بريطانيا تستعد لانتخابات تاريخية تكسر لثاني مرة على التوالي فكرة حكم الحزب الواحد

توقع بروز برلمان معلق في اقتراع الخميس.. ودور مهم للأحزاب الصغرى في ظل تقارب المحافظين والعمال

الوزيرة الأولى في اسكوتلندا وزعيمة الحزب الوطني الاسكوتلندي نيكولا سترجون خلال زيارتها متنزهاً للقاء الناخبين أمس (أ.ف.ب)
الوزيرة الأولى في اسكوتلندا وزعيمة الحزب الوطني الاسكوتلندي نيكولا سترجون خلال زيارتها متنزهاً للقاء الناخبين أمس (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا تستعد لانتخابات تاريخية تكسر لثاني مرة على التوالي فكرة حكم الحزب الواحد

الوزيرة الأولى في اسكوتلندا وزعيمة الحزب الوطني الاسكوتلندي نيكولا سترجون خلال زيارتها متنزهاً للقاء الناخبين أمس (أ.ف.ب)
الوزيرة الأولى في اسكوتلندا وزعيمة الحزب الوطني الاسكوتلندي نيكولا سترجون خلال زيارتها متنزهاً للقاء الناخبين أمس (أ.ف.ب)

بات في حكم المؤكد أن الانتخابات العامة البريطانية التي ستجري الخميس المقبل لن تسفر عن فوز أي حزب بالغالبية المطلعة التي تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده. وظلت استطلاعات الرأي التي أجريت على مدى الأسابيع والأشهر الماضية، تؤكد عدم اتجاه أي من الحزبين الرئيسيين، حزب المحافظين (الحاكم حاليًا في ائتلاف مع حزب الليبراليين الديمقراطيين)، أو حزب العمال المعارض، للفوز بغالبية في مجلس العموم، الذي يضم 650 مقعدًا.
وكان حزبا المحافظين والعمال قد سيطرا على المشهد السياسي البريطاني قرابة قرن من الزمن، رغم ما تخللته من فترات متقطعة عرفت تشكل حكومات أقلية أو ائتلافية أو وطنية خلال الحربين العالميتين، الأولى والثانية، كان آخرها الحكومة الائتلافية الحالية التي تشكلت عام 2010 من المحافظين بزعامة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، والليبراليين الديمقراطيين بزعامة نيك كليغ، نائبا لكاميرون.
قبل هذا التاريخ شكلت حكومة الائتلافية قادها العمالي جيمس كلاهان مع الحزب الليبراليين سابقا (الليبراليين الديمقراطيين حاليا) واستمرت من 1976 إلى 1979 وأصبحت معروفة في القاموس السياسي البريطاني باسم «حكومة ليب لاب». هذا الشكل من الحكم، حسب اعتقاد الكثير من المراقبين هو التشكيل السياسي الذي سيسود النظام الانتخابي البريطاني من الآن فصاعدا. لكن على الرغم من أقوال المراقبين، يكابر زعيما الحزبين الرئيسيين، ديفيد كاميرون عن المحافظين، وإد ميليباند، عن حزب العمال المعارض، بأن كل منهما سيحصل على الأغلبية المطلقة، أي النصف زائد واحد من 650 مقعدا وهي عدد مقاعد البرلمان، ويشكل حكومة أغلبية مطلقة، أي بعد يوم من الانتخابات التي ستجري يوم السابع من مايو (أيار) الحالي.
وقبل أيام من موعد الانتخابات وتأكيدات استطلاعات الرأي بعدم حصول أي من الأحزاب على أغلبية مطلقة فإن رئيس الوزراء كاميرون أصر في مقابلة مع صحيفة «التايمز» اللندنية قائلاً إن «الفرق بين النجاح والفشل هو حصولي أو عدم حصولي على الأغلبية المطلقة». وقال فرانسيس اليوت المحلل السياسي معلقا على هذا التصريح إن «رئيس الوزراء قد رفع من سقف الرهان على مستقبله السياسي، على الرغم من أنه يعرف جيدا أنه لن يتمكن من تحقيق هدفه».
وفي المقابل، اتخذ زعيم العمال المعارض إد ميليباند موقفا مشابها لموقف خصمه كاميرون تجاه الانتخابات، نافيا أن تكون لديه أي نية لحكومة ائتلافية تجمعه مع الحزب الوطني الأسكوتلندي، الذي قد يحصل حسب استطلاعات الرأي على 56 مقعدا من مجموع 59 مقعدا مخصصة لأسكوتلندا في مجلس العموم. نجاحات الحزب الوطني الأسكوتلندي في أسكوتلندا ستكون على حساب حزب العمال، الذي حصل على 41 مقعدا في التشكيلة الحالية، لكن التوقعات بأن خصمه الأسكوتلندي قد ينهي الوجود السياسي لحزب العمال في أسكوتلندا، البلد الذي يطمح إلى أن يستقل عن المملكة المتحدة في المستقبل، وقد يكون ذلك قريبا جدا، وهذا مما يحرج ميليباند في الدخول معه في ائتلاف حكومي.
