استعجال «الطاقة النظيفة» يخنق العالم

تحذير سعودي... وتغاضٍ بريطاني... وتودد أميركي

زحام في إحدى محطات الوقود وسط باريس (أ.ف.ب)
زحام في إحدى محطات الوقود وسط باريس (أ.ف.ب)
TT

استعجال «الطاقة النظيفة» يخنق العالم

زحام في إحدى محطات الوقود وسط باريس (أ.ف.ب)
زحام في إحدى محطات الوقود وسط باريس (أ.ف.ب)

في ديسمبر (كانون الأول) 2021 خرج وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، محذراً من أن العالم مُقبل على أزمة طاقة في حال استمرار انخفاض الاستثمارات في قطاع النفط، وأن هذه الاستثمارات هي السبيل الوحيد للمحافظة على إمدادات الطاقة وزيادة الإنتاجية التي سيحتاج إليها السوق. وفي الأسبوع المنصرم اقتربت أسعار النفط من 140 دولاراً للبرميل، لأسباب منها النمو المتزايد في الطلب والذي قابله نقص في الإمدادات، وما صاحب ذلك من أحداث سياسية يعيشها العالم حالياً والتي من أهمها الحرب الروسية - الأوكرانية ومفاوضات الملف النووي الإيراني.
تحذير الأمير عبد العزيز بن سلمان جاء رداً على تحذيرات دولية من ضرورة خفض الاستثمار في الوقود الأحفوري والغاز والنفط، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في قطاع الطاقة التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات منذ 2014 حتى العام الماضي 2021.

الشركات تسحب استثماراتها

وأشار تقرير أصدره موقع «Clean Technica» -وهو موقع متخصص بالطاقة النظيفة- إلى أن حجم الاستثمارات المسحوبة في الوقود الأحفوري عام 2014 بلغت نحو 52 مليار دولار، فيما بلغت عام 2018 أكثر من 125 مليار دولار لشركات متعددة الجنسيات مثل «إيه جي 2 آر لا مونديال»، وصندوق «أستراليا فيجن سوبر فاند» وجامعة «برانديز» الأميركية. وفي عام 2019 التزمت 1110 مؤسسات لديها أصول مُدارة بأكثر من 11 تريليون دولار بالتخلص من الوقود الأحفوري، لتشهد تلك الصناعة القوية انخفاضاً ثابتاً بمركزها في «ستاندرد آند بورز»، نتيجة تراجع عدد المستثمرين المؤسسيين، وانخفاض الأرباح، وضعف التوقعات، لتشطب شركات مثل «بي بي» و«إكوينور» و«ريبسول» أكثر من 11 مليار دولار من قيمة أصول النفط الصخري في أميركا الشمالية.
وفي عام 2020، أعلنت 42 مؤسسة استثمارية من 14 دولة سحب استثماراتها من الوقود الأحفوري، وأعلنت شركة «بلاك روك»، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، أن الاستدامة البيئية ستكون عاملاً رئيسياً وحاسماً في قرارات الاستثمار مستقبلاً، ليعلن أيضاً صندوق المعاشات التقاعدية لولاية نيويورك أنه سيتخلص من شركات النفط والغاز بحلول عام 2024، وإزالة الاستثمارات الكربونية من محفظته، التي تُقدَّر قيمتها بأكثر من 500 مليار دولار، بالكامل، بحلول عام 2040.
بدورها، حددت شركة «لويدز»، أكبر سوق تأمين في العالم، موعداً للكفّ عن تغطية التأمين الجديدة للفحم ومشروعات الطاقة في القطب الشمالي بدايةً من يناير (كانون الثاني) الماضي فيما التزمت «لويدز» بالانسحاب من أعمال الوقود الأحفوري بحلول عام 2030.

وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان

 

