هيلانة الشيخ: الكتابة إن لم تكن متمردة فلا حاجة إليها

اعتبرت الأنوثة أعظم أسلحتها

هيلانة الشيخ
هيلانة الشيخ
TT

هيلانة الشيخ: الكتابة إن لم تكن متمردة فلا حاجة إليها

هيلانة الشيخ
هيلانة الشيخ

رغم أن المرأة بهمومها وأوجاعها تشكل ملمحاً رئيسياً من ملامح العالم الروائي للكاتبة السعودية من أصل فلسطيني، هيلانة الشيخ، فإنها لم تزعم يوماً أنها أديبة «نسوية»؛ بل ترفض سعي بعض الأديبات لخلع صفة «الضحية» على تجاربهن من بوابة الأنوثة.
مؤخراً صدرت لها روايتها «بماذا أخبر الله» التي تنتصر فيها للمرأة «وسط عالم متوحش يموج بالقبح». وهي تصف نفسها بأنها «مجرد كائن يتنفس حروفاً، ويأكل حبراً، وينام متوسداً الورق».
هنا حوارنا معها على هامش زيارتها مؤخراً للقاهرة، حول روايتها الجديدة وهواجس الكتابة:
> في روايتك الأخيرة «بماذا أخبر الله» ترصدين معاناة كاتبة عربية في وسط أدبي متوحّش، قائم على معاداة المرأة أو استغلالها. إلى أي حد يعكس النص بعضاً من الخبرة الشخصية للمؤلفة؟
- هو انعكاسٌ عكسيٌّ، قياساً على تجربتي الشخصية، ومحاكاة كاملة لرؤى وتجارب كاتبات عرفتهن عبر الواقع. العداوات دعمت وجودي، وحفّزتني على مراقبة أخطائي وإصلاحها، وعدم تركها لمن يتصيّدون ويحفرون في الخفاء والعلن. الرجل أيضاً مُستغَل ومُستهدَف؛ لكن للأسف، أغلب النساء يحمّلن فشلهنّ على عاتق «الأنوثة»، بينما أعتبرها أعظم أسلحتي التي أتذرّع بها.
> تبدو اللغة موجعة وجارحة في هذا العمل، كما في تلك الجملة التي وردت على لسان الراوية: «اليد! رغم كثرة الأيادي التي حاولَتْ مراراً دفني حيّة، كان باستطاعتي قطعها، والخروج بيدٍ واحدة، ممتدّة لي وحدي!»؛ فمن أين تأتي كلّ هذه القسوة؟
- تأتي من القُبح الذي قتل جماليّات الحياة البدائية، من الصدق الذي نفتقده، حتّى بيننا وبين أنفسنا، من التجرّد عن تكلُّفات الحياة ومظاهرها، من التماهي مع الوجع المُعاش والمُتخَيّل. القسوة حصيلة ظلم تجرعته، فلفظتُه عبر كلماتٍ ترجُمُ كلّ ظالم، وإنْ كنتُ أحدَ الظالمين. كلّما احتدم في داخلي وجعٌ ما، ازدادت قسوتي، ورجحت على ضَعفي وليونة طبعي التي أكرهها أحياناً.
> جاءتك الرواية مكثفة للغاية، قصيرة نسبياً، هل كان الأمر مقصوداً؟
- لا، أبداً. لكنّي -دون قصد- لا أجيد الثرثرة، وأقتصّ الزيادات من كلّ شيء. المهم عندي هو أنه عندما نفقد صوت الحقيقة ووجه الحاضر، نعتكف في عزلة عن الواقع القبيح، نرفض الصمت وننغمس في الخيال، نتنفسه كبديلٍ للهواء المسمم الملوّث بدماء الأبرياء، أو دنسِ الجهل والظلم ومرارة الحرمان والفقر الذي تحول إلى كابوسٍ قاتل أو حلمٍ واهٍ.
هكذا نطلق العنان لأوجاعنا وذكرياتنا، حتى لا تتفشى كالأورامِ في دواخلنا وتقتلنا.
> في روايتك «امرأة أمسكت في ذات الفعل» وصف مكثف مشحون لفتيات من جنسيات عربية مختلفة، يقفن بمفردهن في وجه عواصف عاتية لعالم غير عادل. إلى أي حد امتزج الواقع بالخيال في هذا العمل؟
- الواقعُ محضُ خيالٍ يا صديقتي. كلُّ ما نعيشه اليوم عارٍ من الحقيقة المطلقة. لذا، أنسجُ خيالاً من خيوط الواقع. أتصيَّد حدثاً، وأبني عليه مجموعة من الوقائع. أقف دائماً على منطقية الفكرة، فلا أستهين بذكاء القارئ، حتّى يكاد يجزم بأنه حدثَ بالفعل.
> أليس غريباً أن جميع النماذج الذكورية في العمل جاءت تقريباً غير سوية ومشوّهة على المستوى النفسي؟
- لا. مثلاً: والد «هلا» رجل فقير يعتدّ برجولته وشرفه. وهذا بديهيٌّ، الزوج والأبناء لا يعانون من أي تشويه. وحدها «هلا» تعاني من تشوّهات، نتيجة انجرافها في رغباتها. الرجل ليس مُتّهما بالتشوّهات النفسية في أعمالي. وأضع المرأة في تهمة لا أعتبرها تشوهاً بقدر ما فيها من جماليات.
