منى المري: منتدى الإعلام العربي يعكس الواقع المحيط بنا.. واستحدثنا نقاشات جديدة

رئيسة اللجنة التنظيمية للمنتدى تكشف عن مبادرات جديدة تشهدها الدورة الرابعة عشرة

منى المري
منى المري
TT

منى المري: منتدى الإعلام العربي يعكس الواقع المحيط بنا.. واستحدثنا نقاشات جديدة

منى المري
منى المري

قالت منى المري رئيسة اللجنة التنظيمية لمنتدى الإعلام العربي رئيسة نادي دبي للصحافة إن شعار منتدى الإعلام العربي الذي يقام فعالياته يوم 12 و13 مايو الجاري «اتجاهات جديدة» يسلتهم الظروف المحيطة التي تشكل في مجملها أبرز العناصر المؤثرة في المجتمع، ومن ثم قطاع الإعلام الذي يعتبر بمثابة المرآة التي تعكس ما يشغل المجتمع من قضايا وموضوعات وطموحات، وبذلك يكون المنتدى دائمًا وثيق الصلة بالواقع المحيط وبالتالي تأثيراته على الإعلام مع اختلاف أشكال تلك التأثير وأبعادها.
كشفت منى المري عن تفاصيل المنتدى والاختلافات التي حدثت في الدورة الحالية، وعن عدد من قضايا الإعلام العربي, وجاء الحوار على التالي:
* يأتي انعقاد الدورة الـ14 للمنتدى هذا العام تحت شعار «اتجاهات جديدة»، فإلامَ يشير هذا الشعار؟ وما الفكرة من ورائه؟
- يحمل المنتدى كل عام شعارًا جديدًا ويكون دائمًا مُعبّرًا عما سيتم التطرق إليه من محاور رئيسة ضمن الجلسات والنقاشات التي تشملها كل دورة، وغالبا ما يأتي الشعار مُستلهمًا الظروف المحيطة والتي تشكل في مجملها أبرز العناصر المؤثرة في المجتمع، ومن ثم قطاع الإعلام الذي يعتبر بمثابة المرآة التي تعكس ما يشغل المجتمع من قضايا وموضوعات وطموحات، وبذلك يكون المنتدى دائمًا وثيق الصلة بالواقع المحيط وبالتالي تأثيراته على الإعلام مع اختلاف أشكال تلك التأثير وأبعادها، ومع تعاظم التحديات التي تواجه عالمنا العربي في الوقت الراهن، لم يكن الإعلام في منأى عن هذا التوتر الذي خلّفه ذلك المشهد المضطرب الذي انسحب على أغلب أوجه الحياة، وظهرت تداعيات هذا الاضطراب بوضوح على صفحات الإعلام وشاشاته وعبر أثيره، ليكون أبسط تلك التداعيات غياب أشكال التطوير التي يمكن من خلالها النهوض بالإعلام ومن ثم تفعيل دوره البنّاء في المجتمع كطاقة إيجابية قادرة على إحداث تغيير نوعي في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الأمة العربية، بما يمنح الإنسان العربي القدرة على تجاوز ما يشوبها من سلبيات إلى آفاق جديدة واعدة من العمل والإنجاز والتطور، وعلى الرغم من أن البعض قد لا يرى في المشهد سوى جانبه المظلم، يبقى هناك من يتشبث بيقينه في قدرته على التغيير الإيجابي وإيمانه بأن التفاؤل هو الطريق لصنع المستقبل وأن التفكير الإيجابي هو السبيل الأمثل لقهر التحديات. وقد اخترنا أن نكون ضمن هذا الفريق، فشعار «اتجاهات جديدة» يعكس استراتيجية المنتدى هذا العام في البحث في واقعنا العربي بعين إيجابية عما يمكننا أن نرقى به وما نستطيع الاستفادة به من تجارب متميزة تمكنت أن تثبت جدواها سواء داخل المنطقة أو خارجها، فالعالم بأسره اليوم يمر بتحولات كبيرة، تصعد فيها قوى ومؤثرات جديدة لا بد أن نكون على وعي بها وأن يكون لدينا القدرة على مواكبتها وأن نفسح لأنفسنا مكانًا في قلب التطور العالمي، والإعلام عنصر أصيل في هذا الشأن، وعليه مسؤولية كبيرة في تحقيق هذه المواكبة ومن ثم فنحن نحاول في دورة هذا العام أن نبحث ونتبصر ونقدم إجابات على أسئلة تتناول موقع العرب من تلك التطورات ومدى قدرة الإعلام كقطاع حيوي ملامس لحياة الناس على إحداث تقدم حقيقي في مجتمعاتنا يعود بالنفع على واقعنا ومستقبل الأجيال القادمة.
* ما الاختلافات التي طرأت على المنتدى منذ الدورة السابقة؟