وقال ميليباند في هذا الصدد: «لا حكومة ائتلافية ولا أي وعود. قلت لا يوجد صفقات مع الحزب الوطني الأسكوتلندي بسبب سياساته التي تخص قضايا الدفاع ونيته في الانفصال عن جسم المملكة المتحدة وكذلك السياسات المالية والصرف والعجز في الميزانية». وأضاف ميليباند أن «الحكومة العمالية التي ستتشكل يوم الثامن من مايو سوف تقدم خطابها الملكي بناء على ميزانية عمالية لن يكتبها الحزب الوطني الأسكوتلندي. لا يمكنني أن أكون أكثر وضوحا من ذلك».
سيطر حزب المحافظين على المشهد السياسي البريطاني، من 1979 إلى 1997، قادت خلاله رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر، التي أصبحت معروفة باسم المرأة الحديدة، الحزب في ثلاثة انتصارات متتالية في الانتخابات العامة واستمرت في الحكم بأكثرية برلمانية لمدة تزيد على 11 عاما، إلى أن أسقطها حزبها ليستلم بعدها جون ميجر زعيما آخر لحزب المحافظين وأصبح رئيسا للوزراء من 1990 إلى 1997. وبعدها جاء دور حزب العمال المعارض والخصم والند السياسي للمحافظين ليحتل المشهد السياسي من 1997 إلى 2010، تحت توني بلير الذي قاد هو الآخر حزبه في ثلاثة انتصارات متتالية على خطى مارغريت ثاتشر ليبقى رئيسا للوزراء لبريطانيا حتى عام 2007 عندما نافسه غوردن براون على زعامة الحزب ليقود العمال هو الآخر حتى عام 2010.
سيطرة الحزب الواحد على المشهد السياسي البريطاني بدأت تتبدد مع الوقت مع تغيرات في مفاهيم وبروز قضايا كثيرة أصبحت لها وزنها السياسي في حياة الناس أكثر وأكثر، بعضها محلية، مثل الصحة والتعليم وتوزيع الثروة الوطنية واستقلال أسكوتلندا، وقضايا دولية وخارجية مثل الحروب والديمقراطية والموقف من الاتحاد الأوروبي والهجرة والبيئة، والتي بدأت تفرض جميعها أجندة سياسة جديدة على النظام السياسي البريطاني مما أعطى زخما لأفكار بدأت تجد طريقها إلى برلمان وستمنسر من خلال أحزاب سياسية بدأت أفكارها تجد صدى لها في الشارع، مثل حزب الاستقلال اليميني، المعادي لأوروبا والهجرة، وحزب الخضر الراديكالي اليساري. أضف إلى ذلك صعود الأحزاب الراديكالية في البرلمانات المحلية التي تشكل مناطقها الجغرافية ما يسمى بالمملكة المتحدة، مثل «بلايد كيمرو» عن إقليم ويلز والحزب الوطني الأسكوتلندي الحاكم في برلمان أدنبره بأكثرية برلمانية خولته أن يفرض تنظيم استفتاء لاستقلال أسكوتلندا عن الاتحاد بعد أكثر من 300 عام من وجودها ضمن بريطانيا العظمى. ومع أن الاستفتاء لم يتمخض عن النتيجة التي كان يأمل الحزب الوطني الأسكوتلندي تحقيقها إلا أن النتيجة المتقاربة خلقت جوا سياسيا في بريطانيا لصالح السياسيات الراديكالية وهذا ما سيعكس نفسه على الانتخابات التي نحن بصددها والمزمع تنظيمها يوم السابع من مايو الحالي.
عند إلقاء نظرة سريعة على تاريخ الانتخابات العامة البريطانية من الملاحظ أن الأحزاب السياسية الصغيرة بدأت في الآونة الأخيرة في الصعود وزيادة حصتها من نسبة جمهور الناخبين، ولهذا تجد أن عدد المقاعد التي ذهبت لصالح الأحزاب الصغيرة في الدورة الأخيرة التي نظمت عام 2010 ازدادت إلى 92 مقعدا. بينما أن عدد المقاعد التي فازت بها في هذه الأحزاب في الستينات من القرن الماضي عندما فاز العمالي هارولد ويلسون برئاسة الوزراء فلم تتعد تسعة مقاعد، وباقي المقاعد كانت من نصيب الحزبين الرئيسيين، العمال والمحافظين.
الاعتقاد السائد أن هذه الصيغة، وبنظر الكثير من المراقبين والمحللين، هي التي ستبقى سائدة في المستقبل وأن سياسة فترة اقتسام السلطة بين العمال والمحافظين فقد ولت وإلى الأبد. هذا التقارب في السباق بين الحزبين الرئيسين، العمال والمحافظين، وتفتت الساحة السياسية، فرض ولأول مرة في تاريخ الانتخابات انضمام أحزاب صغيرة أخرى في مناظرة تلفزيونية جرت بعد أيام من حل البرلمان رسميا في بداية الشهر الماضي. وتناولت المناظرة قضايا مثل كيفية معالجة عجز الميزانية ومستقبل النظام الصحي المجاني والهجرة، وهي القضايا التي من خلالها وصلت بعض القوى الصغيرة إلى جمهور الناخبين. ولهذا فقد بدأت تحصل على تأييد شعبي ونسبة لا بأس بها من الأصوات وفرضت نفسها على الساحة السياسية، ومن هنا كانت الدعوة لها في المشاركة في المناظرة مع الأحزاب الرئيسية التقليدية، أي العمال والمحافظين والليبراليين الديمقراطيين. في أواخر مارس (آذار) أظهر استطلاع للرأي أجرته «بي بي سي» حصول كل من المحافظين والعمال على 34 في المائة من نيات التصويت، في تعادل تام لم يتغير منذ ستة أشهر.
