«الاعتداد الزائد بالنفس»... أهم سمات الشخصية ذات الكفاءة المتدنية

ظاهرة نفسية يدرسها العلماء تجتذب فضول الجمهور

«الاعتداد الزائد بالنفس»... أهم سمات الشخصية ذات الكفاءة المتدنية
TT

«الاعتداد الزائد بالنفس»... أهم سمات الشخصية ذات الكفاءة المتدنية

«الاعتداد الزائد بالنفس»... أهم سمات الشخصية ذات الكفاءة المتدنية

ما سبب الثقة الكبيرة التي يتمتّع بها الأشخاص قليلو الكفاءة؟ ولماذا تجتذب هذه الظاهرة النفسية الفضول لدى أفراد الجمهور على مواقع الإنترنت؟ الجواب: صعود شخصيات على مسرح الأحداث لا تتمتع بالخبرة الكافية إلا أنها شديدة الاعتداد بقدراتها.
لعلّكم حضرتم هذا المشهد في العمل أثناء الاختلاط بالأصدقاء أو في عشاء أحد الأعياد مع العائلة الكبيرة: شخص يملك معرفة متواضعة جداً في موضوع يدّعي أنّه يعلم الكثير عنه، ويتبجّح حتى بأنّه خبيرٌ فيه.
اعتداد وقلة كفاءة
أطلق على هذه الظاهرة اسم «تأثير دانينغ - كروغر» Dunning - Kruger effect... وهي ليست مرضاً ولا متلازمة ولا اضطراباً نفسياً، بل إنها حتّى موجودة لدى الجميع بنسب متفاوتة منذ ظهور الإدراك البشري، إلّا أنّ دراستها وتوثيقها في علم النفس الاجتماعي لم يبدآ إلّا حديثاً.
جمع العالمان ديفيد دانينغ وجاستن كروغر في ورقة بحثية نشراها عام 1999 في دورية «برسوناليتي أند سوشل سايكولوجي» بيانات لأقوال فلاسفة عدّة منذ سقراط، وأبرزها أنّ «الحكمة الحقيقية الوحيدة هي: معرفة أنّك لا تعرف شيئاً». وفي عام 1871. عزّز تشارلز داروين هذه الحكمة بقوله إنّ «الجهل غالباً ما يعزّز الثقة أكثر من المعرفة».
باختصار، يعتقد الأشخاص غير الكفوئين أنّهم يعرفون أكثر مما يعرفون حقاً ويميلون إلى التباهي أكثر بهذا الأمر.
لاختبار نظرية داروين تلك، أخضع الباحثون بعض الأشخاص لاختبارات في مواضيع مختلفة كالقواعد اللغوية والتفكير المنطقي والفكاهة. وبعد كلّ اختبار، طلبوا من المشاركين تقييم أدائهم وتحديد عدد المشاركين الذين يعتقدون أنّهم تفوّقوا عليهم.
تفاجأ دانينغ وكروغر بالنتائج رغم أنّها جاءت لتؤكّد نظريته. مرّة بعد مرّة، وعلى اختلاف مواضيع الاختبار، أعطى المشاركون الحاصلون على أدنى الدرجات... أعلى تقييم لكفاءتهم. إذ أظهر البحث أنّ المشاركين الذين لم تتجاوز كفاءة أدائهم نسبة 10 في المائة صنّفوا أنفسهم مع الذين تجاوزت كفاءة أدائهم 70 في المائة... وكان هؤلاء من بين الأقل معرفة بالموضوع الذي يعتقدون أنّهم كثيرو المعرفة فيه بل وحتّى خبراء.
حصل دانينغ وكروغر على النتائج نفسها في 10 مجالات مختلفة تقريباً من بينها الرياضيات وتذوّق النبيذ والشطرنج والمعرفة الطبية بين الجراحين، وسلامة الأسلحة النارية بين الصيّادين.
سجّل الاهتمام بتأثير دانينغ - كروغر تزايداً كبيراً خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة والأشهر التي تلت دخول الرئيس الجديد إلى البيت الأبيض. فقد وصلت عمليات البحث عن «دانينغ - كروغر» على محرّك «غوغل» إلى ذروتها في مايو (أيار) 2017. بحسب «غوغل ترندز»، وبقيت مرتفعة منذ ذلك الحين. وسجّل الاهتمام بالتأثير نفسه على موسوعة ويكيبيديا رقماً قياسياً منذ أواخر عام 2015.
ولفت دانينغ إلى أنّ النشاط البحثي حول هذا التأثير أصبح اليوم أكبر بكثير مما كان عليه مباشرة بعد نشره، مع العلم أنّ الاهتمام بموضوعٍ بحثي ما يرتفع عادة في السنوات الخمس التي تلي أي دراسة رائدة ومن ثمّ يتلاشى. وأضاف دانينغ أنّ «الأمر على ما يبدو له علاقة بالرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب وأساليب تعامل النّاس المختلفة معه».
صحيح أنّ تصريحات ترمب كانت مليئة بالمغالطات، إلّا أنّه كان يعبّر عنها بثقة هائلة. يقول ترمب إنّه لا يقرأ كثيراً لأنّه يحلّ المشاكل «بقليلٍ من المعرفة التي يمتلك الكثير منها». كما قال خلال إحدى مقابلاته إنّه لا يقرأ تقارير مطوّلة لأنّه «يعرف تماماً على ماذا تحتوي». ويستخدم هذا الرجل «أفضل الكلمات» ويستشهد «بمستويات ذكائه العالية» لرفض الإجماع العلمي حول التغيّر المناخي.
ونقلت أنجيلا فريتز الخبيرة في الإعلام في واشنطن عن ستيفن سلومان، الأستاذ المتخصص بعلم النفس المعرفي في جامعة براون، أنّ «تأثير دانينغ - كروغر يقدّم شرحاً لنوع من الغطرسة».
ظاهرة سيئة