زيادة الضرائب وبيع الأصول

ورأى مازن السديري، رئيس الأبحاث في شركة الراجحي المالية، أن أهم المشكلات التي تواجه الشركات المستثمرة في الوقود الأحفوري هي زيادة تكلفة الضرائب مقابل دعم الطاقة المتجددة وتبني بعض الدول خصوصاً الأوروبية سياسات متشددة لتحول تلك الشركات للاستثمار في الطاقة المتجددة، مشيراً إلى أن القرار الذي اتخذه قادة دول الاتحاد الأوروبي لفرض «ضريبة الكربون» للحد من استخدام الوقود الأحفوري كان واضحاً تأثيره على شركات النفط واتضح بشكل أكبر مع الأزمة الحالية.
وأضاف السديري في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك السياسات دفعت بعض الشركات لبيع جزء من أصولها مثل «رويال داتش» و«شل» و«إيني» الإيطالية، ومثل شركة «بي بي»، التي تعمل حالياً على بيع حصتها في الشركة «روسنفت» الروسية التي تشكل 15% من إنتاج الشركة، إضافةً إلى أنها خرجت من الاستثمار في الوقود الأحفوري في أميركا ومستقبلاً ستخرج من الاستثمار في الوقود الأحفوري بشكل أسرع، وهذا يضغط على صناعة النفط، مضيفاً أن الشركة أعلنت أنها تنوى بيع أصولها من الوقود الأحفوري بقيمة 25 مليار دولار بحلول عام 2025 وهو يعادل نحو 13% من إجمالي الأصول الثابتة للشركة، الأمر الذي وصفه بأنه «زاد الطين بلة» خصوصاً مع زيادة الطلب العالمي على الوقود الأحفوري.
وقال السديري إن النقص الهيكلي في الاستثمارات وعدم كفاية الإنفاق الرأسمالي ستكون له آثار كبيرة الإنتاج العالمي للوقود الأحفوري، مشيراً إلى أنه في حال استمرار الإحجام عن الاستثمار في رأس المال سيُفقد السوق نحو 16 مليون برميل بحلول 2030، مشدداً على ضرورة أن تتجاوز الاستثمارات في الوقود الأحفوري 450 مليار دولار سنوياً.
وذكر تقرير لـ«بلومبيرغ نيو إنيرجي فاينانس» صدر في أغسطس (آب) 2021 أن كبرى شركات النفط أقدمت على بيع أصول بقيمة تجاوزت 198 مليار دولار بين عامي 2015 و2020، ما يتجاوز بمقدار أربعة أضعاف حجم الأموال التي استثمرتها هذه الشركات في تكنولوجيات الطاقة النظيفة.
واللافت أن شركات النفط العالمية الأوروبية على وجه الخصوص، اتخذت مساراً مختلفاً عن نظيراتها الأميركية، وكانت شركة «إكوينور» الوحيدة التي تجاوز حجم استثماراتها في الطاقة النظيفة عائدات بيع الأصول، ورغم الإجراءات الضخمة لبيع الأصول من جانب «إكسون موبيل» و«شيفرون» و«كونوكو فيليبس»، فإنها مجتمعة استثمرت 757 مليون دولار فقط في مجال الطاقة النظيفة، وهو ما يعادل 1% فقط من عائدات بيع الأصول.

معركة اتفاق باريس للمناخ

وكان اتفاق المناخ الذي وُقِّع في باريس عام 2015، ودخل حيّز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قد شدد بشكل أساسي على مواجهة مشكلة انبعاثات الغازات الدفيئة، وكيفية إيجاد الحلول للتكيف معها، والتخفيف من حدة ضررها على البيئة، والنظر بجدية إلى الآثار الواضحة للتغيرات المناخية، وأطلق مبادرات تسهم في الحد من الانبعاثات للتخلص من الاعتماد على الوقود الأحفوري. ويُذكر أن أحد مهندسي هذا الاتفاق هو وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري، وهو الآن المبعوث الرئاسي لشؤون المناخ.
وعلى الرغم أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، أعلن خروج الولايات المتحدة الأميركية من اتفاق باريس للمناخ، ودعم صناعة النفط ومنح التراخيص للتنقيب، فإن الرئيس الحالي جو بايدن أعلن منذ توليه العودة لاتفاق باريس للمناخ ونقض جميع قرارات الرئيس الأسبق فيما يخص قطاع الوقود الأحفوري، ليوقف مؤقتاً عقود إيجار النفط والغاز الطبيعي الجديدة على الأراضي العامة والمياه البحرية إلى أقصى حدّ ممكن، وإلغاء خط أنابيب النفط «كيستون إكس إل» لنقل النفط الخام من كندا إلى ساحل الخليج الأميركي.
اتفاق باريس تبعته دعوات من مؤسسات دولية للتخلص من الاستثمار في الوقود الأحفوري للوصول إلى الطاقة المتجددة، لتقود وكالة الطاقة الدولية حملة تحذيرات ضد المستثمرين لعدم تمويل مشروعات النفط والغاز والفحم الجديدة، وذلك في أقوى تحذير من الوكالة لكبح الاستثمارات في الوقود الأحفوري.

