ليبيا أمام تكرار «سيناريو» الانقسام

التنازع على السلطة يعيد فتح أبواب الصراع

صورة أرشيفية لإحدى جلسات مجلس النواب الليبي
صورة أرشيفية لإحدى جلسات مجلس النواب الليبي
TT

ليبيا أمام تكرار «سيناريو» الانقسام

صورة أرشيفية لإحدى جلسات مجلس النواب الليبي
صورة أرشيفية لإحدى جلسات مجلس النواب الليبي

يأمل قطاع واسع من الليبيين وضع حد للمراحل الانتقالية التي عايشوها قبلاً، بإجراء انتخابات تضمن وجود رئيس شرعي للبلاد. إلا أن الأجواء، التي تمر بهم بعد تكليف حكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا، خلفاً لحكومة «الوحدة الوطنية» بقيادة عبد الحميد الدبيبة، يراها سياسيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» عاصفة توشك أن تفتح أبواباً من الصراع، لا يعلم إلا الله مداه، وبأي كيفية سينتهي.
الملمح الأول لما ستجري عليه الأمور في الآتي من الأيام، يعد تكرار ما قد سبق من وجود حكومتين متنازعتين على السلطة. ولئن كانت الحكومتان هذه المرة تتمركزان في غرب ليبيا، فإن كلاً من رئيسيهما يتمسك بـ«شرعيته»، ويمضي في تنفيذ خططه وبرامجه.
ومكمن الخطر في هذه المعضلة، أن الجميع سيتحسس مسدسه؛ لأن الطرفين يعتصمان خلف كتائبهما المسلحة، وربما يحتكمان إلى قوة السلاح، إذا لزم الأمر؛ ما سيبقي ليبيا رهينة تنازع جديد تجتر فيه آلم الانقسام، وتستعيد سيناريوهات الماضي.
هنا، يرى سياسيون ليبيون، أن الأسلم للبلاد والعباد إقدام الدبيبة على تسليم السلطة سلمياً لغريمه باشاغا. لكن، إذا تعذّر ذلك «فإن ليبيا ذاهبة إلى فصل آخر من تأزم القضية»، تضيع على أثره سدى جهود بذلتها أطراف محلية وإقليمية ودولية، طوال عقد ونيف، لتبدأ من جديد رحلة البحث عن «الخلاص».
قبل أن يُقدم مجلس النواب الليبي، عن منح الثقة لحكومة فتحي باشاغا، خلال انعقاده في مدينة طبرق بأقصى شرق البلاد على مدار يومين، كانت تحذيرات المواليين لعبد الحميد الدبيبة ساخنة. كذلك كانت لهجة الوعد والوعيد متصاعدة، بعدما هدّد ما يسمى بـ«تجمع قادة ثوار ليبيا» الداعم له باستخدام السلاح، وطالبه بألا يسلّم السلطة لحكومة باشاغا، ومضى متوعداً «أيدينا على الزناد، ونحن على أهبة الاستعداد للدفاع عن ثورتنا، وصون دماء شهدائنا الأبرار».
«التجمع» دافع عن الحكومة، التي قال إنها «نِتاج مؤتمر جنيف الذي رعته الأمم المتحدة وأشرفت عليه»، قبل أن يحذر البعثة الأممية هي الأخرى من «التدخل السافر والمستفز في شؤون البلاد». إلا أن البرلمان، الذي أعلن أن كثرة من نوابه تلقوا «تهديدات بالقتل»، لم يلتفت لأي تحذيرات، مفضلاً وضع الجميع أمام الأمر الواقع، ووافق لتوه على الحكومة في جلسة رأت جبهة الدبيبة، أنه اعتراها أعمال «تزوير وتلاعب». وللعلم، ضمت التشكيلة الحكومية الجديدة، التي تحمل اسم «الاستقرار الوطني»، ثلاثة نواب لرئيس الوزراء و30 وزيراً، إضافة إلى ستة وزراء دولة.
وسبق أن تسلمت حكومة الدبيبة، المؤقتة، السلطة عقب انتخابها من أعضاء «ملتقى الحوار السياسي» الليبي، في الخامس من فبراير (شباط) 2021، إثر مباحثات رعتها الأمم المتحدة لأكثر من سنة بين تونس وجنيف.
