يوميات أوكرانية نجت من «نهاية العالم»

«الشرق الأوسط» تروي قصة هروبها من خاركيف في أيام الحرب الأولى

لودميلا وفيليب في مقهى بجيشوف (الشرق الأوسط)
لودميلا وفيليب في مقهى بجيشوف (الشرق الأوسط)
TT

يوميات أوكرانية نجت من «نهاية العالم»

لودميلا وفيليب في مقهى بجيشوف (الشرق الأوسط)
لودميلا وفيليب في مقهى بجيشوف (الشرق الأوسط)

لم يتردد فيليب، البريطاني المتقاعد، في مغادرة بيته بشيغويل، شمال لندن، للقاء شريكته لودميلا بجيشوف، القريبة من الحدود البولندية - الأوكرانية. «عشت عشرة أيام من الجحيم وأنا أتابع من لندن أخبار لودميلا. فقد أمضت أكثر من أسبوع في قطار الأنفاق بخاركيف على وقع القصف المستمر والقنابل، لتنطلق بعد ذلك في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو لفيف، ومنها إلى الحدود».
رافقت «الشرق الأوسط» فيليب في ساعات الانتظار الأخيرة، فيما كانت لودميلا تنتظر عبور نقطة ميديكا الحدودية. «ستتجه إلى جيشوف قريباً. أتوقع وصولها قبل بزوغ الفجر».
- 10 أيام من الجحيم
كانت لودميلا في شقتها بالطابق الخامس في أحد أحياء خاركيف، عندما سمعت انفجاراً ضخماً صباح 24 فبراير (شباط). «توجهتُ إلى النافذة، ورأيت حريقاً كبيراً وأعمدة دخان تتصاعد. أدركت أن الحرب قد بدأت».
كان رد فعلها الأول أن تتصل بابنها سيرغي وصديقاتها، «خذوا أطفالكم وأوراقكم الثبوتية، وتوجهوا إلى أقرب محطة أنفاق!!». تعيش لودميلا، التي فقدت جدها في محرقة النازيين وخدم والدها في صفوف الجيش الأحمر، بمفردها وترعى قطاً طاعناً في السن. تقول لـ«الشرق الأوسط»، «مورزيك مريض ويحتاج لرعاية. لم أستطع اصطحابه معي، فقمت بإطعامه عن طريق حقنة طبية. وغادرت الشقة». توجهت لودميلا إلى محطة الأنفاق برفقة جيرانها. أما ابنها سيرغي، فقد تعرض سقف بيته للقصف، واصطحب حماته التي تقيم بالقرب منه إلى مكان آمن.

أحد أحياء خاركيف بعد القصف الروسي (أ.ف.ب)

«أمضينا أول ثلاثة أيام بلياليهن تحت الأرض، بينما كان القصف مستمراً دون توقف. كانت المحطة مليئة بالنساء والأطفال والمسنين والحيوانات الأليفة. بذل الساهرون على المحطة والمتطوعون جهداً رائعاً لتنظيم آلاف الأشخاص، وتوفير الماء وبعض الغذاء وحليب الأطفال وتنظيف المرافق الصحية. فتحوا مقطورات قطار متوقف لإيواء المستضعفين. لم تكن لدينا كهرباء». قدرت لودميلا عدد المحتمين في المحطة بقرابة 8 آلاف. «يجلسون على الأرض، وعلى الدرج، وفي المقطورات».
نجحت لودميلا في الخروج من المحطة في اليوم الرابع من الحرب، وتوجهت إلى شقتها لنقل قطها مورزيك إلى مكان آمن. «أمنتُ مكاناً للقط المريض لدى عيادة بيطرية تؤوي حيوانات أليفة في القبو. كنت أدرك أنه يعيش آخر أيامه». كان لدى لودميلا مهمة أخرى: توزيع الغذاء الصالح في ثلاجتها على الجيران الذين لم يتمكنوا من مغادرة بيوتهم، وحزم أمتعتها الأساسية: ملابس ساخنة، لعبة بلاستيكية أهداها لها ابنها عندما كان في الثالثة من عمره، وصورة حصلت عليها من والدتها الراحلة.

مدنيون يحتمون من القصف في محطة أنفاق (رويترز)