المواقف المتضاربة لوكالة الطاقة

وحثّ فاتح بيرول، الرئيس التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، خلال مؤتمر الطاقة الذي عُقد في الرباط بداية هذا الأسبوع، الدول المنتجة على ضخ مزيد من الخام لتحقيق الاستقرار في الأسواق، وقال: «على كل دولة منتجة للنفط أن تتحلى بالمسؤولية وضخ مزيد من النفط في السوق».
وكان بيرول قد صرح في مايو (أيار) 2021، قائلاً إن «الطريق إلى الحياد الكربوني ضيّق لكن لا يزال من الممكن تحقيقه. إذا أردنا الوصول إلى ذلك بحلول عام 2050، فنحن لسنا بحاجة إلى مزيد من الاستثمارات في مشروعات جديدة للنفط والغاز والفحم». وأضاف: «الأمر متروك للمستثمرين لاختيار أي محفظة يفضّلونها ولكن هناك مخاطر ومكافآت».
الأمير عبد العزيز بن سلمان -حينها- عدّ بيانات وكالة الطاقة الدولية المتضاربة حول موقفها من قطاع النفط والغاز «مثيرة للضحك»، وأشار إلى التناقض الكبير بين توقعات ومطالب وكالة الطاقة الدولية بشأن الوقود الأحفوري ومستقبله، قائلاً: «هي تحث على وقف الاستثمار في الطاقة التقليدية، ومن جهة أخرى تحذّر من تقليص الإنتاج مستقبلاً وتأثيره على الأسواق».
وعلق سليمان الحربش، المدير السابق لصندوق أوبك للتنمية الدولية «أوفيد» وممثل السعودية السابق في مجلس محافظي «أوبك»، على البيانات التي صدرت من الدول المستهلكة بعد ارتفاع أسعار الطاقة ضاحكاً: «تلك الدول ضحية تقارير المؤسسة التي صنعتها عام 1974» في إشارة إلى الوكالة الدولية للطاقة.
وقال الحربش في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن الوكالة الدولية للطاقة أصدرت تقريراً منتصف العام الماضي حمل عنوان «صفر انبعاثات في عام 2050»، وإن لب التقرير يشير إلى إن تحقيق صفر انبعاثات في عام 2050 ممكن في ظل فرضيات ثلاث تتمثل في: «إيقاف التنقيب عن الوقود الأحفوري بشكل كامل، والتعاون الدولي، وتغيير أنماط الحياة والتحول الكامل للطاقات المتجددة». وأضاف أن «كل هذه الفرضيات أو الشروط التي تبنّتها الوكالة كل واحد فيها أصعب من الآخر، خصوصاً ونحن نتحدث عن دول فقيرة لم تصل إليها الكهرباء، إذ يتجاوز عدد المحرومين من الطاقة الكهربائية أكثر من مليار نسمة، فكيف تأتي الوكالة وتطلب تغيير أنماط الحياة لهم؟!».
وأضاف الحربش قائلاً: «يبدو أن ذلك التقرير تم إعداده لمساعدة الحكومة البريطانية في إدارتها لمؤتمر المناخ 26 الذي عُقد في جلاسكو نهاية العام الماضي».

الاقتصاديات النامية وفقر الطاقة

وفي مقال نُشر سبتمبر (أيلول) 2021، في المجلة الأميركية «فورين أفيرز»، شن نائب الرئيس النيجيري يمي أوسينباغو، هجوماً على الدول الغربية وأنها تعمل على تقييد الاستثمار في موارد الطاقة الأحفورية بهدف الحد من الانبعاثات والتحوّل نحو الطاقات البديلة، لكنها لم تراعِ الدور المحوري الذي تلعبه تلك الأنواع من الطاقة في دعم نمو الاقتصادات النامية، خصوصاً في دول أفريقيا.
وأشار في مقاله أن مؤسسات التمويل الإنمائي كانت تسعى طوال الفترة الماضية لتحقيق التوازن بين الهواجس المناخية والاحتياجات التنموية، لكنّ الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي قررت اتخاذ خطوات صارمة للحد من استثمارات الوقود الأحفوري، وتريد من البنك الدولي أن يدعم هذا التوجه، وهو ما جعل بنك التنمية الأفريقي يفقد قدرته على دعم مشاريع الغاز الطبيعي الكبرى في القارة الأفريقية.

السعودية تحذّر

وجدد الأمير عبد العزيز بن سلمان تحذيره من نشوء تحديات أمام صانعي السياسات جراء ارتفاع الأسعار، واصفاً الحملة ضد الاستثمارات في قطاعي النفط والغاز بأنها «قصيرة النظر وسيكون لها أثر على الرفاهية العالمية»، مؤكداً أن بلاده ستواصل الاستثمار في قطاعي النفط والغاز وأيضاً الطاقة المتجددة.
وفسر وزير الطاقة السعودية أن العالم يمر بمرحلة تحول الطاقة، «ومن الخطأ التركيز على جانب واحد مثل الطاقة المتجددة، لأن اقتصاد العالم يتطلب مختلف مصادر الطاقة لتطوير الاقتصاد»، ورأى أن الاستدامة التي تعد نتيجة للاقتصاد الدائري للكربون، ستكون معتمدة على التقنية القادرة على ضمان رفع الطلب على الوقود الأحفوري مع معالجة الانبعاثات عبر تلك التقنية». ويذكر أن مجموعة العشرين قد وافقت على تبني منهج الاقتصاد الدائري للكربون والذي اقترحته المملكة العربية السعودية في قمة الرياض عام 2020.
وقد ردت وكالة الطاقة الدولية بأنها تتوقع تراجع الطلب تزامناً مع زيادة الإمدادات خلال الفترة المقبلة، متوقعةً انخفاض الطلب على النفط بنحو 100 ألف برميل يومياً في 2021 و2022، وقالت في تقريرها الصادر ديسمبر (كانون الأول) 2021: «إن الإمدادات قد ترتفع 6.4 مليون برميل يومياً العام المقبل مقارنةً مع زيادة 1.5 مليون برميل في 2021»، وأضافت: «استمرار التراجع عن التخفيضات قد يؤدي إلى فائض في حدود مليوني برميل في الربع الثاني من 2022»، وهو الربع الذي قاربت فيه أسعار النفط على 140 دولاراً للبرميل!
فيما توقع تقرير أصدرته «أوبك» عام 2020 نمو الطلب العالمي على النفط الخام بحلول 2025 إلى 103.7 مليون برميل يومياً، وبحلول 2030 سيرتفع إلى 107.2 ملايين برميل يومياً، ثم إلى 108.9 ملايين برميل يومياً بحلول 2035، وبحلول 2040 سينمو الطلب العالمي إلى 109.3 ملايين برميل يومياً.

