«الناتو» يتجنب تحديد ردوده على انتهاك روسيا لـ«الخطوط الحمراء»

أمين عام «الناتو» ينس ستولتنبرغ قال إن «أي هجوم بسلاح كيماوي سيغير تماماً طبيعة النزاع» لكنه لم يكشف عن طبيعة الرد على خطوة روسية من هذا النوع (رويترز)
أمين عام «الناتو» ينس ستولتنبرغ قال إن «أي هجوم بسلاح كيماوي سيغير تماماً طبيعة النزاع» لكنه لم يكشف عن طبيعة الرد على خطوة روسية من هذا النوع (رويترز)
TT

«الناتو» يتجنب تحديد ردوده على انتهاك روسيا لـ«الخطوط الحمراء»

أمين عام «الناتو» ينس ستولتنبرغ قال إن «أي هجوم بسلاح كيماوي سيغير تماماً طبيعة النزاع» لكنه لم يكشف عن طبيعة الرد على خطوة روسية من هذا النوع (رويترز)
أمين عام «الناتو» ينس ستولتنبرغ قال إن «أي هجوم بسلاح كيماوي سيغير تماماً طبيعة النزاع» لكنه لم يكشف عن طبيعة الرد على خطوة روسية من هذا النوع (رويترز)

الرأي السائد في أوساط الحلف الأطلسي الذي هو الذراع الضاربة للغربيين أن لا أحد يعرف حقاً طبيعة مخططات الرئيس الروسي، وأين ومتى ستتوقف حربه على أوكرانيا، والأهم من ذلك كله الوسائل العسكرية التقليدية وغير التقليدية التي قد يلجأ إليها.
وبالمقابل، يتعرض الأطلسيون لضغوط مزدادة من قبل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يريد مزيداً من الدعم بمختلف الأشكال، خصوصاً الدعم العسكري. وفي كلمته المسجلة لقادة الحلف الأطلسي في اجتماعهم ببروكسل صباح الخميس، طالبهم زيلينسكي بأن يعطوا بلاده 1 في المائة مما تختزنه مستودعاتهم من الدبابات والطائرات القتالية لتميكن قواته من مواجهة القوات الروسية. وتوجه مباشرة إلى الرئيس المجري فيكتور أوربان، المقرب من موسكو والرافض أن تمر في الأراضي المجرية الأسلحة المخصصة لأوكرانيا قائلاً له: «هل تعلم يا فيكتور ماذا يحصل في ماريوبول؟» المدينة المطلة على بحر آزوف التي تحاصرها القوات الروسية وقوات الانفصاليين منذ أسابيع من كل الجهات التي تعاني من القصف المدفعي والصاروخي بلا توقف. وتبين الصور الجوية والشهادات الدمار الواسع الذي لحق بالمدينة التي لم تستسلم حتى اليوم، وقد رفضت العرض الروسي بوقف العمليات العسكرية التي تستهدفها مقابل إلقاء سلاحها. وبالطبع، جاء الرد الأطلسي على زيلينسكي سلبياً، بحيث لن تحصل كييف على طائرات أو على دبابات من أعضاء الحلف، لأن ذلك ستعده موسكو «مشاركة في الحرب»، الأمر الذي يتجنبه الغربيون لاعتبارهم أن الأهم أن تبقى الحرب محصورة في أوكرانيا غير المنتمية للحلف وألا تتمدد إلى خارجها، لأن ذلك سيعني اندلاعها بين روسيا والحلف الأطلسي بما يفتح الباب لحرب قد تصبح نووية بالنظر إلى أن القوتين النوويتين الكبريين في العالم هما الولايات المتحدة الأميركية وروسيا.
يبدو واضحاً أن النتيجة المباشرة للموقف الأطلسي أن الغربيين وضعوا لأنفسهم «خطاً أحمر» بخصوص درجة انغماسهم في الحرب الأوكرانية. وقد سبق لهم أن التزموا به مرتين: الأولى، عندما رفضوا انضمام كييف إلى الحلف والثانية عندما تجاهلوا طلبها بإقامة منطقة حظر جوي من شأنها أن تمنع الطائرات القاذفة والمقاتلة الروسية من التحليق في الأجواء الأوكرانية. وكترجمة لذلك، رفضت واشنطن العرض البولندي بتسلم 29 طائرة «سوخوي» تابعة للقوات الجوية البولندية لنقلها لاحقاً إلى القوات الجوية الأوكرانية من قاعدة جوية للأطلسي على الأراضي الألمانية مقابل تسلمها طائرات عسكرية أميركية الصنع. وبررت واشنطن الرفض بأن العملية «بالغة التعقيد». إلا أن السبب الحقيقي هو تخوف الإدارة الأميركية من الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع القوات الروسية. وخلاصة المراقبين الغربيين أن الحلف الأطلسي قد «وضع خطوطاً حمراء لنفسه»، لكنه لم يضع خطوطاً حمراء لروسيا. ولخص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الموقف الغربي بقوله أول من أمس: «نريد أن نوقف الحرب (على أوكرانيا) من غير أن نخوضها». وأكثر من مرة، أكد القادة الغربيون أنهم «ليسوا في حالة حرب مع روسيا».
