قصف روسي عنيف يزيد من معاناة خاركيف

المساعدات الإنسانية ضئيلة وتصل ببطء وأحياناً متأخرة

لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)
لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)
TT

قصف روسي عنيف يزيد من معاناة خاركيف

لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)
لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)

ليلة جديدة من القصف المكثف شهدتها مدينة خاركيف الأوكرانية. هي الليلة الثانية على التوالي التي تتعرض فيها المدينة لمثل هذا القصف العنيف الذي استخدمت فيه القوات الروسية صواريخ متوسطة المدى وراجمات الصواريخ والمدفعية الأرضية. وكما جرت العادة، ردت القوات الأوكرانية بالمثل على القصف الروسي.
ويبدو واضحاً مما يحصل على الأرض أن هذا القصف هدفه تفريغ المناطق من سكانها ودفعهم للمغادرة نحو الجنوب، وتعميق أزمة النزوح واللجوء، ووضع الحكومة الأوكرانية أمام معضلة أكبر من معضلة الحرب ذاتها، بإغراقها والدول الغربية معاً بأمواج من النازحين واللاجئين. وثمة من يرجّح أن يستمر ذلك طويلاً حتى الوصول إلى حل سياسي أو نهاية عسكرية للحرب.
في النقاط المدنية الأخيرة قبل الوصول إلى مستديرة شارع سومسكا الذي يصل الأراضي الروسية بمدينة سوما، في أقصى شمال مدينة خاركيف، لا تزال آثار المعارك التي شهدتها الأيام الأولى للحرب ماثلة. فرغم إزالة الدبابات الروسية المحترقة والمدمرة فإن إسفلت الشوارع يشهد على شراسة الاشتباكات.
وفي المنطقة نفسها، لا تزال المنازل تتعرض للقصف كل يوم؛ إذ تأتي القذائف من الشمال والشرق؛ حيث تتمركز الآن القوات الروسية على مسافة بضعة كيلومترات فقط.
كانت خاركيف تضم حوالي مليونين من السكان، بمن في ذلك الطلاب، واليوم يعيش فيها حوالي نصف مليون إنسان فقط. الأغلبية نزحت، والباقون ينقسمون بين من أراد البقاء للقتال أو تقديم المساعدة، ومن لم يتمكن من الخروج لأسباب مالية. ورغم كل التقديمات التي توفرها الحكومة للسكان، فإن الأوضاع المعيشية لا تزال تمنع كثيرين من المغادرة. كبار السن لم يجدوا طريقة للخروج، أو أن أوضاعهم الصحية لا تساعدهم. الفقراء الذين كانوا يعانون من الأزمة المالية قبل الحرب وجدوا أنفسهم الآن بلا أي معين؛ بقوا في أماكنهم. ومن تدمرت منازلهم لجأوا إلى دور عبادة قريبة، أو حتى إلى مراكز لرجال الإطفاء.
المساعدات الإنسانية لا تكفي هنا، فهي أولاً تصل ببطء، وأحياناً متأخرة بفعل تعقيدات الانتقال من مدينة إلى أخرى في ظل التقدم الروسي. وثانياً، هناك إشكالية توزع السكان في المدينة؛ حيث لا يزال عديد من الناس في منازلهم في مناطق خطرة، ولا تفضل السلطات الذهاب إليهم لتوزيع المساعدات عليهم؛ لأن ذلك يتسبب في تجمع المدنيين، ويمكن أن يعرضهم للخطر بعد ضرب القوات الروسية متجراً يوزع الخبز منذ أيام. ثالثاً، هناك عدم قدرة من السلطات على الإحاطة بكل متطلبات المناطق المتضررة من الحرب. ورابعاً، هناك مشكلة الفساد الذي تمكن من الحصول على حصته من المساعدات، مما يعني حرمان جزء من السكان من حصصهم.
في مأوى للعجائز، تقول إحدى النساء المسنات ما إن عرفت بقدوم صحافي: «لدينا كل شيء، كل شيء على ما يرام هنا». هذه العبارة تشي بأنها تشير إلى العكس تماماً. فقد جاء الصحافي برفقة فريق تطوعي لإيصال المساعدات للمأوى. وبعد ليلتين متواصلتين من القصف العنيف لا يمكن أن يكون أي شيء على ما يرام.
لاريسا أكثر واقعية. هي تسعينية من أصول إيطالية عاشت كل حياتها في أوكرانيا. كانت معلمة في مدرسة ثم في سجن، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي تقاعدت عن العمل، وهي الآن في غرفتها في المأوى تتابع الأخبار أحياناً، وأغلب الوقت تتحدث مع من يمر بها في الغرفة: «لن أرحل من خاركيف. لقد عشت كل حياتي هنا وسأموت هنا». لاريسا لا تعلم، على الأرجح، أن لا تحضير لعملية إجلاء للعجائز من المأوى، وأن المأوى يعاني من نقص في المواد التموينية، وإن كان القيمون عليه يحاولون ما بوسعهم الحصول من الهيئات التطوعية على ما يكفي حاجة المقيمين، ويعملون على حمايتهم في الدور السفلي. ولكن الخروج من خاركيف ليس متاحاً لهم الآن.
«لن يمروا»، تهتف لاريسا بالإيطالية، ثم تتحدث عن نفسها وعن الفترة التي كانت تمارس فيها التعليم، وترحب بالتقاط صورة لها قبل أن يغادر الفريق التطوعي، وليس دون أن تعيد هتافها الإيطالي الشهير: «لن يمروا».
قريباً من ساحة شوفشينكو توقف الشرطة عربة وتفرغها من حمولتها. تضع الحمولة على الرصيف ويقف رجال الشرطة ليتحدثوا مع السائق. كان الرجل يبيع المنتجات الزراعية المسروقة من الحقول. حالياً أغلب الحقول تعتبر مناطق خطرة، ويتولى أفراد الجيش جمع المحاصيل وتوزيعها مجاناً على المتطوعين لإعطائها للسكان، ولكن هناك دائماً من يحاول التكسب في ظروف مشابهة.

