القوات الروسية تشدد حصارها لكييف... وزيلينسكي يتهم موسكو باستهداف المدنيين

أب في محطة كييف يودع ابنته التي تركب قطاراً متجهاً إلى لفيف (أ.ب)
أب في محطة كييف يودع ابنته التي تركب قطاراً متجهاً إلى لفيف (أ.ب)
TT

القوات الروسية تشدد حصارها لكييف... وزيلينسكي يتهم موسكو باستهداف المدنيين

أب في محطة كييف يودع ابنته التي تركب قطاراً متجهاً إلى لفيف (أ.ب)
أب في محطة كييف يودع ابنته التي تركب قطاراً متجهاً إلى لفيف (أ.ب)

اقتربت القوات الروسية، اليوم (الجمعة)، من كييف حيث قال مسؤولون إن العاصمة الأوكرانية تتحول إلى «حصن»، بينما اتهم الرئيس فولوديمير زيلينسكي موسكو باستهداف الممرات الإنسانية مرة أخرى، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
وما زال مئات الآلاف المدنيين عالقين في مدن أوكرانية، بما في ذلك ماريوبول المحاصرة، وسط حملة قصف روسية بعد انتهاء المحادثات الأولى، بين وزيري خارجية روسيا وأوكرانيا في كييف من دون إحراز تقدم.
من جهة أخرى، يعقد مجلس الأمن الدولي الجمعة جلسة طارئة بطلب من روسيا للبحث في ملف «الأسلحة البيولوجية»، التي تؤكّد موسكو أنّ أوكرانيا تصنّعها بدعم من الولايات المتّحدة، في اتّهام سخّفته واشنطن ولندن خلال اجتماع للمجلس حول سوريا.
وتتّهم روسيا حكومة كييف بأنّها تدير بالتعاون مع واشنطن مختبرات في أوكرانيا بهدف إنتاج أسلحة بيولوجية، وهو ما نفته العاصمتان.
وحذر الجيش الأوكراني في بيان من أن «العدو يحاول القضاء على دفاعات القوات الأوكرانية حول» مناطق إلى الغرب والشمال الغربي من العاصمة «لإغلاق كييف». وأضاف: «لا يمكننا استبعاد تحرك العدو شرقاً باتجاه بروفاري».

في العاصمة، قال رئيس البلدية فيتالي كليتشكو إن نصف السكان فروا. وأضاف أن المدينة «تحولت إلى حصن»، مؤكداً أنه «تم تحصين كل شارع وكل مبنى وكل نقطة مراقبة فيها».
وتحاصر القوات الروسية حالياً أربع مدن أوكرانية كبرى على الأقل. وقد وصلت آليات مدرعة إلى الأطراف الشمالية الشرقية لكييف، حيث تعرضت الضواحي، بما في ذلك إيربين وبوتشا، لقصف مكثف لأيام.
ويتحدث جنود أوكرانيون عن معارك طاحنة للسيطرة على الطريق السريع الرئيسي المؤدي إلى العاصمة. وشاهد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» ضربات صاروخية في فيليكا ديميركا خارج حدود مدينة كييف.
وقال فاسيل بوبوف (38 عاماً) بائع إعلانات: «إنه أمر مخيف. لكن ماذا يمكننا أن نفعل؟». وأضاف: «لا يمكننا الهرب إلى أي مكان ولا الاختباء. نحن نعيش هنا».
وقالت وزارة الدفاع البريطانية في تحديث لمعلوماتها في بيان على «تويتر» إن «القوات الروسية تدفع بالمزيد من قواتها المنتشرة لتطويق المدن الرئيسية». ورأت أن «ذلك سيقلل هذا من عدد القوات المتاحة لمواصلة تقدمها وسيزيد من إبطاء التقدم الروسي».
لم يهدأ الهجوم على العديد من المدن الكبرى؛ فمدينة ماريوبول الساحلية الجنوبية المحاصرة تتعرض لقصف بلا توقف يستهدف أيضا محاولات إيصال المساعدات، حسب زيلينسكي.
وقال الرئيس الأوكراني إن موسكو شنت «هجوماً بالدبابات» استهدف ممراً إنسانياً أرسل إليه قافلة لتحاول إدخال الطعام والماء والأدوية إلى المدينة.
وجاء هذا الهجوم الذي وصفه زيلينسكي في تسجيل فيديو بأنه «مرعب»، غداة قصف مستشفى للتوليد، قال مسؤولون محليون إنه أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص بينهم فتاة صغيرة.
واعتبر زيلينسكي «جريمة حرب» روسية في موقف كبار المسؤولين الغربيين، كان آخرهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال: «صُدمنا جميعاً بصور المستشفى» الذي أصيب «في وسط المدينة».
وأضاف أن «فرنسا تدين بأشد عبارات الحزم ما هو عمل حربي لا أخلاقي لأنه ليس عملاً حربياً يهدف إلى تحييد قواعد مسلحة أو قدرات عسكرية، بل عمل حربي هدفه الواضح هو قتل مدنيين».
لكن الجيش الروسي قال إن هذا القصف كان «استفزازاً مدبراً» من قبل أوكرانيا.

