«لعنة الجغرافيا» تحول ماريوبول إلى مدينة الموت والأشباح (صور)

القنصل اليوناني يروي أنه رأى أطرافاً بشرية منتشرة في المدينة

زجاج مستشفى تعرض للقصف بمدينة ماريوبول الأوكرانية (أ.ب)
زجاج مستشفى تعرض للقصف بمدينة ماريوبول الأوكرانية (أ.ب)
TT

«لعنة الجغرافيا» تحول ماريوبول إلى مدينة الموت والأشباح (صور)

زجاج مستشفى تعرض للقصف بمدينة ماريوبول الأوكرانية (أ.ب)
زجاج مستشفى تعرض للقصف بمدينة ماريوبول الأوكرانية (أ.ب)

في 2 مارس (آذار) الحالي، أصيب الطفل إيليا بجروح خطيرة جراء قنبلة مزقت ساقه، بينما كان يلعب كرة القدم مع أقرانه خارج المدرسة بمدينة ماريوبول الأوكرانية. وكانت الظروف ضده؛ إذ انقطعت الكهرباء وشبكات الجوال، وتعثر إنقاذ إيليا، لينزل والده، سيرهي، إلى الأرض ليحتضن ابنه للمرة الأخيرة.
إيليا لم يكن الوحيد الذي لم يتمكن أي مسعف من إنقاذه، مع تدمير البنية التحتية لمدينة ماريوبول؛ إذ كان الطفل كيريل، الذي أصيب بشظية في رأسه، بين يدي الأطباء في غرفة الطوارئ وأمه وزوجها يأملون في حدوث الأفضل له، لكن كيريل فارق الحياة، لتسأل أمه، مارينا ياتسكو، وهي تبكي في ردهة المستشفى: «لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟»، حسبما أوردت وكالة «أسوشييتد برس».


مارينا ياتسكو  تركض خلف زوجها فيدور  الذي يحمل ابنها كيريل البالغ من العمر 18 شهرًا والذي أصيب بجروح قاتلة في القصف عند وصولهم إلى مستشفى في ماريوبول (أ.ب)

ويوم وفاة الطفلين، وهما من بين المئات من ضحايا القصف الروسي على ماريوبول، هو نفسه اليوم الذي استقر فيه الظلام للأبد في المدينة؛ إذ قُطع التلفزيون والراديو الأوكراني، وأصبحت أجهزة استيريو السيارات هي الرابط الوحيد مع العالم الخارجي، لتبث الأخبار الروسية عالماً بعيدا عن الواقع في ماريوبول.
ومنذ بداية الغزو الروسي على أوكرانيا، تواجه مدينة ماريوبول حصاراً جعلها مرمى الغارات الجوية والقذائف التي تسقط بلا هوادة، لتصبح المدينة الواقعة في الجزء الجنوبي الشرقي لأوكرانيا رمزاً لـ«لعنة الجغرافيا» التي وضعتها بشكل مباشر في طريق الهيمنة الروسية على أوكرانيا.
تُعدّ مدينة ماريوبول الساحلية الجنوبية هدفاً رئيسياً في الحرب التي يخوضها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا. وهي تؤمن تواصلاً بين القوات الروسية في شبه جزيرة القرم، في الجنوب الغربي، والأراضي التي تسيطر عليها روسيا في الشمال والشرق.


صورة بالأقمار الصناعية لمباني محترقة جراء ضربات روسية في ماريوبول (أ.ب)

وتتعرض المدينة، التي يغلب على سكانها الناطقون بالروسية، لقصف عنيف من القوات الروسية منذ بدء الغزو في 24 فبراير (شباط) الماضي. ووفقاً للإدارة العسكرية لمنطقة دونيتسك، أصبحت ماريوبول «مدينة أشباح».

