زلزال الجولة الرئاسية الأولى يطيح التوازنات السياسية في فرنسا

صحيفة فرنسية تظهر المرشحين للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية ، ماكرون ولوبن  ( إ ب أ)
صحيفة فرنسية تظهر المرشحين للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية ، ماكرون ولوبن ( إ ب أ)
TT

زلزال الجولة الرئاسية الأولى يطيح التوازنات السياسية في فرنسا

صحيفة فرنسية تظهر المرشحين للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية ، ماكرون ولوبن  ( إ ب أ)
صحيفة فرنسية تظهر المرشحين للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية ، ماكرون ولوبن ( إ ب أ)

إنه زلزال سياسي من الدرجة الأولى... هكذا يمكن تلخيص تبعات النتائج النهائية للجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي شهدت تأهل الرئيس إيمانويل ماكرون (27.85 في المائة من الأصوات) ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن (23.15 في المائة)، فيما حصل مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون على 21.95 في المائة، بفارق أقل من 500 ألف صوت عن لوبن.
أهمية الزلزال ليست في تأهل الرئيس المنتهية ولايته ومنافسته من اليمين المتطرف، بل في التغير الجذري الذي أصاب المشهد السياسي الفرنسي مع الهزيمة الساحقة التي لحقت بالحزبين التقليديين في فرنسا: حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي بشخص مرشحته فاليري بيكريس، والحزب الاشتراكي بشخص آن هيدالغو. الأولى حصلت على 4.8 في المائة من الأصوات، والثانية التي حلت في المرتبة العاشرة (من بين 12 مرشحاً) حصلت على 1.8 في المائة من الأصوات، وهو أدنى مستوى حصل عليه مرشح اشتراكي إطلاقاً.
وبما أن النتائج جاءت على هذا الشكل، فإنها تعني عملياً أن ما اعتادت عليه فرنسا، منذ تأسيس الجمهورية الخامسة قبل 64 عاماً، لجهة تداول السلطة بين الحزبين المذكورين، حيث أرسل اليمين الكلاسيكي خمسة رؤساء إلى قصر الإليزيه والحزب الاشتراكي رئيسين، انقضى إلى غير رجعة، وحلت محله صيغة مستجدة قوامها قيام ثلاث كتل سياسية شبه متساوية: كتلتان، الأولى لليمين المتطرف والثانية لليسار المتشدد، والثالثة كتلة مركزية وسطية تضم شرائح من اليمين واليسار وخليط من الشخصيات يشد عصبها الرئيس ماكرون، الذي جاء إلى السلطة متسلحاً بفلسفة تخطي الأحزاب التقليدية وازدواجية اليمين واليسار.
ويكمن خطر الصيغة الجديدة في أن التداول على الحكم لن يتم بعد اليوم بين أحزاب لها ثقافة حكومية، بحكم تاريخها وتسلمها طيلة ستة قرون مسؤولية الدولة الفرنسية، بل بين كتلة مركزية وسطية، وكتلة تقع أقصى اليمين أو أقصى اليسار. وفي الحالتين، يشكل ذلك ما يشبه الثورة السياسية التي لها تبعاتها في الداخل سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً كما على حضور فرنسا في الخارج وخصوصاً على دورها الرائد في إطار الاتحاد الأوروبي التي هي أحد مؤسسيه. كما أنها تشكل، مع ألمانيا، القاطرة التي تدفع به تقليدياً إلى الأمام.
منذ إعلان النتائج ليل الأحد - الاثنين، بدأت حملة انتخابية جديدة عنوانها إقناع أو إغراء ناخبي المرشحين العشرة الذين خرجوا من السباق بالتصويت لأحد المتأهلين، ماكرون أو لوبن. هذان المرشحان حصلا معاً على 51 في المائة من الأصوات. وبعد أقل من 24 ساعة، توضحت صورة المشهد السياسي: بيكريس وهيدالغو ومرشح الخضر (يانيك جادو) ومرشح الحزب الشيوعي فابيان روسيل دعوا إلى الاقتراع لصالح ماكرون يوم 24 الجاري، ليس حباً به وإعجاباً بسياسته، بل لقطع طريق الإليزيه على لوبن.
