«جيش المدونين الروس».. وحرب إعلامية لتلميع صورة بوتين

الإعلام الغربي ينتقد الرئيس الروسي.. لكنه يقر بكونه «الزعيم الأكثر نفوذًا في العالم»

اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)
اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)
TT

«جيش المدونين الروس».. وحرب إعلامية لتلميع صورة بوتين

اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)
اهتمام إعلامي بالمؤتمرات الصحافية للرئيس فلاديمير بوتين («الشرق الأوسط»)

يخبرنا الموظفون السابقون كيف أن الحكومة تدفع لمئات المدونين لإغراق المنتديات وشبكات التواصل الاجتماعي في الداخل والخارج بالدعاية والتعليقات والتصريحات المناهضة للغرب والموالية للكرملين.
عقب الساعة التاسعة من مساء كل يوم، يغادر صف طويل من الموظفين أحد المباني في 55 شارع سافوشكينا، وهو مجمع حديث للمكاتب مكون من أربعة طوابق ويحمل لافتة صغيرة بالخارج تقول «مركز الأعمال». بعد قضائهم 12 ساعة داخل المبنى، يجري استبدال الموظفين بمجموعة أخرى كبيرة منهم يستمرون في العمل طوال الليل.
ويعرف المبنى الغامض بأنه مقر «جيش المدونين الروس»، حيث يعمل المدونون على مدار الساعة لإغراق المنتديات الروسية على الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، وأقسام التعليقات بوسائل الإعلام الغربية بتعقيبات وملاحظات وتصريحات تحتفي أيما احتفاء بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما تصب في الوقت ذاته جام غضبها على الفساد والظلم المستشري في الغرب.
وتحدثت صحيفة «الغارديان» مع اثنين من الموظفين السابقين في مؤسسة المدونين الروسية، وكان أحدهما يعمل في إدارة وظيفتها تشغيل المدونات الوهمية على شبكة «لايف جورنال» للتواصل الاجتماعي، والآخر كان جزءا من فريق مهمته التطفل بالمدونات الموالية للكرملين على منتديات الدردشة المحلية في مختلف أنحاء روسيا. ولقد صرح كلاهما بأنهما كانا يعملان بصفة غير رسمية ويتلقيان رواتبهما نقدا في أيديهما.
ولقد عرضا صورة لبيئة العمل هناك تتسم بالقسوة والصرامة الشديدة، مع تطبيق الغرامات على التأخير لبضع دقائق أو لعدم تحقيق عدد التدوينات المطلوب في كل يوم. يعمل المدونون في غرف تضم كل واحدة منها 20 موظفا، يشرف عليهم ثلاثة محررين، وظيفتهم مراجعة المدونات وفرض الغرامات إذا وجدوا أن الكلمات المكتوبة مجتزأة ومنشورة من مكان آخر، أو كانت المدونات تحمل انحرافا آيديولوجيا.
وتقول المدونة على شبكة «لايف جورنال»، التي قضت شهرين من العمل لصالح المركز المذكور حتى منتصف مارس (آذار)، بأنها كانت تتلقى راتبا يقدر بـ45 ألف روبل (520 إسترلينيا، 790 دولارا) في الشهر، مقابل إدارة عدد من الحسابات على الموقع. ولم يكن هناك عقد والمستند الوحيد الذي وقعت عليه كان نموذج عدم الإفصاح. ووجهت إليها الأوامر الصريحة بعدم إخبار أصدقائها بوظيفتها، وعدم إضافة أي منهم أيضا على حسابات التواصل الاجتماعي التي تشرف عليها تحت هويات مستعارة.
وتقول: «كان علينا كتابة مدونات اعتيادية، تدور حول صناعة الكعكات التي نفضلها أو الموسيقى التي نحبها، ولكن من وقت لآخر نكتب مقالة سياسية حول فاشية حكومة كييف الأوكرانية، أو شيء من هذا القبيل».
من خلال تتبع أحد الحسابات التي أشرفت عليها في شبكة «لايف جورنال»، فإن النمط يبدو عاديا. هناك مدونات حول «أجمل 20 قلعة في أوروبا»، و«إشارات تدل على أنك تصاحب الفتاة الخاطئة»، وتتخللها عدة مدونات أخرى ذات طابع سياسي حول أوكرانيا أو تلك التي تشير إلى فساد زعيم المعارضة الروسي أليكسي نافالني.
وتأتي التعليمات بشأن المدونات السياسية في صورة «تعليمات فنية» يتلقاها المدونون في كل صباح، في حين أن المدونات غير السياسية يأتي بها الموظف من بنات أفكاره. وتضيف الموظفة السابقة فتقول: «إن أكثر الأمور رعبا هو حين تتحدث مع أصدقائك فتجدهم يرددون الأشياء نفسها التي تتلقها صباحا في التعليمات الفنية للعمل، ثم تدرك أن لكل ذلك تأثيره الحتمي».
وعمل الموظف مارات (40 عاما) في إدارة أخرى، حيث يجوس الموظفون بصورة منهجية خلال منتديات الدردشة في مختلف المدن ويتركون مدوناتهم فيها. ويقول: «أول شيء في الصباح، نجلس إلى مكاتبنا، ونشغل السيرفر الوهمي لإخفاء مواقعنا الحقيقية، ثم نشرع في قراءة التعليمات الفنية التي أرسلت إلينا».