الغرب يعيد النظر في استراتيجياته

إحجام الدول والمستثمرين عن الاستثمار في الوقود الأحفوري أدى إلى أزمة الطاقة التي يعيشها العالم حالياً، إذ لامست أسعار خام برنت الأسبوع الماضي 140 دولاراً، جراء الطلب المتزايد وتجاوز التأثير الاقتصادي لفيروس «كورونا»، وما تلاها من أزمة سياسية في الملف الأوكراني - الروسي ومفاوضات الملف النووي الإيراني بما انعكس بشكل سريع على أسواق السلع والمعادن، لتعلن الحكومة البريطانية أنها تعد استراتيجية جديدة للطاقة تهدف إلى استعادة زخم عمليات استخراج النفط في بحر الشمال عقب إعلان وقف استيراد الخام والمنتجات النفطية الروسية، وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة والطاقة النووية، إذ ذكر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أنه إلى جانب الانتشار السريع للطاقة المتجددة، سيكون هناك إنتاج أكبر من بحر الشمال.
وعلى الرغم من أن المملكة المتحدة استضافت قمة غلاسكو للمناخ نوفمبر 2021 وشارك فيها نحو 200 دولة خرجت باتفاق يطالب الدول بتقليل اعتمادها على الفحم والتراجع عن دعم الوقود الأحفوري، وتعهدت فيه بريطانيا بأن تكون محايدة للكربون بحلول عام 2050، إلا أن وزير الصناعة والطاقة البريطاني كواسي كوارتنغ، قال إن «وقف الإنتاج المحلي كما يطلب البعض سيكون خطأ».
فيما طلبت وزيرة الطاقة الأميركية جنيفر غرانهولم، في مؤتمر في هيوستن بولاية تكساس عُقد بداية مارس (آذار) الجاري من شركات النفط، إنتاج المزيد من النفط بهدف تخفيف الاضطرابات في السوق، وقالت: «نحتاج إلى المزيد من الإمدادات».
وأضافت: «علينا زيادة العرض قصير الأجل بشكل مسؤول، حيث نستطيع، من أجل تحقيق الاستقرار في السوق وتقليل الضرر الذي يلحق بالعائلات الأميركية»، وحينما تم تذكيرها باتفاق قمم المناخ، قالت إن الحاجة إلى إمدادات الوقود الأحفوري على المدى القصير لن تؤثر على التزام حكومة بايدن بالتحول في قطاع الطاقة.
وأضافت: «نحن جادون بشأن خفض انبعاثات الكربون. يمكننا القيام بالأمرين في الوقت نفسه. اليوم نحتاج إلى زيادة إنتاج الغاز والنفط لتلبية الطلب»، لتعود مرة أخرى لتجتمع الأسبوع الماضي مع رؤساء شركات النفط: شيفرون، وإكسون موبيل، وكونوكو فيليبس، وغيرهم، قائلة لهم: «لا أريد القتال... من الأفضل بكثير العمل معاً على حلول لمواجهة المستقبل»، وأضافت أن «الإدارة لا تقف في طريق الصناعة، وتدعم زيادة الإنتاج المحلي بوصفها وسيلة لمساعدة المستهلكين، الذين يعانون من ارتفاع أسعار البنزين».
ومع هذا نعود إلى ما نبّه إليه الوزير السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، من أن عدم الاستثمار في قطاع النفط سيؤدي إلى تلاشي الطاقة الإنتاجية غير المستغلة، وتراجع الإنتاج بنحو 30 مليون برميل يومياً بحلول 2030 جراء تقليص الاستثمارات في عمليات الاستكشاف والحفر.
يُذكر أن مجموعة من الحكومات والمؤسسات المالية العامة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا والمملكة المتحدة، قد تعهدت بإنهاء الدعم المباشر لقطاع طاقة الوقود الأحفوري «بلا هوادة» بحلول نهاية عام 2022.

