موسكو {لن تسمح} بعزلها.. وتدابير مع «الحلفاء» لمواجهة العقوبات

لافروف خلف بوتين في مؤتمر سابق (أ.ب)
لافروف خلف بوتين في مؤتمر سابق (أ.ب)
TT

موسكو {لن تسمح} بعزلها.. وتدابير مع «الحلفاء» لمواجهة العقوبات

لافروف خلف بوتين في مؤتمر سابق (أ.ب)
لافروف خلف بوتين في مؤتمر سابق (أ.ب)

شددت موسكو أمس، لهجتها في مواجهة الصعوبات المتزايدة بسبب العقوبات الغربية المفروضة عليها، وبعد مرور يوم على تحذير فرنسا من «تحول الحرب الاقتصادية إلى حرب واقعية» لمحت إلى قطع العلاقات مع بريطانيا. في وقت نشطت الأوساط الروسية الاتصالات مع الأطراف الحليفة لتقليص تداعيات العقوبات السلبية على الاقتصاد. وحمل وزير الخارجية سيرغي لافروف بقوة على الحملات الغربية ضد بلاده، وقال إن روسيا «لا يمكن عزلها»، وقال إن «لدينا الكثير من الأصدقاء». وشدد لافروف أمس، في لقاء صحافي على تصميم موسكو على تنفيذ كل شروطها في أوكرانيا. وزاد أن «روسيا لن تسمح أبدا بامتلاك أوكرانيا سلاحا نوويا»، مؤكدا أن «العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، بما فيها العاصمة كييف، تهدف إلى نزع سلاح أوكرانيا، وأنه «لا يمكن أن نسمح بوجود أسلحة هجومية في أوكرانيا تهدد أمننا». وقال الوزير الروسي إن بلاده «مستعدة لجولة ثانية من المفاوضات، لكن الجانب الأوكراني يماطل بأوامر أميركية». مشيرا إلى أن الوضع الذي لا يمكن التراجع عنه هو أن «الشعب الأوكراني هو من يجب أن يختار سلطته، ولا بد أن تكون ممثلة لجميع القوميات في أوكرانيا»، كما أكد أن «القرم جزء من روسيا، وهذا الموضوع لن يكون على جدول أعمال أي مفاوضات». وتطرق الوزير إلى تعامل بلاده مع ملف العقوبات، وقال إن روسيا كانت مستعدة لها، ولكن «لم نكن نتوقع أن تستهدف العقوبات والقيود الغربية الرياضيين والمثقفين والفنانين والإعلاميين». وقال لافروف إن «الغرب رفض التعامل مع مطالبنا بوضع صياغة جديدة لهندسة الأمن الأوروبي». محملا «التجاهل الغربي الطويل» المسؤولية عن تفاقم الموقف. وفي إشارة إلى آفاق تطور الموقف المحتملة قال لافروف إنه لا بد من التعامل بشكل جدي مع مخاوف روسيا، وزاد أن «الحرب العالمية الثالثة ستكون نووية مدمرة، والرئيس الأميركي جو بايدن ذو خبرة، وقال إنه لا يوجد بديل عن العقوبات سوى الحرب العالمية». وتزامن ذلك، مع تصعيد قوي في لهجة موسكو تجاه البلدان الغربية. وكان نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف علق على تصريحات لوزير المالية الفرنسي حول «الحرب الاقتصادية» على روسيا بإشارة تصعيدية لافتة، إذ قال إن «دروس التاريخ علمتنا أن الحروب الاقتصادية غالبا ما تتطور إلى حروب فعلية».
في الوقت ذاته، لم يستبعد السفير الروسي لدى بريطانيا أندريه كيلين قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل كامل على خلفية التطورات حول الأزمة الأوكرانية. وقال كيلين في حديث لقناة «روسيا 24» الحكومية: «هذا الاحتمال وارد جدا، لكننا لسنا في حالة حرب، وسيعني قطع العلاقات الدبلوماسية أنه ليس نحن فقط، ولكن السفارة البريطانية في موسكو أيضا ستضطر إلى المغادرة». وفي الوقت نفسه أكد كيلين أن السفارة في لندن تعمل حاليا كالمعتاد وتواصل نشاطها القنصلي. لكن السفير الروسي أشار إلى إلغاء جميع الفعاليات العامة بمشاركة السفارة الروسية في لندن. وقال: «كان من المفترض أن ألقي كلمة في البرلمان أمس (أول من أمس)، تم إلغاء مداخلتي. وكلمتي التي كما كان من المقرر أن ألقيها الجمعة في كلية الاقتصاد في لندن، ألغيت أيضا». وتعكس الإشارة إلى قطع العلاقات مع بريطانيا تطورا في اللهجة الروسية، بعدما كانت موسكو استبعدت في وقت سابق أن تسفر الأزمة الحالية عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع الغرب.