انقسامات حول الحكومتين
بدا من الساعات الأولى على منح الثقة للحكومة الجديدة أن جميع الليبيين ينتظرون الذي يقع حالاً. ولكن على الرغم من ذلك تحدث باشاغا بثقة عن أنه سيتسلم السلطة سلمياً، ويمارس مهامه من طرابلس. وفي المقابل، ظل الدبيبة يتوعد بمعاقبة «مَن يتجرأ على الاقتراب من أي مقر حكومي»، متهماً رئاسة المجلس، بأنها «انتهجت التزوير للتمديد». وأكد محمد حمودة المتحدث باسم «الوحدة الوطنية» في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الحكومة «لن تتخلى عن مهامها، وتدعو الجميع لإجراء الانتخابات في منتصف العام الحالي».
مدافعون عن حكومة «الوحدة» من بينهم عبد الرحمن السويحلي، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة، رأى أن الموافقة على حكومة باشاغا، «ليست إلا قفزة في الهواء؛ هي والعدم سواء». والسويحلي، الذي ينتمي إلى مصراتة - مدينة الدبيبة وباشاغا - التي يتوقع أن تلعب دوراً محورياً إمّا في استيعاب التوتر أو تصعيده، زاد من انتقاده، وقال، إن كل ما صدر عن مجلس النواب «باطل ومخالف للإعلان الدستوري والاتفاق السياسي». وتمسك ببقاء حكومة حتى إنجاز الانتخابات في يونيو (حزيران) المقبل.
من جهة ثانية، انضم خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، إلى رؤية السويحلي، متهماً «النواب» أيضاً بمخالفة الاتفاق السياسي لكونه انفرد بالقرار دون إشراكه فيه، متوعداً بـ«اتخاذ ما يلزم من إجراءات تجاه هذه المخالفات». أما الشيخ علي مصباح أبو سبيحة، رئيس «المجلس الأعلى لقبائل ومدن فزان» (جنوب ليبيا)، فقد ذهب إلى أن ما يجرى على الأرض الآن، «ليس مفاضلة بين باشاغا والدبيبة»، بل إن القضية، من وجهة نظره، تتمثل فيما سمّاه «الاستهتار بإرادة الشعب والضحك عليه واستغفاله»، وأرجع ذلك لـ«جملة من المخالفات القانونية وقعت في جلسة منح الثقة».
بالتوازي، وجد قرار مجلس النواب بمنح الثقة لباشاغا، مَن يدافع عنه باعتبار أنه الجسم السياسي الوحيد المنتخب في ليبيا، وأن جميع إجراءاته كانت «قانونية واتسمت بالشفافية، وتم بث الجلسة على الهواء». وأيضاً، لكونه وجد ضرورة لعزل حكومة «الوحدة الوطنية»؛ لأنها «فشلت في إدارة شؤون البلاد، وأخفقت في إجراء الانتخابات». وهنا تمنى علي التكبالي، النائب عن مدينة طرابلس المركز، أن تكون حكومة «الاستقرار الوطني» اسماً على مسمى. وأردف «تصويت مجلسه عليها أنقذ ليبيا من الانقسام، وعلى الجميع أن يقبلوا بالأمر ويعملوا من أجل توحيد الصف».
الرهان على الانتخابات
ليبيون كثيرون ضاقوا ذرعاً بما يحدث من تجاذبات ومناكفات بين الأجسام السياسية المسيطرة على المشهد راهناً، ويدعون إلى رحيلها. لكن هذا لا يتأتى إلا بإجراء انتخابات سريعة، وهو ما عبّر عنه جمال الفلاح، رئيس «المنظمة الليبية للتنمية السياسية»، الذي اعتبر هذه الأجسام السياسية ومنها مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة» سلطات فاقدة للمشروعية ومغتصبة لإرادة الشعب الليبي في الانتخابات.
وفسر الفلاح، في حديثه إلى «الشرق الأوسط» موافقة مجلس النواب على تشكيل حكومة جديدة بأنه «هروب للأمام وزيادة تأزيم وإطالة للمرحلة». وتابع «سيترتب على هذا القرار انقسام آخر وانسداد في العملية السياسية في حال لم يسلّم الدبيبة السلطة بشكل سلمي»، واستطرد قائلاً إن الأخير «ما زال متمسكاً بخريطة الطريق الأممية الهادفة إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة».