يعمل المدونون في مجموعات من ثلاثة موظفين، حيث يترك الموظف الأول الشكاوى حول إحدى المشكلات أو غيرها، أو ينشر رابطا ببساطة، ثم يشرع الموظفون الآخرون في العمل، مستخدمين روابط المقالات من على المواقع الموالية للكرملين مع الصور الساخرة المسيئة للقادة الغرب أو أوكرانيا مع بعض التعليقات السخيفة.
وتقاسم الموظف مارات ستة من تقارير التعليمات الفنية التي تسلمها خلال عمله في المكتب مع صحيفة «الغارديان». وكل منها كان عبارة عن أحد الأخبار، وبعض المعلومات حوله، و«الاستنتاج» الذي يجب على المعلقين الوصول إليه. أحدها يدور حول تقديم الرئيس بوتين تعازيه للرئيس فرنسوا هولاند عقب الهجوم على صحيفة «تشارلي إيبدو» الفرنسية في باريس. يقول المقطع شارحا النتائج التي يجب أن يخلص إليها المدون في كتاباته: «اتصل الرئيس فلاديمير بوتين بالرئيس الفرنسي على الفور، على الرغم من العلاقات السيئة ما بين روسيا والغرب. ودائما ما وقف الزعيم الروسي ضد العدوان والإرهاب بصورة عامة. وبفضل مبادرات الرئيس الروسي انخفض عدد الحوادث الإرهابية داخل روسيا بشكل كبير». هناك تقارير أخرى تتطلب دعاية فائقة حول الهاتف الروسي الذكي المعروف باسم «يوتا فون»، وتعليقات مسيئة وسخيفة تنال من جنيفر بساكي المتحدثة السابقة باسم الخارجية الأميركية، وثلاثة تعليقات أخرى تتعلق بأوكرانيا والمخططات الغربية هناك.
وعن الاستنتاج المطلوب من أحدها يقول: «يتفق معظم الخبراء على أن الولايات المتحدة تحاول متعمدة إضعاف الدولة الروسية، وتستخدم أوكرانيا فقط ذريعة لتحقيق ذلك الهدف. فإذا لم يصَب أهل أوكرانيا بالذعر وساندوا الانقلاب، كان الغرب سيبحث عن سبيل آخر للضغط على روسيا. ولكن دولتنا لن تمضي قدما في خدمة المخططات الأميركية، ولسوف نقاتل من أجل سيادتنا على الساحة الدولية».
هناك الكثير من المواقع التي تستخدم لإضافة الألوان على مدوناتهم ولمساعدة جيش المدونين الروس. وأحد هذه المواقع يعرض الآلاف من الصور التي يمكن إلحاقها بالمدونات، وأغلبها لقادة أوروبيين، حيث يجري العمل على الصور ليظهروا في أوضاع ساخرة مع تعليقات تشير إلى ضعفهم وفشلهم، أو تلك التي تظهر بوتين في لمحات ذكية وتصوره بالمنتصر دائما.
الكثير من التعليقات تحمل نزعات عنصرية أو رهاب المثلية الجنسية. ومنها صورة لباراك أوباما يتناول موزة أو يوصف بأنه قرد، أو صورة للرئيس الأوكراني بترو بوروشينكو مسحوبا وراء سيارة ويقول: «إننا نستعد للتكامل مع أوروبا». يتعين على المدونين نشر تلك الصور برفقة ما يستطيعون سحبه من معلومات حولها من موقع معروف باسم «الموسوعة الوطنية الروسية»، التي تعرض إصدارات مقبولة من الناحية الفكرية للأحداث العالمية.
وتوضح المدونات الخاصة بثورة الميدان في كييف أن جميع المتظاهرين تناولوا شايا ممزوجا بالمخدرات، مما تسبب في اندلاع الثورة. وصدرت التعليمات الصارمة للمدونين بأنه لا ينبغي أبدا أن يُكتب تعليق سيئ عن الإعلان الذاتي لقيام جمهورية دونيتسك الشعبية، أو جمهورية لوهانسك الشعبية، وعدم كتابة أي شيء جيد عن الحكومة الأوكرانية. ويستطرد الموظف مارات فيقول: «كنت أعود إلى منزلي في نهاية اليوم لأجد عناوين الأخبار نفسها في نشرات التلفاز. كان واضحا أن القرارات بشأن ذلك تصدر من مكان ما». اتهم الكثير من الناس التلفزيون الروسي بتكثيف الدعاية الموجهة عبر الأشهر الـ18 الماضية في تغطيته لأحداث أوكرانيا، حتى إن الاتحاد الأوروبي أدرج ديمتري كيسيليف، مذيع التلفاز المتعنت برأيه ومدير إحدى الوكالات الإعلامية الكبرى، على قائمة العقوبات الأوروبية.
بعد شهرين من العمل في وكالة المدونين، بدأ مارات في الإحساس بأنه يفقد سلامته العقلية، وقرر أنه يتوجب عليه التوقف. ومن واقع المحادثات الخاطفة أثناء تناول القهوة، أشار إلى أن المكتب كان ينقسم تقريبا نصفين؛ الموظفين الذين يؤمنون حقا بصلاحية ما يفعلونه، وأولئك الذين يعتقدون أنه كان أمرا غبيا للغاية لولا الحاجة للمال. وفي بعض الأحيان، كان يلاحظ بعض الموظفين يغيرون من وظائفهم. والهجمات المتوالية التي يتعرض لها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومحاولات إحكام حلقة العزلة السياسية والحصار الاقتصادي حول روسيا من الخارج وزعيمها، يقابلها في الداخل ارتفاع مطرد في نسبة شعبيته وجماهيريته، رغم كل المتاعب الاقتصادية والاجتماعية التي يئن المواطن الروسي تحت وطأتها منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في مطلع عام 2014.
