قررت أن أقاوم دمار الحرب الأخيرة بطريقة مختلفة ... عبر مخيلة دوستويفسكي

العراق وأيامنا السوداء الغبراء بلوني النفط والدماء

قررت أن أقاوم دمار الحرب الأخيرة بطريقة مختلفة ... عبر مخيلة دوستويفسكي
TT

قررت أن أقاوم دمار الحرب الأخيرة بطريقة مختلفة ... عبر مخيلة دوستويفسكي

قررت أن أقاوم دمار الحرب الأخيرة بطريقة مختلفة ... عبر مخيلة دوستويفسكي

منذ متى كان للحرب رزنامة أخرى غير ما تتركه على وجوه ضحاياها من تواريخ وحكايات. الناس قبلها ضائعون في تفاصيل حياتهم اليومية، فيما تستعمر الحوادث الفارقة ذاكرتهم. كانت أمي، مثلاً، تؤرخ لولادة شقيقتي: إنها قد حدثت في شتاء ما بعد مصرع من «صعد لحم ونزل فحم». وستقول لي، بعد حين: ولدتك في ليلة شتائية قارسة البرودة. بعدها بسنتين سيذهب خالك لقتال اليهود في سوريا. الحرب، أي حرب خاضها العراقيون، مجبرين ولا شك، حرب الثمانينات، حرب الكويت، حرب بوش واحتلال البلاد، وحرب الطوائف. أي حرب، لا فرق، هي التي ستصنع تاريخ من لا تاريخ له. ولن نختلف على مسمياته ومسوغاته: تاريخ الجنود مثلاً، تاريخ القتلى المغدورين، تاريخ المهزومين، تاريخ المنتصرين، لا فرق؛ فالحرب هي التاريخ الوحيد المتاح أمامنا. تواريخ أخرى ستتوقف عن تذكرها أمي ونساء أخريات مع وصول التابوت الأول الملفوف بالعلم العراقي إلى محطة الباص. ستتوقف النساء عن تذكر حكاياتهن عن أزمنة ضاعت تفاصيلها، بعد مشهد العجوز والضابط الشاب الذي تلفت حوله بحثاً عمن يسأله عن بيت النائم في التابوت، فلم يجد غير عجوز تعتقد أن ابنها هو المقصد.