يعتقد سلومان أنّ هذا التأثير أصبح يتمتّع بشعبية خارج عالم البحث العلمي لأنّه يعبّر ببساطة عن ظاهرة قد تكون موجودة في كلّ واحدٍ منّا، لافتاً إلى أنّ النّاس يتوقون لفهم ما يحصل من حولهم.
تخلو تداعيات تأثير دانينغ - كروغر من الأذى في معظم الأحوال. فإذا حصل وشعرتم يوماً بالثقة الكافية للإجابة على أسئلة أي امتحان، ولكن تبيّن لكم لاحقاً بعد التصحيح أنّ إجاباتكم غير صحيحة، هذا يعني أنّكم جرّبتم هذا التأثير، أي هذه الظاهرة، مباشرة.
في المقابل، يمكن لهذا التأثير أن يكون قاتلاً، ففي عام 2017، صدر بحقّ جرّاح الأعصاب السابق كريستوفر دانتش حكم بالسجن مدى الحياة لتشويهه عدداً من المرضى. وكان أحد مساعدي الجرّاح المسجون قد كتب بعد عملية فاشلة في العمود الفقري أجراها دانتش: «لقد كان أداؤه مثيراً للشفقة. كان يعمل بمستوى جرّاح مقيم في السنة الأولى أو الثانية، ولكنّه لم يكن يملك أدنى فكرة عن مدى سوء أدائه».
يقول دانينغ إنّ التأثير يمكن أن يكون خطيراً لدى الأشخاص المؤثرين الذين يتحكّمون بوسائل تؤدي إلى الضرر، إذا لم يوجد من يتحدّث بصراحة عن أخطائهم. ولفت إلى أنّ حوادث سقوط طائرات عدّة كان يمكن تفاديها لو أنّ أعضاء الطاقم تحدّثوا بجرأة مع طيّار يملك ثقة مفرطة بنفسه.
وشرح دانينغ أنّه «يصادف حالات يكون فيها بعض الأشخاص مراعين جداً للأشخاص في موقع المسؤولية»، مشدّداً على ضرورة أن نحيط أنفسنا بأشخاص لا يمانعون إخبارنا عندما نخطئ». ولكن ما الذي قد يحصل عندما يرفض الأشخاص غير الكفوئين الاعتراف بأنّهم يعانون من بعض القصور؟ هل يثق هؤلاء بمعرفتهم لدرجة رفضهم لمجرّد فكرة التحسين؟ كانت دراسة موسّعة أجراها دانينغ قد أظهرت على نحوٍ غير مفاجئ (ولكن مقلق بعض الشيء)، أنّ أصحاب الأداء الأسوأ هم غالباً الأقلّ تقبّلاً للنقد والأقل اهتماماً بفكرة تحسين الذات.


