صحافة الـ«لايف ستايل»... الرابح الأبرز في عصر «كوفيد ـ 19»

متخصصون ربطوا رواجها بتداعيات متحورات الجائحة

«أيقونة»
«أيقونة»
TT

صحافة الـ«لايف ستايل»... الرابح الأبرز في عصر «كوفيد ـ 19»

«أيقونة»
«أيقونة»

برزت صحافة «اللايف ستايل» (أو الأنماط الحياتية) بشكل كبير خلال جائحة فيروس «كوفيد - 19» وتداعيات المتحوّرات الجديدة، وكانت الرابح الأبرز في اختبار الجائحة.
ولقد ثارت تساؤلات عديدة حول صحافة «اللايف ستايل» إبان الجائحة، ومستقبلها بعد الجائحة. وذكر خبراء ومتخصصون أن هذا النوع من الصحافة كان الأبرز خلال فترات التفشي الفيروسي وإجراءات التقييد والإغلاق. وبينما عجزت بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عن رصد معلومات دقيقة عن طبيعة الفيروس وتفشي الجائحة، نجح محتوى «الترفيه والرفاهية» في تهدئة القارئ وتقديم البدائل المُسلية خلال أشهر العزل الأولى، كما بات الرفيق المواكب تداعيات الجائحة وظهور المتحورات.


النقادي

بعض الخبراء والمتخصصين لاحظوا أيضاً أن صحافة اللايف ستايل وفّرت مساحات كافية لعرض إجابات لأسئلة مهمة تتعلق بكيفية ممارسة الحياة تحت تهديد الفيروس، وأسهمت في الإجابة عن السؤال الأهم حينذاك ألا وهو: كيف نعيش؟ ومن هؤلاء الخبراء والمتخصصين من قال إن أقسام اللايف ستايل كانت تحظى بمساحات بارزة في معظم الصحافة؛ بدءاً من توصيات الشراء والتسوق وانتهاء بتداول أخبار العلامات التجارية البارزة.
الكاتبة الصحافية سيلفيا النقادي، رئيس التحرير السابق لمجلة «البيت» في مصر، ورئيس تحرير مجلة «أيقونة» الإلكترونية، ترى أن «الجائحة كانت فرصة حقيقية لإعادة نسج محتوى يمس حياة الناس عن قرب». وأضافت خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه مع «ظهور الفيروس، كان من الصعب تغطية أخبار تفشيه صحافياً، فالكل كان في حالة ذعر وكانت كل كلمة محسوبة... إلا أنني أزعم أن صحافة اللايف ستايل كانت مساحات توفر إجابات لأسئلة مهمة تتعلق بكيفية ممارسة الحياة تحت تهديدات الجائحة».


