قصف وإغاثة: شبكة قطارات أوكرانيا تنجد المدن المنكوبة

انفجار صاروخ في باحة للعب الأطفال بين المباني السكنية

جانب من الدمار الذي خلّفه صاروخ روسي صباح الجمعة (الشرق الأوسط)
جانب من الدمار الذي خلّفه صاروخ روسي صباح الجمعة (الشرق الأوسط)
TT

قصف وإغاثة: شبكة قطارات أوكرانيا تنجد المدن المنكوبة

جانب من الدمار الذي خلّفه صاروخ روسي صباح الجمعة (الشرق الأوسط)
جانب من الدمار الذي خلّفه صاروخ روسي صباح الجمعة (الشرق الأوسط)

إنها الثامنة والربع صباحاً، يهبط صاروخ روسي جديد على حي سكني في العاصمة الأوكرانية كييف. الليلة الماضية كانت هادئة نسبياً في العاصمة، القليل من أصوات القصف المدفعي على الجبهات وبعض الإنذارات وصافرات الإنذار خشية تحليق الطيران الروسي في الأجواء. السابعة صباحاً ومع رفع حظر التجول صدح النشيد الوطني في ساحة الميدان في وسط العاصمة كعادته كل يوم، ثم بعدها ارتفع صوت الانفجار الكبير الذي ضرب شمال العاصمة في منطقة فيوبرادو.
عشرات الشقق المتضررة، لا شيء إلا مساكن ومدرسة في الحي المستهدف. انفجر الصاروخ في باحة ما بين المباني السكنية، عادة تشكل مساحة للعب الأطفال. آثار الدمار شملت العديد من المباني، لم يتمكن رجال الإسعاف الذين التقيناهم من تحديد عدد الجرحى، ولكنهم أكدوا أنه لم يسقط قتلى بحسب علمهم. أحصوا عشرات المصابين، «خصوصاً عجائز كانوا في منازلهم وأصيبوا بالزجاج المتطاير»، بحسب أحد العاملين الميدانيين.
في التاسعة صباحاً، بدأت عملية تنظيف المكان. وأعطي السكان الذين تعرضت منازلهم لأضرار كبيرة الخيار في الذهاب إلى مراكز إيواء في مدرسة مؤقتاً، على أن يتم تأمين بدل سكني لهم أو إرسالهم خارج العاصمة إن أرادوا الرحيل. وكما هو المشهد دائماً في كييف، أمسك عشرات السكان بالمكانس والمجارف وشرعوا في إزالة الركام والزجاج. أصحاب المحال التجارية راحوا يخلون محالهم ذات الواجهات المهشمة من البضائع، فيما انقطع التيار الكهربائي عن كافة منازل الحي الكبير.

عمدة كييف محاطاً بالصحافيين في موقع الانفجار (الشرق الأوسط)

