قصف وإغاثة: شبكة قطارات أوكرانيا تنجد المدن المنكوبة

انفجار صاروخ في باحة للعب الأطفال بين المباني السكنية

جانب من الدمار الذي خلّفه صاروخ روسي صباح الجمعة (الشرق الأوسط)
جانب من الدمار الذي خلّفه صاروخ روسي صباح الجمعة (الشرق الأوسط)
TT

قصف وإغاثة: شبكة قطارات أوكرانيا تنجد المدن المنكوبة

جانب من الدمار الذي خلّفه صاروخ روسي صباح الجمعة (الشرق الأوسط)
جانب من الدمار الذي خلّفه صاروخ روسي صباح الجمعة (الشرق الأوسط)

إنها الثامنة والربع صباحاً، يهبط صاروخ روسي جديد على حي سكني في العاصمة الأوكرانية كييف. الليلة الماضية كانت هادئة نسبياً في العاصمة، القليل من أصوات القصف المدفعي على الجبهات وبعض الإنذارات وصافرات الإنذار خشية تحليق الطيران الروسي في الأجواء. السابعة صباحاً ومع رفع حظر التجول صدح النشيد الوطني في ساحة الميدان في وسط العاصمة كعادته كل يوم، ثم بعدها ارتفع صوت الانفجار الكبير الذي ضرب شمال العاصمة في منطقة فيوبرادو.
عشرات الشقق المتضررة، لا شيء إلا مساكن ومدرسة في الحي المستهدف. انفجر الصاروخ في باحة ما بين المباني السكنية، عادة تشكل مساحة للعب الأطفال. آثار الدمار شملت العديد من المباني، لم يتمكن رجال الإسعاف الذين التقيناهم من تحديد عدد الجرحى، ولكنهم أكدوا أنه لم يسقط قتلى بحسب علمهم. أحصوا عشرات المصابين، «خصوصاً عجائز كانوا في منازلهم وأصيبوا بالزجاج المتطاير»، بحسب أحد العاملين الميدانيين.
في التاسعة صباحاً، بدأت عملية تنظيف المكان. وأعطي السكان الذين تعرضت منازلهم لأضرار كبيرة الخيار في الذهاب إلى مراكز إيواء في مدرسة مؤقتاً، على أن يتم تأمين بدل سكني لهم أو إرسالهم خارج العاصمة إن أرادوا الرحيل. وكما هو المشهد دائماً في كييف، أمسك عشرات السكان بالمكانس والمجارف وشرعوا في إزالة الركام والزجاج. أصحاب المحال التجارية راحوا يخلون محالهم ذات الواجهات المهشمة من البضائع، فيما انقطع التيار الكهربائي عن كافة منازل الحي الكبير.

عمدة كييف محاطاً بالصحافيين في موقع الانفجار (الشرق الأوسط)

