«كان» الجديد... أفلام منتخبة وأخرى محتملة

ماريون كوتيار في «احتمال عودة»
ماريون كوتيار في «احتمال عودة»
TT

«كان» الجديد... أفلام منتخبة وأخرى محتملة

ماريون كوتيار في «احتمال عودة»
ماريون كوتيار في «احتمال عودة»

في الرابع عشر من هذا الشهر يعلن تييري فريمو، المدير العام التنفيذي لمهرجان «كان»، قائمة الأفلام التي سيتم اختيارها لدورة هذا العام (الدورة الخامسة والسبعين) وتنعقد ما بين السابع عشر والثامن والعشرين من الشهر المقبل، في المسابقات الرسمية وبعض الموازية.
كالعادة سيمر، ورئيس المهرجان بيير لسكور بجانبه، على التطوّرات التي يشهدها المهرجان وتشمل تعيين رئيس جديد متمثل بإريس نوبلوك الآتية من رئاسة أعمال شركة وورنر ميديا في فرنسا والنمسا وسويسرا وبضع دول أوروبية أخرى. كانت إريس استقالت من عملها ذاك قبل سنوات قليلة وأنشأت مؤسسة استحواذ على حقوق مشاريع سينمائية وموسيقية. بالتالي، وفي عرف كثيرين، تعيينها هو تحد من المهرجان كونها لم تدخل هذا الحقل من قبل ولأن توجّهاتها تجارية وليست - بالضرورة - فنية.
كذلك سيجيب على أسئلة الصحافيين الحاضرين حول مستجدات أخرى من بينها (لجانب تعيين رئيس أنثى لأول مرّة) المسألة الروسية والقرار الذي سبق وصدر عن المهرجان برفض عرض أفلام روسية هذه السنة إلا إذا كانت معارضة للتدخل الروسي في أوكرانيا أو للكرملين بوجه عام.


 توم كروز في «توب غن: مافيريك»

- لقاءات
ثلاثة أفلام مؤكدة يمكن الكشف عنها هنا وبضعة احتمالات: فيلم الافتتاح سيكون «ألفيس» (Elvis) للأسترالي باز لورمَن وفي المسابقة فيلم أسترالي آخر لجورج ميلر عنوانه «ثلاثة آلاف سنة من الشوق» (three Thousand Years of Longing). خارج المسابقة كان «كان» أعلن عن استقبال فيلم احتفالي هو «توب غن: مافيريك» (Top Gun‪:‬ Maverick).
الاحتمالات المتوقعة تشمل الفيلم الكوري لتشان - ووك بارك «قرار بالمغادرة» (Decision to Leave) و«النجوم عند الظهر» (The Stars at Noon) للمخرجة الفرنسية كلير دَني التي كان فيلمها السابق «نار» فاز بفضية مهرجان برلين في مطلع هذه السنة.
الأول عن تحرٍ ينتقل من المدينة إلى بلدة جبلية بعيدة للتحقيق في مقتل رجل في ظروف غامضة. هذا ما يقوده إلى التعرف على زوجة القتيل التي تتبدى له أكثر غموضاً من تلك الظروف.
الفيلم الثاني، «النجوم عند الظهر» يتناول حكاية عاطفية في أحد جوانبها: رجل أعمال بريطاني (جو ألوين) في زيارة لنيكاراغوا سنة 1984. يلتقي بصحافية أميركية (مرغريت كوالي) ويدخل معها في سلسلة من المواقف الخطرة أدّت إليها تحقيقاتها التي ستدفعهما لمحاولة الهرب من البلاد قبل فوات الأوان.
كذلك قد نجد بين المحتفى بهم في «كان» المخرج الياباني هيروكازو كوري - إيدا بفيلمه «سمسار» (Broker).
كان كوري - إيدا التقط ذهبية المهرجان سنة 2018 بفيلمه «نشالون» Shoplifters. لفيلمه الثاني «الحقيقة» اختار مهرجان فينيسيا لكنه لم يحصل على أي جائزة. الآن يعود إلى «كان» بهذا الفيلم الذي يتناول الأطفال الرضّع الذين يتم تركهم عند أبواب المستشفيات.
ولن يفوّت المهرجان، على الأرجح، اللقاء الثاني بين المخرج الإيطالي لوكا غوادانينو والممثل تيموثي شالامت في «عظام وكل شيء» (Bones ‪&‬ All) وهما سبق لهما أن تعاونا في «نادني باسمك» (Call Me by Your Name).
الموضوع الجديد صعب «هضمه»، إذ يتناول حكاية فتاة شابة (تايلور راسل) تأكل كل من يرغب في ممارسة الحب معها... طبعاً باستثناء صديقها شالامت الذي ينطلق معها في رحلة عبر أميركا الثمانينات.
و«ألفيس» الذي يدور حول حياة ونجاح زعيم الروك أند رول ألفيس برسلي قد لا يكون الاحتفاء الوحيد بشخصية موسيقية بارزة، إذ من بين المعروض من الأفلام على فريمو ونخبته في لجنة التحكيم فيلم تسجيلي لبرت مورغن عنوانه «باوي» عن المغني البريطاني ديفيد باوي.