وحل حزب الاستقلال (يوكيب) الذي فاز العام الماضي في الانتخابات الأوروبية وحصد عددا كبيرا من المقاعد ونسبة التصويت في المرتبة الثالثة مع 13 في المائة من نيات التصويت، بينما حصل الليبراليون الديمقراطيون على ثمانية في المائة والخضر على خمسة في المائة فيما حصلت الأحزاب الباقية مجتمعة (بما فيها الحزب القومي الأسكوتلندي) على ستة في المائة. ومن المنتظر أن تكون الانتخابات الأشد تنافسا منذ عقد السبعينات. وأظهرت معظم استطلاعات الرأي منذ بداية العام تقارب العمال والمحافظين إذ لم يحقق أحد منهما تقدما ثابتا يزيد على هامش الخطأ الإحصائي الذي يبلغ ثلاثة في المائة. وتوضح استطلاعات الرأي على نحو مستمر أن أيا من الحزبين لن يستطيع الفوز بأغلبية مطلقة في البرلمان المؤلف من 650 مقعدا.
هذا الوضع ينذر بأن التشكيلة السياسة في مجلس العموم ستكون متقاربة جدا ولن تكون لصالح أي من العمال أو المحافظين. وكشف استطلاع للرأي أجراه مركز «يوغوف» في الآونة الأخيرة أن 34 في المائة من الناخبين يدعمون حزب العمال بالمقارنة مع 32 في المائة للمحافظين.
ومما يزيد من صعوبة التكهنات هو أن نظام الانتخاب بالأغلبية والقائم على دائرة وحيدة ودورة واحدة يؤدي إلى فروقات كبيرة بين عدد الأصوات وكيفية ترجمتها إلى مقاعد في مجلس العموم.
لكن مما زاد الأمور تعقيدا لزعيم حزب المحافظين ديفيد كاميرون الذي بدا متفائلا بحصوله على أغلبية مطلقة هو الهجوم الذي شنه نايجل دودز زعيم حزب الديمقراطيين الوحدويين في شمال آيرلندا (يتمتع بثمانية مقاعد في البرلمان الحالي وقد تزداد إلى تسعة في القادم) على قيادة حزب المحافظين واتهامه لها بتقويض العملية الديمقراطية لأن الأخيرة وعدت بأن يعطى أعضاء البرلمان الإنجليز حق الفيتو حول بعض القضايا. ويقول بعض المعلقين إن هجوم دودز قد يزيد الأمور تعقيدا بالنسبة لكاميرون الذي يطمح إلى أن يستمر في مهمته بعد السابع من مايو. وحسب الأرقام المتاحة من توقعات استطلاعات الرأي، فإنه سيحتاج إلى أصوات حزب الديمقراطيين الوحدويين من أجل البقاء في 10 داوننغ ستريت. وحسب الاستطلاع «يوغوف» فإن حزب المحافظين سيحصل على 278 مقعدا أضف إلى ذلك 30 مقعدا من الليبراليين الديمقراطيين، الحليف في الائتلاف الحالي، وثمانية مقاعد من حزب الديمقراطيين الوحدويين فهذا سيمنحه ما مجموعه 316 مقعدا، ولهذا فإنه سيحتاج إلى عشرة مقاعد أخرى من أجل أن يكون عنده أغلبية تخوله تشكيل الحكومة المقبلة. كما أن خصمه العمالي إد ميليباند يواجه هو الآخر حسابات مماثلة في حالة تشكيل حكومة ائتلافية معتمدا على الليبراليين الديمقراطيين، وحزب الديمقراطيين الوحدويين. وسيتمكن فقط من تجميع 309 مقاعد، أي أقل مما جمعه «المحافظون» بسبعة مقاعد. هذا إذا رفض فعلا أي حكومة ائتلافية مع الحزب الوطني الأسكوتلندي الذي قد يحصل على 56 مقعدا من أصل 59 مقعدا مخصصة لأسكوتلندا.
وفي حال عدم الخروج بفائز فإن الأولوية تكون للحكومة المنتهية ولايتها من أجل تشكيل حكومة قابلة للاستمرار. ويمكن أن يقرر «المحافظون» عندها الاستمرار في التحالف غير المسبوق الذي اضطروا لتشكيله في 2010. إلا أن حلفاءهم الليبراليين الديمقراطيين يمكن أن يقرروا التغيير ومشاركة العماليين في الحكومة. التشكيلات المعنية استبعدت من حيث المبدأ احتمالات تحالف يضم حزب الاستقلال من اليمين، أو القوميين الأسكوتلنديين من اليسار أو غيرها من التشكيلات الأخرى.