تصل حافلات نقل عامة صفراء، لصق عليها على عجل أسماء المدارس التي ستتوجه نحوها في عملية الإخلاء. يقف ميخائيل وزوجته وابنته المراهقة أمام إحدى الحافلات. نجا هذا الأوكراني الخمسيني من الانفجار ولكن منزله غير قابل للسكن حالياً. حين تسأله عما يحصل يجيب: «نحن نواجه الوحش الكبير بأيدينا العارية، الأمر غير متكافئ أبداً. هذه نتيجة هذا الصراع». وحين تسأله عما حصل اليوم يبدأ بإخبارك عن الانفجار الضخم الذي هز الحي، والحظ الحسن الذي حجب عن كل أفراد عائلته الإصابة بالصاروخ وشظاياه.
يرفض ميخائيل فكرة مغادرة المدينة: «لقد تأخر الوقت للخروج، لقد قررنا البقاء، لا نريد ترك مدينتنا»، يقول وهو لا يزال تحت وقع الصدمة.
في الصف المنتظر ركوب الحافلة، يقف فيكتور (59) وزوجته وابنته مع كلبها. فيكتور أصيب في يده بجرح بسيط، أما الابنة فتحمل الكلب وتنظر إلى والدها دون توقف. «الذي حصل انفجار شديد، هذا كل ما نعلمه» يقول ثم يخرج هاتفه ليعرض صور دمار منزله: «الآن ليس لدينا مكان. لقد تدمر أغلب المنزل، وهو بحاجة للكثير من الصيانة».
يتلقى ضحايا القصف في كييف المساعدات من المراكز الرسمية أو من جمعيات المتطوعين، ولكن الأهم ربما هو ما يقدمه المتطوعون للمدن الأخرى، فكييف لا تكتفي بجمع المساعدات وتوزيعها لنواحيها وأحيائها والنازحين نحوها، وإنما هي على غرار العديد من المدن الأوكرانية البعيدة نسبياً عن الخطر تجمع أيضاً مساعدات لمدن ومناطق أخرى لا تزال تقاوم الجيش الروسي. تعمل مجموعة متطوعين، تطلق على نفسها اسم «العصابة الجيدة»، على توسيع نشاطها بعد أن أرسل لها المهاجرون الأوكرانيون وبعض الجمعيات الأوروبية مساعدات فاضت عن قدرتها على الفرز والتخزين. وكان قبل تشكل هذه المجموعة، جمعية محلية صغيرة أصبحت اليوم تضم العديد من المتطوعين الذين قرروا البقاء والعمل لمقاومة الجيش الروسي.
في مكان غير بعيد عن ملجأ اتخذته فرقة «العصابة الجيدة» وفي محطة قطارات كييف الرئيسية وفي مبنى أغلق خصيصاً لهم، يتواجد العديد من المتطوعين يعملون على مدار الساعة. هؤلاء ينتمون إلى مشارب مختلفة، استجابوا لمبادرة شبكة قطارات أوكرانيا للعمل في تنظيم وتوزيع المساعدات، ثم مع الوقت غرقوا في جمع وفرز التبرعات العينية. وما أن تدخل مقرهم، حتى ترى أكياساً من مواد مختلفة تنتظر الفرز، وشرطياً مع كلب مدرب على اشتمام المتفجرات يفتشان الصناديق والرزم الواردة إلى المقر، بينما يحرس بعض عناصر الشرطة والجيش باقي مباني محطة القطار.
ألكسندر أندريفيتش (31 عاماً) هو أحد أوائل المتطوعين. حصل هذا الفريق على مساعدة شبكة القطارات، وبات جهازهم اليوم يشمل العشرات من المتطوعين، يأكلون وينامون في المحطة. يقول ألكسندر: «منزلي ليس بعيداً من هنا، ولكن أحياناً أتأخر في العمل لما بعد وقت منع التجول، فأضطر للنوم هنا».
«لقد بدأ الأمر بمساعدات بسيطة. أما اليوم، فتعمل شبكة القطارات على فرز مساعدات للجيش والمدنيين على حد سواء، ونحن نرسل بحسب الطلب إلى المدن التي تحتاج. فإذا كانت مدينة بولتافا تحتاج إلى الملابس، فنحن نتصل بالجمعيات المحلية إضافة إلى مخزوننا الخاص من الملابس، ونجمع كل ما يمكن ونرسله عبر القطار. وإذا احتاجت خاركيف إلى المعدات الطبية، فنقوم بالأمر نفسه». يتابع ألكسندر: «خاركيف بشكل خاص تحتاج إلى العديد من الأمور، خصوصاً الإمدادات الطبية».
أغلب هذه المساعدات تأتي من الخارج، ولكن بالنسبة للطعام والملابس المستعملة فإن التبرعات المحلية تشكل عصباً حيوياً. ويشير ألكسندر إلى بعض الأطعمة المخللة قائلاً: «هذه صناعة منزلية من أوكرانيا، تبرع بها مواطنون وهي تعطي الجسم سعرات حرارية عالية، هي الأعلى فائدة على مستوى المناطق المحاصرة».
وتوضح متطوعة أخرى أن المساعدات تأتي أيضاً من أوروبا، وخصوصاً دولاً مثل بولندا والنمسا وفرنسا، والأخيرة تعمل جمعياتها الأهلية بشكل محموم على تقديم المساعدات. ثم يتحدث ألكسندر عن خطوط سير المساعدات «هي تأتي من كل الأماكن المرتاحة نسبياً، وهناك لا مركزية في العمل؛ حيث تصل خطوط القطار، تصل المساعدات».
لا تزال العاصمة الأوكرانية تعيش فترة انتظار لبدء معركتها، وإن كان العديد من أبناء كييف يعتقدون أن المعركة لن تتجاوز خطوط الاشتباك الحالية. وحده عمدة كييف فيتالي كليتشكو يقف في وسط حشد من الصحافيين وسط الباحة التي تعرضت للقصف الروسي صارخاً: «هذه هي روسيا، وسيفعل الجيش الروسي بكييف مثلما فعل في خاركيف وماريوبول».