مقالات ذات صلة

أمر عمل جديد من «هيوماين» لـ«المعمر» يتجاوز 135 % من إيرادات 2025

الاقتصاد جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

أمر عمل جديد من «هيوماين» لـ«المعمر» يتجاوز 135 % من إيرادات 2025

تلقت شركة المعمر لأنظمة المعلومات (إم آي إس) ثاني أمر عمل ضمن اتفاقيتها مع شركة «هيوماين» (HUMAIN)، بقيمة إجمالية تتجاوز 135 في المائة من إجمالي إيرادات الشركة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تُقدم «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» للعمل المستمر عبر التطبيقات مع حوسبة سحابية وصلاحيات وضوابط لإدارة المهامّ تلقائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)

روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

طوّر باحثون في «MIT» روبوتاً سبّاحاً فائق النحافة يستخدم خلايا عضلية حية ومحفزات ضوئية للحركة داخل الماء.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر الأمن السيبراني

يكشف تقرير «PwC» اتساع مخاطر الذكاء الاصطناعي سيبرانياً مقابل استمرار غموض المسؤولية وتفاوت الجاهزية رغم زيادة الميزانيات والاستثمار في الحماية.

نسيم رمضان (لندن)
خاص لا تقتصر السيادة في الذكاء الاصطناعي على وجود البيانات والخوادم بل تشمل السيطرة على النماذج والوكلاء والعمليات والقدرات التشغيلية (شاترستوك)

خاص السعودية تنتقل من بناء القدرة الحاسوبية إلى تشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع

ترى «ماغنا AI» أن المرحلة المقبلة في السعودية تتمثل في تحويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى قدرة تشغيلية سيادية واسعة النطاق.

نسيم رمضان (لندن)

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
TT

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)

من المتفق عليه على نطاق واسع في علم الأعصاب والطب أن الدماغ البشري عضو واحد. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث الحديثة التي قادتها كلية الطب بجامعة ستانفورد نتائج تتعارض مع هذا الاعتقاد العلمي الراسخ منذ فترة طويلة؛ إذ تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة «العلوم العصبية الطبيعية» إلى أن الدماغ البشري نشأ من عضوين منفصلين، وهو اكتشاف قد يؤثر على خيارات العلاج المستقبلية للأمراض التنكسية العصبية واضطرابات الدماغ، وفقاً لموقع «سايكولوجي توداي».

قاد هذه الدراسة كايل لوه، الأستاذ المشارك في جامعة ستانفورد، وأجراها المؤلفان كارولين دوندس وريان جوكهاي، إلى جانب فريق من الباحثين من جامعة ستانفورد، وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا بكاليفورنيا.

قد يجد الشخص العادي أن هذا أمر معقول، فمن المعروف أن المخ يتكون من نصفين؛ دماغ أيمن ودماغ أيسر. ومع ذلك، فإن هذين ليسا المنطقتين اللتين يشير إليهما الباحثون في هذه الدراسة. بدلاً من ذلك، فإن العضوين هما مزيج من الدماغ الأمامي والدماغ المتوسط يعملان كوحدة واحدة، والدماغ الخلفي.

في علم التشريح العصبي، يتكون الدماغ من ثلاث مناطق رئيسية: الدماغ الأمامي، والدماغ المتوسط، والدماغ الخلفي. يقع أكبر جزء من دماغ الإنسان البالغ، وهو الدماغ الأمامي، في الجزء الأمامي من الدماغ، ويحتوي على مناطق الوظائف المعرفية العليا مثل الاستدلال، والكلام، وإدارة الحركات الإرادية، والعواطف، والتكاثر، والأكل، والنوم، ودرجة حرارة الجسم. وتُعد اللوزة الدماغية والحصين والوطاء (تحت المهاد) والمهاد والجهاز الحوفي جميعها جزءاً من الدماغ الأمامي.

وتُعتبر القشرة الحديثة، الواقعة في الدماغ الأمامي، الجزء الأحدث من الدماغ، وتظهر إلى حد كبير في الثدييات.

الدماغ (د.ب.أ)

ويربط بين الدماغ الأمامي الكبير والدماغ الخلفي منطقة أصغر بكثير تُسمى الدماغ المتوسط، وهو ينظم الرؤية والمعالجة الحسية والمنعكسات الحركية. وفي الجزء الخلفي من الرأس يقع الدماغ الخلفي، وهو ينظم وظائف الجسم الأساسية مثل إيقاع التنفس والنوم والحركة ومعدل ضربات القلب.

ويشير مصطلح «جذع الدماغ» إلى الجزء من الدماغ الذي يربطه بالنخاع الشوكي، وهو مزيج من الدماغ المتوسط وأجزاء من الدماغ الخلفي، والجسر، والنخاع المستطيل.

