قراءة بريطانية في أسباب {إخفاق} الهجوم الروسي بأوكرانيا

عسكري بولندي يرحب بأطفال لاجئين من أوكرانيا وصلوا أمس بقطار أقلهم من لفيف إلى مدينة برزيميسل (رويترز)
عسكري بولندي يرحب بأطفال لاجئين من أوكرانيا وصلوا أمس بقطار أقلهم من لفيف إلى مدينة برزيميسل (رويترز)
TT

قراءة بريطانية في أسباب {إخفاق} الهجوم الروسي بأوكرانيا

عسكري بولندي يرحب بأطفال لاجئين من أوكرانيا وصلوا أمس بقطار أقلهم من لفيف إلى مدينة برزيميسل (رويترز)
عسكري بولندي يرحب بأطفال لاجئين من أوكرانيا وصلوا أمس بقطار أقلهم من لفيف إلى مدينة برزيميسل (رويترز)

بعد 12 يوماً من بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، في 24 فبراير (شباط) الماضي، تبدو خطوط الجبهات كأنها تشهد جموداً إلى حد كبير، ربما باستثناء الجبهة الجنوبية التي حقق فيها الروس تقدماً واضحاً انطلاقاً من شبه جزيرة القرم التي استعادوها في عام 2014. لكن الجبهة الشرقية، في منطقتي لوهانسك ودونيتسك الانفصاليتين، لم تشهدا حتى الآن تقدماً كبيراً للروس وحلفائهم. أما جبهة كييف، في الشمال، فيبدو التقدم الروسي فيها أيضاً بالغ البطء، إذ إن القافلة الضخمة الممتدة بطول 40 ميلاً ما زالت متوقفة إلى حد كبير في مكانها منذ أيام، من دون أن تتحرك في اتجاه العاصمة. توحي هذه الصورة للجبهات بأن الهجوم الروسي أخفق في تحقيق النتائج المرجوة منه، رغم تأكيدات موسكو أن الخطة تسير وفق ما هو مخطط لها، زمنياً وعلى الأرض. هل نجح الأوكرانيون فعلاً في إحباط الغزو؟ كيف تمكنوا من تحقيق ذلك؟ وأين أخفقت خطط الحرب الروسية؟ وما الخطوة العسكرية المقبلة المتوقعة من موسكو الآن؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، حاورت {الشرق الأوسط} الكولونيل السابق في الاستخبارات العسكرية البريطانية فيليب إنغرام الذي يدير مؤسسة {غراي ميديا هاوس} ويقدم تحليلات في شؤون الأمن والاستخبارات. فيما يلي ملخص الحوار معه:

> إذا كان الغزو الروسي لأوكرانيا قد تجمد فعلاً، فأين أخطأت خطط الهجوم؟
- حصلت أخطاء كثيرة في الخطط الروسية، من وجهة نظري. أولاً، لم يقدّر (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين تقديراً كافياً تصميم المدافعين الأوكرانيين وقدراتهم، ومدى فاعلية دفاعاتهم التي تعززت بأنظمة تسلح حديثة قدّمها كثير من الدول الغربية. لقد فشلت استخباراته في إخباره بأن الأوكرانيين لا يريدون التدخل الروسي.
ثانياً، أخطأ الروس في تقدير قدراتهم العسكرية. فتجهيزاتهم لا يُعتمد عليها كما ينبغي. الدعم اللوجيستي غير كافٍ بتاتاً، كما هو وضع الصيانة الروتينية والعناية بالمعدات المعقدة. كما أن عمليات السيطرة والقيادة الروسية على كل المستويات تبدو ضعيفة. إن السير في عمليات تُستخدم فيها كل الأسلحة مجتمعة هو عملية معقدة، ومن الواضح أن قادته ليسوا أكفاء بما يكفي. وما يزيد الطين بلة أن رجاله يفتقدون لعناصر التصميم والحافز والدافع، وهي أمور تأتي من خلال جيش احترافي يتم تحفيزه بشكل جيد. يبدو أنهم (الجنود الروس) لا يؤمنون بالعملية التي يقومون بها. كما أن بوتين لم يتمكن من تحقيق التفوق الجوي. ومع غياب التفوق الجوي، خسر القدرة على تحريك قواته المهاجمة بحرية، كما فشل في منع الأوكرانيين، في المقابل، من تحريك قواتهم الدفاعية. هذا خطأ أساسي ومن البديهيات.
ثالثاً، قلل بوتين من شأن تصميم المجتمع الدولي وقدرته على التوحد بصوت واحد يؤذيه سياسياً، ودبلوماسياً، واقتصادياً، وقلل من شأن استعداد المجتمع الدولي لتزويد الأوكرانيين بدعم عسكري مميت على شكل أسلحة حديثة.
> توضح أشرطة الفيديو والصور الآتية من أوكرانيا دبابات روسية محترقة وطائرات تم إسقاطها... كيف تمكن الأوكرانيون من إلحاق مثل هذا الدمار بقدرات الجيش الروسي؟ وما دور الأسلحة الأميركية والبريطانية على وجه الخصوص في صد الروس؟
- يستخدم الأوكرانيون تكتيكات متنوعة لإلحاق الضرر بالقوات الروسية المهاجمة. وهذه التكتيكات تتراوح بين استخدام الدبابات التقليدية في مواجهة الدبابات التقليدية، واستخدام فرق صغيرة من القوات المتحركة المزودة بمضادات للدبابات ومضادات للطائرات. لقد أثبتت الأسلحة التي قدمتها دول مختلفة في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى المملكة المتحدة والولايات المتحدة، أنها بالغة الفاعلية. قبل الغزو الروسي، زودت المملكة المتحدة الأوكرانيين بآلاف الصواريخ المضادة للدبابات من طراز {إن لاو} (NLAW) (صناعة بريطانية - سويدية) ووفرت طواقم تدريب لضمان أن الأوكرانيين يعرفون كيف يستخدمونها بفاعلية. لقد أثبت الأوكرانيون بهذه الصواريخ مراراً وتكراراً أنهم قادرون على تدمير المدرعات الروسية. كما أن لديهم قدرات على استهداف المروحيات (بصواريخ أرض - جو).
> خطة الهجوم حتى الآن تبدو قائمة على ثلاثة محاور: الانطلاق من شبه جزيرة القرم جنوباً والتوسع شرقاً (في اتجاه ماريوبول والدونباس) وغرباً (في اتجاه أوديسا)، والتقدم غرباً من دونيتسك ولوهانسك، ومحاولة تطويق كييف بالتقدم نحوها من الغرب والشرق. ما تقييمك للوضع على هذه المحاور الثلاثة؟ وما الخطوة المقبلة في الخطة الروسية؟
- من بين هذه الجبهات الثلاث واضح أن الروس يعتبرون أن جهدهم الأساسي يتركز على محور كييف، تحدث بوتين و(ووزير خارجيته سيرغي) لافروف علناً عن التحرك من أجل إطاحة الحكومة الأوكرانية الحالية في كييف. هذا الجهد الأساسي فشل. المحور الثاني باعتقادي هو ربط القرم بجسر أرضي يصل بمنطقة الدونباس المتنازع عليها. هذا المحور يسير في شكل أفضل بالنسبة إلى الروس، لكنهم هنا أيضاً يحققون تقدماً بطيئاً ويتم تجميد تحركهم تكراراً. التقدم الأخير غرباً من دونيتسك ولوهانسك هدفه السيطرة على كل شرق أوكرانيا، قبل الانطلاق في محور جديد باتجاه كييف وغرب البلاد. إنني متفاجئ بعدم حصول تحرك على هذا المحور وعدم محاولة السيطرة على مواقع مهمة كالجسور والمطارات.
> هل تخشى أن يلجأ الروس الآن إلى قصف المدن بهدف إخضاعها بالقوة، كما فعلوا في مناطق أخرى تدخلوا فيها كحلب في سوريا وغروزني في الشيشان؟
- لقد فقدت روسيا عنصر المبادرة على الأرض وباتت، في التعبير العسكري، جامدة. قادة بوتين بحاجة لانتزاع المبادرة من جديد، وتكتيكهم التاريخي هو فعل ذلك من خلال تطويق القوات المناوئة لهم والاستمرار في قصفها حتى إرغامها على الخضوع، حتى ولو كان ذلك يعني استهداف المدن والمدنيين في إطار هذه العملية. وما أخشاه هو أن هذا ما بدأ في الحصول فعلاً.
> شاهدنا مقاطع فيديو وصوراً لقوات شيشانية على رأس القوات التي تتقدم نحو كييف. ما دور الشيشان في معركة السيطرة على العاصمة الأوكرانية؟
- إن استخدام الشيشان ووحدات أخرى من قوات {النخبة} ممن لديها سمعة مخيفة يدخل في إطار حرب المعلومات بقدر دخوله في إطار القدرات القتالية الحقيقية. والهدف من ذلك هو نشر الخوف في قلوب المدافعين المحليين وفي قلوب السكان.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».