أورسولا فون دير لاين تتعرض لوابل من الانتقادات ومطالبات بإقالتها

فون دير لاين تتحدث في ستراسبورغ تحضيراً لاجتماع الاتحاد في 19 الشهر الجاري حول الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران (أ.ف.ب)
فون دير لاين تتحدث في ستراسبورغ تحضيراً لاجتماع الاتحاد في 19 الشهر الجاري حول الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران (أ.ف.ب)
TT

أورسولا فون دير لاين تتعرض لوابل من الانتقادات ومطالبات بإقالتها

فون دير لاين تتحدث في ستراسبورغ تحضيراً لاجتماع الاتحاد في 19 الشهر الجاري حول الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران (أ.ف.ب)
فون دير لاين تتحدث في ستراسبورغ تحضيراً لاجتماع الاتحاد في 19 الشهر الجاري حول الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران (أ.ف.ب)

منذ بداية ولايتها الأولى رئيسةً للاتحاد الأوروبي، تميَّزت أورسولا فون دير لاين بتجاوزاتها المتعددة للتراتبية التي تضبط الإيقاع الصارم لأداء قادة المؤسسات الكبرى في الاتحاد، وحدود الصلاحيات المنوطة بكل منهم، وتعرَّضت غير مرة لانتقادات شديدة ومباشرة من زملائها، ومن مرؤوسيها الذين كانوا غالباً ما يأخذون عليها تفرُّدها باتخاذ القرارات، أو تسجيل نقاط النجاحات والإنجازات في خانتها الشخصية، عندما تكون القرارات ثمرة الجهد المشترك لمعاونيها.