- تبذل اللجنة التنظيمية جهدا كبيرا في الإعداد للمنتدى كل عام، ولا أبالغ عندما أقول إن فترة الإعداد تستغرق قرابة عام، إذ لا تلبث أن تنتهي فعاليات الدورة الحالية، لنبدأ بعد أسابيع قليلة في الترتيب للدورة التالية، وهذا الجهد هدفه في الأساس أن تأتي كل دورة على قدر كبير من التميز عن سابقاتها، ومن ثم يكون الحرص على تحقيق هذا التميز على مستويين أساسيين، الأول هو المضمون، وذلك من ناحية المحاور المطروحة للنقاش والتي نؤكد دائمًا على ارتباطها بأهم التطورات المحيطة عربيا وعالميا، وثانيًا على مستوى القالب التنظيمي الذي يتم من خلاله تقديم المحتوى الفكري، لذا فالحرص دائمًا يكون على تنويع الأطر الحوارية باستحداث مساقات جديدة مدعومة بإضافات تخدم ما نقدمه من فكر متطور ضمن أطر نقاشية فعالة، وسيلاحظ المشاركون في الدورة الرابعة عشرة للمنتدى، والتي من المقرر أن تنطلق بعد أيام، إضافة مهمة استحدثناها وهي جلسات الـ«20 دقيقة»، التي نستضيف من خلالها مجموعة من الخبراء والمتخصصين والشخصيات البارزة والمؤثرة والتي تحمل فكرًا متطورًا في كثير من المجالات والتي رأينا فيها مصدر إلهام وقدرة على التناول الواعي والمدعوم بفكر مستنير للموضوعات التي اخترنا التطرق إليها ضمن هذه الدورة، ومن بينها ما هو متعلّق بالإعلام الرقمي وما هو مرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي، علاوة على موضوع الابتكار في الإعلام، وغيرها من موضوعات الساعة الحيوية في المجال ذاته، والتي سيتناول كلا منها متحدث واحد في كل جلسة انطلاقًا من واقع تجاربه وخبراته، وهذه المرة الأولى التي ينظم فيها المنتدى جلسات مدتها 20 دقيقة، وهو أسلوب غير تقليدي سعينا من ورائه إلى توسيع مساحة الحوار لأنه شكل تنظيمي جديد يمنحنا القدرة على تناول عدد أكبر من الموضوعات، هذا بالطبع إلى جانب الجلسات الحوارية العامة الموسّعة التي تستضيف ثلاثة أو أربعة ضيوف، ومن أبرز الإضافات المميزة للمنتدى هذا العام «الممشى الإعلامي» الذي سيشاركنا من خلاله مجموعة من أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم، لتقديم سلسلة من ورشات العمل المتخصصة وستتناول طيفا كبيرا من الموضوعات المطروحة حاليًا على الساحة، ومن بين تلك المؤسسات «أسوشييتد برس» و«وكالة الصحافة الفرنسية» و«رويترز» و«فيسبوك» و«سكاي نيوز عربية» و«غوغل»، ونحن سعداء بهذه الشراكة التي سيمكن من خلالها منح الفرصة لمؤسسات إعلامية رائدة لمشاركة رؤاها وأفكارها وتجاربها مع جمهور المشاركين في المنتدى، لا سيما شباب الإعلاميين الذين نرى في ورشات العمل فرصة كبيرة لهم للاستفادة من خبرات لها باع طويل في مجال الإعلام، لنضيف بذلك قيمة جديدة للمنتدى ببعد يساهم في إثراء حواراته. وفي هذه الدورة قمنا كذلك بتضمين «الفيلم الوثائقي» الذي بات يعتبر من بين الوسائل المؤثرة في نقل الحقائق للناس، وهي المرة الأولى التي ستشمل فيها فعاليات المنتدى عرض مقاطع لأفلام تسجيلية، وستضم هذه الإضافة عرض مقتطفات من فيلم وثائقي بعنوان «سبايا الخِلافة» وهو من إنتاج قناة «بي بي سي العربية»، حول محاولة الصحافية الشابة نارين شمو تتبع مكان فتيات مختطفات في العراق ومفاوضات إطلاق سراحهن، وتتحدث شمو خلال الجلسة حول هذه التجربة المحفوفة بالمخاطر، كما سيعرض المنتدى مقتطفات من الفيلم الوثائقي «بلال» والذي يتناول جانبا من حياة الصحابي الجليل بلال بن رباح، مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم، حدث خلال الجلسة، ومُنتج الفيلم أيمن جمال.
* هل ترون أن المناقشات التي دارت في أروقة المنتدى على مدار سنوات أثرت الإعلام العربي؟ وكيف كان ذلك؟