                                                               فؤاد التكرلي  -  ريمارك -  دوستويفسكي

لا جندي، لا علم عراقياً، لا أم حسين
السجل الكبير الذي كتبت فيه بعض الأشعار والطرائف وحكم ما بعد المراهقة الأولى، هو ذاته الذي كتبت فيه حكايتي الأولى. أتذكر أنني كنت أعود من المدرسة متحمساً للكتابة. في الظهيرة، كما في المساء، كنت أكتب جملاً مؤلفة بطرق صادمة تستدعي الفخر، كما كنت أنابز بعض الأصدقاء؛ وكيف لا أفخر وأنا أكتب عن ليلة ماطرة وامرأة عاشقة تهرب من أهلها فجراً. لم يخطر ببالي أبداً، أن أكتب عن الحرب التي ما زالت، حتى ذلك الوقت، تطحن البلاد والعباد، عن أم حسين والتوابيت الملفوفة بالعلم العراقي التي لم تتوقف عن التدفق كما مياه النهر والغبار والحكايات التعيسة. أسأل نفسي الآن: أين ذهب ذلك «السجل»، أين صارت حكايتي الأولى؟
حرب الكويت... لا راسكولينيكوف في بغداد
هل تشبه هذه الجملة صيغة أخرى أشهرت بعد صدام وحروبه «فرانكشتاين في بغداد»؟ لا أظن؛ فصاحب الجملة الشهيرة، مثلما الجملة ذاتها، يحيلان إلى يقين ثابت لا يتزحزح جوهره الوجود المفارق للمخلوق العجائبي في بغداد بعد احتلالها الأخير. بينما الصيغة المقترحة تنفي وجود أي يقين سوى أن هناك موتاً لا أعجب منه ينتظرنا. في وقتها، قبل أن يسمع الناس بفرانكشتاين، كان لدينا مخلوقان، لا أعجب منهما: الحرب وصاحبها، حاكم البلاد ذو الوجه البشع. نعم، لا راسكولينيكوف في بغداد آنذاك؛ لا أحد كان لديه الوقت الكافي ليفكر بجريمة قتل حدثت بعيداً في بلاد الثلوج. الجميع كان يفكر بموته المحتم بعد قليل، بعد أن جمعتهم فجأة سيارات الحمل الكبير ومضت بهم مسرعة صوب الصحراء. كانت أحشاؤها قد مُلئت بالجنود، وكان أغلبهم ما زال بلباسه المدني. من كان لديه وقت يتسع لأمر آخر غير خوفه ليفكر بدوستويفسكي ومخلوقاته. هل كان الأمر مختلفاً معي؛ أنا الذي كنت أحث الخطى، وقتها، عائداً للبيت بعد أن دكت الطائرات، فجراً بغداد ومدناً أخرى؟ مثل غيري لم أفكر، وأنا ألاحق شبح الطائرات الأميركية المحلقة بعيداً في سمائنا، بذلك الشاب التعيس «راسكولينيكوف»، ولا بصاحبته العجوز «الشمطاء». ربما فكرت بما لم يقله لنا مدير المدرسة العصبي غالباً، قبل أن يحمل رشاشه ويذهب لقتال الغزاة المحتلين: اذهبوا إلى بيوتكم. كذلك لم تفعلها الطائرات السابحة في الفضاء المدلهم، إنما قد رسمت أمامنا، في البعيد أحرفاً كبيرة صنعتها بدخانها الأبيض، قبل أن تتوارى في الأفق: «USA». ولقد فهمنا الإشارة؛ لا صباحات باردة بعدها، لا دروس مؤجلة، لا مدير يجلدنا بشتائمه الحماسية كما لو أنه يقوم بعمل بطولي لا نظير له. في المساء، منتصف ليلة الحرب الأولى، وجدت نفسي أفكر بمشهد غابات النخيل في جيكور «التي لم أزرها حتى تلك الليلة!»، باللؤلؤ والمحار في الخليج «سأقف هناك، بعد ثلاثة عقود، وسأحاول أن أسمع صرخات الغزاة وأغاني البحارة الحزانى!»، ومنطق المقاول ونظرته الأخيرة للحمام الساكن في جدارية السلام. ولا شيء سوى مشهد بغداد المحطمة تحت مطر النفط الأسود.
أين الحرب من كل ذلك؟ أسأل نفسي الآن لماذا أندفع صوب عالم دوستويفسكي ولا أفكر بعوالم «الحرب والسلام» مثلاً؟ هذا السؤال فكرت به وأنا أقرأ رواية الألماني ريمارك «للحب وقت... للموت موت»، منتصف التسعينات في الكوفة القديمة. حقاً؛ لماذا لم يخطر ببالي أن أرى الحرب عبر مشهدين: مشهد الطائرات التي تعجن البشر بما حولهم وتدك ما تحتها دكاً، ومشهد الحرب المتخيلة. ريمارك مثلاً سيقول لي في ليلة شتائية ماطرة غرقت فيها المدينة القديمة حتى أنني كدت أعجز عن العودة إلى غرفتي، في بناية إسكان الطلبة، بعد أن خضت في وحل المدينة ومطرها: إن مشهد الحرب يرتبط، عميقاً، بمنطق المذنب، أو من كان وراء خراب «تخريب» حياتنا. «إرنست غريبير» الشاب ذو الـ23 عاماً، بطل رواية ريمارك، يعود بإجازة إلى مدينته المخربة «برلين» فلا يجد عائلته، لكنه يجد «الحب» مع «إليزابيث» الفتاة اليهودية التي يسجن هتلر أباها. يهيم العاشقان على وجهيهما؛ فلا مأوى لهما في مدينة دمرتها الحرب. في تلك الليلة، ليلة غرق الكوفة القديمة بالظلام والأوهام وأحلام العشاق المتعثرين برغباتهم المحمومة، كنت أسأل شبحي العابس دائماً؛ إن كانت هناك «حالة» عراقية تشبه حالة «إرنست غريبير»؛ هل عاد عراقي لمدينته فشهد ما شهده صاحبنا الألماني؟ وقد يكون الأصعب في حالتنا العراقية أن يسأل العراقي عن «المذنب» المتسبب في كل هذا الشقاء الذي يفتك بنا؟
