تطوير نظام إدراكي يمكِّن الروبوت من التفاعل مع البشر

دراسة جديدة لباحث مصري تهدف إلى خلق علاقة اجتماعية فعالة بين الإنسان والروبوتات

د. أمير علي يدرس الروبوت
د. أمير علي يدرس الروبوت
TT

تطوير نظام إدراكي يمكِّن الروبوت من التفاعل مع البشر

د. أمير علي يدرس الروبوت
د. أمير علي يدرس الروبوت

كيف يمكن للروبوت فهم مشاعر وشخصية ونوايا الإنسان وتوليد سلوك متلائم معه، كما يحدث بين البشر وبعضهم؟ كانت هذه المعضلة العلمية الشغل الشاغل للباحث المصري أمير علي، الذي حصل أخيرا على درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف العليا وتقدير لجنة التحكيم من المدرسة القومية العليا للعلوم المتقدمة بباريس. والذي قدمت دراسته نتائج هامة حول تطوير «الإنسان الروبوتي» المحاكي للبشر.

* تفاعل المشاعر
تتعمق الدراسة في تفاعل الإنسان والروبوت وليس تفاعل الإنسان والكومبيوتر، ويؤكد د. علي لـ«الشرق الأوسط» أن «تفاعل البشر مع الروبوت يحتوي على درجة من التعقيد مختلفة عن الكومبيوتر، حيث إن تمثيل السلوك الحركي المتولد على جسم الروبوت (أي باستخدام الذراعين والأرجل والوجه) ينطوي على صعوبات ميكانيكية كبيرة لجعله قابلا للتصديق من قبل الإنسان». ويشير إلى أن العلوم الإدراكية بفروعها المختلفة تعمل على تيسير هذا التفاعل الإنساني الروبوتي، وهي تشمل: علم تفاعل الإنسان مع الروبوت أو الكومبيوتر، وعلم الخلايا العصبية، وعلم النفس، وعلم اللغة، بالإضافة إلى علم النفس اللغوي، الذي يجمع بين علوم النفس واللغة، مثلا، وكما هو متعارف عليه، فإن الإنسان الانطوائي يختلف عن الإنسان الاجتماعي سلوكيا، وهو ما يشمل خصائص السلوك اللغوي (فالانطوائي لا يتحدث أو يتحرك كثيرا) فيعمل علم النفس اللغوي على قياس هذا الفرق، ما يجعل الروبوت قادرا على فهم إذا ما كان الإنسان انطوائيا أو اجتماعيا عن طريق تحليل كلامه، ومن ثم التصرف حركيا ولفظيا، ما يؤدي إلى زيادة درجة الألفة والقبول الاجتماعي بينهما.
توصل الباحث المصري في دراسته إلى عدة نتائج يراها «تشكل خطوة بسيطة على طريق بحثي طويل يهدف لصنع الروبوت الآلي ذي الخصائص الإدراكية والشكلية البشرية والتي ستمكنه من استبدال الإنسان بشكل واسع في مجالات عدة مستقبلا».