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

لكن التصريح الأخير الذي ورد على لسان رئيسة المفوضية مطلع هذا الأسبوع، وهي تخاطب الاجتماع السنوي لسفراء الاتحاد في العالم، وقع ضمن الدائرة الخطرة للمحظورات، واستدعى وابلاً من الانتقادات والأصوات المطالبة بإقالة فون دير لاين من رئاسة المفوضية أو استقالتها.

قالت فون دير لاين: «لم يعد بوسع أوروبا أن تكون حارسة النظام الدولي القديم، في عالم اندثر من غير عودة»، لتثير عاصفة من الانتقادات، بين كبار معاونيها أولاً، وفي أوساط قادة المؤسسات الأوروبية الأخرى، قبل أن يعمَّ الاستياءُ عدداً من عواصم الدول الأعضاء التي منذ فترة تشعر باستياء متزايد من تجاوز رئيسة المفوضية صلاحياتها في مجال السياسة الخارجية والدفاع، ودعوتها المباشرة إلى إعادة نظر عميقة في العقيدة المؤسسة للاتحاد، ومؤسساته، وطريقة اتخاذ القرار فيه، بعد التغيُّر العميق الذي طرأ على المشهد الجيوسياسي العالمي.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال مؤتمر صحافي في نهاية اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي ببروكسل يوم 23 يناير 2026 (إ.ب.أ)

لكن فون دير لاين ذهبت إلى أبعد من ذلك في كلامها أمام سفراء الاتحاد، لتبرر الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ونظامها، والتي حرصت معظم القيادات الأوروبية على القول بأنها تتعارض من أحكام القانون الدولي، وتفتقر إلى الشرعية التي تمنحها الأمم المتحدة، وقالت: «أقول بكل صراحة إنه يجب عدم التباكي على النظام الإيراني الذي ألحق الموت والقمع بشعبه، والدمار وزعزعة الاستقرار في المنطقة، بواسطة حلفائه المسلحين بالصواريخ والمُسيَّرات». وأضافت: «كُثر هم الإيرانيون، في الداخل كما في أوروبا والعالم، الذين احتفوا بمقتل آية الله خامنئي، كما احتفى به كثيرون في المنطقة من الذين كانوا ينتظرون هذه اللحظة، لتفتح الطريق أمام إيران الحرة وشعبها الذي يستحق الحرية والكرامة والحق في تقرير مصيره، حتى وإن كنا نعلم بأن ذلك يحمل مخاطر وزعزعة للاستقرار خلال الحرب وبعدها».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (أ.ف.ب)

وما زاد في استياء العواصم الأوروبية أن تصريحات فون دير لاين -فضلاً عن تعديها الصارخ على الصلاحيات الحصرية للدول الأعضاء- قد جاءت في الوقت الذي كانت دول الاتحاد قد بدأت فيه تحاول توحيد الموقف الأوروبي المشترك من هذه الحرب، وتميِّزه عن الموقف الأميركي، وتقول صراحة إنها تنتهك قواعد الشرعية الدولية، وتعرب عن قلقها من «تأثيراتها الوجودية على النظام الدولي القائم على القواعد، أو على الوحدة الأوروبية التي تتعرض لضغوط وتحديات غير مسبوقة من الداخل والخارج» كما جاء على لسان رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في تصريح لاحق حاول أن يرد به على موقف فون دير لاين التي كانت قد أفرغت جعبتها بالقول: «من الخرافة الاعتقاد أنه بوسعنا الانطواء على أنفسنا، والانسحاب من عالم مضطرب تعمُّه الفوضى»، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي لم يعد بوسعه أن يثق بالقواعد التي ارتكز عليها النظام الدولي طيلة عقود، وأن عليه البحث عن موقعه الجديد في العالم.

مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مشاركتها في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل يوم 23 فبراير (إ.ب.أ)

وقالت رئيسة المفوضية: «لقد دافعنا دائماً عن النظام الذي ساعدنا على بنائه مع حلفائنا، ولكن هذا النظام لم يعد اليوم السبيل الوحيد للدفاع عن مصالحنا، ولم تعد قواعده قادرة على حمايتنا من التهديدات المعقدة التي تواجه العالم، ولذا علينا أن نشق طريقنا الخاص، ونجد أشكالاً جديدة للتعاون مع شركائنا»، مستحضرة المقولة الشهيرة لعرَّابتها السياسية المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل: «أوروبا لها قيم ومبادئ، ولكن قبل أي شيء لها مصالح».

