جهود أميركية ـ أوروبية لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي

قادة أوروبا يتبنون «بوصلة استراتيجية» جديدة

بايدن وفون دير لاين في مؤتمر صحافي ببروكسل أمس (أ.ب)
بايدن وفون دير لاين في مؤتمر صحافي ببروكسل أمس (أ.ب)
TT

جهود أميركية ـ أوروبية لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي

بايدن وفون دير لاين في مؤتمر صحافي ببروكسل أمس (أ.ب)
بايدن وفون دير لاين في مؤتمر صحافي ببروكسل أمس (أ.ب)

خطت أوروبا، أمس، خطوة أقرب نحو تقليل اعتمادها على موارد الطاقة الروسية، من دون أن تتفق على فرض حظر فوري عليها في قمة على مستوى القادة تعقد في بروكسل منذ يومين. وأعلن الاتحاد الأوروبي عن خطة طموحة مع الولايات المتحدة لتحقيق الاستقلالية عن موارد الطاقة الروسية في غضون السنوات الخمس المقبلة. وأعلن الرئيس الأميركي جو بايدن الذي شارك في الاجتماع الأوروبي، مع ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن الخطة المشتركة صباحاً. واتهم بايدن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «باستخدام الغاز للتلاعب بجيرانه وعائدات الغاز لتمويل حربه» في أوكرانيا. وأشار بايدن الذي أعلن قبل بضعة أيام حظر استيراد موارد الطاقة الروسية، إلى «تفهمه» لعدم اتخاذ الدول الأوروبية قراراً مماثلاً، مضيفاً أن بلاده دولة مصدرة للطاقة، وهذا مكّنها من اتخاذ قرار حظر مواد الطاقة الروسية، «ولكن أوروبا في موقع مختلف عنا».
في الوقت ذاته، شدّد الرئيس الأميركي على أن الخطة التي تم الاتفاق عليها في بروكسل مع القادة الأوروبيين ستجعل أوروبا قادرة على التحرر من الطاقة الروسية في السنوات المقبلة. وقال: «أعلم أن التخلي عن الغاز الروسي لن يكون سهلاً بالنسبة لأوروبا، ولكنه الأمر الصحيح وسيضعنا في موقع استراتيجي أقوى». وأضاف أن الولايات المتحدة ستساعد أوروبا في تخفيف اعتمادها على الطاقة الروسية في السنوات المقبلة، لتصبح مستقلة عنها تماماً. وقال: «هذه الخطوات ستزيد من الأمن الاقتصادي والسياسي لأوروبا».
وتحث الولايات المتحدة أوروبا منذ سنوات على تقليل اعتمادها على الغاز الروسي وتنويع مصادر الطاقة عبر شراء مزيد من الغاز المسال منها، ولكن أوروبا خصوصاً ألمانيا قاومت ذلك لسنوات ولم تغير موقفها إلا بعد الحرب في أوكرانيا.
واعتبرت فون دير لاين من جهتها، أن مشاركة بايدن في القمة الأوروبية «يبعث برسالة قوية للعالم بأن الشراكة عبر الأطلسي أقوى من أي وقت مضى»، مشيرة إلى أن أوروبا والولايات المتحدة تصران على الوقوف معاً «في وجه بوتين وحربه»، التي قالت «إنها ستكون فشلاً استراتيجياً مريعاً». وأشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي يعمل مع الولايات المتحدة «لتجفيف منابع بوتين التي يمول بها حربه».