حرق الفحم لرفاهية الشعوب

ويتضح من الموقف الغربي عدة نقاط، أولاها أن الغرب وعلى الرغم من إعلان حرصه على المناخ ومحاربة الانبعاثات الكربونية، فإنه لم يتردد لحظة في الاستثمار في الوقود الأحفوري عندما وجد أن اقتصاده ورفاهية شعبه في خطر. ثانيتها أن الغرب ومع محاربته للوقود الأحفوري بشكل عام وللفحم بشكل خاص، عاد مرة أخرى لإحراق الفحم عندما هددت روسيا بإيقاف ضخ الغاز.
ويجب ألا يُنسى أن الغرب نفسه هو من تبنى زيادة إنتاج الفحم في نهاية السبعينات الميلادية في قمة الدول السبع في اليابان، وكان السبب حينها هو تقليل الاعتماد على النفط بعد المقاطعة العربية التي حدثت آنذاك، ليعود مرة أخرى في بداية هذه الألفية ويحارب الفحم بضراوة بعد أن قل اعتماده عليه. وأخيراً فإن الغرب يدرك –حتى مع عدم إعلانه– أن أمن الطاقة مهم جداً له، هذا الإدراك هو ما جعله يدعو للاستثمار في الفحم في السبعينات، وهو ما جعله يسوّق للطاقة المتجددة ونبذ النفط في العقد الأخير، وهو ما جعله الآن يعود مرة أخرى للنفط بعد أن قضى السنوات الأخيرة يعلن أن النفط يعيش آخر أيامه.

رؤية جديدة للحفاظ على الاقتصاد

ومع أن الطاقة المتجددة أو ما تسمى «النظيفة» انطلقت من مؤتمر كيوتو الذي عُقد في اليابان عام 1997، بعد أن اتفق معظم رؤساء الدول على تخفيض إنتاج ثاني أكسيد الكربون لتجنب التهديدات الرئيسية لتغير المناخ بسبب التلوث واستنفاد الوقود الأحفوري والمحافظة على البيئة والصحة العامة للكائنات الحية، فإن الطريق للوصول إلى إزالة الكربون معقد ويحتاج إلى نهج جديد حتى لا تتأثر الاقتصاديات المعتمدة على الوقود الأحفوري بشكل كامل مثل الدول الأفريقية لتطرح السعودية خلال رئاستها لمجموعة العشرين والتي عُقدت في 2020 رؤية متكاملة تقوم على الاقتصاد الدائري للكربون وتم اعتماده من أعضاء المجموعة، بوصفه إطاراً متكاملاً وشاملاً لمعالجة التحديات المترتبة على انبعاثات الغازات الدفيئة وإدارتها بشتى التقنيات المتاحة. ويمثل هذا النهج طريقة مستدامة لإدارة الانبعاثات باستخدام أربعة محاور هي:
1 - التخفيض
2 - إعادة الاستخدام
3 - التدوير والتخلص
4 - التقليل من الانبعاثات
إذا يقوم التخفيض عبر تشجيع التقنيات والابتكارات مثل مصادر الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والطاقة النووية، أما إعادة الاستخدام، فهو تحويل الانبعاثات الضارة إلى مواد خام قيّمة للصناعات، بتطبيق التقاط الكربون واستخدامه (CCU)، وتحويل الانبعاثات إلى مواد ذات قيمة (E2V)، إما إعادة التدوير فهو الاعتماد على العمليات الطبيعية والتحلل، بما في ذلك استخدام حاملات الطاقة مثل الميثانول والأمونيا والهيدروجين التي تمثل الدورة الطبيعية، وأخيراً إزالة الانبعاثات من الغلاف الجوي الذي يدور حول تطبيق الاستخلاص الطبيعي والجيولوجي للكربون، وتخزينه واستخلاصه من الهواء مباشرةً، إضافةً إلى الحلول الطبيعية للقضاء على الانبعاثات.


مقالات ذات صلة

السعودية وسنغافورة ترتبان لتخزين النفط الخام بدءاً من 2027

الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال مشاركته في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة (إكس)

السعودية وسنغافورة ترتبان لتخزين النفط الخام بدءاً من 2027

أعلنت السعودية وسنغافورة عزمهما اتخاذ ترتيبات لتخزين النفط الخام السعودي في سنغافورة، اعتباراً من النصف الثاني من عام 2027.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد موظف من الشركة السعودية للطاقة يقوم بمهام أعماله اليومية (واس)

السعودية تعدّل تعريفتي الكهرباء والمياه لتعزيز كفاءة الاستهلاك

تبدأ السعودية تطبيق تعديلات تعريفة الكهرباء وتعريفتي المياه والصرف اعتباراً من العام المقبل، في خطوة تستهدف رفع كفاءة استهلاك الموارد وتعزيز استدامة الخدمات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية تظهر بعض الأراضي غير المستغلة داخل النطاق العمراني (واس)