تصل حافلات نقل عامة صفراء، لصق عليها على عجل أسماء المدارس التي ستتوجه نحوها في عملية الإخلاء. يقف ميخائيل وزوجته وابنته المراهقة أمام إحدى الحافلات. نجا هذا الأوكراني الخمسيني من الانفجار ولكن منزله غير قابل للسكن حالياً. حين تسأله عما يحصل يجيب: «نحن نواجه الوحش الكبير بأيدينا العارية، الأمر غير متكافئ أبداً. هذه نتيجة هذا الصراع». وحين تسأله عما حصل اليوم يبدأ بإخبارك عن الانفجار الضخم الذي هز الحي، والحظ الحسن الذي حجب عن كل أفراد عائلته الإصابة بالصاروخ وشظاياه.
يرفض ميخائيل فكرة مغادرة المدينة: «لقد تأخر الوقت للخروج، لقد قررنا البقاء، لا نريد ترك مدينتنا»، يقول وهو لا يزال تحت وقع الصدمة.
في الصف المنتظر ركوب الحافلة، يقف فيكتور (59) وزوجته وابنته مع كلبها. فيكتور أصيب في يده بجرح بسيط، أما الابنة فتحمل الكلب وتنظر إلى والدها دون توقف. «الذي حصل انفجار شديد، هذا كل ما نعلمه» يقول ثم يخرج هاتفه ليعرض صور دمار منزله: «الآن ليس لدينا مكان. لقد تدمر أغلب المنزل، وهو بحاجة للكثير من الصيانة».
يتلقى ضحايا القصف في كييف المساعدات من المراكز الرسمية أو من جمعيات المتطوعين، ولكن الأهم ربما هو ما يقدمه المتطوعون للمدن الأخرى، فكييف لا تكتفي بجمع المساعدات وتوزيعها لنواحيها وأحيائها والنازحين نحوها، وإنما هي على غرار العديد من المدن الأوكرانية البعيدة نسبياً عن الخطر تجمع أيضاً مساعدات لمدن ومناطق أخرى لا تزال تقاوم الجيش الروسي. تعمل مجموعة متطوعين، تطلق على نفسها اسم «العصابة الجيدة»، على توسيع نشاطها بعد أن أرسل لها المهاجرون الأوكرانيون وبعض الجمعيات الأوروبية مساعدات فاضت عن قدرتها على الفرز والتخزين. وكان قبل تشكل هذه المجموعة، جمعية محلية صغيرة أصبحت اليوم تضم العديد من المتطوعين الذين قرروا البقاء والعمل لمقاومة الجيش الروسي.
في مكان غير بعيد عن ملجأ اتخذته فرقة «العصابة الجيدة» وفي محطة قطارات كييف الرئيسية وفي مبنى أغلق خصيصاً لهم، يتواجد العديد من المتطوعين يعملون على مدار الساعة. هؤلاء ينتمون إلى مشارب مختلفة، استجابوا لمبادرة شبكة قطارات أوكرانيا للعمل في تنظيم وتوزيع المساعدات، ثم مع الوقت غرقوا في جمع وفرز التبرعات العينية. وما أن تدخل مقرهم، حتى ترى أكياساً من مواد مختلفة تنتظر الفرز، وشرطياً مع كلب مدرب على اشتمام المتفجرات يفتشان الصناديق والرزم الواردة إلى المقر، بينما يحرس بعض عناصر الشرطة والجيش باقي مباني محطة القطار.
ألكسندر أندريفيتش (31 عاماً) هو أحد أوائل المتطوعين. حصل هذا الفريق على مساعدة شبكة القطارات، وبات جهازهم اليوم يشمل العشرات من المتطوعين، يأكلون وينامون في المحطة. يقول ألكسندر: «منزلي ليس بعيداً من هنا، ولكن أحياناً أتأخر في العمل لما بعد وقت منع التجول، فأضطر للنوم هنا».
«لقد بدأ الأمر بمساعدات بسيطة. أما اليوم، فتعمل شبكة القطارات على فرز مساعدات للجيش والمدنيين على حد سواء، ونحن نرسل بحسب الطلب إلى المدن التي تحتاج. فإذا كانت مدينة بولتافا تحتاج إلى الملابس، فنحن نتصل بالجمعيات المحلية إضافة إلى مخزوننا الخاص من الملابس، ونجمع كل ما يمكن ونرسله عبر القطار. وإذا احتاجت خاركيف إلى المعدات الطبية، فنقوم بالأمر نفسه». يتابع ألكسندر: «خاركيف بشكل خاص تحتاج إلى العديد من الأمور، خصوصاً الإمدادات الطبية».
أغلب هذه المساعدات تأتي من الخارج، ولكن بالنسبة للطعام والملابس المستعملة فإن التبرعات المحلية تشكل عصباً حيوياً. ويشير ألكسندر إلى بعض الأطعمة المخللة قائلاً: «هذه صناعة منزلية من أوكرانيا، تبرع بها مواطنون وهي تعطي الجسم سعرات حرارية عالية، هي الأعلى فائدة على مستوى المناطق المحاصرة».
وتوضح متطوعة أخرى أن المساعدات تأتي أيضاً من أوروبا، وخصوصاً دولاً مثل بولندا والنمسا وفرنسا، والأخيرة تعمل جمعياتها الأهلية بشكل محموم على تقديم المساعدات. ثم يتحدث ألكسندر عن خطوط سير المساعدات «هي تأتي من كل الأماكن المرتاحة نسبياً، وهناك لا مركزية في العمل؛ حيث تصل خطوط القطار، تصل المساعدات».
لا تزال العاصمة الأوكرانية تعيش فترة انتظار لبدء معركتها، وإن كان العديد من أبناء كييف يعتقدون أن المعركة لن تتجاوز خطوط الاشتباك الحالية. وحده عمدة كييف فيتالي كليتشكو يقف في وسط حشد من الصحافيين وسط الباحة التي تعرضت للقصف الروسي صارخاً: «هذه هي روسيا، وسيفعل الجيش الروسي بكييف مثلما فعل في خاركيف وماريوبول».


مقالات ذات صلة

الكرملين يعدّ تقديم بريطانيا معلومات لكييف عن تصنيع صواريخ «سكالب» إعاقة لـ«السلام»

أوروبا رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام والرئيس الأوكراني فى كييف (أ.ف.ب)

الكرملين يعدّ تقديم بريطانيا معلومات لكييف عن تصنيع صواريخ «سكالب» إعاقة لـ«السلام»

اتهم الكرملين، الاثنين، بريطانيا بعرقلة التقدم نحو أي حل سلمي للحرب في أوكرانيا، بعدما أعلنت لندن عزمها تزويد كييف بالمعلومات اللازمة لإنتاج صواريخ «سكالب»...

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا بيرنهام (يسار) يلقي كلمة إلى جانب زيلينسكي (وسط) وكوستا خلال مراسم إحياء الذكرى الـ35 لاستقلال أوكرانيا أمام كاتدرائية القديسة صوفيا في كييف (أ.ف.ب)

زيلينسكي في يوم الاستقلال: أوكرانيا تريد السلام لكنها لن تستسلم لروسيا

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الاثنين)، في خطاب بمناسبة احتفالات عيد الاستقلال، إن بلاده تريد السلام، ولكنها لن تستسلم لروسيا بأي ثمن.

«الشرق الأوسط» (كييف ‌)
العالم أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز) p-circle

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

قالت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها يستقبل رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في محطة للقطارات بكييف اليوم (رويترز) p-circle

مسؤولون أوروبيون يزورون كييف في يوم الاستقلال

قال وزير الخارجية ​الأوكراني أندري سيبيها إن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ‌ورئيس ‌وزراء بريطانيا ​آندي ‌بيرنهام ⁠وصلا، ​اليوم الاثنين، ⁠إلى العاصمة كييف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رجال الإنقاذ في موقع مبنى سكني تعرض لهجوم صاروخي روسي في خاركيف (رويترز) p-circle

مقتل 3 في هجوم روسي بالقرب من خاركيف في شمال شرق أوكرانيا

قال حاكم منطقة خاركيف الأوكرانية، في وقت متأخر من مساء الأحد، إن هجوماً روسياً على ضواحي مدينة خاركيف في شمال شرق أوكرانيا أسفر عن مقتل 3 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (كييف)

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.