* أهمية تاريخية

تقع ماريوبول في إقليم دونيتسك، وتأتي أهمية المدينة من موقعها الجغرافي، فهي أكبر ميناء على بحر آزوف، المتصل بالبحر الأسود عبر مضيق كيرتش، وماريوبول عاشر مدينة أوكرانية من حيث الكبر والثانية في أوبلاست دونيتسك.
ويبلغ عدد سكان ماريوبول نحو نصف مليون نسمة، أغلبهم يتحدث اللغة الروسية، إلى جانب الأوكرانيين واليونانيين والبيلاروسيين والأرمن واليهود... وغيرهم.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1497211027028647937
ويعود اسم مدينة ماريوبول إلى ماريا فيودوروفنا قرينة الأمير الأكبر بافل بيتروفيتش. وكلمة «بول» تعني «المدينة» باللغة اليونانية، وجاء وجود عنصر «يوناني» في تسمية المدينة إلى حد ما، نوعاً من التكريم للدور الذي قام به في تأسيسها المهاجرون اليونانيون الأرثوذكس.
وشهدت المدينة إنشاء ميناء بحري وسكة حديد ربطتها بالمناطق الرئيسية في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر، كما بدأ تحول ماريوبول إلى مركز مهم للصناعات المعدنية، إضافة إلى تطور المدينة بوصفها مركزاً ثقافياً مع تأسيس مسرح فيها عام 1887.

عناصر من كتيبة آزوف تجري تدريبات على المدفعية في ماريوبول عام 2015 (رويترز)

وكانت ماريوبول إحدى ساحات المواجهة بين المعارضة الأوكرانية والسلطة إبان أحداث «ميدان الاستقلال» في البلاد عام 2014. وفي أبريل (نيسان) من العام نفسه، أصبحت ماريوبول جزءاً من إقليم دونيتسك قبل أن تستعيدها السلطات الأوكرانية في يونيو (حزيران) من العام ذاته، نتيجة عملية هجومية خاضتها قوات الجيش الأوكراني وأفراد كتيبة «آزوف» المشكلة من القوميين الأوكرانيين المتطرفين. وأصبحت منذ ذلك الوقت مدينة ماريوبول مركزاً عسكرياً وسياسياً مهماً للسلطات الأوكرانية.
وعدّت وكالة «أسوشييتد برس» أن «الجغرافيا» التي عملت لفترة طويلة لصالح ماريوبول انقلبت ضدها؛ إذ إن الاستيلاء على ماريوبول من شأنه أن يمنح الروس أرضاً واضحة الممر على طول الطريق، والسيطرة على بحر آزوف.

* مدينة ترفض الاستسلام

ورفضت أوكرانيا ليل الأحد - الاثنين إنذاراً أخيراً وجهته لها روسيا من أجل استسلام مدينة ماريوبول المحاصرة؛ إذ دعت وزارة الدفاع الروسية أوكرانيا إلى «إلقاء أسلحتها»، وطالبت «برد مكتوب» على إنذارها هذا قبل الساعة الخامسة من صباح الاثنين، من أجل حماية السكان والبنية التحتية لمدينة ماريوبول.
وقال ميخائيل ميزينتسيف، مدير «المركز الوطني الروسي لإدارة الدفاع»، في رسالة وزعتها وزارة الدفاع الروسية: «نطلب من السلطات الرسمية في كييف أن تكون منطقية وأن تُلغي التعليمات المعطاة سابقاً والتي ألزمت الناشطين بالتضحية بأنفسهم وبأن يُصبحوا (شهداء ماريوبول)».


امرأة تمر عبر الأنقاض في أعقاب القصف الروسي في ماريوبول (أ.ب)

ووفقاً لميزينتسيف، اتفقت روسيا وأوكرانيا على تأمين مسار يسمح لسكان ماريوبول بالوصول إلى الأراضي التي تُسيطر عليها كييف في 21 مارس (آذار) الحالي. وقال: «بدءاً من الساعة الـ10 صباحاً بتوقيت موسكو (...) تفتح روسيا ممرات إنسانية من ماريوبول نحو الشرق، وبالاتفاق مع الجانب الأوكراني، نحو الغرب».
من جانبه، شبه القنصل اليوناني العام في ماريوبول مانوليس أندرولاكيس الذي نظم عمليات إجلاء عدة لمواطنين يونانيين، هذه المدينة الأوكرانية بغيرنيكا وحلب، وقال لصحافيين في المطار: «ماريوبول ستكون على لائحة مدن العالم التي دمرت بالكامل بسبب الحرب، مثل غيرنيكا وستالينغراد وغروزني وحلب...».
وقال أندرولاكيس: «حاولنا إنقاذ أكبر عدد ممكن من المغتربين»، مضيفاً أن «الأبطال هم الأشخاص الذين بقوا هناك وسيحاولون بدء حياتهم من الصفر». وروى أندرولاكيس: «في الوقت الراهن، يتعرض المدنيون للقصف بشكل أعمى»، مشيراً إلى أنه رأى أطرافاً بشرية منتشرة في المدينة.