* تعلُّم العواطف البشرية
وتتركز نتائج الدراسة في إمكانية قياس أبعاد الشخصية الخمسة من السلوك اللفظي للإنسان، وهي: (الأولى، الانفتاح - الفضول - التحفظ، ثم التنظيم - عدم الاهتمام، ثم الاجتماعية - الانطوائية، ثم الودية - التعاونية، وأخيرا العصبية - الثقة)، وتخليق سلوك مركب جسدي لفظي متزامن وملائم لشخصية الإنسان المتفاعل وسياق التفاعل.
كما توصلت الدراسة إلى «إمكانية بناء نظام لتعلم وتحديد العواطف البشرية بشكل يحاكي البشر، وذلك لتوليد سلوك حركي عام للروبوت معتمدا على الخصائص الصوتية للإنسان ما يساعد الروبوت على تحديد حالة العاطفة المرصودة، سواء كانت معروفة لديه من قبل ما يسهل توليد سلوك (لفظي - حركي - وجهي) ملائم بناء على ذاكرة التفاعل الخاصة بالمواقف السابقة، أو جديدة بحيث يكون محتواها العاطفي غير واضح في بداية الأمر، وهو ما يتطلب من الروبوت إصدار رد فعل متعادل (بلا عاطفة) لكي يتجنب إصدار رد فعل غير متوافق مع سياق التفاعل، إلى أن يستطيع نظامه الإدراكي فهم محتوى العاطفة الجديدة، ثم تخليق سلوك مركب ملائم. إذ تتسع الخبرات التعليمية المستمرة للروبوت من المواقف التفاعلية للبشر المحيطين».
وأكدت الدراسة «إمكانية بناء نظام عام يدمج بين نظام يمنح سلوك الروبوت اللفظي المتولد حسا عاطفيا، مع نظام لتخليق تعبيرات وجه عاطفية تلائم سياق التفاعل، مع نظام آخر لتوليد سلوك جسدي للروبوت؛ بغرض رصد التأثيرات المتبادلة بين هذه الأنظمة على المصداقية العامة للسلوك المتولد بالإضافة للتأثير الإيجابي على التفاعل بشكل عام».
وحول إمكانية أن يحل الروبوت محل الإنسان في كل شيء، يقول د. علي: «ما زال الطريق طويلا ومعقدا ويحتاج لعقود من البحث المتواصل المشترك بين فروع العلوم الإدراكية، ولكن يبقى الهدف دائما، جعل الروبوت قادرا على الإدراك والتفاعل مثل البشر على نطاق عام، كما هو الحال الآن. ولكي نصل إلى تلك المرحلة نحتاج لمزيد من التطور في علوم الخلايا العصبية الصناعية لكي تصبح قادرة على محاكاة التكوين العصبي العقلي البشري الذي يستطيع معالجة المعلومات الحسية بسرعات وكميات خرافية، إذ يحتوي على ما يقرب من مائة مليار خلية عصبية». إن تطوير آليات تفاعل الروبوت اللفظية والجسدية مع الإنسان، وهو ما يتعلق بأبحاثي، يشكل الخطوة المباشرة نحو علاقة اجتماعية فعالة بينهم.
ويلفت الباحث المصري إلى أنه «إذا كنا نتحدث عن إحلال الروبوت محل الإنسان؛ يجب التفكير في الصورة الشكلية التي سيكون عليها الروبوت، هل هي الصورة النمطية للروبوت المصنوع من مواد معدنية أو بلاستيكية؟ أم الصورة غير النمطية للروبوت والتي يأخذ فيها شكلا بشريا خالصا؟» ويضيف «لكل منهم هدف صنع من أجله، فالنوع النمطي الأكثر شيوعا والأرخص نسبيا، يستخدم في أبحاث تفاعل الإنسان والروبوت بشكل عام في العالم أجمع، وهو يختلف من حيث إمكانياته الفنية وأحجامه وكلفته. أما النوع الآخر (جيمينويد Geminoid) وهو باهظ التكلفة ويتطابق شكلا مع الإنسان وصنع بهدف خلق هوية روبوتية للإنسان تماما مثل بطاقة الهوية الشخصية».

* الروبوت - الإنسان
ويوضح د. علي أن «ما يراه أو يسمعه هذا الروبوت يراه ويسمعه الإنسان الذي يمثله الروبوت في نفس الوقت عبر أي مسافات بوسائل الاتصال الحديثة، وعند توليد الإنسان لسلوك لفظي، تنتقل إحداثيات حركة الفك والشفتين مع المحتوى الكلامي للإنسان للروبوت بشكل فوري (نفس الشيء يحدث مع أي سلوك حركي يولده الإنسان)، فيبدو الروبوت كبديل حقيقي للإنسان. بالتالي يمكن تصور إمكانية أن يرسل الإنسان مستقبلا هذا الروبوت بديلا عنه في مهمات في دول بعيدة في حين أنه لم يغادر منزله مطلقا! ويمكن إذن تخيل تطور هذا الجيل من الروبوتات، حين يتم تصنيعها ليس بغرض استنساخ الإنسان وإنما بغرض خلق (إنسان روبوتي) جديد مع إضافة كل آليات الإدراك والتفاعل قيد التطوير بحيث يكون قادرا على التفاعل بشكل مستقل عن الإنسان».
وحول زرع شرائح إلكترونية في جسد الإنسان، قال: «أعتقد أن البشر يعبرون تدريجيا الحد الفاصل بين البشرية والآلية الروبوتية، فبرغم أن زرع الشريحة قد يحد من نسبة الجرائم، ويساعد الأطباء في إنقاذ المرضى بإلقاء نظرة على تاريخه المرضي المسجل على الشريحة المزروعة، فإن هناك حاجزا نفسيا عند أي إنسان للقبول بهذا الزرع. ولا أتوقع أن تجبر السلطات في دولة ما مواطنيها على زرع الشرائح».
نالت أبحاث د. علي في مجال تطوير الروبوت تقديرا على المستوى العالم، ففي عام 2014. أشارت إليه موسوعة Who's Who وموسوعة «2000 من المثقفين البارزين في القرن 21» 2000 Outstanding Intellectuals of the 21st Century التابعة لجامعة كمبردج، باعتباره أحد شباب الباحثين الواعدين على مستوى العالم في مجال أبحاث الإنسان الآلي التفاعلي. وعن طموحاته المستقبلية، قال «أتمنى دائما أن أصل لمدى بحثي أعمق وأن أجعل الروبوت جزءا من حياة العامة خصوصا في المجتمعات الفقيرة».



أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.