وفي المقابل، فإن المرشح اليميني الأكثر شعبوية ويمينية أريك زيمور الذي حلّ في المرتبة الرابعة بحصوله على 7.1 في المائة من الأصوات (2.442 مليون صوت) ونيكولا دوبون إينيان المرشح اليميني السيادي (2.1 في المائة و726 ألف صوت) دعيا للتصويت لصالح لوبن. وترك المرشح المستقل جان لاسال (3.2 في المائة من الأصوات) الحرية لناخبيه.
بيد أن بيضة القبان للدورة الثانية موجودة عند ميلونشون الذي منحه 7.605 مليون ناخب صوته. وفي كلمته لمناصريه بعد إعلان النتائج حرص على دعوتهم بقوة (وقد ردد ذلك أربع مرات) «لعدم إعطاء صوت واحد» لمرشحة اليمين المتطرف. بيد أن ميلونشون، كبقية المرشحين لا يمتلك أصواته وليس من المؤكد أن دعوته ستلقى آذاناً صاغية وسيعمل ناخبوه بوحيها. واللافت أنه لم يدع للتصويت لصالح ماكرون، ما يترك الباب مفتوحاً أمام كل الاحتمالات.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أيبسوس - سوبرا - ستيريا» عقب إعلان النتائج أن 34 في المائة من أصوات ميلونشون يمكن أن تذهب إلى ماكرون و30 في المائة لصالح لوبن بينما 36 في المائة أعلنوا أنهم سيمتنعون عن التصويت.
يبين الواقع الجديد والأرقام والنسب المعروفة أن كلا المرشحين سيواجه صعوبة في تحديد الاستراتيجية التي سيتبعها لتوسيع قاعدته الانتخابية. وما برز حتى اليوم يظهر أن استراتيجية ماكرون تقوم على محاولة إحياء ما يسمى «الجبهة الجمهورية» التي يمكن أن تضم كل الرافضين، من جميع ألوان الطيف السياسي، لتمكين لوبن من الوصول إلى قصر الإليزيه.
وفي المقابل، تسعى الأخيرة لتعبئة صفوف كل الذين لم يصوتوا لصالح ماكرون (72 في المائة من المقترعين)، وهي تعبر أنهم اقترعوا ضده وبالتالي فإنها لم تتأخر في دعوتهم للانضمام للجبهة التي تقودها.
واضح أن ماكرون، كما منافسته، بحاجة لأصوات تأتيه من جميع التلاوين السياسية لاجتياز سقف الخمسين في المائة الضروري للفوز بالرئاسة. من هنا، الإشكالية الصعبة وبروز ميلونشون على أنه «الرقم الصعب» في المعادلة السياسية الجديدة. والصعوبة بالنسبة للرئيس الحالي تكمن في أنه يتعين عليه أن يعتمد خطاباً ويطلق وعوداً من شأنها أولاً تغيير صورته لدى الشرائح الوسطى والدنيا، علماً بأنه ينظر إليه على أنه «رئيس الأغنياء»، وأن يعدل برنامجه الانتخابي بحيث يأخذ في الاعتبار أوضاع هؤلاء.
