قصف روسي عنيف يزيد من معاناة خاركيف

المساعدات الإنسانية ضئيلة وتصل ببطء وأحياناً متأخرة

لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)
لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)
TT

قصف روسي عنيف يزيد من معاناة خاركيف

لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)
لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)

ليلة جديدة من القصف المكثف شهدتها مدينة خاركيف الأوكرانية. هي الليلة الثانية على التوالي التي تتعرض فيها المدينة لمثل هذا القصف العنيف الذي استخدمت فيه القوات الروسية صواريخ متوسطة المدى وراجمات الصواريخ والمدفعية الأرضية. وكما جرت العادة، ردت القوات الأوكرانية بالمثل على القصف الروسي.
ويبدو واضحاً مما يحصل على الأرض أن هذا القصف هدفه تفريغ المناطق من سكانها ودفعهم للمغادرة نحو الجنوب، وتعميق أزمة النزوح واللجوء، ووضع الحكومة الأوكرانية أمام معضلة أكبر من معضلة الحرب ذاتها، بإغراقها والدول الغربية معاً بأمواج من النازحين واللاجئين. وثمة من يرجّح أن يستمر ذلك طويلاً حتى الوصول إلى حل سياسي أو نهاية عسكرية للحرب.
في النقاط المدنية الأخيرة قبل الوصول إلى مستديرة شارع سومسكا الذي يصل الأراضي الروسية بمدينة سوما، في أقصى شمال مدينة خاركيف، لا تزال آثار المعارك التي شهدتها الأيام الأولى للحرب ماثلة. فرغم إزالة الدبابات الروسية المحترقة والمدمرة فإن إسفلت الشوارع يشهد على شراسة الاشتباكات.
وفي المنطقة نفسها، لا تزال المنازل تتعرض للقصف كل يوم؛ إذ تأتي القذائف من الشمال والشرق؛ حيث تتمركز الآن القوات الروسية على مسافة بضعة كيلومترات فقط.
كانت خاركيف تضم حوالي مليونين من السكان، بمن في ذلك الطلاب، واليوم يعيش فيها حوالي نصف مليون إنسان فقط. الأغلبية نزحت، والباقون ينقسمون بين من أراد البقاء للقتال أو تقديم المساعدة، ومن لم يتمكن من الخروج لأسباب مالية. ورغم كل التقديمات التي توفرها الحكومة للسكان، فإن الأوضاع المعيشية لا تزال تمنع كثيرين من المغادرة. كبار السن لم يجدوا طريقة للخروج، أو أن أوضاعهم الصحية لا تساعدهم. الفقراء الذين كانوا يعانون من الأزمة المالية قبل الحرب وجدوا أنفسهم الآن بلا أي معين؛ بقوا في أماكنهم. ومن تدمرت منازلهم لجأوا إلى دور عبادة قريبة، أو حتى إلى مراكز لرجال الإطفاء.
المساعدات الإنسانية لا تكفي هنا، فهي أولاً تصل ببطء، وأحياناً متأخرة بفعل تعقيدات الانتقال من مدينة إلى أخرى في ظل التقدم الروسي. وثانياً، هناك إشكالية توزع السكان في المدينة؛ حيث لا يزال عديد من الناس في منازلهم في مناطق خطرة، ولا تفضل السلطات الذهاب إليهم لتوزيع المساعدات عليهم؛ لأن ذلك يتسبب في تجمع المدنيين، ويمكن أن يعرضهم للخطر بعد ضرب القوات الروسية متجراً يوزع الخبز منذ أيام. ثالثاً، هناك عدم قدرة من السلطات على الإحاطة بكل متطلبات المناطق المتضررة من الحرب. ورابعاً، هناك مشكلة الفساد الذي تمكن من الحصول على حصته من المساعدات، مما يعني حرمان جزء من السكان من حصصهم.
في مأوى للعجائز، تقول إحدى النساء المسنات ما إن عرفت بقدوم صحافي: «لدينا كل شيء، كل شيء على ما يرام هنا». هذه العبارة تشي بأنها تشير إلى العكس تماماً. فقد جاء الصحافي برفقة فريق تطوعي لإيصال المساعدات للمأوى. وبعد ليلتين متواصلتين من القصف العنيف لا يمكن أن يكون أي شيء على ما يرام.
لاريسا أكثر واقعية. هي تسعينية من أصول إيطالية عاشت كل حياتها في أوكرانيا. كانت معلمة في مدرسة ثم في سجن، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي تقاعدت عن العمل، وهي الآن في غرفتها في المأوى تتابع الأخبار أحياناً، وأغلب الوقت تتحدث مع من يمر بها في الغرفة: «لن أرحل من خاركيف. لقد عشت كل حياتي هنا وسأموت هنا». لاريسا لا تعلم، على الأرجح، أن لا تحضير لعملية إجلاء للعجائز من المأوى، وأن المأوى يعاني من نقص في المواد التموينية، وإن كان القيمون عليه يحاولون ما بوسعهم الحصول من الهيئات التطوعية على ما يكفي حاجة المقيمين، ويعملون على حمايتهم في الدور السفلي. ولكن الخروج من خاركيف ليس متاحاً لهم الآن.
«لن يمروا»، تهتف لاريسا بالإيطالية، ثم تتحدث عن نفسها وعن الفترة التي كانت تمارس فيها التعليم، وترحب بالتقاط صورة لها قبل أن يغادر الفريق التطوعي، وليس دون أن تعيد هتافها الإيطالي الشهير: «لن يمروا».
قريباً من ساحة شوفشينكو توقف الشرطة عربة وتفرغها من حمولتها. تضع الحمولة على الرصيف ويقف رجال الشرطة ليتحدثوا مع السائق. كان الرجل يبيع المنتجات الزراعية المسروقة من الحقول. حالياً أغلب الحقول تعتبر مناطق خطرة، ويتولى أفراد الجيش جمع المحاصيل وتوزيعها مجاناً على المتطوعين لإعطائها للسكان، ولكن هناك دائماً من يحاول التكسب في ظروف مشابهة.

