استبشار يمني بـ«هدنة الشهرين» رغم المخاوف من عدم التزام الحوثي

حظيت بترحيب عربي ودولي وسط سعي أممي إلى استدامتها

يمنيون يسيرون في سوق بوسط صنعاء خلال أول أيام الهدنة (رويترز)
يمنيون يسيرون في سوق بوسط صنعاء خلال أول أيام الهدنة (رويترز)
TT

استبشار يمني بـ«هدنة الشهرين» رغم المخاوف من عدم التزام الحوثي

يمنيون يسيرون في سوق بوسط صنعاء خلال أول أيام الهدنة (رويترز)
يمنيون يسيرون في سوق بوسط صنعاء خلال أول أيام الهدنة (رويترز)

أثار الاتفاق على الهدنة الأممية المقترحة لمدة شهرين في اليمن، ارتياحاً واسعاً في الأوساط اليمنية، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، على الرغم من المخاوف من عدم التزام الميليشيات الحوثية بوقف الأعمال العدائية والهجمات؛ لا سيما باتجاه محافظة مأرب النفطية.
وفي الوقت الذي رحبت فيه الجماعة الحوثية على لسان متحدثها محمد عبد السلام فليتة بالهدنة التي أعلنها المبعوث الأممي مساء الجمعة، يأمل أغلب السكان في مناطق سيطرة الميليشيات أن تنعكس الهدنة على حياتهم إيجاباً، خصوصاً مع السماح بتدفق الوقود عبر ميناء الحديدة، وعودة الرحلات التجارية عبر مطار صنعاء.
وإذ أبدى السكان في صنعاء مخاوفهم من أن تقوم الميليشيات بتسخير الهدنة لمزيد من أعمال الجباية والقمع ومضاعفة القيود على الوقود، وتوسيع السوق السوداء، يأمل سكان مدينة تعز المحاصرة أن يتم الاتفاق على عمليات فتح المنافذ والطرق بشكل أسرع، لتخفيف معاناتهم المستمرة منذ 7 سنوات، بسبب الحصار المفروض على المدينة من قبل الحوثيين.
وتتضمن الهدنة التي أعلنها المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، وقف إطلاق النار في جميع أنحاء اليمن وحدوده لمدة شهرين، ابتداء من أول رمضان الموافق الثاني من أبريل (نيسان) مع إمكانية أن يتم تجديدها بموافقة الطرفين، كما تشمل السماح بدخول سفن الوقود إلى ميناء الحديدة، وتسيير رحلتين أسبوعياً من مطار صنعاء عبر وجهات محددة.
الهدنة تضمنت أيضاً السعي لفتح المنافذ والطرقات في تعز وغيرها، وهي أهم إنجاز أممي بعد «اتفاق استوكهولم» بشأن الحديدة وموانئها وإعادة الانتشار، وهو الاتفاق الذي تنصلت منه الميليشيات الحوثية لاحقاً، وفق ما تتهمها به الحكومة الشرعية والقوات الموالية لها.

مخاوف من تنصل الحوثيين
وفي حين يرى سياسيون أن الهدنة يمكن أن تهيئ لعودة المشاورات مع الجماعة الحوثية لإيجاد حل للصراع، يتوقع مراقبون يمنيون أن تكون هدنة كسابقاتها؛ حيث يرجحون أن يستغلها الحوثيون لبدء جولة جديدة من الصراع.
ويشير المتخوفون من الهدنة إلى أن الميليشيات الحوثية ستقوم باستغلال وقف النار وتوقف الضربات الجوية لنقل آلياتها وحشد عناصرها إلى مأرب، لتحسين موقفها الميداني للانقضاض على المدينة وحقول النفط والغاز في أي لحظة.
وتعليقاً على هذا الموضوع، يقول الكاتب والصحافي اليمني وضاح الجليل: «هذه الهدنة رفضها الحوثي مراراً وتكراراً؛ لأنه لم يكن بحاجة لها. كان لديه يقين راسخ بأنه قادر على حسم معاركه، وخصوصاً معركته في مأرب».
ويضيف الجليل لـ«الشرق الأوسط»: «كان آخر مشروع هدنة عُرض على الحوثي العام الماضي؛ لكن تصريحات مموليه الإيرانيين زعمت أنهم سيفطرون في مأرب، ويذوقون من تمرها، إلا أنه الآن بات بحاجة للهدنة من أجل استعادة توازنه بعد الخسائر التي تكبدها طوال الشهور الماضية، والتي لم ينتج عنها سوى فشله في اقتحام مأرب، وخسارته البشرية والمادية الهائلة، وطرده من مديريات بيحان وعين وعسيلان في شبوة، ثم ملاحقة فلوله في محيط مدينة مأرب».
وترافق هذا الانكسار الحوثي -وفق الجليل- مع «تراجع كبير في حجم إيراداته المالية التي تمول حربه وحشوده العسكرية، وهو ما دفعه لخلق أزمات اقتصادية في مناطق سيطرته، وحرمان المواطنين من الوقود والغاز والمواد الغذائية، وتحويل كل السلع الأساسية إلى السوق السوداء التي يديرها قادته ومشرفوه».
ويعتقد أن «الحاجة إلى هذه الهدنة هي حاجة حوثية في الأساس، أما المواطنون في مناطق سيطرته ونفوذه أو المدن والأرياف التي يحاصرها، فلن يحصلوا سوى على أقل القليل من المكاسب من هذه الهدنة، وهي مكاسب مؤقتة على قلتها، إن سمح بها الحوثي؛ لكن المعاناة ستستمر، والمأساة الإنسانية لن تتوقف، والحوثي سيستغل الهدنة لزيادة موارده وتجميع ميليشياته ومقاتليه، كما لن يدخر جهداً في تعطيلها إن لم تَسِر وفق مزاجه» بحسب تعبيره.
ويتساءل الجليل بالقول: «هناك سؤال مهم لا بد أن يتم طرحه عند كل هدنة مزمعة، وهو: من سيراقب تنفيذها؟ وما الضمانات لاستمرارها وعدم الإخلال بشروطها؟ وما العقوبات التي ستقع بحق من يخرقها؟». ويضيف: «كل هذه الأسئلة لا بد من أن يتم بحثها ومناقشتها، إضافة إلى ضمانات استمرارها والبناء عليها؛ وكيفية الحصول على تنازلات حقيقية من الطرف الذي انقلب على الدولة ونقض السلام المجتمعي وتسبب في كل هذا الخراب؛ لأن هدف هذه الهدنة يفترض أن يكون في سبيل الحصول على السلام، وليس الاستعداد للحرب، والإعداد لجزء آخر من المعركة، ما دام الحديث عن كونها هدنة إنسانية».