> على المستوى الشخصي، تبدين غاية في الرقة والهدوء والصوت الخفيض، أما على الورق، فتبدو نصوصك محتشدة بالصخب والغضب والعنف، كأنك تكتبين بحدّ السكين، كيف ترين هذه المفارقة؟
- حيرتُ من حولي. هذا الهدوء وتلك السكينة، اكتسبتهما عبر ممارسة الكتابة؛ أفرغت سوادي وحزني ووجعي عبر كلماتي، دون التجمّل. ضريبة الرّقة دفعتها على الورق. كلماتي امتداد للأنوثة التي طغت على كينونتي، فسلبتني كثيراً من الفرح الذي لا أجده إلا في نجاح عملٍ لي. ربما تجاهلي لـهيلانة خلقَ عالماً مغايراً، لا يشبهها، رغم الشبه المريب بيننا.
> هناك أيضاً نَفَس شعري في نصوصك، فما علاقتك بالشعر عموماً؟
- قال لي ذات مرّة، الشاعر الجميل فاروق جويدة: «اكتبي الشعر يا هيلانة. أنتِ شاعرة بالفطرة، وإن كسرتِ الوزن». فورّطني فيه. على الرغم من العداوة الشديدة بيني وبين الشعر، فإنه يغلبني مرّات، وأنتصر عليه مرّات أُخر. لستُ شاعرة، وإنْ أجدت كتابة بعض الأبيات. فهي نزوة عابرة، تنتهي لذّتها عند حضور السرد.
> كيف ترين ظاهرة الشعراء الذين تحوّلوا إلى كتابة الرواية؟
- الرواية امرأة فاتنة، تمارس غوايتها على كلّ كاتب. البعض يسقط أمامها ولا يعود، البعض يسقط وينهض، والبعض لا يسقط؛ لكن هؤلاء يحلمون بها. الرواية خلاصة الأجناس الأدبية، وإن كنتُ أعتبر الشعراء أعلى منزلة من الروائيين. فالشعر أوّل أبواب الجحيم وآخرها.
> تعرّفين نفسك بأنك «مجرد كائن يتنفس حروفاً، ويأكل حبراً، وينام متوسداً الورق»، فكيف بدأت علاقتك بالكتابة؟
- بدأت مُذْ باشرَتْ ملامح أنوثتي تتناثر على جسدي. فلسفة الجمال شغلتني. قرأت الشعر والقصص، استفزّني الأدب، كوحي لم أستطع مقاومته! قال لي: «اكتبي، فلن يفهمك غير الورق». علاقة عشقٍ تجسّدت على هيئة نصوص. الخاطرة تحوّلت رواية. وأنا أستمد هويتي من كلّ التفاصيل التي تخترق حواسي؛ كالرقص، والموسيقى، والرسم، والسباحة، والركض، والطبخ، والسفر، وأمومتي، وآدميّتي، حتّى الأعمال المنزليّة جزء من هويّتي كروائية وكاتبة.
> على ذكر الرسم، ما الذي تبقى من علاقتك به الآن بعد أن صاحبك في بداياتك الأولى؟
- شغفي بالرسم لن يغيب، هو أحد الروافد والنوافذ المهمة للسرد، ومقوم جمالي خاص.
> وصف بعض الإعلاميين والنقّاد كتاباتك بـ«المتمرّدة» و«الجريئة»، كيف تنظري إليه؟
- إن لم تكن الكتابة تمرداً وخروجاً عن المألوف، فلا حاجة لنا بها. الكتابة رجسٌ نحاول التخلّص منه، سخطٌ نحتجُّ به على الكون، ونجتاحه. قناعاتٌ نسطّرها، وإن تعصّى علينا فعلها، تنتهي كنصٍّ حبيس الورق.
> يبدو أن لك رأياً سلبياً في الجوائز الأدبية على الساحة العربية؟
- انتقدتُ فقط «البوكر». أنا قارئة جيّدة إلى حدّ ما. وما وصل في السنوات الثلاث الأخيرة إلى القائمة القصيرة، وصل عن استحقاق. لكن الفوز ليس عادلاً. عندما تفوز رواية هدى بركات «بريد الليل» على «النبيذة» لإنعام كجه جي، أو على كفى الزعبي، في عمل أقلّ منافسة، فلا بد أن نتساءل: لماذا؟ ما هي معايير هذا الفوز؟! وعندما تفوز رواية «دفاتر الورّاق» لجلال برجس على رواية عبد اللطيف عبد ربه الجزائري، فهذا ظلم ظاهر، لا يمكن تبريره بالذائقة أو الصمت عليه، ولا أريد الخوض أكثر.
> يتردد اسمك أكثر من مرة في عناوين مؤلفاتك، كما في «مقتطفات الهيلانة»، وهي نصوص نثرية، و«الهيلانة» وهو ديوان شعري، ألم تتخوفي من اتهامك بالنرجسية وتضخم الأنا؟
- لا أخاف الاتهامات، ولا أعيرها اهتماماً. قناعاتي ابنة فعلٍ ووثوق، لا تتأثّر بمَن حولي. داخل كلّ كاتب أو كاتبة نرجسية ما. من الغباء أن يتلذذ بها أحياناً، ويتنصّل منها أحياناً أخرى. نحن بشر نعشق الأنا، مهما تظاهرنا بعكس ذلك.