شادلي

وحول الفرصة التي قدمتها الجائحة لصحافة «اللايف ستايل»، شرحت النقادي قائلة: «في بدايات الألفية لم تكن صحافة اللايف ستايل تشغل مساحات بارزة في الصحف... ولكن وقتها قدّمت فكرة مجلة (البيت)، وتحمّس لها القائمون على مؤسسة الأهرام الرسمية في مصر، لقد كان الهدف تقديم محتوى يضم مناحي الحياة، فيعكس جمالها، ويوفر حلولاً لأزماتها». وأردفت: «كانت المجلة مساحة يجتمع على صفحاتها الأثرياء والعامة، وركزت مع فريق العمل على مدار أكثر من 14 سنة، على تقديم الجمال والذوق وتبسيط الحياة وتفاصيلها القاسية. وهنا أزعم أنه كان تحدياً... وربما مخاطرة أن نقدم هذا النمط، ولكن خلال سنواتها الأولى نجحت المجلة في أن تحتل مكانة خاصة لدى القارئ، وحينئذٍ أيقنت أن الحياة بمفهومها البسيط ستظل منطقة شغف للقارئ، وأنها لن تتوارى وإن تغيرت الأدوات». ثم تابعت: «مع ظهور الصحافة الرقمية، برزت صحافة اللايف ستايل وصعدت إلى قمة اهتمامات القارئ؛ غير أن (كوفيد - 19) أتى بالإجابة الحاسمة، حين أثبت أن القارئ يتوق إلى كل ما يساعده في اجتياز الحياة وصعوباتها».
النقادي ترى أنه يمكن القول إن «صحافة اللايف ستايل أسهمت في الإجابة عن السؤال الأهم وقت ظهور الفيروس، ألا وهو كيف نعيش؟... وكان هذا دافعاً لتحويل مجلة أيقونة من ملحق أسبوعي إلى مجلة رقمية. وبعد نحو سنة بينت المعطيات أن الوقت كان المناسب على الرغم مما كانت تحمله التوقعات من خسائر قد تلحق بجميع الصناعات بسبب الجائحة». وهنا تضيف سيلفيا النقادي موضحة: «في ذروة الجائحة، ووسط أخبار موحشة عن عالم ربما يكون على مشارف النهاية، ذهب القارئ يبحث عن الجمال فوجده في أريكة مريحة أو مكتبة منزلية مسلية، وربما في حاوية زهور تبعث الأمل في الأرجاء... وبينما كانت تمطرنا الصحف يومياً بأخبار قاسية تهدد بقاءنا أحياء، ذهب ملايين البشر باحثين عن هوايات قديمة كانت قد ذابت وسط ديناميكية الحياة. هنا أتت صحافة اللايف ستايل لتشارك القارئ اهتماماته وتجيبه عن الحلول المتاحة... نعم، إبان أزمة (كوفيد - 19) ازداد اهتمام القراء بكل ما هو قديم وذو قيمة، أو ما نطلق عليه اسم (فينتدج)، بل وزادت رغبة القراء في متابعة سوق المنتجات المترفة التي تحوّلت إلى شكل من أشكال الاستدامة».

إعلام ما بعد «كوفيد ـ 19»

على صعيد متصل، ثمة آراء أكاديمية تعزّز النظرية نفسها التي تنص على أن الصناعة التي تولي البشر اهتماماً يمكن أن تجتاز أي أزمة، بل وتصنع فرصتها. وهنا يشير الدكتور لخضر شادلي، أستاذ الإعلام الجديد والرقمي في الجامعة الكندية بدبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «إعلام ما بعد (كوفيد - 19) شهد أنماطاً جديدة في المضمون الإعلامي، وابتكار أدوات وحلول جديدة من خلال تطوير الوسيلة الإعلامية للوصول إلى الجمهور المستهدف. كذلك عكف صنّاع الإعلام على صناعة أدوار ومسؤوليات جديدة لوسائل الإعلام، فضلاً عن تنمية مهارات القائم بالاتصال وصناع المحتوى بصورة كبيرة». وأضاف شادلي أن «الأنماط السابقة ذات صلة بعضها ببعض، وبدأ الحراك بزيادة استهلاك البيانات، مع وجود عدد كبير من المستهلكين عالقين في المنزل... وأدت الزيادة في المحتوى الذي جرى تنزيله وبثه إلى إبلاغ بعض مزودي خدمة الإنترنت عن زيادة بنسبة 60 في المائة في استخدام المعطيات (البيانات) في السنة الأولى من انتشار الجائحة. كذلك، من المتوقع أن تواصل اتصالات الهواتف الذكية نموها العالمي، فقد ازداد عدد المستهلكين الذين استثمروا في اتصالات الإنترنت ذات (النطاق العريض الثابت) خلال العام ليصل الإجمالي إلى 1.1 مليار أسرة، وتمثل توقعات استهلاك البيانات المجمعة نمواً هائلاً بنسبة 26.9 في المائة سنوياً».
شادلي أشار إلى أن «هذا النمو في علاقة المستهلك بالإنترنت عكس احتياجه لمزيد من محتوى يؤنسه ويُعينه على اجتياز الأزمة... فعندما سمعت لأول مرة عن مصطلح دعم الصحة العقلية للجمهور المستهدف، ظننت أن هذا دور فقط للطبيب النفسي أو مراكز الرعاية الاجتماعية. لكن أن يكون هذا أحد الأدوار الرئيسية لوسائل الإعلام في حقبة إعلام ما بعد (كوفيد - 19)، فهذا أمر بالغ الأهمية حقاً». ثم يتابع: «يتدخل الناشرون ومُلاك وسائل الإعلام أيضاً للعب دور كبير في دعم الصحة العقلية للجمهور المستهدف... فعلى الصعيد العالمي أدى التباعد الاجتماعي والعزلة إلى زيادة القلق لدى ملايين الأشخاص، ما أثر سلباً على صحتهم ورفاهيتهم بشكل عام. وستشهد حقبة إعلام ما بعد (كوفيد - 19) زيادة الاستثمار في تكنولوجيا الإعلام، وخلق التقنيات الجديدة، ما سيزيد من تصنيع أدوات جديدة تسهل الوصول إلى الجمهور المستهدف، بكفاءة وجودة في المحتوى على مدار الساعة».
وقمة منظور آخر يفسر صعود صحافة «اللايف ستايل» خلال الجائحة يطرحه شادلي: «هو الميل إلى صناعة الترف والرفاهية، التي تحظى بمساحات بارزة في صحافة اللايف ستايل، بداية من توصيات الشراء إلى تداول أخبار العلامات البارزة».