مقالات ذات صلة

ترخيص أميركي «مؤقت» يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق في البحر

الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (أ.ب)

ترخيص أميركي «مؤقت» يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق في البحر

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصا مؤقتاً يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق حالياً في البحر لزيادة النطاق العالمي للإمدادات الحالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) p-circle

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس، وأوكرانيا تنتظر موافقة البيت الأبيض على اتفاق لإنتاج المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

تركيا تدعو إلى وقف سريع لحرب إيران قبل «اشتعال المنطقة»

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ضرورة العمل على وقف الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران قبل أن تشعل منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تلقي كلمة أمام مجلس الشيوخ بشأن الصراع في إيران والشرق الأوسط... روما 11 مارس 2026 (أ.ب)

ميلوني تنتقد الحرب على إيران: توجّه خطير للتدخلات خارج القانون الدولي

وصفت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بأنها جزء من توجه متزايد وخطير للتدخلات «خارج نطاق القانون الدولي».

«الشرق الأوسط» (روما)
أورسولا فون دير لاين تُلقي كلمة في البرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورغ بشرق فرنسا 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)

«المفوضية الأوروبية»: العودة إلى الوقود الروسي ستكون خطأ فادحاً

قالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إن أوروبا سترتكب خطأ استراتيجياً فادحاً إذا قررت السعي لكبح ارتفاع أسعار الطاقة بالعودة إلى الوقود الروسي.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ)

«المنظمة البحرية الدولية» تدعو لاجتماع طارئ بشأن مضيق هرمز

زورق تابع لخفر سواحل شرطة سلطنة عُمان خلال دورية بالقرب من مضيق هرمز في مسقط بعُمان 12 مارس 2026 (رويترز)
زورق تابع لخفر سواحل شرطة سلطنة عُمان خلال دورية بالقرب من مضيق هرمز في مسقط بعُمان 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

«المنظمة البحرية الدولية» تدعو لاجتماع طارئ بشأن مضيق هرمز

زورق تابع لخفر سواحل شرطة سلطنة عُمان خلال دورية بالقرب من مضيق هرمز في مسقط بعُمان 12 مارس 2026 (رويترز)
زورق تابع لخفر سواحل شرطة سلطنة عُمان خلال دورية بالقرب من مضيق هرمز في مسقط بعُمان 12 مارس 2026 (رويترز)

أعلنت «المنظمة البحرية الدولية»، الخميس، عقد اجتماع طارئ، الأسبوع المقبل؛ لمناقشة التهديدات التي تُواجه الملاحة في الشرق الأوسط، ولا سيما في مضيق هرمز.

وطلبت ست من الدول الأعضاء الأربعين في «المنظمة»، هي بريطانيا ومصر وفرنسا والمغرب وقطر والإمارات العربية المتحدة، عقد الاجتماع المقرر في مقرها بلندن، يوميْ 18 و19 مارس (آذار).