إشادات وترحيب
وبالنظر إلى تعقيد الأزمة اليمنية المزمنة، جاءت ردود الفعل الدولية والعربية وحتى اليمنية مرحبة بالهدنة؛ حيث أشاد الاتحاد الأوروبي بما أبداه الطرفان من استعداد لقبول الهدنة وما يصاحبها من إجراءات، بما في ذلك دخول شحنات وقود إلى ميناء الحديدة، وتسيير رحلات تجارية من صنعاء وإليها.
ودعا الاتحاد الأطراف المعنية إلى احترام الهدنة، والاستمرار في العمل مع المبعوث الأممي من أجل وقف دائم لإطلاق النار، واتخاذ التدابير الاقتصادية والإنسانية العاجلة، واستئناف العملية السياسية.
كما شهدت الموافقة على الهدنة إشادة وترحيباً من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وغالبية الدول العربية وفي مقدمها السعودية، فضلاً عن الثناء والترحيب الأمميين.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قد حض في مؤتمر صحافي جميع الأطراف اليمنية على اتخاذ الترتيبات اللازمة لدعم التنفيذ الناجح للهدنة، وتفعيل آليات التعاون دون تأخير، معرباً عن شكره لمبعوثه الخاص، هانس غروندبرغ، وأعضاء فريقه، على جهودهم الدؤوبة في سعيهم للتوصل إلى هذا الاتفاق.
وبحسب ما جاء على لسان الأمين العام، فقد وافقت الأطراف على وقف جميع العمليات العسكرية الجوية والبرية والبحرية الهجومية داخل اليمن وعبر حدوده. واتفقت على دخول سفن الوقود إلى مواني الحديدة، وأن تباشر الرحلات الجوية التجارية عملها داخل وخارج مطار صنعاء إلى وجهات محددة سلفاً في المنطقة. كما اتفقت على الاجتماع تحت رعاية المبعوث الأممي الخاص، لفتح الطرق في تعز والمحافظات الأخرى في اليمن.
وأشار غوتيريش إلى إمكانية تجديد هذه الهدنة بعد فترة الشهرين بموافقة الأطراف، وقال إنها تفتح الباب أمام تلبية الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية الملحة لليمن، وتخلق فرصة حقيقية لإعادة بدء العملية السياسية في اليمن.
ودعا غوتيريش الأطراف إلى الاستفادة من هذه الفرصة، من خلال «التعاون بحسن نية ودون شروط مسبقة» مع مبعوثه الخاص، هانس غروندبرغ، في جهوده لاستئناف عملية سياسية يمنية جامعة وشاملة، قائلاً: «يجب أن يكون الهدف النهائي تسوية سياسية تفاوضية تعالج الشواغل والتطلعات المشروعة لجميع اليمنيين».
في السياق نفسه، قال المتحدث باسم قوات تحالف دعم الشرعية، العميد الركن تركي المالكي، إن «قيادة القوات المشتركة للتحالف ترحب وتدعم إعلان الحكومة اليمنية قبولها للهدنة المعلنة برعاية الأمم المتحدة، كما تثمن جهود المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن بإعلان الهدنة، والتي تأتي في سياق المبادرة السعودية لإنهاء الأزمة اليمنية للوصول إلى حل سياسي شامل، والمعلنة في مارس (آذار) 2021، وإعلان التحالف وقف العمليات العسكرية بالداخل اليمني، والذي جاء استجابة لدعوة معالي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية».
وأكد المالكي أن قيادة القوات المشتركة للتحالف تدعم جهود وترتيبات الأمم المتحدة لتثبيت الهدنة، وتهيئة الأجواء للأطراف اليمنية لبدء العملية السياسية، والوصول إلى سلام شامل يحقق الأمن والاستقرار والرفاهية لأبناء الشعب اليمني.
من جهته، دعا البرلمان العربي الميليشيات إلى «الامتثال للهدنة واحترامها، والتعاطي مع المباحثات القائمة بشأن المقترحات حول الخطوات القادمة». كما رحب نايف الحجرف، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بالإعلان عن الهدنة، وقال إن ذلك «يأتي تأكيداً على الأهمية التي يوليها المجتمع الدولي للأزمة اليمنية».



«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».