الصحف في مواكبة الجائحة

في هذه الأثناء، تقول الخبيرة التونسية الدكتورة نهى بلعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن «بروز المحتوى الخاص بحياتنا اليومية بمعناها البسيط يعود إلى محاولات الإعلام للمواكبة... والواجب أن يواكب الإعلام واقعنا. لقد شهدنا خلال فترة الحجر الصحي اهتمام كثير منا بهذه المواضيع، ثم استمرارية أو ديمومة أي وسيلة إعلامية تجبرنا على أن نلبي رغبة الجمهور، ولذا كان لا بد من تجاوز المحتوى الكلاسيكي وخلق محتوى يتماشى مع متطلبات الجمهور».
وتابعت بلعيد - المتخصصة في الإعلام والاتصال الرقمي، ومؤسس منصة «ماذا يحدث»، وأستاذ الإعلام بالجامعة المركزية في تونس: «بعض المؤسسات في عالمنا العربي استغلت هذه الفرصة وسعت إلى التجديد على مستوى المحتوى، فأسست لمحتوى يتماشى مع احتياجات الجمهور، معتمدة في الوقت نفسه التكنولوجيا الحديثة، ولعل استمرار كثير من المؤسسات هو دليل على نجاحها في تجاوز الأزمة».
في السياق نفسه، عن رواج «صناعة الرفاهية» كرد فعل عكسي للجائحة لعب دوراً بارزاً في تعزيز مكانة هذا النوع من الصحافة أو صناعة المحتوى، ترى بلعيد: «مع أن هذا السلوك بارز في المجتمع منذ زمن؛ ربما لم تكن منتجات الترف والرفاهية في متناول الجميع كما هي عليه الحال اليوم، ولأن على الإعلام أن يكون في خدمة المجتمع، برز هذا النوع من الصحافة تماشياً مع تطور المجتمع».

«تيك توك» وطريق لـ«اللايف ستايل»

على صعيد آخر، حسب مراقبين، فإن تطبيق «تيك توك» قد تقدم على المواقع العالمية، وكانت أكثر زيارات عليه خلال عام 2021. ومن جانبه، يرى شادلي أنه «من المتوقع أن يتربع تيك توك على عرش مواقع التواصل في السنوات القليلة المقبلة... فالتطبيق الصيني الذي انطلق عام 2016 تفوق على عمالقة الإنترنت، إذ تجاوزت أعداد زيارة تيك توك زيارات موقع غوغل في فبراير (شباط) عام 2021 للمرة الأولى، وتكرر الأمر في شهري مارس (آذار) ومايو (أيار) من العام نفسه، وأصبح الأول في أغسطس (آب) الماضي. وليس هذا فحسب، بل جدير بالذكر أن قائمة المواقع العشرة الأكثر زيارة خلال عام 2021 جاءت وفق الترتيب التالي: تيك توك، غوغل، فيسبوك، إنستغرام، أبل، أمازون، نتفليكس، يوتيوب، تويتر، واتساب». ويضيف أن «هذا الترتيب له دلالة واضحة على اهتمامات القراء والمستخدمين، ويجب أن تؤخذ بعين الاعتبار من قبل صناع المحتوى لتلبية احتياجات الجمهور، ومن ثم تعويض الخسائر».
وحول تأثير تطبيق «تيك توك» على صحافة «اللايف ستايل»، تشرح بلعيد قائلة: «أصبح اليوم تيك توك في خدمة الصحافة بصفة عامة، وليس فقط اللايف ستايل، فـ(تيك توك) وسيلة للترويج للمحتوى الإعلامي في عصر اندماج وسائل الإعلام. وبفضل هذا التطبيق نضمن نجاح المؤسسة الإعلامية وليس العكس... كذلك صار تطور الصحافة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمنصات التواصل الاجتماعي، وعلى وسائل الإعلام أن تسجل حضورها بهذه المنصات الإلكترونية للمحافظة على جمهورها».