حتى وقت قريب كان يُعتبر أقدم جزء من الدماغ البشري هو جزء الزواحف من الدماغ، والذي يشمل جذع الدماغ والمخيخ. وقد شاع مفهوم «الدماغ الزواحف» بفضل نظرية الدماغ الثلاثي التي قُدمت عام 1969 في سلسلة من المحاضرات ألقاها عالم الفسيولوجيا والطبيب النفسي في جامعة ييل بول ماكلين (1913 - 2007). وتقسم نظريته الدماغ البشري وفق ثلاثة خطوط من التطور المتميز: مركب الزواحف المكون من جذع الدماغ، ومركب الثدييات القديم المكون من الجهاز الحوفي، ومركب الثدييات الحديث المكون من القشرة الحديثة.

ومع ذلك، بدأت نظرية الدماغ الثلاثي تفقد قبولها. وهناك دراسة مختلفة، نُشرت في مجلة «ساينس» عام 2022 من قبل باحثين من معهد ماكس بلانك لأبحاث الدماغ، تدحض مفهوم وجود منطقة دماغية أقدم بعد اكتشاف مجموعة من الخلايا العصبية المتشابهة بين الثدييات والسحالي، والموجودة في جميع أنحاء الدماغ، على الرغم من فترة 320 مليون سنة من التطور المنفصل.

كيف يتطور الدماغ؟

في هذه الدراسة الجديدة التي قادتها جامعة ستانفورد سعى الباحثون إلى فهم عملية تطور الدماغ وتحديد المرحلة التي تتمايز فيها مناطق الدماغ المختلفة، وتحديداً أرادوا معرفة ما إذا كان الدماغ بأكمله ينشأ من سلف واحد أم من عدة أسلاف.

والخلايا السلفية هي خلايا منقسمة يمكنها أن تتكاثر وتتمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا. وعلى عكس الخلايا الجذعية، فإن الخلايا السلفية مهيأة مسبقاً للتطور إلى نوع معين من الخلايا، ويمكنها تجديد نفسها عدداً محدوداً من المرات. أما الخلايا الجذعية فيمكنها التجدد إلى أجل غير مسمى، وهي قادرة على التمايز إلى مجموعة متنوعة من الخلايا.

أنشأ الفريق نموذجاً باستخدام الخلايا الجذعية البشرية متعددة القدرات (hPSCs) إلى جانب فئران المختبر. والخلايا الجذعية متعددة القدرات هي خلايا جذعية بالغة غير متمايزة تم تحفيزها لتكون أشبه بالخلايا الجذعية الجنينية.

وفي عام 2006 اكتشف شينيا ياماناكا طريقة الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات (iPSCs). وتمتلك هذه الخلايا الخاصة القدرة على التحول إلى أي نوع من الخلايا في جسم الإنسان، فضلاً عن تجديد نفسها.

واكتشفوا أنه أثناء تكوين المعيدة (مرحلة تكوين المعدة الجنينية)، ينشأ سلَفان دماغيان في الوقت نفسه وبالتوازي. وتكوين المعيدة هو المرحلة أثناء التطور الجنيني التي تحول الجنين من كرة مجوفة أحادية الطبقة من الخلايا، تُسمى الكيسة الأريمية، إلى معيدة متعددة الطبقات.

ويقدّر الباحثون أن عملية التطور المزدوج المتوازي هذه تعود إلى نحو 550 إلى 600 مليون سنة مضت، وأنها موجودة لدى العديد من الأنواع مثل الرئيسيات، والسمك المخطط، والفئران، والدجاج، وديدان البلوط.

وقد يكون هذا الاكتشاف محفزاً لتحول مهم في علم الأعصاب وعلم النفس والطب النفسي والطب. علاوة على ذلك، قد تؤدي القدرة على نمذجة خلايا عصبية وظيفية للدماغ الخلفي إلى تسريع تطوير علاجات جديدة لأمراض واضطرابات الدماغ في المستقبل.


هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
TT

هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية

على مدى عقود، قيس تقدم الذكاء الاصطناعي في الغالب بما يستطيع فعله: كم سؤالاً يجيب عنه؟ وكم صورة يستطيع تفسيرها؟ وما مدى دقته في التنبؤ أو التشخيص؟ لكن سؤالاً مختلفاً بدأ يفرض نفسه على الباحثين: هل يستطيع النظام أن يعرف متى لا تكون لديه إجابة موثوقة؟

المشكلة في الذكاء الاصطناعي ليست أن يخطئ فحسب، بل أن يقدم أحياناً إجابة خاطئة بثقة توحي بأنها صحيحة. وفي المجالات الحساسة كالطب، يصبح الفرق جوهرياً؛ إذ إن النظام الذي يستطيع الإشارة إلى عدم يقينه قد يكون أكثر أماناً من نظام يعطي إجابة حاسمة عندما لا تكون الأدلة كافية.