أوضاع استثنائية
رجال الشرطة هنا على درجة من التوتر. يقول عدد من المتطوعين إنهم غير مدربين للحروب والتعامل مع أوضاع استثنائية. في الماضي القريب لم يكن للشرطة أو عناصر الجيش أي نفوذ. اليوم بعد اشتداد الحاجة إليهم والضغط الذي يعيشونه وبقائهم في مدينتهم، أصبحوا أقسى في التعامل مع الناس، وصارت مهماتهم أكبر وأوسع.
يتوزع الدمار الجزئي على مناطق مثل شارع ماتوشينكو أو منطقة سلافيتسكا. هناك، في المنطقة الأخيرة، وفي إحدى دور العبادة، يتجمع حوالي 50 شخصاً في القبو يصلّون وينامون مفترشين الأرض، ويتدثرون بأغطية أتوا بها من منازلهم المدمرة، أو المواجهة للقوات الروسية، ويأتيهم متطوعون بالقليل من الطحين والمواد الأولية للطهي.
في دار العبادة هذه، يستخدم النازحون المطبخ المرتجل، ويعدون طعامهم بأنفسهم. الأغلبية هنا من كبار السن أيضاً، إضافة إلى بعض ذوي الاحتياجات الخاصة. لم يتمكن هؤلاء من مغادرة خاركيف، وبعضهم يقول إن الله سيحميهم من كل شر، وإنهم يفضلون البقاء في المدينة.
يتحدث فلاد (30 عاماً) المتطوع ضمن فريق محلي صغير عن الوضع المالي للنازحين: «لقد استنزفتنا الأزمة الاقتصادية، وبعدها أتت كارثة (كورونا)، واليوم مع الحرب وجد عديد من الناس أنفسهم من دون أي مال أو قدرة على الانتقال من مكان لآخر». يضيف أنه يعتقد أن كثيراً من كبار السن كانوا سيغادرون المدينة لو توفر لهم ذلك، وأن عديداً أيضاً من الشبان كانوا سيأتون من أماكن أخرى ليتطوعوا هنا، لو سمحت لهم ظروفهم الاقتصادية.
فلاد الذي أنشأ مع 25 من رفاقه مجموعة خاصة تتلقى المساعدات وتوزعها على الأماكن الأكثر سخونة في شرق وشمال خاركيف، كان يعمل في هندسة الصوت والإضاءة للاحتفالات قبل وباء «كورونا»، ثم أنشأ شركة للتعقيم في ظل جائحة «كورونا»، ومع بداية الحرب خسر كل شيء، وبات وعائلته يعيشون في مكتب شركته بعد تعرض الحي السكني حيث كانوا يعيشون للقصف.
يعرّف فلاد بيفغيني (32 عاماً) الضابط في الإطفاء الذي يشترط عدم التقاط الصور أو الفيديو أو تحديد مكان اللقاء، قائلاً: «في المكان توجد عائلات مدنية، ونحن أصبحنا هدفاً للجيش الروسي».
تحول أحد مراكز الإطفاء المستحدثة إلى مركز للنزوح أيضاً، يضم اليوم 50 طفلاً مع أهاليهم، إضافة إلى كبار السن وبعض ذوي الاحتياجات الخاصة وعناصر الإطفاء. «تحولنا إلى عناصر مساعدة بكل شيء، أحيانا نحاول تأمين أماكن نزول الصواريخ غير المنفجرة، حتى لو كانت مجرد بقايا. مهمتنا اليوم منع أي كان من الاقتراب من هذه البقايا أو الصواريخ، بانتظار أن تأتي قوة مختصة من الجيش لإزالتها»، كما يوضح يفغيني وهو يقف أمام المركز المستحدث.
لا يملك يفغيني رقماً دقيقاً للإصابات المدنية: «هذه من مهمات الشرطة، ولكن نعلم أن عدد الضحايا الذين قتلوا هنا منذ أول يوم للمعارك إلى الآن يفوق 300 إنسان. قد يكون الرقم أكبر لأن هناك مناطق طلبت النجدة ولم نتمكن من الوصول إليها، إذ إن القوات الروسية تقطع الطرق علينا».
يتحدث الضابط في الإطفاء عن إزالة بعض بقايا الجثث دون معرفة أصحابها، كما يشير إلى أناس لا يزالون تحت الأنقاض في بعض المناطق، ويوضح أن هناك ما لا يقل عن 60 طلباً للمساعدة كل يوم، ما بين إطفاء حرائق أو إزالة ركام من أماكن مدمرة. «لم نعد نعمل في كل دائرة خاركيف، لقد قلّصت القوات الروسية من نطاق عملنا بعد سيطرتها على طرق رئيسية، ولكن في دائرة عملنا فإن عددنا لا يكفي لتلبية كل الاتصالات».
تتعمق مشكلة خاركيف يوماً بعد يوم، وبينما يسعى لتركها من يقدر على ذلك، فإن هناك فئات لن تتمكن من الرحيل مهما اشتد القصف الروسي. هؤلاء سيدفعون، على الأرجح، ثمن البقاء غالياً مع الوقت، إذا ما واصل الروس قصفهم العنيف أو حاولوا من جديد اقتحام هذه المدينة الأوكرانية.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