حرب الديكتاتور الأخيرة
في حربين طاحنتين عشت أولهما شاباً لم يدرك العشرين، وثانيتهما مطلع الثلاثينات، كان لي، شأن ملايين العراقيين، بعد ثلاثة عشر عاماً من أيام المطر الأسود، أن أشهد أيام الغبار الأحمر، بعدها بقليل سأرى الناس، في سطوح بيوتهم، أو وهم يصطفون على جانبي الطريق، وينظرون بذهول لمشهد الدبابات الزاحفة صوب قصر الرئيس المعلق بسماء بابل. قبل أن أرى جاري المهلل للوجوه السوداء والعيون الزرقاء المختلفة، كنت قد قررت أن أشهد الحرب بطريقة مختلفة هذه المرة، أن أقاوم فعلها المدمر عبر مخيلة دوستويفسكي. لماذا هذا الكاتب بالتحديد؟ لا أتذكر الآن السبب المباشر الملح، لكني أعرف أن رغبة عارمة استبدت بي، قبلها، ودفعتني للاعتكاف مع مخيلة دوستويفسكي. أفكر الآن أن منطق الجريمة هو السبب المهم في الاعتكاف لعوالم دوستويفسكي. في ليالي القصف، ثم في ليالي الغبار المظلمة، كنت أحاول أن أفهم مغزى اهتمام مخيلة البشر في كل مكان وزمان بالجريمة، بفعل القتل. الديانات السماوية الكبرى كانت قد «دشنت» عوالمها السردية بمنطق الجريمة. ثمة أخ يقتل أخاه، قابيل ضد هابيل، هذه صياغة أولى لقصة قاتل ستكررها الديانات الثلاثة. منطق القاتل هو جوهر التفكير المفارق لراسكولينيكوف. فهل كانت الأمور واضحة أمامي كما تبدو الآن؟
على عجل جمعت كتبي وأشياء أخرى مما أمكن لي حمله في حقيبة متوسطة وغادرت بغداد؛ كان ذلك عشية الحرب الأخيرة. لا أتذكر أني عدت بأحد كتب دوستويفسكي ولا ريمارك، ربما كان منها رواية «يوم قُتل الزعيم». في كراج (العلاوي) كان الناس يتكدسون فوق بعض. وقفت هناك أتأمل المشهد المرير، حتى انتبهت لسؤال عجوز عن سيارة تأخذه لـ«كربلاء»، أجبته بابتسامة ساخرة: «هل ترى أمة لا إله إلا الله هذه؛ كل هؤلاء، فرداً فرداً، يريدون الذهاب لكربلاء!». هز العجوز رأسه ومضى صوب الجمهور المتدافع أمام باب باص كبير. مشية العجوز المتعثرة أعادتني لقصة محفوظ، وكنت قد كتبت عنها، فيما مضى، تقريراً في الجامعة. في الطريق فشلت باستعادة مسار الأحداث في رواية محفوظ، كنت أفكر، لحظتها، بقصة القاتل، فيما عنوان رواية محفوظ مشغول بزمن القتل. هل ثمة فارق بين الأمرين؛ بين قصة القتل وقصة القاتل؟ على مستوى تحليل الخطاب ربما لا نجد ذلك الفارق الجوهري بين الروايتين؛ إذ تشرح القصتان كيفية تحقق «حدوث» فعل القتل بصفته حدثاً سردياً يتحقق ضمن سياق زمني – مكاني، غير أن الحدث السردي سيختص، في الأولى، بفعل القتل ذاته وبسياسة التحقيق/ الإخفاء مما لا يحتل مكانة مهمة في التأويل السردي في رواية القاتل التي تهتم بشخصية القاتل في سياق تنفيذ جريمة القتل. المفارقة أنني لم أتذكر، وقتذاك، أن محفوظ نفسه هو من كتب الرواية الشهيرة «اللص والكلاب: 1961»، وأنها سابقة بالصدور والتداول على رواية «يوم قتل الزعيم: 1985»، وهي ذاتها التي «دشنت» النقد السياسي بصيغته الفلسفية لعهد «عبد الناصر»، لكنها الصياغة العربية الأولى، كما أفترض، لقصة القاتل العربية التي لا تحيل إلى الرواية البوليسية، برغم أنها تأخذ منها، في الوقت نفسه، التأويل السردي لفعل القتل المتصل، هذه المرة، بالسؤال المختلف: من القاتل؟ فيما بعد ستتحول شخصية القاتل في الرواية العربية، لا سيما العراقية منها، لدى كتاب الستينات العربية إلى مقولة سردية رئيسة. في العراق، مثلاً، هناك ما يسميه القاص «محمد خضير» بـ«ثلاثية شباط». وهو يقصد الروايات الثلاث التي تعلقت واختصت بـ«رواية الجحيم العراقي» صبيحة الثامن من شباط عام 1963، نتحدث هنا عن «القلعة الخامسة: 1972» و«الوشم: 1972» و«الرجع البعيد: 1980». هذه الروايات صدرت كلها خارج العراق، وهي إشارة كافية تفضح الرغبة العارمة لدى السلطة، آنذاك، بالتكتم الشديد على شخصية القاتل صانع حكايات الجحيم العراقي. وستصبح تلك الروايات، مع أخريات صدرت قبلها وبعدها، علامات فارقة تشهد على قصة القاتل وستمهد، ربما، لتبلور الصياغة الأخيرة لقصة عراقية جديدة، لا عنوان لها سوى «ليلة القبض على بغداد». وستكون القصة الجديدة هي المحصلة لـ«تأميم» كل شيء في العراق، وفي الطليعة منه حق القص واختراع المصائر؛ إذ لن يكون بمقدور أحد أن يخترع «قصة» من عندياته؛ بعد أن صار هناك «جهاز» ثقافي – سياسي مهمته الأولى والأخيرة هي إنتاج القصة الوحيدة المسموح بتداولها. ولا ضرورة بعدها لأي سؤال عن موضوع تلك القصة ولا عن شخصياتها وأبطالها. نعم، لا أظن ذلك ضرورياً على الإطلاق!



أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».


عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال، وجلّها يعود إلى الأزمنة الحديثة. في الواقع، يحضر العمال بشكل هامشي أو ثانوي في أعمال فنية متعدّدة المصادر تعود إلى الحقبة التي سبقت هذه الأزمنة، وقلّما نجد أثراً فنياً كلاسيكياً خُصّص بشكل أساسي لهم. تبرز في هذا الميدان لوحة من الميراث الفني الأموي، تبدو استثنائية في موضوعها كما في تأليفها المتقن، وتشكّل جزءاً من جداريات قُصير عمرة في بادية الأردن، ويجمع أهل الاختصاص على القول بأنّها تُمثّل العمّال الذين بنوا هذا القصير.

يجمع قُصير عمرة بين حمّام كبير مؤلّف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. تزيّن هذه القاعات جداريّات تجمع بين مواضيع إنشائية متعدّدة، تشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في مجمل العالم المتوسطي، بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية. يلفّ هذا البرنامج الاستثنائي جدران هذه القاعات، ويمتدّ إلى سقوفها. في هذا السياق، تزين سقف الإيوان الغربي المقوّس شبكة من اثنين وثلاثين مكعباً، رُتّبت في أربعة صفوف متساوية الأبعاد، اشتمل كل صف منها على ثماني لوحات، وفيها يظهر أشخاص في أوضاع مختلفة، تختزل متاع الدنيا بصنوفها المتعدّدة. في المقابل، يتكرّر هذا التأليف على سقف الإيوان الشرقي؛ إذ نقع كذلك على أربعة صفوف متساوية، اشتمل كلّ منها على ثماني لوحات، تمثّل كلّها عمّالاً من أصحاب الحرف المتنوّعة.