ولهذا، يحاول اتجاه بحثي متنامٍ تطوير نماذج لا تكتفي بإنتاج الإجابة، بل تستطيع أيضاً تقدير مدى الثقة بها والتعبير عن عدم اليقين عندما تتجاوز المسألة حدود ما تستطيع معرفته بصورة موثوقة. وهنا يتغير السؤال. فبدلاً من أن نسأل فقط: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب؟ يصبح السؤال الأكثر إثارة: هل يستطيع أن يعرف حدود ما يعرف... ومتى ينبغي له أن يقول «لا أعلم»؟

ما وراء المعرفة... حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي معرفة حدود يقينه

من الذكاء إلى «ما وراء المعرفة»

• «ما وراء المعرفة». يطلق علماء الإدراك على قدرة الإنسان على التفكير في تفكيره وتقييم مدى ثقته بما يعرف اسم «الميتا معرفة» (Metacognition)، أو «ما وراء المعرفة». وهي التي تساعدنا على التمييز بين ما نعرفه بثقة، وما نرجحه، وما لا نملك عنه معلومات كافية.

وتظهر أهمية هذه القدرة بوضوح في الطب؛ فالطبيب الخبير لا يتميز بأنه يعرف الإجابة عن كل حالة، بل بأنه يدرك أيضاً متى لا تكفي الأدلة لاتخاذ قرار آمن؛ فيطلب فحصاً إضافياً، أو يعيد النظر في التشخيص، أو يستشير زميلاً قبل اتخاذ قرار قد يؤثر في حياة المريض. فمعرفة حدود اليقين جزء أساسي من الحكم السريري الرشيد.

واليوم، يحاول الباحثون بناء شيء يشبه هذه القدرة وظيفياً داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ ليس بأن تصبح الآلة واعية بما تعرفه، بل بأن تستطيع تقدير مدى موثوقية إجابتها، والتعبير عن عدم اليقين عندما لا تملك أساساً كافياً للإجابة بثقة.

وهنا تكمن الفكرة الجديدة: قد لا يكون الجيل الأكثر أماناً من الذكاء الاصطناعي هو الذي يجيب دائماً، بل الذي يستطيع أيضاً أن يتعرف على المواقف التي ينبغي فيها ألا يجيب بثقة.

• تعليم الآلة أن تقول: «لا أعلم». في دراسة بحثية نُشرت في 30 يونيو (حزيران) 2026 على منصة الأبحاث العلمية «arXiv»، طوّر فريق بقيادة الباحثة غابرييل كايلي ماي ليو إطاراً جديداً أطلق عليه «التعلّم المعزَّز بالتغذية الراجعة الميتا معرفية» (Reinforcement Learning with Metacognitive Feedback – RLMF)، بهدف معالجة مشكلة أساسية في النماذج اللغوية: أن تبدو واثقة من إجابتها حتى عندما تكون هذه الإجابة غير موثوقة.

ولا يعلّم هذا النهج الآلة «الوعي» بجهلها بالمعنى الإنساني، بل يدربها على تقدير أدائها بصورة أفضل ومواءمة مستوى الثقة الذي تعبّر عنه مع درجة عدم اليقين. وأظهرت التجارب أن هذا الأسلوب حسّن معايرة الثقة، وتفوّق على أساليب التعلم المعزز التقليدية بما يصل إلى 63 في المائة في بعض المقارنات، من دون التضحية بدقة الإجابات.

حين يعرف الذكاء الاصطناعي متى يتوقف... يبدأ دور الإنسان

ولم يبق السؤال محصوراً في دراسة واحدة؛ ففي 13 يوليو (تموز) 2026، نُشرت على «arXiv» مراجعة بحثية بعنوان Metacognition in LLMs: Foundations، Progress، and Opportunities، تناولت بصورة شاملة ما وصل إليه البحث في «الميتا معرفة» لدى النماذج اللغوية. وخلص الباحثون إلى أن المجال بدأ يطور طرقاً لقياس قدرة النماذج على مراقبة أدائها وتقدير عدم اليقين وتعديل سلوكها، لكن سؤالاً أساسياً ما زال مفتوحاً: متى، وكيف، وإلى أي مدى تستطيع هذه النماذج إظهار سلوك ميتا معرفي فعّال؟ وفي 15 أغسطس (آب) 2026، ظهر على «arXiv» بحث أحدث قدّم إثباتاً أولياً للمفهوم لإطار ميتا معرفي يجعل مجموعة من النماذج تراقب مؤشرات في أدائها، مثل احتمال صحة الإجابة ووجود معلومات متعارضة وتعقيد المشكلة، ثم تستخدم هذه الإشارات لتحديد ما إذا كانت المهمة تستدعي معالجة أكثر تدبراً. ولا يمثل ذلك بعدُ حلاً جاهزاً للاستخدام السريري، لكنه يكشف عن اتجاه البحث: ألا يكون الهدف فقط جعل النموذج أكثر قدرة على الإجابة، بل أكثر قدرة على تمييز الحالات التي لا تكفي فيها إجابته أو تحتاج إلى مزيد من التفكير والمعلومات.