- في زمن غير بعيد
خارج المسابقة هناك احتمال كبير في أن يعرض المهرجان فيلماً جديداً للمخرج المصري الأصل طارق صالح تنتجه باراماونت بعنوان «المتعاقد» (The Contractor) الذي يجمع بين كريس باين وبن فوستر. الفيلم دراما في ثياب أكشن بطله مجنّد سابق مسرّح ينضم إلى منظّمة تتعاقد مع مرتزقة ليجد أنه استبدل القتل النظامي بقتل منظّم في الوقت الذي بات يعرّض فيه عائلته للخطر إذا ما استقال من عمله.
ومن العائدين إلى «كان» المخرج جيمس غراي إذا ما صحّت التوقعات حول احتمال دخول فيلم المخرج المسابقة. سبق لغراي أن عرض أكثر من فيلم في المهرجان الفرنسي آخرها «المهاجرة»، الذي قامت مارثون كوتيار ببطولته سنة 2013.
الفيلم الجديد «أرماغيدون تايم» (Armageddon Time) وُصف بأنه سيرة ذاتية حول ترعرع المخرج في حي كوينز في نيويورك. للفيلم تاريخ مثير للاهتمام، إذ رغب المخرج تحقيقه سنة 2019 واختيار لبطولته روبرت دي نيرو ودونالد سذرلاند وكايت بلانشت، لكن وباء «كورونا» منع من إتمام الفيلم حينها وتخلّى عنه الممثلون المختارون. في نهاية العام الماضي أنجز غراي الفيلم مع طاقم جديد يشمل أنطوني هوبكنز وجيريمي سترونغ وآن هاذاواي.
ماريون كوتيار هي بطله «أخ وأخت» للفرنسي أرنو دسبليشان الذي زار المهرجان في السابق مرّات عدة. في فيلمه الجديد حكاية حول أخ وأخته لم يلتقيا منذ سنوات بعيدة ولقاؤهما هذا يأتي بمناسبة وفاة والدتهما. وصف المخرج الفيلم بأنه فيلم روحاني وتكملة لفيلمه السابق «ملوك وملكة» (2014) الذي كان، للمناسبة، فيلمه الوحيد الذي لم يشهد عرضه العالمي الأول في المهرجان الفرنسي.
فيلم فرنسي آخر تم تقديمه من قِبل صانعيه هو «مفكرة علاقة مؤقتة» لإيمانويل موريه. هو قصّة حب أخرى من تلك الرومانسيات التي تتخللها مصاعب ناتجة هنا عن أن العلاقة بين امرأة مطلّقة وبين رجل بدأت جنسية ثم أخذت تشهد عمقاً عاطفياً، مما يؤدي، حسب الملخص المنشور، إلى تعقيدات غير محسوبة.
بالإضافة إلى غراي ودسبليشان وكوري - إيدا هناك مخرج تكرر ظهوره أيضاً في المهرجان الفرنسي هو ديفيد كروننبيرغ الذي أخذ يرتاد المهرجان منذ سنة 1996 عندما عرض هناك «كراش»، وداوم على ذلك في فترات متقطعة آخرها سنة 2014 عندما عرض على شاشة «كان» «خريطة للنجوم».
فيلمه الجديد «جرائم المستقبل» قد يُستقبل تحذيراً مما سيضحى إليه العالم في المستقبل غير البعيد عندما يتم تكوين جيل جديد من الملقحين والمنسوجين من عناصر بيولوجية غير آدمية. فيغو مورتنس وكرستين ستيوارت والفرنسية ليا سيدو هم محور اهتمام كروننبيرغ بما سيؤول إليه مستقبل الإنسان.