وبعد أن كشفت فون دير لاين عن أن المفوضية مُنكبَّة، إلى جانب المسؤولة عن السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس، على وضع استراتيجية دفاعية جديدة تتناسب مع التحديات الجديدة، قالت: «إن الوضع في الشرق الأوسط ليس شرارة؛ بل هو أحد عوارض مشكلة أوسع، مثل غرينلاند وأوكرانيا، وما ينتظرنا غيرها في مناطق أخرى كثيرة العام المقبل. وهنا علينا أن نختار في هذا الزمن الذي يشهد تحولات جذرية، بين التمسك بما كان مصدر قوتنا في الماضي، وندافع عن عاداتنا والأفكار التي تجاوزها التاريخ، أو الذهاب نحو مصير مختلف لأوروبا».

الرئيس السويسري غي بارميلان ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال توقيع حزمة اتفاقيات في بروكسل يوم 2 مارس 2026 (إ.ب.أ)

هذه التصريحات على لسان رئيسة المفوضية زادت من حدة الانتقادات التي تتعرض لها منذ فترة، بسبب مواقفها التي تعتبرها دول أعضاء كثيرة قريبة جداً من واشنطن وتل أبيب، فسارع كثيرون من رؤساء حكومات وبرلمانيين أوروبيين إلى اتهامها بتجاوز صلاحياتها، وإصرارها على أن تكون هي صوت أوروبا، على طريقتها، أو في الأقل على طريقة ألمانيا.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا شدد أمس على أن «واجب الأوروبيين الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد والمبادئ التي كرَّسها ميثاق الأمم المتحدة»، واتهم الولايات المتحدة وروسيا بتقويض هذا النظام، داعياً إلى حلول متعددة الأطراف بعيداً عن مناطق النفوذ التي تحتكم إلى سياسة القوة، وليس إلى القانون الدولي.

ومن جهتها، قالت تيريزا ريفيرا، نائبة رئيسة المفوضية: «على أوروبا اليوم أن تدافع بحزم عن القانون الدولي وقيمه»، وحذا حذوها عدد من المفوضين الذين انتقدوا تصريحات فون دير لاين.

مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حديث للصحافيين في بروكسل قبيل اجتماع وزراء خارجية التكتل (أ.ب)

حكومات أوروبية عدة، على رأسها إسبانيا، انتقدت بشدة تصريحات فون دير لاين، ودعتها إلى التصويب والامتناع عن تجاوز صلاحياتها، بينما وجَّه وزير الخارجية الفرنسي كان نويل بارّو تحذيراً لفون دير لاين يدعوها فيه إلى احترام التراتبية في المؤسسات الأوروبية، مذكراً أن المسؤولة عن السياسة الخارجية هي التي تدير هذه السياسة المشتركة في الاتحاد، وتساهم في رسمها عن طريق تقديم الاقتراحات إلى الدول الأعضاء، وتنفذها تحت إشراف المجلس الأوروبي.

أمام هذا السيل من الانتقادات، ردَّ الناطقون باسم فون دير لاين بأن خطابها أمام سفراء الاتحاد قد «أسيء تفسيره»، ولكن ذلك لم يمنع عواصم الاتحاد من مواصلة توجيه اللوم والانتقادات التي وصل بعضها إلى حد المطالبة بإقصائها عن المنصب أو استقالتها.


ألمانيا وسويسرا تنقلان بعثاتهما الدبلوماسية من إيران بسبب التهديدات الأمنية

لاجئون يسيرون حاملين أمتعتهم بعد عبورهم الحدود من إيران إلى أرمينيا عند نقطة تفتيش حدودية في بلدة ميغري جنوب أرمينيا، 8 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لاجئون يسيرون حاملين أمتعتهم بعد عبورهم الحدود من إيران إلى أرمينيا عند نقطة تفتيش حدودية في بلدة ميغري جنوب أرمينيا، 8 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا وسويسرا تنقلان بعثاتهما الدبلوماسية من إيران بسبب التهديدات الأمنية