تحتلّ هذه الشبكة مساحة السقف المقوّسة، وتتكوّن من جزأين متساويين متعاكسين، يتكوّن كلّ منهما من شريطين من الخانات المكعّبة، يُشكّل كلّ منها لوحة يحدّها إطار خاص بها، كما في الشرائط المصوّرة المعاصرة. تحتاج قراءة هذه الصور بشكل دقيق إلى الرسوم التوثيقية التي تُظهر عناصرها بشكل جليّ، وتتمثّل برسم شامل يعود إلى مطلع القرن الماضي، نُشر في أول بحث علمي كشف عن قصير عمرة، وسلّط الضوء على جدارياته. إلى جانب هذا الرسم، يحضر رسم معاصر نُشر في مجلّد صدر عام 2007، وفيه تحضر تفاصيل كشفت عنها أعمال البحث التي سبقت هذا الإصدار. تواصل استكشاف الموقع في السنوات التالية، وشهد حملة ترميم جديدة شملت هذه الجدارية، وأعادت إليها بريقها الأوّل، كما كشفت عن تفاصيل جديدة ظهرت في لوحاتها بعدما كانت ممحوة.

في الخلاصة، تتكوّن هذه اللوحة من صفين متوازنين من جهة، يقابلهما صفان متوازنان من الجهة الأخرى. خُصّص الصفّ الأسفل من القسم الأول لأعمال البناء، من قطع الحجارة ونقلها على ظهور الجمال، ثم حملها إلى معلّم البناء. وخُصّص الصف الثاني للأعمال المعدنية، من الصهر والطرق، إلى التشذيب والتبريد. في الجهة المعاكسة، خُصّص الصف الأسفل لأعمال القصارة، كما توحي العناصر التصويرية القليلة التي بقيت من هذا الصف الذي تلف وانمحى بشكل كبير. وخُصّص الصف الأعلى لأعمال النجارة، كما يتّضح عند قراءة صوره التي حافظت على أغلب مكوّناتها. يتألّف كل صف من ثماني خانات متساوية. الإطار واحد وجامع، وقوامه خلفيّة تتألف من ثلاثة أقسام أفقية. يحتل القسم الأسفل مساحة كبرى من كل خانة، وهو باللون الأبيض العاجي، وتعلوه مساحة زرقاء، تحدّها مساحة بيضاء. يتشابه العمال من حيث الشكل الخارجي، ويبدو لباسهم واحداً، ويتألف من رداء أبيض بسيط ينسدل حتى الركبتين، مع حزام مجرّد يلتف حول الخصر.

في الصف المكرّس لقطع الحجارة، من اليسار إلى اليمين، يحضر أوّلاً عامل يقف في وضعية نصف جانبية، حاملاً أداة طويلة تبدو أشبه بمسطرة للقياس. ثم يحضر في الخانة الثانية عامل يحمل أداة مغايرة، تبدو أشبه بمطرقة ثاقبة طويلة. ويحضر في الخانة الثالثة عامل يحمل ما يُعرف بأداة الكُوس التي تُستخدم لتحديد الزوايا. في الخانات الثلاث التالية، يظهر عامل يرفع حجارة فوق ظهر جمل، ثم يظهر هذا الجمل وهو يجر هذه الحمولة، ويظهر العامل وهو يقود هذا الجمل في خانة مستقلّة. في الخانة السابعة، يحلّ عاملان ينقلان حجراً ثُبّت على رافعة، وفي الثامنة، يظهر عامل بين واجهتين صغيرتين متوازيتين.