وأكدت دراسة سوسيولوجية لنتائج الجولة الأولى أن الفئات الميسورة والكادرات العليا والمهن الحرة والمتعلمين من أصحاب الشهادات العليا، كل هؤلاء يشكلون عصب الكتلة الانتخابية لماكرون. وفي المقابل، فإن العمال والموظفين وذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل وسكان الأرياف يميلون أكثر لصالح لوبن (وأيضاً لصالح ميلونشون). ولذا، فإن ماكرون بكر أمس في زيارة لمدينة «دينان» الواقعة شمال البلاد التي تميل إلى اليمين المتطرف وحرص على تأكيد أنه يفهم تطلعات الناس، مؤكداً أنه يعي أن برنامجه الانتخابي «بحاجة إلى إثراء»، إذ ينظر إليه بشكل عام على أنه يميني التوجه. وقال «ماكرون»: «ثمة أشخاص صوتوا لصالحي أو امتنعوا عن التصويت لإقامة سد بوجه لوبن لكن هذا لا يعني أنهم يتبنون برنامجي وسأسعى معهم لاستكماله». وأخذ على ماكرون أنه لا يهتم بالشغل الشاغل للفرنسيين، وهو القدرة الشرائية والتضخم والخوف من المستقبل ومصير النظام الصحي والرعاية الاجتماعية وغلاء أسعار الطاقة. وكلها مسائل كرست لها لوبن الوقت الكافي. والصعوبة بالنسبة لماكرون تعود لحاجته لاجتذاب ناخبي اليسار من غير تنفير ناخبي اليمين. وما يصح عليه يصح على لوبن التي لم يدع للاقتراع لها سوى منافسها اليمين المتطرف أريك زيمور ودوبون أينيان. وتعول لوبن على اجتذاب أصوات اليمين الكلاسيكي، أي حزب أنصار حزب «الجمهوريون». والحال أن رئيس الحزب، النائب كريستيان جاكوب، أعلن أمس في مؤتمر صحافي أنه «لا يتعين أن يذهب صوت واحد لصالح مارين لوبن». وكانت مرشحته فاليري بيكريس أكدت ليل الأحد أنها ستصوت لصالح ماكرون الذي نجح منذ عام 2017 في اجتذاب العديد من أركانه. يضاف إلى ذلك أن العديد من قادة اليمين يشكلون عماد حكومة ماكرون الحالية، ومنهم رئيسها جان كاستيكس ووزيرا الاقتصاد والداخلية برنو لو مير وجيرالد درامانان وغيرهم. وينسب لماكرون رغبته، عقب الانتخابات الرئاسية وقبل التشريعيات المرتقبة في شهر يونيو (حزيران) القادم، في تشكيل حزب أو تجمع واسع تكون نواته حزب «الجمهورية إلى الأمام» الذي يملك الأكثرية في مجلس النواب، ويكون بمثابة الحاضنة التي تستقبل كل الذين يريدون مساندة برنامجه الرئاسي للسنوات الخمس القادمة أكانوا من اليمن أو اليسار ويكون الجهة التي ستسمي مرشحيها للانتخابات النيابية القادمة.
وفي أي حال، يراهن ماكرون على قدرته لاجتذاب نسبة من الذين قاطعوا الجولة الأولى (26 في المائة) ودفعهم للتصويت لصالحه.
يبقى أن استطلاعات الرأي تبين أن الرئيس الحالي يستطيع الاعتماد على خزان من الأصوات أكبر مما يمكن أن تحشده لوبن. ووفق آخر ما صدر، فإن فوز ماكرون مرجح يوم الأحد ما بعد القادم ولكن بفارق تقلص كثيراً عن التقدم الذي حققه على لوبن في عام 2017 والبالغ 32 نقطة.
ويرجح الاستطلاع الأخير أن يفوز ماكرون بنسبة تتراوح ما بين 51 في المائة و54 في المائة، فيما ستفشل لوبن في تخطي سقف الـ50 في المائة بحيازتها نسبة تتراوح ما بين 46 في المائة و49 في المائة. وبالنظر إلى تقارب النسبتين، فإن نتيجة المبارزة غير محسومة سلفاً.
ويترقب الفرنسيون المناظرة التلفزيونية الوحيدة التي ستحصل بين المرشحين في العشرين من الشهر الجاري. ويقول المقربون من لوبن إنها «تحضرت لها بشكل جيد» وأن تركيزها سيكون على محصلة حكم ماكرون في السنوات الخمس المنقضية والتنبيه من مخاطر بقائه في قصر الإليزيه خمس سنوات إضافية.
وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 2017، أظهرت المناظرة التلفزيونية تفوق ماكرون في التمكن من المواضيع كافة خصوصا الاقتصادية والمالية وإخفاق لوبن في إقناع المشاهد بجدية برنامجها الانتخابي. وكان من بين اقتراحاتها الخروج من العملة الموحدة اليورو لا بل من الاتحاد الأوروبي ومن اتفاقية شنغن... وكل ذلك غاب عن برنامجها الحالي.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