وهنا تكمن أهمية التحول؛ فبدلاً من مكافأة النظام دائماً لأنه قدّم إجابة، قد يصبح أحد معايير جودة الذكاء الاصطناعي مستقبلاً قدرته على التوقف عندما لا تكفي الأدلة، أو طلب معلومات إضافية، أو الإفصاح عن عدم اليقين بدلاً من ملء الفراغ بإجابة واثقة.

• الثقة لا تقل أهمية عن الدقة. في الطب، لا تكفي الإجابة الصحيحة وحدها؛ فجزء أساسي من القرار السريري هو معرفة مدى قوة الأدلة التي تستند إليها، ودرجة الثقة التي تستحقها. فالطبيب الخبير قد يرجّح تشخيصاً معيناً، لكنه لا يتعامل مع كل الاحتمالات بالدرجة نفسها من اليقين. وقد يطلب تصويراً إضافياً أو تحليلاً مخبرياً، أو يستشير زميلاً، عندما يدرك أن المعلومات المتاحة لا تكفي لاتخاذ قرار آمن. وهنا لا يكون التردد ضعفاً في المعرفة، بل جزءاً من سلامة القرار الطبي.

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يقول «لا أعلم»

وتواجه أنظمة الذكاء الاصطناعي مشكلة مشابهة، ولكن بصورة مختلفة؛ فقد ينتج النموذج إجابة صحيحة، وقد ينتج في أحيان أخرى معلومة غير صحيحة أو غير مدعومة، فيما يُعرف عادةً بـ«الهلوسة». والمشكلة الأكثر حساسية أن صياغة الإجابة قد تبدو واثقة ومقنعة حتى عندما تكون خاطئة.

ولهذا يميز الباحثون بين دقة الإجابة ومعايرة الثقة (confidence calibration)، فإذا قال النظام إنه واثق بنسبة مرتفعة، فهل تتوافق هذه الثقة فعلاً مع احتمال أن تكون إجابته صحيحة؟ وكلما اتسعت الفجوة بين الثقة والدقة، ازدادت احتمالات أن يثق المستخدم بإجابة لا تستحق هذه الثقة.

وفي الطب، تصبح هذه المسألة أكثر من مشكلة تقنية. فالنظام الآمن لا ينبغي أن يكون جيداً فقط في الحالات التي يعرفها، بل أن يكون قادراً أيضاً على رفع إشارة تحذير عندما تخرج الحالة عن نطاق موثوقيته، أو عندما لا تكفي المعلومات المتاحة لاتخاذ قرار.

الخبرة البشرية أعمق من البيانات

• ما لا تستطيع البيانات أن تعلّمه. لكن معرفة حدود الإجابة تفتح سؤالاً أعمق: هل كل ما يعرفه الإنسان يمكن تحويله أصلاً إلى بيانات وقواعد قابلة للتعلم؟

منذ قرون، انشغل الفلاسفة بطبيعة المعرفة وحدودها. ومن ابن رشد، الذي جعل للعقل والبرهان مكانة مركزية في النظر، إلى الفيلسوف والعالم مايكل بولاني الذي صاغ في القرن العشرين مفهوم «المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge)»، واختصر فكرته بعبارته الشهيرة: «نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». فالخبرة المهنية لا تتكون من الكتب والمعلومات الصريحة وحدها. إنها تتشكل أيضاً من آلاف المواقف المتراكمة، ومن ملاحظة أنماط دقيقة قد يصبح الخبير قادراً على التقاطها قبل أن يستطيع شرح الأسباب التي قادته إليها بصورة كاملة.

قد يدخل طفل إلى قسم الطوارئ، وتبدو بعض قياساته الأولية ضمن الحدود المطمئنة، لكن طبيب الأطفال الخبير يلاحظ في مظهره أو سلوكه أو طريقة تنفسه شيئاً يدفعه إلى عدم الاطمئنان. وما نسميه أحياناً «الحدس السريري»، قد لا يكون حدساً غامضاً، بل حصيلة سنوات من التعرض لحالات وأنماط أصبحت جزءاً من الحكم المهني السريع.

