزي سيزيد التشقق داخل «الجمهوريون» الذي نجح ماكرون في اجتذاب ناخبيه؛ لأن دعوته لـ«مواكبة» ماكرون في السنوات الخمس المقبلة تتناقض مع فلسفة الحزب الذي يريد أن يبقى كياناً مستقلاً ممثلاً لليمين التقليدي وقيمه.
وفي هذا السياق، قال ماكرون، إنه يريد أن يعمل على «جمع القوى السياسية المختلفة للعمل معا على الإصلاحات» التي يريد إدخالها وذلك في إطار بنية سياسية «غير موجودة في الوقت الحاضر». ومنذ ما قبل الانتخابات، يعمل مستشاروه على اجتذاب نواب وشخصيات من اليمين والوسط. أما اليوم، فإن همه الأول إظهار أنه لا ينسى من هم على يسار الخريطة السياسية.



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».