مقالات ذات صلة

البنك الدولي: السعودية ترسم نموذجاً عالمياً في تمكين المرأة

الاقتصاد النساء السعوديات يعملن في معظم القطاعات (واس)

البنك الدولي: السعودية ترسم نموذجاً عالمياً في تمكين المرأة

كشف البنك الدولي أن السعودية سجلت واحدة من أسرع الزيادات في معدلات مشاركة المرأة في القوى العاملة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد المرأة السعودية ركيزة أساسية في دفع عجلة التنمية وبناء المجتمع (واس)

المرأة السعودية في 2024: انخفاض البطالة... وارتفاع المشاركة الاقتصادية

تشهد السعودية تحولاً تاريخياً غير مسبوق في تمكين المرأة، حيث أصبحت مشاركتها الفاعلة في مختلف المجالات حجر أساس في تحقيق مستهدفات «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد المواقع التعدينية بالسعودية (واس)

رسمياً... السعودية تُطلق جمعية «المرأة في التعدين» غير الربحية

أعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية عن تأسيس جمعية «المرأة في التعدين» غير الربحية، بهدف تمكين المرأة السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق السعودية أروى العبيد: الموسيقى تُولد من جذور الأرض وتُحلّق في الآفاق

السعودية أروى العبيد: الموسيقى تُولد من جذور الأرض وتُحلّق في الآفاق

خلال سنوات دراستها وعيشها في بريطانيا، تلمّست خيطاً ناعماً يربط الشعوب، فيتجاوز الصوت واللغة إلى المعنى. هو المعنى الذي يبحث عنه الجميع، مهما اختلفت الجغرافيا.

فاطمة عبد الله (الشارقة)
رياضة سعودية مي الرشيد (الشرق الأوسط)

في إنجاز للمرأة السعودية… مي الرشيد تفوز برئاسة الاتحاد العربي للريشة الطائرة

في خطوة تعكس التقدم المتواصل للمرأة السعودية في المجال الرياضي، انتُخبت مي الرشيد رئيسةً للاتحاد العربي للريشة الطائرة.

«الشرق الأوسط» (بكين)

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.