الفلاح، الذي ينتمي إلى مدينة بنغازي، دافع عن وجهة نظره بأن مجلس النواب «سبق له خرق خريطة الطريق عندما وضع القوانين الانتخابية منفرداً، وأخلّ بضرورة تزامن الانتخابات البرلمانية مع الرئاسية». وأضاف «هذا أحد أسباب فشل إجراء الاستحقاق في موعده الذي كان مقرراً قبل نهاية عام 2021... والآن يريد التنصل من المسؤولية، ويحملها لحكومة (الوحدة الوطنية) فقط... لكن الاثنين تشاركا في إفشال الانتخابات».

موضع البعثة الأممية
على صعيد متصل، مبكراً سجلت حكومة «الوحدة الوطنية» ملاحظات على سيتفاني ويليامز، المستشارة الأممية إلى ليبيا، وبدت غير راضية عن موقفها، ووصفتها بأنها «تتسم بالغموض» وتنحاز إلى الساعين للإطاحة بها.
أما ستيفان دوجاريك، الناطق باسم الأمم المتحدة، فامتنع عن التورط في صراع داخلي، واكتفى بالقول، إنها «تتابع عن كثب التطورات السريعة في ليبيا، وآخرها قرار منح الثقة لحكومة الاستقرار». ثم، بعد يومين من قرار البرلمان، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه إزاء التقارير التي تفيد بأن تصويت مجلس النواب على منح الثقة لحكومة باشاغا «لم يرقَ إلى مستوى معايير الشفافية والإجراءات المتوقعة، وشمل أعمال ترهيب قبل الجلسة».
دوجاريك نقل عن الأمين العام أنه يواصل متابعته عن كثب للتطورات في ليبيا، بما في ذلك جلسة البرلمان، التي شهدت تصويتا بالثقة على تشكيل حكومة جديدة، مجدداً التأكيد على «أهمية الحفاظ على الوحدة والاستقرار الذي تحقق بشق الأنفس» منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020.
كذلك، لفت الناطق الأممي إلى أن ويليامز، تعتزم دعوة لجنة مشتركة من مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة» في أقرب وقت ممكن، للاجتماع من أجل وضع أساس دستوري توافقي من شأنه أن يؤدي إلى انتخابات وطنية في أقرب وقت ممكن. ودعا جميع الجهات الفاعلة إلى «الامتناع عن اتخاذ أي إجراءات من شأنها تقويض الاستقرار وتعميق الانقسامات في ليبيا».
هذا، لم تسلم البعثة الأممية للدعم في ليبيا، من الانتقادات طوال السنوات العشر الماضية، وراهناً، ينظر أنصار حكومة الدبيبة، إلى ويليامز، بأنها كمن يمسك العصا من المنتصف. بيد أن الأخيرة، التي تقول إنها بذلت محاولات لتجنب أي تصعيد، التقت الدبيبة وباشاغا في لقاءين منفصلين، ودعتهما إلى «الحفاظ على الاستقرار» في البلاد، وإجراء انتخابات «في أقرب وقت ممكن»، من دون أن تتخذ موقفاً من الصراع الجاري بينهما حول منصب رئيس الوزراء.
تحرك مستقل
بعيداً عن جبهة باشاغا، اجتمعت رغبة الدبيبة والمشري في المضي قدماً باتجاه كيفية إجراء العملية الانتخابية في أسرع الآجال الممكنة. ووسط حملة من التشكيك وحالة ممزوجة من القلق والمخاوف تسود ليبيا، تحدث المشري عن إعداده لـ«قاعدة دستورية» يجرى على أساسها الاستحقاق المنتظر، وذلك في شهر يونيو المقبل. أما الدبيية، الذي يرفض تسلم السلطة التنفيذية إلا لحكومة جديدة بعد الانتخابات البرلمانية، فيرى إمكانية إجراء هذا الاستحقاق في نصف العام الحالي، على أن تضطلع بذلك المفوضية العليا للانتخابات بحيث تكون كل دائرة منفصلة إذا لزم الأمر. وهو ما يثير رفض واستغراب المناوئين له، فيتساءلون «كيف لسلطة تنفيذية منتهية الصلاحية لعب دور السلطة التشريعية في سن القوانين»؟
للخروج من المأزق التشريعي، طرح الدبيبة إمكانية الاستعانة بقانون انتخابات «المؤتمر الوطني العام» السابق لسنة 2012، وقانون انتخاب مجلس النواب لسنة 2014، إضافة إلى القانون الأخير الصادر عن البرلمان؛ وذلك لانتخاب مجلس نواب جديد، بدلاً من المجلس الذي يترأسه عقيلة صالح.