7 ملايين متر مربع من الأراضي البيضاء تدخل التطوير في 3 مناطق سعودية

أعلنت وزارة البلديات والإسكان دخول 7 ملايين متر مربع من الأراضي البيضاء في مناطق تبوك وحائل وجازان مسارات التطوير أو التداول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من مشاركة «المطاحن الحديثة» في «المعرض الزراعي السعودي» الـ41 (الشركة)

«المطاحن الحديثة» تحقق 16.6 مليون دولار أرباحاً في الربع الثالث

ارتفع صافي أرباح شركة «المطاحن الحديثة» بنسبة 11 في المائة خلال الربع الثالث من عام 2026، ليبلغ 62.3 مليون ريال (16.61 مليون دولار)...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رئيس «دار غلوبال» زياد الشعار (تركي العقيلي) p-circle 04:53

خاص رئيس «دار غلوبال» لـ«الشرق الأوسط»: الآن أفضل وقت للاستثمار العقاري في المنطقة

قال الرئيس التنفيذي لـ«دار غلوبال»، زياد الشعار، إن الشركة توظف شبكة مستثمريها الممتدة إلى 120 جنسية لجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى السوق السعودية.

مساعد الزياني (الرياض)

سنغافورة تعزز أمن الطاقة تحسباً لاضطرابات الإمدادات الخارجية

الناس يجدفون بقارب الكانو على طول نهر كالينج مع انحسار الضباب في سنغافورة (أ.ف.ب)
الناس يجدفون بقارب الكانو على طول نهر كالينج مع انحسار الضباب في سنغافورة (أ.ف.ب)
TT

سنغافورة تعزز أمن الطاقة تحسباً لاضطرابات الإمدادات الخارجية

الناس يجدفون بقارب الكانو على طول نهر كالينج مع انحسار الضباب في سنغافورة (أ.ف.ب)
الناس يجدفون بقارب الكانو على طول نهر كالينج مع انحسار الضباب في سنغافورة (أ.ف.ب)

قال وزير الطاقة والتجارة والصناعة السنغافوري تان سي لينغ، الاثنين، إن بلاده تعمل على تنويع مصادر إمدادات الطاقة وزيادة منشآت التخزين وتطوير البنية التحتية، تحسباً لمخاطر اضطراب الإمدادات الخارجية، في ظل اتجاه بعض الدول المصدرة إلى خفض صادراتها لإعطاء الأولوية للأسواق المحلية.

وجاءت تصريحات تان، وفقاً لوكالة «بلومبرغ» للأنباء، بالتزامن مع بدء إندونيسيا خفض صادرات الغاز الطبيعي إلى سنغافورة اعتباراً من السبت الماضي، في إطار مساعي الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو لتأمين الإمدادات للسوق المحلية.

وقالت هيئة تنظيم سوق الطاقة في سنغافورة إن البلاد لديها إمدادات كافية، موضحة أن الخفض الإندونيسي يمثل أقل من 2 في المائة من إجمالي الطلب اليومي على الغاز في سنغافورة. وأكد تان أنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق من حدوث نقص في الإمدادات نتيجة القرار الإندونيسي.

وأضاف الوزير، في كلمة أمام مؤتمر أسبوع الطاقة الدولي في سنغافورة، الاثنين، أن البلاد قادرة على مواصلة العمل بهدوء، مشدداً على أن أمن إمدادات الطاقة يظل أولوية دائمة، وأن المستهلكين والشركات يمكنهم الاطمئنان إلى هذا الالتزام.

وتخطط سنغافورة لزيادة عدد محطات استقبال الغاز الطبيعي المسال، بما يتيح لها تنويع مصادر الإمدادات بصورة أكبر، إلى جانب بناء محطات كهرباء جديدة وزيادة مخزونات الوقود، لتعزيز قدرتها على مواجهة أي اضطرابات محتملة، بحسب تان.

وقال الوزير إن سنغافورة لا تستطيع عزل نفسها عن الصدمات العالمية والإقليمية، محذراً من أن الدول قد تعطي الأولوية لاحتياجاتها المحلية عندما تتراجع الإمدادات، وهو ما وصفه بأنه مصدر قلق في ظل تنامي النزعة إلى قومية الموارد.

وتُعد إندونيسيا مصدراً رئيسياً للغاز الطبيعي، لكن صادراتها تراجعت خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع حصة الاستهلاك المحلي من إجمالي الإنتاج. وتتجه غالبية صادراتها من الغاز الطبيعي المسال إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية، بينما تصل إمدادات الغاز الإندونيسي إلى سنغافورة وماليزيا عبر خطوط الأنابيب.