وأعلن الطرفان في بيان مشترك عن خطة لاستقدام كميات إضافية من الغاز الأميركي المسال لكي تصل كمية الغاز الأميركي المستورد سنوياً بدءاً من العام الحالي إلى 50 مليار متر مكعب من الغاز المسال حتى عام 2030، على أن تزيد الولايات المتحدة صادراتها من الغاز إلى أوروبا «بحسب الحاجة»، وبهدف إنهاء أوروبا اعتمادها على الطاقة الروسية «بحلول عام 2027». واتفق الطرفان على تشكيل خلية عمل مشتركة أميركية - أوروبية حول أمن الطاقة لوضع أطر التعاون وتطبيق الخطوات المتفق عليها، على أن يرأسها ممثل من البيت الأبيض وممثل لرئاسة المفوضية الأوروبية. وتعهدت أوروبا في المقابل بالتسريع في بناء معامل جديدة لتخزين الغاز المسال فيها، ليوزع منها الغاز على الدول الأعضاء.
ولن يتوقف التعاون الأميركي - الأوروبي في مجال الطاقة على استيراد الغاز الأميركي المسال، بل يتجاوزه للتعاون في مجال تسريع العمل على تطوير تصنيع الطاقة المتجددة، ما سيسمح نظرياً لأوروبا بأن تصبح مستقلة عن الغاز الروسي بشكل كامل.
ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي توجه للقمة الأوروبية في يومها الأول، الخميس، بعد أن كان بايدن غادر الاجتماع، انتقد تأخر الغرب بفرض عقوبات على روسيا، وانتقد كذلك عدم فرض حظر فوري على الطاقة الروسية. وقال في الفيديو الذي وزّع شريطه يوم أمس، إن «العقوبات جاءت متأخرة»، وإنها «لو فرضت كخطوة استباقية» لربما كانت أكثر تأثيراً. وقبل أيام من بدء العملية العسكرية في 24 فبراير (شباط) الماضي، طالب زيلينسكي الغرب بفرض عقوبات فورية استباقية على روسيا في كلمة ألقاها أمام مؤتمر ميونيخ للأمن الذي حضره شخصياً، واتهم فيه الغرب بالاكتفاء بالكلام وليس الأفعال.
وبدا في كلمته أمام المجلس الأوروبي وهو ينتقد الرئيس المجري فيكتور أوربان شخصياً، ويطلب منه اختيار الطرف الذي يريد الوقوف معه. ويعرف أوربان بصلاته المقربة من الكرملين، ولكنه رغم ذلك لم يعترض على العقوبات الأوروبية التي فرضت على روسيا، إلا أنه من الرافضين لفرض حظر على استيراد الطاقة الروسية. ويرفض أوربان أيضاً تقديم أسلحة إلى أوكرانيا كما تفعل الدول الغربية، كما يرفض السماح بأن تمر تلك الأسلحة عبر أراضيه. وفي الشريط الذي تم توزيعه، يبدو زيلينسكي وهو يقول: «ليتوانيا تقف معنا. لاتفيا تقف معنا. إستونيا تقف معنا. بولندا تقف معنا». وتابع يقول: «فرنسا - إيمانويل - أنا أثق حقاً أنك ستدافع عنا، ألمانيا… متأخرة قليلاً. المجر، أريد أن أتوقف هنا وأكون صادقاً. للمرة الأخيرة، عليكِ أن تقرري أنتِ تقفين مع من». وتبدو انتقادات زيلينسكي الموجهة إلى فرنسا وألمانيا بسبب عدم دعمهما لضم أوكرانيا بسرعة إلى الاتحاد الأوروبي، وكذلك رفض برلين لفرض حظر فوري على الطاقة الروسية. وتابع الرئيس الأوكراني متوجهاً إلى رئيس الحكومة المجرية أوربان ويقول: «اسمع، فيكتور، هل تعرف ما الذي يحصل في ماريوبول؟»، في إشارة إلى المدينة الأوكرانية المحاصرة من روسيا. ولكن أوربان بقي مصراً على عدم دعم حظر للطاقة الروسية ونشر شريط فيديو له يوم أمس يقول فيه إن عقوبات كهذه «تعني أن اقتصاد المجر سيتباطأ ثم يتوقف»، مضيفاً أن هذا الأمر «غير مقبول، وأنه لا يصب في مصلحة المجريين».
وليست المجر فقط من يعارض عقوبات على الطاقة الروسية، بل أيضاً ألمانيا والنمسا وهولندا التي تتخوف أيضاً من تبعات اقتصادية كارثية عليها وعلى أوروبا. وكان المستشار الألماني أولاف شولتز أكد رفضه عقوبات كهذه قبل يومين، وقال إن حظر الطاقة الروسية سيؤدي إلى ركود اقتصادي في أوروبا وخسارة آلاف الوظائف.
وكان بايدن قد ناقش أيضاً مع الزعماء الأوروبيين قبل مغادرته إلى بولندا، تنسيق وتوحيد الرد الغربي على روسيا، واتفق الرئيس الأميركي مع القادة الأوروبيين الذين استثنوا رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من اجتماعهم، على الاستعداد لاعتماد خطوات وعقوبات إضافية على روسيا «والتصدي لأي محاولات للالتفاف على العقوبات». وتناول النقاش كذلك قضايا أخرى تتعلق بالحرب في أوكرانيا منها مساعدات للاجئين ومراقبة وضع الأمن الغذائي العالمي، واتفق الزعماء الغربيون على تعزيز الشراكة الدفاعية عبر الأطلسي، بما في ذلك علاقة أوروبية أقوى مع حلف شمال الأطلسي، بحسب ما نصت عليه «البوصلة الاستراتيجية» الأوروبية الجديدة التي تبناها القادة الأوروبيون أمس.
ورغم أن هذه البوصلة الاستراتيجية ليست وليدة الحرب على أوكرانيا، بل تعود إلى عامين، فإن التطورات في الأسابيع الماضية سرعت من وتيرة اعتمادها، ودفعت الدول للالتزام بانفاق أمني ودفاعي أكبر بحسب توصيات حلف الناتو للدول الأعضاء. وكانت ألمانيا قد أعلنت بعيد بدء روسيا عمليتها العسكرية في أوكرانيا، رفع إنفاقها العسكري لكي يصل إلى نسبة 2 في المائة بعد أن قاومت ذلك لسنوات متحججة بتاريخها.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تعلن استخدام أسلحة آلية تعمل بالذكاء الاصطناعي