وفي تسجيل فيديو، قال رئيس بلدية ماريوبول فاديم بويتشنكو إن الطائرات الحربية الروسية كانت تقصف الخميس مناطق سكنية في المدينة «كل 30 دقيقة» ما أسفر عن «مقتل مدنيين بينهم مسنون ونساء وأطفال».
ووصف رئيس البلدية بـ«المروّع» الوضع في المدينة التي قُتل فيها أكثر من 1200 مدني خلال عشرة أيام من الهجمات المستمرة.
وقالت «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» إن بعض السكان بدأوا يتشاجرون من أجل الطعام، ولم يعد لدى كثيرين منهم مياه.
وقالت ساشا فولكوف ممثلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ماريوبول في تسجيل صوتي إنه «ما زال لدى بعض السكان طعام، لكني لست متأكدة إلى متى سيدوم ذلك»، موضحة أن «كثيرين تحدثوا عن عدم توفر طعام للأطفال».
وصمدت بعض الممرات الإنسانية خارج المدن التي تتعرض للهجوم.
وقال مسؤولون أوكرانيون إن نحو مائة ألف شخص تمكنوا من مغادرة مدينة سومي في شمال شرقي البلاد ومدينة إيزيوم (شرق) ومناطق في شمال غربي كييف في اليومين الماضيين.
أعلنت موسكو أنها ستفتح أيضا ممرات إنسانية يومية لإجلاء المدنيين إلى الأراضي الروسية، لكن كييف رفضت أي طرق مؤدية إلى روسيا.
وقال المسؤول في وزارة الدفاع الروسية ميخائيل ميزينتسيف: «نعلن رسميا فتح ممرات إنسانية لروسيا الاتحادية من الآن فصاعداً من جانب واحد، ودون تنسيق، من الساعة العاشرة (07.00 ت غ) يومياً».
وأضاف ميزينتسيف أنه سيتم التفاوض على الممرات «في اتجاهات أخرى» كل حالة على حدة مع السلطات الأوكرانية.
وتفيد تقديرات المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة بأن أكثر من 2.3 مليون لاجئ غادروا أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط). ونزح نحو 1.9 مليون أوكراني في الداخل.
وقُتل 71 طفلاً على الأقل، وأصيب أكثر من مائة آخرين في أوكرانيا منذ بدء الحرب، بحسب النائبة في البرلمان الأوكراني بشأن حقوق الإنسان ليودميلا دينيسوفا.
وتقول الأمم المتحدة إن مستشفيين أوكرانيين آخرين للتوليد تم قصفهما وتدميرهما، يقع أحدهما في جيتومير غرب كييف، بالإضافة إلى مستشفى ماريوبول.
وتقدر أوكرانيا قيمة الخسائر التي ألحقها بها الغزو الروسي بمائة مليار دولار.

تأتي هذه التطورات غداة لقاء بين وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأوكراني دميترو كوليبا اللذين تمسك كل منهما بموقفه خلال هذا الاجتماع الأول على هذا المستوى منذ 24 فبراير، برعاية نظيرهما التركي مولود جاويش أوغلو.
وقال كوليبا للصحافيين: «تحدثنا عن وقف لإطلاق النار ولكن لم يتم إحراز أي تقدم في هذا الاتجاه». وأضاف أن لافروف أكد له أن روسيا «ستواصل عدوانها إلى أن نقبل شروطهم بالاستسلام». لكنّه أكد للصحافيين أن «أوكرانيا لم ولن تستسلم».
من جانبه، قال لافروف إن روسيا «لا تعتزم مهاجمة بلدان أخرى»، وتريد مواصلة الحوار مع أوكرانيا، لكنه اعتبر أن «الصيغة (التفاوض) الروسية الأوكرانية في بيلاروسيا»، التي تجري على مستوى تمثيل أدنى «لا بديل لها».
وفي ردود الفعل والإجراءات الجديدة، أعلنت «مجموعة ستيلانتيس للسيارات»، أمس (الخميس)، أنها ستعلق كل صادرات وواردات السيارات من روسيا، لكنها ستواصل الإنتاج المحلي.
لكن المجموعة التي تملك علامات عدة («سيتروين» و«فيات» و«جيب» و«بيجو») ونشأت من اندماج الفرنسية «بيجو»، والإيطالية الأميركية «فيات كرايسلر»، أوضحت أن إنتاج مصنعها في كالوغا جنوب موسكو «يتواصل عند مستوى منخفض للغاية».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)
الاقتصاد صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 % التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».