لاجئون يسيرون حاملين أمتعتهم بعد عبورهم الحدود من إيران إلى أرمينيا عند نقطة تفتيش حدودية في بلدة ميغري جنوب أرمينيا، 8 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لاجئون يسيرون حاملين أمتعتهم بعد عبورهم الحدود من إيران إلى أرمينيا عند نقطة تفتيش حدودية في بلدة ميغري جنوب أرمينيا، 8 مارس 2026 (أ.ف.ب)

​نقلت ألمانيا موظفي عدد من بعثاتها ‌الدبلوماسية ‌في ​مناطق ‌بالشرق ⁠الأوسط، ​مثل إيران والعراق، مؤقتاً نظراً للتهديدات الأمنية ⁠الناجمة ‌عن الصراع ‌العسكري ​هناك. وقال ‌متحدث ‌باسم وزارة الخارجية، خلال ‌مؤتمر صحافي، الأربعاء: «تم ⁠نقل موظفي ⁠هذه البعثات الدبلوماسية مؤقتاً بسبب الوضع الأمني ​الراهن».

من جهتها، قالت وزارة ​الخارجية السويسرية، الأربعاء، إن سويسرا قررت إغلاق سفارتها في ‌طهران ‌مؤقتاً بسبب الحرب ‌في ⁠الشرق ​الأوسط وتزايد ⁠المخاطر الأمنية. وأضافت أن السفير وخمسة من ⁠الموظفين السويسريين ‌غادروا إيران براً، ‌ووصلوا ​بسلام ‌إلى ‌خارج البلاد: «وسيعودون إلى طهران بمجرد أن يسمح ‌الوضع بذلك». وأشارت في بيان ⁠إلى أن ⁠سويسرا ستحافظ على خط اتصال مفتوح بين الولايات المتحدة وإيران، بالتشاور ​مع ​البلدين.

وتجدر الإشارة إلى أن سويسرا هي الدولة التي تمثل مصالح الولايات المتحدة في إيران؛ حيث لا يوجد تمثيل دبلوماسي مباشر لواشنطن، منذ أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في طهران سنة 1979.


إسبانيا تنهي رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل

سفيرة إسبانيا لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز (إ.ب.أ)
سفيرة إسبانيا لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز (إ.ب.أ)
TT

إسبانيا تنهي رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل

سفيرة إسبانيا لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز (إ.ب.أ)
سفيرة إسبانيا لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز (إ.ب.أ)

أنهت الحكومة الإسبانية رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز، بعدما استدعتها إلى مدريد منذ سبتمبر (أيلول) 2025 على خلفية توترات بين البلدين، وفق مرسوم ملكي نشر اليوم الأربعاء في الجريدة الرسمية.

وإذا ما قررت الحكومة الإسبانية أن تعود وتمثّل في إسرائيل بسفيرة جديدة أو سفير جديد، فسيتوجب عليها أولاً تعيين دبلوماسي في هذا المنصب، على أن يقدم هذا الأخير أوراق اعتماده إلى السلطات الإسرائيلية.

الحكومة الإسبانية اليسارية من أكثر الأصوات الأوروبية انتقاداً لحكومة بنيامين نتنياهو منذ الحرب المدمرة في قطاع غزة رداً على هجوم حركة «حماس» على الأراضي الإسرائيلية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

كما جدّد رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز في الأيام الأخيرة معارضته للضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأعلن الملك فيليبي السادس في المرسوم الموقَّع أمس: «بناءً على اقتراح وزارة الشؤون الخارجية... توصلتُ إلى قرار إنهاء مهام آنا ماريا سالومون بيريز كسفيرة لإسبانيا لدى دولة إسرائيل، مع توجيه الشكر لها على ما قدّمته من خدمات».

وفي سبتمبر 2025، استدعت مدريد سفيرتها على خلفية سجالات حادّة مع إسرائيل، أعقبت إعلان الحكومة الإسبانية عن تدابير جديدة تهدف إلى «وضع حدٍّ للإبادة الجماعية في غزة».

وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد وصف حينها بيدرو سانشيز بأنه «معادٍ للسامية» و«كاذب»، وذلك بعدما أعرب رئيس الوزراء الإسباني عن «إعجابه» بمتظاهرين مؤيدين للفلسطينيين.

من جانبها، لم تعيّن إسرائيل سفيراً لها لدى إسبانيا منذ اعتراف حكومة اليسار برئاسة سانشيز بدولة فلسطين في عام 2024.