بنك اليابان يمهّد لرفع الفائدة في ديسمبر مع تصاعد مخاطر التضخم

محافظ بنك اليابان كازو أويدا يتحدث في مؤتمر صحافي عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك في طوكيو بسبتمبر (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا يتحدث في مؤتمر صحافي عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك في طوكيو بسبتمبر (رويترز)
TT

بنك اليابان يمهّد لرفع الفائدة في ديسمبر مع تصاعد مخاطر التضخم

محافظ بنك اليابان كازو أويدا يتحدث في مؤتمر صحافي عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك في طوكيو بسبتمبر (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا يتحدث في مؤتمر صحافي عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك في طوكيو بسبتمبر (رويترز)

يتجه بنك اليابان إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير هذا الأسبوع، مع تبني نبرة متشددة حيال التضخم قد تمهّد الطريق أمام رفعها في ديسمبر (كانون الأول)، في تحول يعكس انتقال البنك المركزي من معركته الطويلة لتحفيز الأسعار إلى التركيز على احتواء التضخم وإبقائه مستقراً قرب مستهدفه البالغ 2 في المائة.

ومن المتوقع أن يُبقي البنك سعر الفائدة الرئيسي عند 1.25 في المائة خلال اجتماعه المقرر يومي 29 و30 أكتوبر (تشرين الأول)، وفقاً لتوقعات المحللين، مع إتاحة مزيد من الوقت لتقييم تأثير الزيادات السابقة في الفائدة على ظروف الإقراض قبل اتخاذ خطوة جديدة.

ومن المرجح أن يرفع البنك، في تقرير التوقعات الفصلية المقرر صدوره عقب الاجتماع، تقديراته للتضخم خلال السنة المالية المقبلة بصورة طفيفة، وأن يشير إلى أن التضخم الأساسي اقترب من تحقيق مستهدفه البالغ 2 في المائة، بحسب أشخاص مطلعين على توجهاته تحدثوا إلى «رويترز».

ومع ترسخ نمو الأجور واستقرار توقعات التضخم قرب 2 في المائة، يُتوقع أن يؤكد البنك أن تركيزه سيتحول إلى تثبيت التضخم حول المستهدف، من خلال رفع أسعار الفائدة تدريجياً باتجاه مستويات تُعد محايدة للاقتصاد، أي لا تحفز النشاط الاقتصادي ولا تقيده.

وكان محافظ البنك كازو أويدا قد أشار إلى هذا التحول في توجهات السياسة النقدية عند رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول). ومن شأن تأكيده أن يمثل تحولاً مهماً بعد سنوات طويلة اعتمد خلالها البنك سياسة نقدية شديدة التيسير لتحفيز التضخم وإنهاء الانكماش السعري.

وقالت ناومي موغوروما، كبيرة استراتيجيي السندات في «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي للأوراق المالية»، إن المرحلة تمثل لحظة تاريخية للبنك، لكنها تضعه أمام مهمة أكثر تعقيداً، إذ بات عليه الانتقال من دعم النشاط الاقتصادي إلى كبح الضغوط التضخمية.

وأضافت أن البنك سيراقب البيانات الاقتصادية المقبلة وتحركات الأسواق قبل أن يقرر ما إذا كان سيرفع الفائدة في ديسمبر أو ينتظر حتى يناير (كانون الثاني).

ويتوقع المحللون الذين استطلعت «رويترز» آراءهم رفع الفائدة إلى 1.5 في المائة في ديسمبر، مع استمرار وتيرة الزيادات الفصلية.

تشديد تدريجي مع استمرار تيسير الأوضاع المالية

وأطلق بنك اليابان في عام 2013، خلال ولاية المحافظ السابق هاروهيكو كورودا، برنامج تحفيز واسع النطاق لإخراج الاقتصاد من دوامة الانكماش السعري ودفع التضخم نحو مستهدفه البالغ 2 في المائة.

ورغم إنهاء البنك مجموعة من إجراءات التيسير النقدي غير التقليدية في عام 2024، فإنه ظل حذراً في رفع الفائدة، على أساس أن التضخم الأساسي، الذي يستبعد العوامل المؤقتة ويتأثر بالطلب المحلي، لم يكن قد استقر عند المستهدف.

لكن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وصعود أسعار الواردات نتيجة ضعف الين زادا الضغوط التضخمية، مما دفع البنك إلى رفع الفائدة في سبتمبر، بعد زيادة سابقة في يونيو (حزيران)، بوتيرة أسرع من الزيادات التي سجلها خلال عامي 2024 و2025، عندما كان يرفعها نحو مرتين سنوياً.

وبلغ سعر الفائدة الحالي 1.25 في المائة، ليصبح ضمن النطاق الذي يقدّره خبراء البنك لمعدل الفائدة المحايد في اليابان، والبالغ بين 1.1 و2.5 في المائة. ويشير هذا المعدل إلى المستوى الذي لا يؤدي فيه سعر الفائدة إلى تحفيز الاقتصاد أو إبطائه، مما يجعل تقدير المستوى النهائي الذي قد تصل إليه الفائدة محور اهتمام الأسواق.