وعلى الرغم من أن الشعبية الواسعة النطاق التي يتمتع بها الرئيس بوتين في الداخل تُرَشحه للفوز بولاية رابعة على عرش الكرملين تستمر حتى عام 2024، فإنها لا تقف حائلا دون الخوض في «سيرته» وكذلك «سيرة» بعض المحسوبين عليه من قدامى الأصدقاء والرفاق من أبناء مدينته الأم سان بطرسبرغ، وهو ما يستقي الكثيرون تفاصيله من الصحافة الغربية. وعلى الرغم من الحملات الشديدة الوطأة التي تتواصل من جانب معظم الصحف والمجلات وقنوات التلفزيون الغربية والأميركية انتقادا لسياساته ومواقفه من الكثير من القضايا الإقليمية والعالمية وفي مقدمتها الأزمة الأوكرانية و«ضم» شبه جزيرة القرم، فإن هناك منها من اضطر للاعتراف بثقل وزنه ورجاحة مواقفه تجاه الكثير من هذه القضايا، ما جعل مجلة عريقة مثل «فوربس» الأميركية تضطر إلى الاعتراف باختياره «أكثر زعماء العالم تأثيرا ونفوذا لعام 2014» للعام الثاني على التوالي على غرار ما سبق وفعلته «التايم» الأميركية أيضا. ولعل الاهتمام المتزايد بالرئيس الروسي للدرجة التي جعلت الصحافة الألمانية وحدها تفرد للحديث عنه 143 مقالا وتقريرا خلال الأسبوع الأخير فقط، يقول بأنها ليست وحدها التي تبدي مثل هذا القدر من الاهتمام الذي نجده كذلك من جانب وسائل الإعلام البريطانية والفرنسية والأميركية لتجتمع كلها حول انتقاد سياساته المناوئة للتوجهات الغربية، وتصويره متشحا بمعطف رجل المخابرات، ممسكا بمسدسه باحثا عن ضحاياه ومقاصده في أروقة السياسة الغربية.
ويتركز اهتمام هذه المطبوعات والقنوات حول الموضوعات التي تتعلق بسياسات الكرملين تجاه أوكرانيا وعلاقاته مع أوروبا والولايات المتحدة. غير أن الانتقادات الأكثر حدة وحسب المصادر الروسية يمكن أن نجدها بالدرجة الأولى وأكثر من غيرها في الصحف الأميركية وإعلام بلدان البلطيق وأوكرانيا التي تتهم الرئيس الروسي بأنه الأكثر عدوانية وخطورة على أمن وسيادة ووحدة أراضي هذه البلدان. ومن اللافت أن كل الاتهامات التي تنشرها هذه الصحف تبدو في معظمها مستوحاة من مصادر واحدة بعينها، في الوقت نفسه الذي تفتقد فيه السند والدليل. ويذكر المراقبون الحملة كاملة العدد التي اشتعلت في إطار اتهام روسيا بأنها وراء إسقاط طائرة الركاب الماليزية فوق أوكرانيا في يوليو (تموز) من العام الماضي، دون أن يتمكن أي من أجهزة الاستخبارات الغربية، رغم مضى ما يقرب من العام، من تقديم ما يثبت ذلك. ويمكن الإشارة أيضا إلى الاتهامات التي تتواصل للعام الثاني على التوالي حول غزو القوات الروسية النظامية للأراضي الأوكرانية واستمرارها في احتلال أراضي منطقة الدونباس في جنوب شرقي أوكرانيا، وأيضا دون تقديم ما يثبت ذلك رغم استمرار الأقمار الصناعية الأميركية والغربية في مسح وتصوير هذه المناطق.
على أن الانتقادات التي تتوالي في حق بوتين لا تقتصر على السياسات والتوجهات الرسمية وتتعداها إلى الشخصية التي تتراوح أيضا بين التشكيك في ذمته المالية وتصرفاته الشخصية وعلاقاته مع أصدقائه وحتى تربيته في كنف آخرين ممن تتبنوه بعد وفاة الأم، حسب زعم عدد من الصحف الغربية.
أما عن الفساد المالي في روسيا الذي تتهم به أجهزة الإعلام الغربية الكثير من أعضاء النسق الأعلى للسلطة فإنه يظل أيضا يفتقد «المستندات» والأدلة الدامغة على ذلك، وإن كان ذلك لا يعني إنكارا للكثير من النواقص التي يشهدها المجتمع الروسي، وينال من قدسية العدالة الاجتماعية، وهو ما تركز عليه فصائل المعارضة التي تبدو مصدرا أساسيا لما يجري ترويجه من اتهامات وانتقادات في حق بوتين وسياساته.
وبهذه المناسبة نشير إلى أن الدعاية الغربية لا تترك شاردة أو واردة في سياسات بوتين دون أن تحاول استغلالها لخدمة مآرب وأهداف بعينها. ويذكر الكثيرون أن الحملات الدعائية المضادة للرئيس الروسي كانت استهدفت وقبل الأزمة الأوكرانية النيل من الجهود التي بذلتها حكومة بوتين استعدادا للدورة الأولمبية الشتوية في سوتشي في 2012، ولم تقتصر على الاتهامات بالفساد وانتقاد ما وصفته بالبذخ غير المبرر في الإنفاق على هذه الدورة، وهو سرعان ما تحول إلى اتهامات أخرى بانتهاك «حقوق المثليين» في روسيا، الأمر الذي دفع عددا من الزعماء الغربيين ومنهم الرئيس الأميركي باراك أوباما، ونظيره الفرنسي فرنسوا هولاند، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وآخرين إلى الاعتذار عن حضور مراسم افتتاح دورة سوتشي الأولمبية للألعاب الشتوية.



فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.


اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
TT

اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)

لاحقت اتهامات بانتهاك حقوق الملكية الفكرية شركة «بيت دانس» الصينية، مالكة منصة «تيك توك»، ما دفع الشركة لإعلان عزمها اتخاذ خطوات لتعزيز الحماية في هذا الصدد. وتوقّع خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» أن تسهم مثل هذه الاتهامات «في تغيير طريقة التعامل مع المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي»، مطالبين بوضع قواعد استخدام تحمي حقوق منتج المحتوى الأصلي.

شركة «بيت دانس» كانت قد طوَّرت، أخيراً، نموذجاً للذكاء الاصطناعي حمل اسم «سيدانس 2.0»، وأنتج النموذج عدداً من مقاطع الفيديو التي تحاكي في تفاصيلها مشاهد من أفلام هوليوود، حصدت ملايين المشاهدات على الإنترنت. وهو ما دفع الشركات المُنتَجة للمشاهد الأصلية لاتهام «بيت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهم. ولقد ذكرت «جمعية صناعة الأفلام الأميركية»، التي تمثّل شركات عدة منها «ديزني»، و«يونيفرسال»، و«وارنر»، و«نتفليكس»، في بيان لها، أخيراً، أن «نموذج سيدانس يستخدم على نطاق واسع أعمالاً محمية بحقوق الطبع والنشر الأميركية». وأضافت: «نموذج الذكاء الاصطناعي لبيت دانس يعمل من دون ضمانات فعّالة، ويجب إيقافه فوراً».