مع مرور كل يوم، كانت لودميلا تحاول تأمين طريق للخروج من خاركيف. «كان ابني ينصحني بالتوجه نحو كييف ومنها إلى لفيف، لكن العملية كانت صعبة. كان ينبغي عليّ التوجه إلى محطة القطار الرئيسية أولاً، والانطلاق نحو العاصمة من هناك. إلا أن الأولوية كانت للأمهات وأطفالهن».
في اليوم العاشر، عرض أحد المتطوعين نقلها إلى محطة القطار على متن سيارته. «كنت محظوظة للغاية». إلى جانب آلاف النازحين، انتظرت عدة ساعات خارج منصة القطار. «كان متطوعون ورجال أمن وقوات الدفاع الإقليمي ينظمون الحشود، ويمدوننا بالماء، وحتى أكواب شاي». رغم الازدحام الشديد، نجحت لودميلا في ركوب إحدى المقطورات، ليبدأ الجزء الثاني من رحلتها.
«كان القطار يسير بسرعة 20 كيلومتراً في الساعة. توقف السائق عدة مرات، لأن الوضع لم يكن آمناً أو لإجلاء مصابين. مئات الأطفال كانوا يبكون من كل جهة بسبب الخوف والبرد والجوع. أما الأمهات، فاستسلمن للرعب مما هن فيه وما قد يأتي. إنها نهاية العالم».
- بوتين «المحرر»
لم يغادر الرجال في سن القتال خاركيف، وانضموا إلى صفوف الجيش ووحدات الدفاع الإقليمي. تعرضت خاركيف، ثاني كبرى مدن أوكرانيا، لقصف كثيف منذ الأيام الأولى من الحرب الروسية. «غالبية القاطنين في هذه المدينة يتحدثون اللغة الروسية. فكثير من العائلات تتحدر من روسيا، التي لا تبعد حدودها سوى 40 كيلومتراً. وتتبادل الزيارات بانتظام». تضيف لودميلا: «كان بوتين يتوقع أن تستقبل خاركيف جنوده بالأحضان. يصفهم بالمحررين. من ماذا يعتقد أنه يحررنا؟ ما الذي اقترفته مدينتنا الجميلة لتنهمر عليها القنابل؟ أين أخطأت دار الأوبرا لتستحق غضب المقاتلات الروسية؟ بماذا أساءت له الحدائق والمجمعات التجارية والمستشفيات؟».
استهدف القصف الروسي مستشفى خاركيف لأمراض القلب. «كنت أتردد على هذا المستشفى باستمرار، بسبب متاعب صحية أعاني منها منذ فترة. دمروا المستشفى، كما دمروا جناح الولادة القريب منه. هناك وُلد ابني سيرغي».
- الملاذ البولندي
استغرقت الرحلة إلى كييف 9 ساعات، بدل الأربع المعتادة. انتظرت لودميلا 8 ساعات أخرى لركوب قطار متجه نحو لفيف، لتُمضي 20 ساعة إضافية على متنه قبل الوصول إلى وجهتها.
استبق فيليب وصول لودميلا إلى لفيف بحجز غرفة فندق تُقيم بها ليلة على الأقل قبل شد الرحال نحو الحدود. ويقول: «لك أن تتصوري خيبة أملي عندما تلقيت رسالة من الفندق تُبلغني بإلغاء الحجز. فلودميلا تأخرت عدة ساعات، والأولوية للأمهات والأطفال من النازحين».
وجدت لودميلا نفسها مرة أخرى دون مكان دافئ يؤويها، حتى تلقت اتصالاً من ابنها. «أمن لي سيرغي مكاناً في أحد فروع الشركة التي يعمل بها بلفيف». استعادت لودميلا بعضاً من قوتها، ونسقت رحلة الحدود مع أصدقاء لها موجودين في لفيف. «كانت معهم سيارة، وعرضوا اصطحابي إلى جيشوف رغم توجههم إلى مكان آخر في بولندا. حالفني الحظ مرة أخرى، أم ربما كانت دعوات أمي».
- رحلة العودة إلى لندن
بعد أيام بدت كأنها أسابيع، تحققت آمال فيليب، ووصلت شريكة حياته سالمة إلى جيشوف.
تقول لودميلا، من أحد مقاهي جيشوف البولندية، إنها لم تُدرك بعد ما حصل. «أتواصل مع ابني وصديقاتي كل يوم. بعضهن لا يزال في محطة الأنفاق بخاركيف، فيما بلغت أخرى لفيف حيث قررت البقاء، وانضمت الأخيرة لابنتها المقيمة في هولندا».
يستعد الزوجان لخوض المرحلة الأخيرة من الرحلة؛ تأمين تأشيرة دخول لودميلا إلى بريطانيا. يأمل فيليب أن لا تُفاقم الإجراءات المعقدة معاناة شريكته. «العملية معقدة للغاية وبطيئة. قد نضطر للبقاء هنا عدة أسابيع». ويقول بشيء من السخرية: «قد يكون هروب لودميلا من الحرب والدمار أهون من إجراءات التأشيرة البريطانية».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: الضفة الغربية شهدت أعلى نسبة تهجير الشهر الماضي

المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون يراقبون في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال جولة أسبوعية في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 31 يناير 2026 (رويترز)

الأمم المتحدة: الضفة الغربية شهدت أعلى نسبة تهجير الشهر الماضي

قالت الأمم المتحدة، الخميس، إن هجمات المستوطنين الإسرائيليين ومضايقاتهم في الضفة الغربية المحتلة تسببت في تهجير نحو 700 فلسطيني خلال شهر يناير.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
أوروبا متظاهر يحمل وشاحاً كُتب عليه «كردستان» خلال مظاهرة في برلين 24 يناير احتجاجاً على الاشتباكات العسكرية الأخيرة بين الجيش السوري وقوات «قسد» (رويترز)

مسؤولون ألمان يأملون بزيارة الشرع قريباً لمناقشة «قسد» وعودة اللاجئين

رغم تأجيل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأسبوع الماضي، زيارته إلى ألمانيا بسبب المعارك مع «قسد»، لا تزال برلين تأمل في إتمام الزيارة قريباً لمناقشة ملفات أساسية.

راغدة بهنام (برلين)
العالم مهاجرون على متن قارب مطاطي ينتظرون إغاثتهم من قبل أفراد طاقم سفينة إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا... 16 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: مئات المهاجرين فُقدوا في البحر المتوسط خلال يناير

رجّحت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، الاثنين، أن يكون مئات المهاجرين فُقِدوا أو قضوا في البحر المتوسط خلال شهر يناير نتيجة حوادث غرق القوارب.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يصافح وزير الدولة القطري محمد الخليفي بعد اجتماعهما بالقصر الرئاسي في بعبدا (أ.ف.ب)

قطر تعلن عن حزمة مساعدات للبنان

أعلن وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي، الاثنين، من بيروت، عن حزمة مشاريع للبنان بعشرات ملايين الدولارات.

«الشرق الأوسط» (الدوحة - بيروت)
الولايات المتحدة​ مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك (رويترز)

مفوض حقوق الإنسان «مصدوم» من طريقة معاملة المهاجرين في أميركا

عبّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، عن استيائه الشديد حيال «إساءة المعاملة الروتينية» للمهاجرين واللاجئين في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».