متابعون يرون أن رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» بهذا التوجه يستهدف مجلس النواب، علماً بأن التعديل السابق على قانون الانتخابات الأخير الذي أقرّه الأخير، اشترط إجراء الاستحقاق الرئاسي أولاً على أن يجرى «البرلماني» عقب ذلك بـ30 يوماً. ويلفت هؤلاء إلى أن سلطات طرابلس، منذ الانقسام الذي ضرب ليبيا عام 2014، لم تصغ إلى تعليمات وقرارات برلمان طبرق، خصوصاً إذا تواكبت مع أي خلافات؛ لذا يتوقعون أن «تصير ليبيا كجزر منعزلة، حال تمسك كل من الدبيبة وباشاغا بموقعه، لكنهم يرون أن الرهان في قادم الأيام، سيكون على المصرف المركزي بالعاصمة، وإلى أي حكومة سينتمي، ويدعمها مالياً».
الموقف الدولي
في هذه الأثناء، بدا الصوت الدولي خافتاً رغم الانزعاج الداخلي، حيال المتغير الطارئ في خريطة السياسة الليبية، باستثناء القاهرة التي بادرت مبكراً بالتأكيد على دور مجلس النواب، باعتباره «الجهة التشريعية المنتخبة، والمعبرة عن الشعب، والمنوط به سن القوانين، ومنح الشرعية للسلطة التنفيذية، وممارسة دوره الرقابي عليها».
وبعد يوم من نيل حكومة باشاغا الثقة، خرجت وزارة الخارجة الروسية عن صمتها ورحبت بقرار البرلمان، وأكدت «استعدادها للتعاون معها، للمضي في تسوية سياسية شاملة للأزمة الليبية». وجاء الموقف الروسي، على خليفة إدانة حكومة الدبيبة الهجوم الروسي على أوكرانيا، ووصفها إياه بأنه «انتهاك للقانون الدولي». وسارعت وزارة الخارجية الروسية، بتوضيح موقفها مما يجري في ليبيا، وقالت، إن قرار البرلمان هناك «خطوة مهمة في تجاوز الأزمة التي طال أمدها في البلاد على أساس التوصل إلى اتفاق وطني ضمن حوار بيني شامل».

من الكيب إلى باشاغا... الأزمة الليبية تتنقل في «قطار الحكومات»
> لم يُتح لليبيا أن تستريح وتدخل إلى آخر مراحلها الانتقالية. فمنذ اندلاع «ثورة 17 فبراير (شباط)» عام 2011، وقطار السياسة الذي يمر بمنعطفات خطرة لم يصل إلى محطته بعد، ولا تزال تتوالى عليه حكومات جديدة منذ تولي الراحل عبد الرحيم الكيب، وصولاً إلى فتحي باشاغا، الذي منح مجلس النواب حكومته الثقة، منتصف الأسبوع الماضي، وكل منها يحدوه الأمل في الوصل بليبيا إلى بر الأمان.
وهنا ترتيب زمني لتوليها:
في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011 أدت حكومة (الراحل) الدكتور عبد الرحيم الكيب، اليمين الدستورية بتكليف من «المجلس الانتقالي الليبي»، لتكون أول حكومة بعد «ثورة 17 فبراير». وأعلن الكيب، عقب ثلاثة أشهر من الإطاحة بالقذافي، تشكيل حكومته معتمداً فيها على الكفاءات من مختلف مناطق ليبيا، لتنهي بذلك مهام «المكتب التنفيذي» الذي ترأسه الراحل الدكتور محمود جبريل. تشكيلة الكيب ضمت عدداً من المفاجآت التي تهدف إلى محاولة تهدئة الخصومات بين الفصائل المنتمية للمناطق المختلفة، كان أهمها إسناد حقيبة الدفاع إلى أسامة الجويلي، رئيس المجلس العسكري لمدينة الزنتان. ولكن، بعد أحد عشر شهرا أمضاها في السلطة منذ اختياره، استقال الكيب... وسلم حكومته طوعاً إلى علي زيدان.