أوضاع استثنائية
رجال الشرطة هنا على درجة من التوتر. يقول عدد من المتطوعين إنهم غير مدربين للحروب والتعامل مع أوضاع استثنائية. في الماضي القريب لم يكن للشرطة أو عناصر الجيش أي نفوذ. اليوم بعد اشتداد الحاجة إليهم والضغط الذي يعيشونه وبقائهم في مدينتهم، أصبحوا أقسى في التعامل مع الناس، وصارت مهماتهم أكبر وأوسع.
يتوزع الدمار الجزئي على مناطق مثل شارع ماتوشينكو أو منطقة سلافيتسكا. هناك، في المنطقة الأخيرة، وفي إحدى دور العبادة، يتجمع حوالي 50 شخصاً في القبو يصلّون وينامون مفترشين الأرض، ويتدثرون بأغطية أتوا بها من منازلهم المدمرة، أو المواجهة للقوات الروسية، ويأتيهم متطوعون بالقليل من الطحين والمواد الأولية للطهي.
في دار العبادة هذه، يستخدم النازحون المطبخ المرتجل، ويعدون طعامهم بأنفسهم. الأغلبية هنا من كبار السن أيضاً، إضافة إلى بعض ذوي الاحتياجات الخاصة. لم يتمكن هؤلاء من مغادرة خاركيف، وبعضهم يقول إن الله سيحميهم من كل شر، وإنهم يفضلون البقاء في المدينة.
يتحدث فلاد (30 عاماً) المتطوع ضمن فريق محلي صغير عن الوضع المالي للنازحين: «لقد استنزفتنا الأزمة الاقتصادية، وبعدها أتت كارثة (كورونا)، واليوم مع الحرب وجد عديد من الناس أنفسهم من دون أي مال أو قدرة على الانتقال من مكان لآخر». يضيف أنه يعتقد أن كثيراً من كبار السن كانوا سيغادرون المدينة لو توفر لهم ذلك، وأن عديداً أيضاً من الشبان كانوا سيأتون من أماكن أخرى ليتطوعوا هنا، لو سمحت لهم ظروفهم الاقتصادية.
فلاد الذي أنشأ مع 25 من رفاقه مجموعة خاصة تتلقى المساعدات وتوزعها على الأماكن الأكثر سخونة في شرق وشمال خاركيف، كان يعمل في هندسة الصوت والإضاءة للاحتفالات قبل وباء «كورونا»، ثم أنشأ شركة للتعقيم في ظل جائحة «كورونا»، ومع بداية الحرب خسر كل شيء، وبات وعائلته يعيشون في مكتب شركته بعد تعرض الحي السكني حيث كانوا يعيشون للقصف.
يعرّف فلاد بيفغيني (32 عاماً) الضابط في الإطفاء الذي يشترط عدم التقاط الصور أو الفيديو أو تحديد مكان اللقاء، قائلاً: «في المكان توجد عائلات مدنية، ونحن أصبحنا هدفاً للجيش الروسي».
تحول أحد مراكز الإطفاء المستحدثة إلى مركز للنزوح أيضاً، يضم اليوم 50 طفلاً مع أهاليهم، إضافة إلى كبار السن وبعض ذوي الاحتياجات الخاصة وعناصر الإطفاء. «تحولنا إلى عناصر مساعدة بكل شيء، أحيانا نحاول تأمين أماكن نزول الصواريخ غير المنفجرة، حتى لو كانت مجرد بقايا. مهمتنا اليوم منع أي كان من الاقتراب من هذه البقايا أو الصواريخ، بانتظار أن تأتي قوة مختصة من الجيش لإزالتها»، كما يوضح يفغيني وهو يقف أمام المركز المستحدث.
لا يملك يفغيني رقماً دقيقاً للإصابات المدنية: «هذه من مهمات الشرطة، ولكن نعلم أن عدد الضحايا الذين قتلوا هنا منذ أول يوم للمعارك إلى الآن يفوق 300 إنسان. قد يكون الرقم أكبر لأن هناك مناطق طلبت النجدة ولم نتمكن من الوصول إليها، إذ إن القوات الروسية تقطع الطرق علينا».
يتحدث الضابط في الإطفاء عن إزالة بعض بقايا الجثث دون معرفة أصحابها، كما يشير إلى أناس لا يزالون تحت الأنقاض في بعض المناطق، ويوضح أن هناك ما لا يقل عن 60 طلباً للمساعدة كل يوم، ما بين إطفاء حرائق أو إزالة ركام من أماكن مدمرة. «لم نعد نعمل في كل دائرة خاركيف، لقد قلّصت القوات الروسية من نطاق عملنا بعد سيطرتها على طرق رئيسية، ولكن في دائرة عملنا فإن عددنا لا يكفي لتلبية كل الاتصالات».
تتعمق مشكلة خاركيف يوماً بعد يوم، وبينما يسعى لتركها من يقدر على ذلك، فإن هناك فئات لن تتمكن من الرحيل مهما اشتد القصف الروسي. هؤلاء سيدفعون، على الأرجح، ثمن البقاء غالياً مع الوقت، إذا ما واصل الروس قصفهم العنيف أو حاولوا من جديد اقتحام هذه المدينة الأوكرانية.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».