يأتي ذلك وسط مخاوف من انقطاع إمدادات الطاقة العالمية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعارها بشكل حاد.

وبات مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط يومياً، مغلقاً فعلياً؛ على خلفية التهديدات الإيرانية.

واستهدف هجوم، الخميس، ناقلتيْ نفط قبالة العراق، وأسفر عن مقتل شخص، بينما اندلع حريق في سفينة شحن بعد إصابتها بشظايا.

صورة ملتقَطة في 11 مارس 2026 تُظهر دخاناً يتصاعد من ناقلة تايلاندية تعرضت لهجوم بمضيق هرمز الحيوي (أ.ف.ب)

ودعا المرشد الإيراني الجديد مجتبى، الخميس، إلى «الاستمرار في استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز»، في حين صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن إيقاف «إمبراطورية الشر» الإيرانية أهم من أسعار النفط.

ووسط تصعيدٍ متسارع على عدة جبهات بالشرق الأوسط، أكَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب قدرة الولايات المتحدة على جعل إعادة بناء إيران أمراً «شِبه مستحيل»، مشيراً إلى أن طهران تقترب من نقطة الهزيمة، بينما حدَّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان شروطاً لإنهاء الحرب، داعياً إلى تقديم ضمانات دولية تكفل وقفاً دائماً للهجمات، ودفع تعويضات، مع تأكيد ضرورة الاعتراف بـ«الحقوق المشروعة» لإيران.


روسيا تُندد بتصريحات ترمب حول «السيطرة» على كوبا

صورة نشرتها الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عبر حسابها على «تلغرام»
صورة نشرتها الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عبر حسابها على «تلغرام»
TT

روسيا تُندد بتصريحات ترمب حول «السيطرة» على كوبا

صورة نشرتها الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عبر حسابها على «تلغرام»
صورة نشرتها الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عبر حسابها على «تلغرام»

ندّدت روسيا، اليوم ​الخميس، بما وصفته بأنه ابتزاز وتهديدات من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي قال إن ‌الولايات المتحدة ‌قد ​تبدأ «السيطرة» ‌على كوبا، ​وهي حليفة لموسكو.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن موسكو ستُقدم لكوبا كل ما ‌تستطيع ‌من ​دعم ‌سياسي ودبلوماسي، ودعت ‌إلى إيجاد حل دبلوماسي للتوتر مع واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال ترمب، يوم ‌الاثنين، إن كوبا في «مشكلة عميقة»، وإن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتولى التعامل مع هذا الملف، الذي قد يفضي أو لا يفضي إلى «سيطرة ​ودية».


الحرب الأولى بالذكاء الاصطناعي: ضحايا مدنيون واختبارات غير مسبوقة للتكنولوجيا العسكرية

متطوعون وفرق إنقاذ في موقع الضربة التي أصابت المدرسة في ميناب (رويترز)
متطوعون وفرق إنقاذ في موقع الضربة التي أصابت المدرسة في ميناب (رويترز)
TT

الحرب الأولى بالذكاء الاصطناعي: ضحايا مدنيون واختبارات غير مسبوقة للتكنولوجيا العسكرية

متطوعون وفرق إنقاذ في موقع الضربة التي أصابت المدرسة في ميناب (رويترز)
متطوعون وفرق إنقاذ في موقع الضربة التي أصابت المدرسة في ميناب (رويترز)

تثير العملية العسكرية الأخيرة في إيران، التي أُطلق عليها اسم «الغضب الملحمي»، جدلاً واسعاً حول دور الذكاء الاصطناعي في ساحات القتال، بعد مقتل 110 أطفال وعشرات المدنيين في قصف استهدف مدرسة ابتدائية في ميناب، وسط تساؤلات عن مدى الاعتماد على الأنظمة الآلية في اتخاذ القرارات الحاسمة. وفقاً لصحيفة «التايمز».