 مشهد من «ألفيس» لباز لورمان

- أفلام المسابقة
افتتاح الدورة الخامسة والسبعين بفيلم «ألفيس» سيأتي احتفاءً مزدوجاً أو حتى ثلاثياً. الفيلم من النوع اللائق بالافتتاحات كونه استعراضاً موسيقياً يعيد تركيب حياة المغني الشهير (يؤديه أوستن بتلر، وكونه عملاً آخر من هذا النوع الجاذب للمخرج الأسترالي لورمان بعد سلسلة أفلامه الاستعراضية من وزن ونوع «روميو + جولييت» ‪1996)‬) و«أستراليا» (2008) و«مولان روج» (2001).
الاحتفاء الثالث موارب بعض الشيء، إذ كانت عدة أفلام تداولت حياته وأغانيه منذ رحيله سنة 1977 ومن بينها «قصة ألفيس برسلي» (1977) و«هذا هو ألفيس» (1981) و«ألفيس: الباحث» (2018).
الفيلم المؤكد الثاني، «ثلاثة آلاف سنة من الشوق» يختلف تماماً إذ هو فانتازيا خيالية تقع بعض أحداثها في تركيا من بطولة تيلدا سوينتن وإدريس ألبا. يدور الفيلم حول جني سيحقق لامرأة وصلت إلى مرحلة اليأس من الحياة ثلاثة طلبات إذ هي أعتقته وأعادت إليه حريّته.
أما الفيلم الثالث في هذه الرزمة فسيكون التعبير عن رغبة المهرجان دوماً في إثارة عناوين كبيرة بحضور شخصيات سينمائية مميّزة. الفيلم من إخراج جوزيف كوزينسكي وبطولة توم كروز الذي هو واحد من منتجي الفيلم لجانب كريستوفر ماغواير وجيري بروكهايمر. معه في الأداء جنيفر كونلي وفال كيلمر ومايلز تَلر وغلن باول.
هذا الفيلم بالطبع جزء ثانٍ من «توب غن» الذي حققه توني سكوت سنة 1986 من بطولة كروز وكيلي مكغيليس وفال كيلمر. الجزءان، الأول والثاني، من تلك الإنتاجات التي تدفع صوب تمجيد القدرات العسكرية لسلاح الجو الأميركي، وفي هذه الأجواء تحديداً فإن الفيلم آيل بكل تأكيد لتحلق المشاهدين من حوله عندما يُباشر بعرضه تجارياً في الخامس والعشرين من الشهر المقبل مايو (أيار) في فرنسا وفي اليوم التالي في صالات السعودية والإمارات ومعظم المدن الأوروبية قبل بدء عرضه في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا في السابع والعشرين من الشهر ذاته.
هذا النجاح المتوقع ليس بعيداً عن الوضع السياسي المتأزم حالياً بين الولايات المتحدة وروسيا. وإذا كان صحيحاً من أن السينما تلعب دوراً خفياً في توجيه الرأي العام ودفعه للاستعداد صوب قبول الأسوأ، فإن «توب غن: مافيريك» ربما يكون أداة في هذا النطاق.


مقالات ذات صلة

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.