بدورها، أقرَّت «بايت دانس» بما عدّتها «مخاوف بشأن برنامج سيدانس 2.0»، معلنة اعتزامها «اتخاذ خطوات لتعزيز إجراءات الحماية الحالية، ومنع الاستخدام غير المُصرَّح به للملكية الفكرية والصور من قبل المستخدمين»، وفق بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

هذا، ويتوافر نموذج «سيدانس 2.0» حالياً بوصفه نسخةً تجريبيةً محدودةً في الصين فقط. وأفادت شركة الاستشارات السويسرية «سيتول ديجيتال سوليوشنز» بأنه «أكثر نماذج توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي تطوراً»، إذ يتفوَّق على نماذج أخرى طوَّرتها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الاتهامات الموجّهة لنماذج الذكاء الاصطناعي بشأن انتهاكات حقوق الملكية الفكرية لن تتوقف. وتابع أن «نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد في الأساس على المحتوى المنشور (المقروء أو المرئي)، ما يجعلها بالتبعية تنتهك حقوق المنتج الأصلي عند توليد أي نوع من المحتوى». وأردف إكو: «إن التطورات المتسارعة لنماذج الذكاء الاصطناعي تحتم ضرورة العمل على حوكمتها، ووضع قواعد تحمي حقوق المنتج الأصلي، وهي قواعد تتضمَّن التفرقة بين معايير الاستخدام التجاري وغير التجاري، والإشارة بوضوح... إلى أن هذا المُنتَج مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، والإشارة للعمل الأصلي الذي استُعين به في توليد هذا المحتوى».

من جهة ثانية، سبق أن أثارت نماذج الذكاء الاصطناعي جدلاً بشأن اعتدائها على حقوق الملكية الفكرية؛ ففي عام 2024 نُشرت مقالات على مدوّنة قديمة متخصصة في التكنولوجيا تابعة لشركة «أبل» تحمل اسم «تي يو إيه دبليو (TUAW)»، مع أنها مغلقة منذ عام 2011، وتبيَّن أن «المقالات الجديدة أنتِجت بواسطة الذكاء الاصطناعي، ونُشرت بأسماء كتاب وصحافيي المدونة السابقين، بعد استيلاء مالك جديد على المدوّنة المغلقة». وهو ما أثار تساؤلات في حينه عن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية لمنتجي المحتوى الأصليين.

في حوار مع «الشرق الأوسط»، صرَّح الصحافي المصري محمد فتحي، المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، بأن «اتهامات الشركات لبايت دانس وتيك توك بانتهاك حقوق الملكية الفكرية ستدفع إلى إعادة صياغة قواعد إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي» وأشار إلى أنه «من دون إطار تنظيمي واضح، يُشكِّل الذكاء الاصطناعي تهديداً مباشراً لحقوق المبدعين، مع استمرار ظهور منتجات تُعاد فيها تهيئة محتوى أصلي دون تعويض أو إذن».

ثم أضاف: «القوانين الحالية حول حقوق النشر لم تُصمَّم للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يؤكد الحاجة لإطار جديد... وهذا الإطار يشمل تحديد معنى الاستفادة المشروعة للبيانات، وأنواع البيانات، التي يمكن استعمالها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن تعويض حقوق للمصادر الأصلية، مع وضع معايير واضحة للاستعمال التجاري، ومعايير يجري على أساسها تصنيف الفيديو المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ليكون مستقلاً عن الأصل، أو متضمناً حقوقاً للمبدعين الأصليين».

ومن ثم، طالب فتحي بـ«تحديث القوانين لتشمل الذكاء الاصطناعي، ووضع تعريف قانوني لكيفية استخدام البيانات للتدريب، وإلزام الشركات باشتراطات شفافة حول مصادر البيانات، ووضع أنظمة ترخيص مرنة وعادلة». ودعا إلى «وجود اتفاقات تسمح باستخدام المحتوى مقابل تعويض، واستحداث تراخيص تشمل نظام مكافآت واضح للمطوّرين... إلى جانب وضع أنظمة تتبُّع وتحرّي محتوى الفيديو لحماية أصحاب الحقوق الأصلية، ووضع علامات مائية ذكية يمكن تمييزها حتى بعد إعادة استعمال المادة المُصوَّرة».

واختتم بالتأكيد على «أهمية تعزيز وعي المبدعين، بشأن كيفية حماية أعمالهم، مع وضع إرشادات حول حقوق الترخيص واستخداماتهم في الذكاء الاصطناعي».


قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟

عاجل الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف قيادي كبير في «حزب الله» في بيروت