يوم 14 نوفمبر 2012 تولى علي زيدان رئاسة الحكومة بشكل رسمي خلفاً للكيب، واستمر في إدارة شؤون البلاد مع تصاعد أعمال الاقتتال وتنامي دور الميليشيات المسلحة بالعاصمة، لدرجة وصلت إلى خطفه شخصياً عندما كان يشغل المنصب في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2013، على أيدي ميليشيات «غرفة عمليات ثوار ليبيا»، لكن أمكن تحريره بعد ساعات. ولكن يوم 11 مارس (آذار) 2014 صوّت «المؤتمر الوطني العام» بحجب الثقة عن حكومة زيدان وتكليف وزير الدفاع عبد الله الثني بمهام رئيس الحكومة لحين انتخاب رئيس وزراء جديد.
ثم في 12 مارس من العام ذاته أدى الثني اليمين الدستورية رئيساً مؤقتاً للحكومة لحين انتخاب رئيس وزراء دائم، غير أنه ظل في هذا المنصب حتى الآن، مدعوماً بشرعية مجلس النواب، علماً بأن حكومته لا تحظى باعتراف دولي.
جاء تولي الثني إدارة البلاد بعدما سحب «المؤتمر الوطني العام» الثقة من زيدان، على خلفية تصريحات لمسلحين في شرق البلاد قالوا فيها، إن ناقلة محملة بالنفط كانت راسية في ميناء خاضع لسيطرتهم، أفلتت من سيطرة البحرية الليبية ودخلت المياه الدولية.
في حينه، تعهد نوري أبو سهمين، رئيس «المؤتمر الوطني العام» في جلسة أذاعها التلفزيون الحكومي، بدعم رئيس الوزراء المؤقت والامتناع عن عرقلة عمله، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث مع تصاعد الخلافات وتفاقم الأزمات بين غرب ليبيا وشرقها.
ويوم 25 أغسطس (آب) 2014 أقال «المؤتمر الوطني العام» الثني، وكلف بدلاً منه عمر الحاسي. والحاسي - المنتمي إلى تيار الإسلام السياسي - كُلف تشكيل ما سمي حينها بحكومة «الإنقاذ»، غير المعترف بها دولياً التي أعلنتها «فجر ليبيا» بمدينة طرابلس، في الوقت الذي أعلن النفير والتعبئة العامة بكافة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.
بعد ذلك، في مطلع أبريل (نيسان) 2015 سلم الحاسي رئاسة حكومة «الإنقاذ» لنائبه خليفة الغويل، في خطوة وصفها بأنها دليل «على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة». وهو ما وُصِف بـ«نكاية» في معسكر شرق ليبيا، والبرلمان المنتخب برئاسة عقيلة صالح. وظلت حكومة الثني، غير المعترف بها في شرق البلاد، على حالها مدعومة من مجلس النواب، تتنازع السلطة مع حكومة «الوفاق الوطني» التي تشكلت في فبراير (شباط) عام 2016 بموجب «اتفاق الصخيرات». وهو الاتفاق الذي وقّع في المغرب يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 بدعم أممي.
ومع تنامي الأزمات وانقسام البلاد بين حكومتين طرحت الأمم المتحدة خريطة طريق جديدة رعتها المبعوثة الأممية بالإنابة حينها ستيفاني ويليامز، أسفرت عن خروج حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إلى النور، وظلت تصارع المناكفات، سعياً لحصولها على نيل الثقة من مجلس النواب.
ومطلع مارس (آذار) الحالي، منح مجلس النواب الثقة لحكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا، لتكون بديلة لحكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة الذي يرفض التخلي عن السلطة إلا «لسلطة منتخبة».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.