ومع استمرار نمو الإقراض المصرفي بوتيرة قوية، يُتوقع أن يؤكد البنك أن الأوضاع المالية لا تزال تيسيرية، بما يترك مجالاً لمزيد من الزيادات قبل وصول سعر الفائدة إلى مستويات تقترب من المعدل المحايد.

ويأتي اجتماع بنك اليابان بعد اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، الذي يُتوقع أن يُبقي الفائدة دون تغيير الأربعاء، فيما يُرجح أن يثبت البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة عند 2.5 في المائة الخميس.

ومن المنتظر أن تتركز أنظار المستثمرين على تصريحات أويدا عقب الاجتماع، بحثاً عن إشارات بشأن توقيت الزيادة المقبلة وسرعتها، في وقت تواجه فيه البنوك المركزية ضغوطاً تضخمية متزايدة بفعل الطلب القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي وصدمة الطاقة الناجمة عن الحرب مع إيران.


اليوان الصيني يسجل أعلى مستوى في 4 سنوات أمام الدولار

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)
TT

اليوان الصيني يسجل أعلى مستوى في 4 سنوات أمام الدولار

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)

ارتفع اليوان الصيني إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات أمام الدولار الاثنين، مواصلاً أطول سلسلة مكاسب له منذ مايو (أيار)، مدعوماً بتراجع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأميركية، اللذين زادا الضغوط على العملة الأميركية، وذلك قبيل اجتماعات مهمة للسياسة النقدية في الصين وخارجها.

وتسود الأسواق حالة من الحذر قبيل اجتماعات عدد من البنوك المركزية المقررة في وقت لاحق من الأسبوع، إذ تتوقع الأسواق على نطاق واسع أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك اليابان والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإبقاء على نبرة متشددة بشأن التضخم. كما تتجه الأنظار إلى الاجتماع العام الخامس للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، بحثاً عن مؤشرات جديدة بشأن توجهات السياسة الاقتصادية.

وقبل افتتاح التداولات، حدد بنك الشعب الصيني سعر المنتصف الرسمي لليوان عند 6.7162 مقابل الدولار، وهو أقوى مستوى له منذ الثاني من فبراير (شباط) 2023. ويسمح البنك للعملة بالتداول ضمن نطاق لا يتجاوز 2 في المائة صعوداً أو هبوطاً عن سعر المنتصف يومياً.

وجاء سعر المنتصف الاثنين أضعف بـ471 نقطة أساس مما كان يتوقعه استطلاع أجرته «رويترز»، والذي رجّح تسجيله 6.6691، مسجلاً أكبر انحراف نحو الجانب الأضعف منذ 23 سبتمبر (أيلول).

وقال متعاملون ومحللون إن البنك المركزي يواصل تعزيز السعر الاسترشادي اليومي لليوان تدريجياً منذ بداية العام، لكن عند مستويات أضعف من توقعات السوق، في إشارة إلى سعيه للتحكم في وتيرة ارتفاع العملة.

وذكر محللون في «باركليز» أن بنك الشعب الصيني يواصل الحد من تسارع ارتفاع اليوان من خلال تحديد أسعار استرشادية أقل قوة مما تتوقعه الأسواق. ورجحوا أن تستهدف سياسة البنك توفير حد أدنى أقوى للعملة في مواجهة أي تراجع غير منظم، مع استخدام السعر الاسترشادي لكبح وتيرة مكاسبها في وقت ترتفع فيه قيمتها المرجحة بالتجارة.

وفي السوق المحلية، سجل اليوان 6.6682 مقابل الدولار في إحدى مراحل التداول، وهو أقوى مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2022، قبل أن يجري تداوله عند 6.6691 بحلول الساعة 02:52 بتوقيت غرينتش.

وإذا حافظت العملة على مكاسبها حتى إغلاق التداولات المسائية، فستكون قد سجلت ارتفاعاً للجلسة الثامنة على التوالي، في أطول سلسلة مكاسب منذ مايو. أما اليوان المتداول خارج البر الرئيسي، فبلغ 6.6688 مقابل الدولار، مرتفعاً بنحو 0.01 في المائة خلال التداولات الآسيوية.

وقال محللون في «غولدمان ساكس» إنهم يتوقعون استمرار ارتفاع تدريجي ومستدام للعملة الصينية، مشيرين إلى أن توقعات السوق والعقود الآجلة لا تعكس، في تقديرهم، المدى الذي يمكن أن يبلغه هذا المسار، بالنظر إلى أن اليوان بدأ من مستوى يقل عن قيمته المقدرة.

وأضافوا أن ارتفاع العملة وحده لن يكون كافياً لمعالجة التحديات الاقتصادية الصينية، إذ يتطلب الأمر الجمع بين تعزيز قيمة اليوان ودعم الطلب المحلي، باعتبارهما أداتين لتحقيق هدفين اقتصاديين. وأبقى البنك على توقعاته بوصول سعر اليوان إلى 6.40 مقابل الدولار خلال الاثني عشر شهراً المقبلة.