أوروبا نظام الهجوم بالطائرات المسيرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

أوكرانيا تعلن استخدام أسلحة آلية تعمل بالذكاء الاصطناعي

أعلنت أوكرانيا، الاثنين، أنها بدأت استخدام أسلحة رشاشات آلية التشغيل مزوّدة بالذكاء الاصطناعي في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف )
أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مشاركتها في الاجتماع العاشر لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية مولدوفا في بروكسل يوم 5 أكتوبر 
2026 (إ.ب.أ)

كالاس: روسيا تشكل ⁠خطراً على الأرواح في أوروبا بهجماتها الهجينة

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم (الاثنين)، إن روسيا تشكل خطراً على أرواح الناس في جميع أنحاء أوروبا من خلال شن هجمات هجينة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد توربينات غازية تابعة لشركة «سيمنس» الألمانية (الموقع الإلكتروني لشركة سيمنس إنرجي)

«نافتوغاز» الأوكرانية تدرس شراء ضواغط توربينية غازية من «سيمنس» الألمانية

ذكرت وزارة الطاقة الأوكرانية، يوم الاثنين، أن شركة النفط والغاز الحكومية الأوكرانية «نافتوغاز» تدرس شراء خمس وحدات ضغط تعمل بالتوربينات الغازية من شركة «سيمنس».

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)

صفقة عسكرية ألمانية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم أوكرانيا

وقّعت أوكرانيا وألمانيا صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار للمساعدة في التصدي للهجمات الروسية، فيما تزامنت زيارة للمستشار الألماني ميرتس مع ضربات جديدة في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف (الكرملين - د.ب.أ) p-circle

ميدفيديف يحذر من «حرب فضائية» حال تعطيل الأقمار الاصطناعية الروسية

حذر نائب رئيس مجلس الأمن دميتري ميدفيديف من «حرب فضائية شاملة» وسط دعوات أوكرانية لحجب خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية الروسية الجديدة «راسفيت».

«الشرق الأوسط» (موسكو)

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
TT

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)

قدم رئيس وزراء ساموا اعتذارا الاثنين، بعد انتشار مقطع فيديو له يظهره وهو يهتف «هايل هتلر» (يحيا هتلر) ويؤدي تحية نازية.

وقال لاأولي ليواتيا شميدت في بيان إن اللقطات تعود لتجمع عائلي جرى قبل نحو 20 عاما، ولم يكن مفترضا أبدا أن تظهر للعلن. وأوضح «تُظهر اللقطات ترديدي لعبارة هايل هتلر وقيامي بحركة مرتبطة بألمانيا النازية خلال تجمع عائلي خاص (...) لم يكن موجها للعامة».

وأضاف «مهما كان السياق أو القصد خلال هذا التجمع قبل عشرين عاما، فإنني أدرك أن تلك الكلمات والحركة كانتا غير لائقتين ومن شأنها أن تسببا الإساءة والألم، ولذا فإنني أعتذر عن استخدامها».

وكان شميدت قد أعرب سابقا عن دعمه القوي لإسرائيل، وتعهد بفتح سفارة في القدس قبل نهاية العام. وقال «أنا أرفض النازية ومعاداة السامية والعنصرية وجميع أشكال التطرف السياسي».

وكان شميدت قد ارتدى شال الصلاة اليهودي عند أدائه اليمين الدستورية رئيسا للوزراء عام 2025، حيث دخل القاعة على وقع صوت بوق الشوفار الاحتفالي. وقال حينها وفقا لوسائل إعلام محلية «أنا أقف إلى جانب إسرائيل، أرض الله». وتابع «ستقف ساموا وتدعم أرض الله المقدسة».

وتؤمن دول المحيط الهادئ الشديدة التدين مثل ساموا، بنبوءات العهد القديم التي تقول إن اليهود مقدر لهم أن يعودوا يوما ما إلى أرض إسرائيل.


النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.