في الصف المكرّس للأعمال المعدنية، يظهر أولاً حداد وسط مسبك، ثم حداد يطرق سنداناً، ثم حداد يرفع مطرقة، ومن بعده حرفي ينشغل بالعمل على خشبة مثبّتة على حاملتين مثلّثتين. في الخانة الخامسة، يظهر حِرفي آخر يسقي الحديد في حوض على الأرجح، وفي السادسة، يظهر حِرفي جالساً أمام حوض مشابه. تتصل الخانة السابعة بالخانة الأخيرة، حيث يواجه حرفياً زميلاً يتوجه نحوه رافعاً ذراعيه في اتجاهه.

الصف المخصص لأعمال القصارة تلف بشكل كبير، وبدا ممحواً في مطلع القرن الماضي، غير أن بعض ملامحه اتّضحت في زمننا. في وسط هذا الشريط، يظهر مشهد تحميل دابة، ويحضر في تأليف يشابه التأليف المعتمد في الصف المكرّس لقطع الحجارة، وفيه يحلّ حمار مكان الجمل، كما كشفت أعمال الترميم الحديثة العهد. في المقابل، حافظ الصف المخصّص لأعمال النجارة على ست من خاناته الثماني. ضاعت الخانة الأولى، كما ضاعت الخانة الأخيرة، وظهر في الخانة الثانية نجاران ينشران لوحاً خشبياً، وفي الثالثة نجار يعمل على لوح آخر، وفي الرابعة حرفي يحمل مطرقة، وفي الخامسة حرفي يقف رافعاً خشبة بين يديه، وفي السادسة حرفي يجلس أرضاً حاملاً كذلك مطرقة. انمحت الخانة السابعة بشكل كبير، وما بقي منها يكشف عن حرفي يعمل في منشرة على الأرجح.

يطغى على هذه الجدارية البديعة الأسلوب الروماني، وهو الأسلوب الذي يغلب على مجمل جداريات قُصير عمرة. يستعيد هذا التأليف العديد من العناصر التي تعود إلى هذا الطراز، غير أنه يجمعها في قالب كُرس بأكمله للعمّال الذين قاموا بتشييد الموقع وتزيينه، من البنائين إلى النجارين مروراً بالحدادين والمقصّرين، ممّا يجعل منه لوحة استثنائية تتميّز بموضوعها، وتلمع بثراء صورها المتقنة.


الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش
TT

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب العراقي نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

ولعل المحطة الأبرز لهذا الفورور هي عندما حطّ رحاله على كتفي الممثلة المصرية الفاتنة مريم فخر الدين حين مثلت مع العندليب عبد الحليم حافظ في فيلم «حكاية حب» حيث أدّى أغنيته الشهيرة «بتلوموني ليه» (عُرض الفيلم في 1959).

تنهض الرواية برمتها على هذه التفصيلة. يروي عبد الستار في روايته، أن مريم فخر الدين استعارت هذا المشلح من المونولوجيست العراقية «وحيدة جميل»؛ (وهذا من مخيلة الكاتب)، لترتديه في الفيلم. و«وحيدة» لم تتلقَّ في حياتها هدية أقيم من هذا المشلح الذي أهداها إياه وزير دفاع الاتحاد السوفياتي السابق عندما كان في زيارة إلى بغداد بخمسينات القرن الماضي. ولهذا كانت متعلقة بفورورها... فيما «صابر عفيف»، هذا الرجل/ الطفل كان متعلقاً بتلابيب فستان والدته.

في خضم الزحمة، ضاع مشلح الشنشيلا، لكنه سيظهر لاحقاً في أوساط طبقة المشاهير والأثرياء، قبل أن يستقر على كتف الشهبانو فرح ديبا بلهوي، لدى لجوئها مع زوجها إلى القاهرة عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد علم «صابر» بذلك، اتصل تليفونياً بسكرتير الشهبانو مطالباً باستعادة الفورور. وهو اتصال سيكلّفه عمله في دار «كريستيز»، التي ستستغلّ هذا الخطأ الذي اقترفه «صابر» لطرده من العمل، والاستحواذ على الفورور.