وكانت موسكو أعربت عن استياء بسبب تصاعد لهجة لندن ضدها. وكشف وزير خارجية أوكرانيا دميتري كوليبا أمس، عن اتفاق مع نظيرته البريطانية ليز تروس، على فرض رزمة عقوبات جديدة ضد روسيا.
في حين أعلن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي عبر «تويتر» أنه تحدث مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وبحث معه «تنسيق إجراءات جديدة» ضد روسيا. في الأثناء، أعلن ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي أن بلاده كانت قد حذرت الغرب من أن مسألة انضمام أوكرانيا إلى الناتو كانت ستنفجر «عاجلا أو آجلا». وقال غروشكو إن «روسيا حذرت الغرب مرارا من أن وعد الناتو بقبول أوكرانيا في عضويته يمثل قنبلة موقوتة كانت ستنفجر عاجلا أو آجلا». وأضاف أن تفاقم الوضع الحالي حول أوكرانيا تقع المسؤولية الكاملة عنه على عاتق الدول التي تجاهلت المصالح الحيوية لروسيا، مشيرا إلى خطر جدي حاليا بـ«وقوع صدام مباشر بين قوات روسيا والناتو». ورأى الدبلوماسي أن «كل ما فعله الناتو بعد الحرب الباردة انتهى بكارثة»، وأن كل توسع جديد للناتو أدى إلى تدهور أمن الحلف نفسه. ووفقا له، فإن الناتو «اعتبر نفسه منتصرا في الحرب الباردة، وتوهم أنه يستطيع إقامة نظام عالمي جديد على هواه».
وشدد غروشكو على أن «أوروبا لا بد أن تدرك عاجلا أم آجلا أن الهيكل الأمني الذي يتمحور حول الناتو هو طريق يؤدي إلى مأزق»، وأضاف أنه «لا يمكن التفكير في بنية أمنية أوروبية جديدة إلا بعد حل قضية تقديم ضمانات أمنية لروسيا». وأكد أن روسيا ستواصل الإصرار على الضمانات «المادية والقانونية» لعدم توسع الناتو شرقا، وأنه يتعين على الغرب أن يعي بأن روسيا لديها مصالح أمنية مشروعة. ووصف غروشكو التوجهات الجيوسياسية لأوروبا بأنها تشبه «لعبة كبيرة وخطيرة للغاية». وقال إن الولايات المتحدة لا تريد أن يتمتع الاتحاد الأوروبي باستقلالية من الناحية الجيوسياسية، وإن التكتل الأوروبي ليس لديه فرصة لأن يكون لاعبا مستقلا في الساحة العالمية ما لم يدرك أن الولايات المتحدة هي التي تثير توترات مع روسيا. واعتبر غروشكو أن الأميركيين يريدون إخضاع إمكانات الاتحاد الأوروبي بالكامل للناتو، وزاد: «موسكو تنظر بهدوء إلى طموحات الاتحاد الأوروبي لامتلاك قدرات عسكرية خاصة به، لكن الولايات المتحدة لا تريد السماح بذلك». ووصف غروشكو مسألة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي بأنه أمر يصعب تصوره.
في هذه الأجواء نشطت موسكو اتصالاتها مع بيلاروسيا وكازاخستان وعدد من بلدان الرابطة بهدف تخفيف أعباء مواجهة العقوبات الغربية. وأسفرت هذه الاتصالات خلال الأيام الأخيرة عن نتائج محدودة، وأعلن رئيس الوزراء البيلاروسي، رومان غولوفتشينكو أمس، أن حكومة بلاده تدرس احتمال الانتقال إلى استخدام الروبل الروسي في دفع فواتير الطاقة.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».