مقالات ذات صلة

قانون جديد لتنظيم الإعلام الكويتي يمدُّ سلطته على منصات التواصل وصناعة المحتوى

الخليج يشمل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الإعلام الرقمي ومنصات التواصل والمعلنين ووكالات الأنباء والمراسلين وشركات الإنتاج والسينما والحفلات والإعلانات (كونا)

قانون جديد لتنظيم الإعلام الكويتي يمدُّ سلطته على منصات التواصل وصناعة المحتوى

يمثل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الجديد إعادة صياغة شاملة للمنظومة الإعلامية؛ حيث يوحِّد في تشريع واحد تنظيم الصحافة والمطبوعات والإعلام المرئي والمسموع.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
تحليل إخباري زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

تحليل إخباري التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

في زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي.

أنطوان الحاج
يوميات الشرق فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»

«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

يطلق رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» الزميل فيصل عباس بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»، يستضيف في حلقته الأولى الأمير تركي الفيصل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أميركا اللاتينية صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ومرشح المعارضة فلافيو بولسونارو (أ.ف.ب)

لولا وبولسونارو يرفضان مناظرة تلفزيونية قبل انتخابات الرئاسة البرازيلية

أُلغيت مناظرة رئاسية في البرازيل بعد رفض المرشحَين لولا وفلافيو بولسونارو المشاركة، قبل أيام من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
يوميات الشرق منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)

تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز الخميس، منع ظهور كل من ريهام سعيد وياسمين الخطيب لمدة شهرين.

داليا ماهر (القاهرة)

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم


المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أثار إطلاق «ميتا» وكيلها الذكي «ميوز» مخاوف لدى المواقع الإخبارية بعدما بات وسيطاً جديداً يقف بين الناشرين والمستخدمين. وعدّ خبراء هذا التطور «تحدياً قد يعيد رسم خريطة التوزيع الرقمي، ويدفع المواقع إلى إعادة النظر في شروط إتاحة محتواها».

«ميتا» أطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي «ميوز»، بوصفه «وكيل ذكاء اصطناعي شخصياً لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع فتح المتصفح وملء الاستمارات والتفاوض نيابة عن المستخدم، كما يواصل العمل حتى بعد إغلاق التطبيق».

ووفق ما أوردت وكالة «رويترز» أخيراً «بلغ عدد مرات تنزيل التطبيق نحو 3 ملايين خلال أول أسبوعين من إتاحته». وأفاد موقع «تك كرانش» بأن «ميوز» تجاوز في مراحله الأولى ما حققه «تشات جي بي تي» من تنزيلات ومستخدمين نشطين يومياً في المرحلة نفسها. ودفع هذا الإقبال الشركة إلى دعوة المستخدمين للتقدم بطلبات وصول مبكر إلى مزايا متقدمة مرتقبة.

غير أن الأسابيع الأولى لـ«ميوز» كشفت أن السؤال الأهم ليس ما يستطيع الوكيل فعله، بل من يقرر السماح له بالوقوف وسيطاً بين الشركات وعملائها. إذ بينما فتحت «شوبيفاي» متاجرها أمامه، حجبته «أمازون» عن التصفح والشراء على موقعها.

وتشير «وثائق السلامة الخاصة» بـ«ميتا» إلى أن نشاط «ميوز» حين يتصفح الإنترنت «سيظهر بوصفه نشاطاً للمستخدم نفسه». في المقابل تشترط «أمازون» أن «يُعرف الوكلاء عن أنفسهم في كل طلب يُرسل عبر الويب».