- أعتقد أن الحوار هو الخطوة الأولى على طريق أي تطوير، وبالحوار تتواصل العقول لتتبادل الأفكار والرؤى وتتكامل الأطروحات وتتنوع التصورات وتتباين التحليلات، ويبقى الحوار دائما بمثابة الحجر الذي يُلقى في المياه فيثيرها ويحركها ويبعث فيها الحياة، وهذا ما حرصنا عليه منذ انطلاق المنتدى، وعملنا أن يكون دائمًا هذا المحفل السنوي بمثابة المحرك الدافع في اتجاه التطوير الإيجابي عبر استعراض التجارب الناجحة بغية تعميم الدروس المستفادة وتعظيم الفائدة المرجوة من الخبرات الماضية والتي يمكن البناء عليها وصولا إلى التطوير المنشود في كل مجالات الإعلام، ومن هذا المنطلق أرى أن المنتدى كان له الدور الأبرز في تعزيز الحوار الإعلامي في المنطقة، ونحن نعتز ونفخر بأنه الحدث الأبرز والأكبر من نوعه على أجندة الإعلام العربي، إذ يجمع سنويا في دبي وتحت سقف واحد نخبة الخبراء والمتخصصين وصناع القرار في كبرى مؤسسات الإعلام العربية، بهدف إقامة حوار بناء غايته التطوير الإيجابي للإعلام العربي ومن ثم دفع عجلة التطوير العام في مجتمعاتنا العربية من المحيط إلى الخليج، في الوقت نفسه لم يكتفِ المنتدى على مدار تاريخه بمجرد تيسير فرص الحوار، بل حرص على دعمه بمصادر عملية وعلمية موثقة عبر جهد بحثي عكف عليه لسنوات عدة.
* ما أبرز المحاور التي ستطرح في هذه الدورة من منتدى الإعلام العربي؟
- تدور النقاشات حول عدد من الموضوعات المهمة المتعلقة بواقع إعلامنا العربي وكيف يمكننا من خلالها التوصل إلى سبل التطوير المطلوبة والممكنة وكيفية تحقيقها بمحاولة الإجابة على مجموعة كبيرة من الأسئلة والتي تنبع جميعها من الاتجاهات الجديدة التي تسود المنطقة والعالم، ومن بين تلك الموضوعات أثر الصراعات السياسية على قيم الموضوعية والحياد والتوازن في الأداء الإعلامي، وكيفية تعاطي الإعلام مع الظواهر السلبية التي طفت على السطح بصورة قوية مؤخرًا، ومن أبرزها لإرهاب والتطرف، ولا يقتصر ذلك على التطرف الفكري ولكننا أيضا سنتناول كذلك التطرف المتمثل في «التعصب الرياضي» الذي يعتبر شكلا من أشكال المغالاة المذمومة، خصوصا إذا ما وصلت إلى حد انقسام الناس وتناحرهم بسبب اللعبة التي يشجعونها، ومع ارتباط المنتدى بالأحداث المحيطة، فسيتم التطرق كذلك إلى «عاصفة الحزم» لبحث التناول الإعلامي وكيف واكب أهدافها وهل نجح في تقديم أداء يرقى إلى مستوى الحدث في ظل انتشار وسائل مضللة مغرضة وهدامة، وعلى الرغم من التشاؤم الناجم عن الأوضاع غير المستقرة في نقاط عدة من عالمنا العربي، إلا أن دولة الإمارات تعتبر نموذجًا يستحق التوقف عنده كونها أثبتت أنها مثال لـ«نافذة التفاؤل» بقدرتها على تحقيق تنمية مستدامة تعلي شأن الإنسان وتضعه في مقدمة أولوياتها وتجعل من سعادته هدفًا رئيسًا لها، لذا رأينا أن التجربة الإماراتية هي تجربة مُلهِمة كان لا بد من التوقف عندها، إذ سيتحدث عن سمة التفاؤل التي طالما صاحبت مسيرتها في مجالات التنمية وضمن مختلف المراحل، الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية ووزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي.
* تقام فعاليات حفل تكريم الفائزين بـ«جائزة الصحافة العربية» سنويًا فور اختتام المنتدى، ما حجم المشاركات في الجائزة هذا العام وكم عدد الدول التي تمثلها المشاركات؟
- تواصل جائزة الصحافة العربية رسالتها كأهم محفل للاحتفاء بالإبداع في مجال الصحافة في المنطقة، وقد حققت الجائزة هذا العام، وبفضل التطوير المستمر في فئاتها وآليات عملها، تقدما لافتا بتسجيل أعلى رقم للمشاركات منذ انطلاقها في عام 1999، بإجمالي 5008 أعمال، بزيادة مقدارها 11 في المائة مقارنة بأعداد المشاركة العام الماضي، أما بخصوص الدول المشاركة هذا العام فوصل عددها إلى 34 دولة من داخل، منها أعمال وصلت من 15 دولة أجنبية، وتصدرت مصر القائمة بإجمالي 1552 عملاً وبنسبة (31 في المائة) من العدد الإجمالي، ومن بعدها السعودية وفلسطين اللتان تعادلتا في نسبة الأعمال بمقدار 11 في المائة لكل منهما وتلتهما الإمارات بنسبة (9 في المائة) من الأعمال، ومن اللافت أن فئة الصحافة الشبابية كانت صاحبة النصيب الأكبر من الأعمال المشاركة بواقع 834 عملاً، وجاءت بعدها فئة الحوار الصحافي وسجلت 534 عملاً ومن ثم الصحافة التخصصية بواقع 527 عملاً.



«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.