وهنا يظهر تحدٍّ مختلف أمام الذكاء الاصطناعي؛ فالخوارزمية تستطيع التعلم من كميات هائلة من البيانات الممثلة رقمياً، لكن الخبرة البشرية تحتوي أيضاً على معرفة سياقية وضمنية يصعب أحياناً تدوينها وقياسها وتحويلها إلى بيانات تدريبية.

ولذلك، قد لا يكون السؤال فقط: كيف نعلّم الآلة مزيداً مما نعرف؟ بل أيضاً: كيف نعلّمها التعامل مع ما لم نستطع نحن أنفسنا تحويله إلى بيانات واضحة؟

• هل تعرف الآلة فعلاً حدود معرفتها؟ الإجابة حتى الآن: ليس بالمعنى الذي يعرف به الإنسان حدود معرفته؛ فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن النماذج اللغوية يمكن تدريبها على تقدير درجة عدم اليقين في إجاباتها ومعايرة مستوى الثقة بها بصورة أفضل. لكن ذلك لا يعني أن النموذج أصبح واعياً بما يعرف وما يجهل، ولا أن تقديره لعدم اليقين يماثل إدراك الإنسان لحدود معرفته.

وهنا ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين من «عدم المعرفة»؛ الأول عدم يقين يمكن تقديره حسابياً: كأن تكون الأدلة متعارضة، أو تكون احتمالات عدة إجابات متقاربة، أو تواجه الخوارزمية حالة تختلف عما تدربت عليه. وهذا هو المجال الذي تحاول تقنيات المعايرة والميتا معرفة الاصطناعية تحسينه.

أما المستوى الآخر فأكثر تعقيداً: المعرفة التي لم تدخل البيانات أصلاً، أو السياق الذي لم يُمثَّل فيها، أو الخبرة الضمنية التي يصعب تحويلها إلى أرقام وكلمات. وهنا لا تكفي زيادة ثقة النموذج أو خفضها؛ لأن النظام قد لا يمتلك أساساً ما يخبره بأن شيئاً مهماً غائب عن الصورة.

وهذا هو الفارق الجوهري: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أفضل في تقدير عدم يقينه فيما يستطيع معالجته، لكن ذلك لا يعني أنه أصبح قادراً على إدراك جميع حدود المعرفة التي لم تصل إليه. وبصياغة أبسط: قد تتعلم الآلة أن تقول: «لا أعلم» عندما تشك في إجابتها، لكن التحدي الأصعب هو أن تعرف متى ينبغي لها أن تشك أصلاً.

• الإنسان يرى ما قد لا تراه الخوارزميات. من المرجح أن تصبح النماذج المستقبلية أفضل في تقدير عدم اليقين والتعبير عنه، وقد يكون هذا التطور في المجالات الحساسة، وفي مقدمتها الطب، مهماً بقدر تحسين الدقة نفسها. فالنظام الذي يعرف متى يخفض ثقته، أو يطلب معلومات إضافية، أو يحيل القرار إلى الإنسان، قد يكون أكثر أماناً من نظام يسعى إلى تقديم إجابة في كل مرة.

متى تكون «لا أعلم» الإجابة الأكثر أماناً... والخبرة البشرية أعمق من البيانات؟


من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي
TT

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

كشفت دراسة حديثة عن نموذج جديد يعتمد على التعلم الآلي قد يرفع دقة الفحوصات الجينية في أثناء الحمل، ويقلل حالة عدم اليقين التي تواجه الأسر عند اكتشاف تغيرات وراثية غير واضحة المعنى.

وطوّر باحثون في مستشفى الأطفال المرضى في كندا نموذجاً قادراً على تحويل علامات جينية محددة مستخرجة من عينات الدم إلى مؤشرات يمكن التعرف إليها في أنواع مختلفة من الأنسجة، بما فيها العينات المستخدمة في فحوصات ما قبل الولادة.

ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد تمثل خطوة مهمة نحو تشخيص مبكر وأكثر دقة للأمراض الوراثية والاضطرابات النمائية العصبية لدى الأجنة، وتوفير معلومات أوضح للأطباء والأسر عند اتخاذ القرارات المتعلقة بصحة الطفل. ونُشرت الدراسة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في 6 أغسطس (آب) 2026.

«بصمات فوق جينية»

• عندما لا يعرف الأطباء معنى التغير الجيني. أتاحت التطورات الكبيرة في تقنيات قراءة الجينوم لعدد متزايد من الأسر إجراء فحوصات جينية في أثناء الحمل، والحصول على معلومات حول صحة الجنين، واحتمال ارتباط بعض التغيرات في الحمض النووي باضطرابات وراثية أو نمائية.