أضاعت «وحيدة» الفورور.. وخسرت ابنها «صابر» حين انتقلت حضانته إلى عمه بعد إعدام والده، ثم تلاشى حلمها في الحصول على لحن من فريد الأطرش، قبل أن تموت كدراً في لبنان.

هذه هي قصة «الفورور» باختصار. وقد يبدو البحث عن المشلح أشبه بسردية تشويقية تحاكي الحبكات البوليسية. لكن الرواية ليست كذلك.

الفورور هو فقط ذريعة ليخلق لنا صاحب رواية «يوليانا» خطين سرديين، الأول مُغرق في رومانسية مشرقية («وحيدة» وبحثها عن الشهرة)، والثاني يكشف عن برودة المؤسسات الرأسمالية الغربية («كريستيز» و«سوذبيز» وغيرهما من دور المزادات العريقة).

سنقرأ في رواية «فورور» عن الفن بأشكاله: الغناء والعزف والتمثيل.. وأيضاً الرسم. وسنجد في الرواية؛ إلى جانب عبد الحليم ومريم فخر الدين، فريد الأطرش وفيلمون وهبة... وفنانين تشكيليين مثل حافظ الدروبي ولوحته المشهورة «باعة البطيخ»، ويوهان غونتر ولوحته «يد الخريف». وسننتقل من بلد إلى آخر مع «وحيدة» وابنها ومشلحها البيج، بين العراق ومصر ولبنان ولندن.

لكننا نقرأ أكثر عن كيفية صناعة النجوم في كواليس تجارة الفنّ ودنيا المال والحياة المخمليَّة، وكيفية إبرام الصفقات في دار «كريستيز» وطرقها في الحصول على اللوحات المهمة والتلاعب بأسعارها لبيعها بأثمان خيالية، عبر أساليب ملتوية تعتمدها هذه الدار وغيرها لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمبادئ أو القيم الفنية. وهكذا يصبح «صابر»؛ ذلك الوسيط البسيط الذي يزوّد «كريستيز» بلوحات مهمة، شخصاً لا بد من الاستغناء عنه، لكي تتمكن الدار من الاستيلاء على الفورور الشنشيلا وأيضاً على كَمَان خاص بخالته «بدرية» عازفة الكمان المشهورة.

في الصفحة الـ73 من الرواية، يقول «الطفل صابر»: «وأنا في القاهرة كنت غير ذلك الشاب الذي حضر حفلة فريد الأطرش بمدرج لبنان في عالية. لا أملك الفضول؛ وإنما الشعور بالأسى... شيء يشبه عاطفة إطعام القطط والعصافير، والشيء الوحيد الذي رافقني هناك هو أن (وحيدة جميل) ضاعت وسط هذا العالم». أما في الصفحة الـ110، فنرى «الرجل صابر» الذي ينازع من أجل هويته... «سيلين (حبيبته) تخبرني الكثير عن نفسي، وتعرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني».

تتخيّل هذه الرواية، كما يقول الناشر، «ما لم يحدث، وما كان يُفترض به أنْ يحدث»، وهي تصوّراتٌ يتخلّلها الحبّ الجارف في زمنٍ لم يكن كاملَ الجمال، لكنَّه باهرٌ ويستحقّ أنْ يُسردَ.

إنها رواية متعددة الطبقات، فهي رواية الحنين في مقابل التوحش، والبحث عن الدفء مقابل برودة العالم الرأسمالي، ورواية رجل هو في الحقيقة لا يزال طفلاً في أعماقه، يمتهن بيع الفن في مزادات عالمية باردة تقيس القيم بالأرقام، لا بالقيمة الجمالية للفن.

و«فورور» هي الرواية الرابعة للقاصّ والروائي العراقي نزار عبد الستّار بعد «يوليانا» (2016)، و«ترتر» (2018)، و«مسيو داك» (2020).

* صحافي وكاتب سعودي