ولا تقتصر تداعيات هذا الانقسام على التجارة الإلكترونية، إذ يرى تحليل نشرته مجلة «فوربس» نهاية الشهر الماضي أن «الناشرين الذين يعتمدون على منصات التكنولوجيا في التوزيع، يواجهون الآن وسيطاً إضافياً». فـ«الوكيل الذكي بإمكانه قراءة تقارير الناشر من دون أن يُسجل زيارة واحدة للصفحة».

رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بالإمارات محمد مالك أبلغ «الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «وضع المسألة باعتبارها خياراً ثنائياً: نسمح للوكيل أو نحجبه، ليس النموذج الذي ستستقر عليه الصناعة، لأن لكل خيار تكلفة واضحة».

وأوضح أنه «إذا فتحت المؤسسة محتواها بالكامل، فقد تستفيد من الظهور داخل إجابات الوكيل، لكنها تخاطر بأن يحصل المستخدم على القيمة التي يريدها من دون الوصول إلى الموقع الأصلي. وإذا حجبت الوكلاء بالكامل، فهي تحافظ نظرياً على السيطرة على محتواها، لكنها تخاطر بأن تصبح أقل حضوراً أمام شريحة من الجمهور تعتمد بصورة متزايدة على هذه الأدوات».

مالك عدّ ما قامت به «أمازون» مثالاً على أن «المؤسسات الكبرى بدأت بالفعل تتعامل مع الوكلاء باعتبارهم وسطاء يمكن قبولهم أو رفضهم وفق مصالحها». ولفت إلى أن «الطريق الثالث الأكثر واقعية، هو الانتقال من الوصول المجاني وغير المشروط إلى الوصول المنظم والقابل للترخيص والقياس». ثم أشار إلى «بوادر عملية لهذا النموذج، إذ عقدت مؤسسات إعلامية صفقات ترخيص مع شركات ذكاء اصطناعي، بينما لجأت أخرى إلى القضاء أو تقييد الوصول. كما طورت كلاودفلير (شركة أميركية متخصّصة في خدمات البنية التحتية للإنترنت) نماذج مثل الدفع مقابل الزحف ثم الدفع مقابل الاستخدام بحيث يتحكم الناشر في وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى ويطلب مقابلاً مالياً».

من جهة ثانية، أعرب مالك عن اعتقاده أن العلاقة يمكن أن تتطور إلى نموذج أكثر توازناً «يقوم على ثلاثة أمور، الترخيص، والإسناد، وتقاسم القيمة... ما يعني أن يسمح الناشر للوكيل بالوصول إلى قدر معين من المحتوى، مقابل تعويض مالي، وإظهار اسم المؤسسة بوضوح، وتوفير رابط للمادة الأصلية، مع الاحتفاظ بالمحتوى الحصري خلف الاشتراك».

وأوضح أن «المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون بين المؤسسات الإعلامية والذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستكون حول شروط الوساطة الجديدة، من يسمح بالوصول إلى المحتوى؟ وبأي سعر؟ وكيف يُنسب إلى مصدره؟ ومن يحتفظ ببيانات المستخدم؟».

من جانبه، رأى أحمد عبد الله، مستشار التسويق الرقمي والاستراتيجي، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن «التحدي أمام الناشرين لم يعُد في سرعة الوصول إلى المعلومات، إنما المشكلة الحقيقية ستكون في القيمة التي تقدمها المؤسسة نفسها، وما الذي يميز ما تقدمه عن غيرها».

وتوقع من ثم أن «يتحول اهتمام الجمهور من الخبر نفسه إلى تحليله... فالجمهور سيبحث عن التحليل، وعن العمق في التعامل مع الخبر، وعن الزوايا المختلفة في معالجته، هذه هي القيمة التي يمكن أن تقدمها أي مؤسسة إعلامية للقارئ، بعيداً عن المحتوى المنسوخ الذي لا يختلف عما ينتجه الذكاء الاصطناعي». وأضاف عبد الله: «هناك أيضاً التحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الحصرية، والمحتوى الذي لا يمكن إنتاجه بالطرق المعتادة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي». وعن علاقة المؤسسة بجمهورها، شدد عبد الله على أنه «يمكن بناء هذه العلاقة عبر النشرات البريدية والتطبيقات والمجتمعات الرقمية، بدلاً من أن يتمحور كل شيء حول محركات البحث وعدد النقرات ومنصات التواصل الاجتماعي».


جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