لكن هذه الفحوصات قد تكشف أحياناً عن تغيرات جينية لا يملك الأطباء أدلة كافية لتحديد طبيعتها. وتعرف هذه التغيرات باسم «متغيرات ذات أهمية غير مؤكدة» variants of uncertain significance (VUS)؛ إذ لا يمكن الجزم بسهولة بأنها ضارة أو حميدة.

وتشير الباحثة في علم الوراثة السريري الدكتورة روزانا ويكسبرغ، من علم الوراثة وبيولوجيا الجينوم معهد أبحاث مستشفى الأطفال المرضى في تورونتو، إلى أن نحو ثلث الحالات التي يظهر فيها تغير جيني جديد قد تترك الأطباء أمام سؤال صعب: هل يمثل هذا التغير خللاً مرضياً أم أنه مجرد اختلاف طبيعي في التطور؟ وتزداد المشكلة مع العدد الهائل من المتغيرات الجينية التي يصعب على المختصين تحليلها جميعاً بالطرق التقليدية.

• «بصمات» تكشف الأمراض. واستند الباحثون إلى مفهوم يعرف باسم «البصمات فوق الجينية» Episignatures وهي أنماط كيميائية مميزة تظهر على الحمض النووي، ويمكن أن تكشف عن وجود بعض الاضطرابات الوراثية. وفي عام 2020 طور مختبر الدكتورة روزانا ويكسبرغ منصة «EpigenCentral» التي تستخدم هذه البصمات المستخرجة من الدم لمساعدة الأطباء في تحديد ما إذا كان تغير جيني معين مرتبطاً بمرض أم لا.

وساعد الفريق حتى الآن في تحديد أكثر من 60 بصمة فوق جينية ثبتت فائدة معظمها في التشخيص السريري. لكن كانت هناك مشكلة رئيسية هي أن هذه البصمات كانت مرتبطة بنوع النسيج الذي أخذت منه العينة. فما يمكن التعرف إليه في الدم قد لا يعمل بالضرورة عند استخدام عينة من السائل الأمنيوسي أو المشيمة.

دور الذكاء الاصطناعي

• الذكاء الاصطناعي يتجاوز حاجز الأنسجة. وللتغلب على هذه المشكلة، طور الباحثون نموذجاً للتعلم الآلي يحول البصمات المستخرجة من الدم إلى بصمات مستقلة عن النسيج؛ أي يمكن التعرف إليها بغض النظر عن مصدر العينة.

ولاختبار النموذج أنشأ الفريق بصمة مرتبطة بمتلازمة داون Down syndrome باستخدام عينات من 266 شخصاً مصاباً بالمتلازمة، ثم درّب النموذج على بيانات متاحة لأكثر من 850 شخصاً من المصابين وغير المصابين، شملت ستة أنواع مختلفة من الأنسجة قبل الولادة وبعدها.

وأظهرت النتائج أن النموذج تمكن من التعرف بدقة على البصمة المرتبطة بمتلازمة داون في جميع أنواع الأنسجة التي جرى اختبارها. ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تثبت إمكانية تحويل بصمة جينية مأخوذة من الدم إلى أداة يمكن استخدامها في عينات مختلفة، ما قد يجعلها مفيدة في مجال التشخيص أثناء الحمل.

• نحو فحوصات أقل تدخلاً. ولا تقتصر أهمية التقنية على عينات الحمل؛ إذ يأمل الباحثون في استخدامها مستقبلاً مع عينات يسهل الحصول عليها مثل اللعاب ومسحات الفم، ما قد يقلل الحاجة إلى سحب الدم أو الحصول على عينات أكثر تعقيداً.

وتقول الدكتورة سناء شوفاني، من نفس معهد أبحاث مستشفى الأطفال المرضى في كندا، التي شاركت في قيادة الدراسة، إن الهدف هو تزويد الأسر التي تواجه احتمال وجود اضطراب نمائي عصبي بأكبر قدر ممكن من المعلومات الدقيقة، وتقليل ما يعرف بـ«رحلة التشخيص» الطويلة التي يعيشها كثير من مرضى الأمراض النادرة.

ولا تزال التقنية بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل استخدامها على نطاق واسع في الممارسة السريرية، لكن الباحثين يرون أنها قد تمثل خطوة نحو تشخيص وراثي أكثر دقة وفي وقت أبكر بما يمنح الأسر والأطباء معلومات أوضح لاتخاذ القرارات المتعلقة بصحة الطفل.