خلال أول 24 ساعة من العملية، شنت القوات الأميركية ضربات على أكثر من ألف هدف باستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، بمعدل يقارب 42 هدفاً في الساعة، ما دفع الخبراء إلى التساؤل عما إذا كانت الآلات هي التي تتحكم الآن في مجريات الحرب، فيما يعجز العقل البشري عن مواكبة هذا المستوى من السرعة والدقة.

وأشارت الأدلة المتزايدة إلى أن الضربة على مدرسة «شجرة طيبة» الابتدائية، التي كانت جزءاً من مجمع تابع للحرس الثوري الإيراني، أسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا، رغم أن المدرسة كانت مفصولة عن المجمع بسور منذ تسع سنوات، وتظهر الصور الفضائية جداريات ملونة وساحة لعب صغيرة، ما يطرح احتمال اعتماد الأنظمة الآلية على بيانات قديمة لتحديد الأهداف.

وقالت نواه سيلفيا، محللة أبحاث في معهد الخدمات المتحدة الملكي: «إذا كان قصف المدرسة حدث عن طريق الخطأ، فهل كان خطأ بشرياً أم نتيجة سرعة التشغيل الآلي للنظام؟ هل استند إلى بيانات قديمة؟ أم أن الآلة هي التي نفذت العملية تلقائياً؟ عدد الضربات التي نراها يدعم فكرة أن الأهداف يتم تحديدها بشكل شبه مستقل».

من جهته، أشار الدكتور كريغ جونز، محاضر في الجغرافيا السياسية بجامعة نيوكاسل، إلى أن الذكاء الاصطناعي ربما أخفق في التعرف على المدرسة كمدرسة، واعتبرها هدفاً عسكرياً، مضيفاً أن أي قرار بشري لتنفيذ الضربة استند إلى تحليلات وجمع معلومات ساعد الذكاء الاصطناعي في إنتاجها.

وأضاف: «مهما كانت الحقيقة النهائية، فإن الضربة تمثل فشلاً استخباراتياً كارثياً، سواء كانت مدفوعة بالذكاء الاصطناعي أو نفذت بواسطة البشر بمساعدة مكون آلي».

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر تضرر مدرسة ومبانٍ أخرى في مدينة ميناب الإيرانية جراء القصف الأميركي الإسرائيلي (رويترز)

وأكدت مصادر البنتاغون أن التحقيقات ما زالت جارية حول ما إذا كانت المعلومات المقدمة عن المدرسة قديمة، في حين ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، دون تقديم أدلة، إلى احتمال تدخل إيران أو جهة أخرى. لكن التحليلات تشير إلى استخدام أسلحة أميركية في العملية.

تستخدم الولايات المتحدة وإسرائيل عدة أنظمة ذكاء اصطناعي في عملياتها العسكرية ضد إيران، أبرزها مشروع «مافن» الذي طورته واشنطن منذ 2018 بمساعدة شركة بالانتير لجمع البيانات وتحليلها، وهو مدمج في جميع قيادات القوات الأميركية.

ويرى الخبراء أن استخدام الذكاء الاصطناعي يشبه «نسخة عسكرية من (أوبر)»، حيث يساهم في الاستهداف والمراقبة، لكن القرار النهائي يظل للبشر. ومع ذلك، تثير سرعة اقتراح آلاف الأهداف يومياً مخاطر كبيرة، بما في ذلك ما يُعرف بـ«تحيز الأتمتة» و«التحيز نحو التنفيذ»، حيث يصبح قرار الآلة سلطة تفوق القدرات البشرية على التقييم القانوني والأخلاقي.

وأعربت إلكه شوارتز، أستاذة النظرية السياسية بجامعة كوين ماري بلندن، عن قلقها من أن المستقبل قد يشهد توسيع مهام الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف والسلوكيات المشبوهة مسبقاً، ما قد يؤدي إلى تنفيذ ضربات استباقية، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي سيصبح عاملاً متزايداً في قرار استخدام القوة وبدء الصراعات، وهو أمر مخيف للغاية.