في الأيام الأخيرة، تكاثرت توقعات الغربيين بخصوص احتمال لجوء الطرف الروسي إلى استخدام أسلحة دمار شامل، خصوصاً السلاح الكيماوي. وحتى اليوم، يتردد الحلف الأطلسي في تحذير موسكو من أن اللجوء إلى هذا السلاح أو غيره سيعده الغربيون «خطاً أحمر»، وأنه سيستدعي رداً من جانبه. وعبر أمين عام الحلف الأطلسي أن «أي هجوم بسلاح كيماوي سيغير تماماً طبيعة النزاع». بيد أن ينس ستولتنبرغ لم يأتِ على طبيعة الرد الأطلسي على خطوة روسية من هذا النوع التي ينظر إليها الغربيون بعين الجد. والدليل على ذلك، ليس فقط تصريحاتهم العلنية، بل أيضاً إقدامهم على توفير الوسائل الضرورية للجانب الأوكراني للتعامل مع أي هجوم بسلاح كيماوي، بيولوجي أو حتى نووي. ولما سئل الرئيس الأميركي في بروكسل، في مؤتمره الصحافي عن الرد الأطلسي على هجوم من هذا النوع، فضل الالتزام بالعموميات، إذ اعتبر أن «طبيعة الرد ترتبط بطبيعة السلاح المستخدم». أما الرئيس ماكرون فقد فضل أيضاً الابتعاد عن الوضوح لدى سؤاله عما سيقوم به الغربيون على هجوم روسي غير تقليدي. وبرأيه، فإن «الغموض الاستراتيجي والسرية أكثر فاعلية» من عرض طبيعة الردود.
حقيقة الأمر أن كثيراً من المراقبين الغربيين يرون أن الحلف الأطلسي لا يريد أن يكبل يديه بمواقف قد لا يتمكن من الالتزام بها، كما أنه يحرص على عدم استنساخ ما حصل في عام 2013، بعد أن اعتبر الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما لجوء النظام السوري إلى السلاح الكيماوي خطاً أحمر سيستدعي ردأ أميركياً وغير أميركي. والحال أن أوباما تراجع عن الوفاء بوعده. كذلك فعلت لندن ووجدت باريس التي كانت مصرة على معاقبة نظام الرئيس الأسد، نفسها في وضع حرج بعد تراجع حليفيها الأميركي والبريطاني. من هنا، بقيت هذه المسألة في إطار العموميات، لا بل إن الأمانة العامة للحلف الأطلسي أو أياً من أعضائه الرئيسيين لم يصدر تحذيراً رسمياً وعلنياً للسلطات الروسية بشأن اللجوء إلى أسلحة الدمار الشامل وطبيعة الرد الغربي عليها، بل اكتفوا بالقول إن تحولاً من هذا النوع «لن يبقى من غير رد». وكان زيلينسكي قد أكد أول من أمس عدم استبعاده استخدام روسيا للسلاح الكيماوي في حربها على بلاده.
مقابل الغموض الذي يحيط بـ«الخطوط الحمراء» ذات الصلة باستخدام أسلحة الدمار الشامل، فإن قادة الحلف كانوا بالغي الوضوح فيما خص استهداف أحد أعضائه من خلال التأكيد على تفعيل المادة الخامسة من شرعة الحلف، الأمر الذي لا ينسحب على أوكرانيا ومن خلال تعزيز الحضور العسكري على الجبهة الشرقية وإرسال قوات وتعزيزات إلى البلدان القريبة من خط المواجهة مع روسيا. وبكلام آخر، فإن الاستراتيجية الغربية مزدوجة: من جهة، التركيز على زيادة الضغوط الاقتصادية والمالية والتجارية على روسيا لخنق اقتصادها والاهتمام بالمسائل الإنسانية ورعاية اللاجئين بالتوازي مع تعزيز القوات الأوكرانية بالأسلحة الدفاعية، خصوصاً الصواريخ المضادة للدروع والطائرات. وغرضهم من ذلك تمكين القوات الأوكرانية من «احتواء» الهجوم الروسي وعدم تمدده خارج أوكرانيا وتلافي أي احتكاك مباشر مع القوات الروسية، آملين في أن تكون هذه الخطة كافية لدفع الرئيس بوتين لتغيير حساباته والتفاوض بجدية لإنهاء الحرب. والوجه الثاني لهذه الخطة إبراز أنياب الأطلسي وتأكيد استعداده للرد على أي هجوم ضد أي من أعضائه. أما طبيعة رد الحلف على لجوء روسيا إلى أسلحة الدمار الشامل على المسرح الأوكراني فقد بقي حتى اليوم في منطقة «رمادية»، ولا ينتظر أن تتوضح المواقف لما في ذلك من رهانات بعضها غير مضمون النتائج.


مقالات ذات صلة

روسيا تريد «ضمانات أمنية» في أي تسوية لحرب أوكرانيا

أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (إ.ب.أ)

روسيا تريد «ضمانات أمنية» في أي تسوية لحرب أوكرانيا

وزير الخارجية سيرغي لافروف يقول إنه لا يوجد ما يدعو للتحمس تجاه الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي على أوروبا وأوكرانيا، إذ لا يزال هناك طريق طويل للمفاوضات.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