* بنية تحتية مدمرة

أصابت الضربات الجوية والقذائف الروسية في مدينة ماريوبول مستشفى الولادة، وإدارة الإطفاء، والمنازل، والكنيسة، وحقلاً خارج مدرسة. وكانت أوكرانيا قد اتهمت روسيا بقصف مسرح في المدينة الأربعاء الماضي حيث لجأ مئات السكان. وليس هناك أي حصيلة حتى الآن.
https://www.youtube.com/watch?v=IhrP4pPDvMg
وذهبت نداءات عدة لممرات إنسانية لإجلاء المدنيين أدراج الرياح، حتى قال المسؤولون الأوكرانيون إن «نحو 4 آلاف سيارة ركاب تقل مدنيين قد فرت من ماريوبول في قافلة، بالنسبة إلى مئات الآلاف الذين بقوا؛ لا يوجد مكان يذهبون إليه».
وروت عائلات أن الجثث تركت في الشوارع أياماً، فيما أمضوا ليالي في البرد القارس في أقبية جائعين وعطشى. وذكر تقرير أن العشرات من الجثث كُدّست في مقابر جماعية بضواحي المدينة، وأن العشرات من الضحايا يغطَّون بملاءات أسرّة أو بحجارة. ويقول فولوديمير بيكوفسكي وهو يسحب أكياس الجثث السوداء المجعدة من شاحنة: «الشيء الوحيد (الذي أريده) هو الانتهاء من هذا»، وتابع غاضباً: «اللعنة عليهم جميعاً، هؤلاء الأشخاص الذين بدأوا هذا!».

يتم وضع الجثث في مقبرة جماعية على مشارف ماريوبول بأوكرانيا (أ.ب)

وذكرت «أسوشييتد برس» أن «الطرق المحيطة بالمدينة ملغومة والميناء مسدود، والغذاء ينفد، والروس أوقفوا المحاولات الإنسانية لإدخاله. انقطعت الكهرباء في الغالب، والمياه شحيحة، ويضطر السكان لإذابة الثلج لشربه. حتى إن بعض الآباء تركوا أطفالهم حديثي الولادة في المستشفى، ربما على أمل منحهم فرصة للعيش في مكان واحد به كهرباء ومياه مناسبة».
ويضطر السكان إلى حرق قطع من الأثاث لتدفئة أيديهم في البرد القارس ولطهي القليل من الطعام المتبقي.
وقال بافلو كيريلينكو، حاكم منطقة دونيتسك: «حالياً؛ أكثر من 80 في المائة من البنية التحتية للمدينة تضررت أو دمرت. ومن أصل نسبة الـ80 في المائة، هناك نحو 40 في المائة غير قابلة للإنقاذ»، فيما وصفت الأمم المتحدة الوضع الإنساني في المدينة بأنه «خطير جداً»، قائلة إن السكان «يواجهون نقصاً خطيراً في الغذاء والماء والأدوية يهدد حياتهم».
وذكرت «أسوشييتد برس»؛ التي لديها صحافيان لا يزالان موجودَين على الأرض في ماريوبول: «الموت في كل مكان. أحصى المسؤولون المحليون أكثر من 2500 حالة وفاة في الحصار، لكن لا يمكن إحصاء العديد من الجثث بسبب القصف المستمر. لقد طلبوا من العائلات ترك موتاهم بالخارج في الشوارع؛ لأنه من الخطورة جداً عقد الجنازات»، والعديد من الوفيات التي وثقتها «أسوشييتد برس» كانت لأطفال وأمهات، رغم مزاعم روسيا بأن المدنيين لم يتعرضوا للهجوم.

أطباء وممرضات خلال عملية ولادة تمت في قبو بمستشفى تم تحويله إلى جناح طبي واستخدامه كمأوى ضد القنابل في ماريوبول (أ.ب)

وندد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس (الأحد)، بالقصف الروسي لمدرسة في ماريوبول تؤوي مئات الأشخاص، واصفاً إياه بأنه «عمل إرهابي» وأبدى استعداده للتفاوض مع الرئيس بوتين لوقف الحرب، لكن موسكو واصلت ضرباتها التدميرية وأعلنت استخدامها للمرة الثانية في أوكرانيا صاروخاً «فَرْطَ صوتي».



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.