فرنسا عازمة على الوقوف بقوة إلى جانب أوكرانيا، ومدها بـ«الأسلحة الدفاعية» التي تحتاج إليها. وباريس لا ترفض أن يحصل تفاوض بين كييف وموسكو؛ لكنها تصر على ألا يحصل وفق سيناريو يفرضه الرئيس فلاديمير بوتين، وتحت القنابل الروسية المنهمرة على المدن الأوكرانية. ولا تتوقف الأمور بالنسبة لفرنسا عند هذا الحد؛ بل إنها تنظر إلى أبعد من أوكرانيا، وتحديداً إلى مولدافيا وجورجيا، الجمهوريتين اللتين تزداد المخاوف بشأنهما لجهة أن تكون للرئيس الروسي خطط بشأنهما، على غرار ما يحصل في أوكرانيا.
وفرنسا تريد أن تكون سباقة بالبدء في تطبيق العقوبات الأوروبية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، وكانت باكورتها حجز سفينة روسية وسوقها إلى مرفأ بولوني سور مير، من أجل التحقيق مع طاقمها.
وبعد أن كان الرئيس ماكرون من أشد المدافعين عن الإبقاء على خط التواصل قائماً مع نظيره الروسي الذي زاره في موسكو في السابع من الشهر المنتهي، وتواصل معه هاتفياً في عديد من المرات، آخرها قبيل انعقاد القمة الأوروبية في بروكسل، مساء الخميس الماضي، فإنه اليوم يلزم خطاً متشدداً، من غير أن يُخرج من حساباته احتمال التواصل معه مجدداً.
تقول مصادر الإليزيه إن الرئيس ماكرون، من خلال الاتصالات الكثيرة التي قام بها بالتفاهم مع زيلينسكي ومع القادة الأوروبيين والولايات المتحدة الأميركية، سعى إلى «توفير خيارات» عديدة لـبوتين، أولها الخيار الدبلوماسي والحل السياسي. إلا أن الأخير اختار الحرب، ولذا فإن هم باريس اليوم: «الاستجابة للطلبات التي تقدم بها زيلينسكي الذي أبلغ الرئيس ماكرون أن خياره مقاومة الغزو الروسي»، وبالتالي فإن باريس تسعى لتوفير الوسائل والأدوات العسكرية التي تمكنه من ذلك.
والهدف من الوقوف إلى جانب زيلينسكي؛ إنْ عبر توفير «الأسلحة الدفاعية» التي كانت باريس تتردد في تزويد كييف بها سابقاً، أو فرض أقسى العقوبات المالية والاقتصادية والتجارية، ناهيك عن العزلة الدبلوماسية على روسيا، كما برز ذلك في مجلس الأمن، هو «تمكينه من تحسين وضعه، وبالتالي التفاوض وفق شروط مقبولة، وليست الشروط التي يفرضها بوتين».
وتضيف المصادر الرئاسية الفرنسية أنه «يتعين على بوتين أن يدفع ثمن عدوانه (على أوكرانيا) غالياً». وكشفت هذه المصادر أن الاتصال الأخير بين ماكرون وبوتين بعد أن انطلقت العمليات العسكرية ضد أوكرانيا «جاء بطلب من زيلينسكي»، وأن العرض الذي نقله ماكرون يمكن تلخيصه بجملة واحدة: «أوقف النار، ولنجلس للتفاوض». وأعقب ذلك كلام للرئيس الأوكراني قبل بموجبه التفاوض بشأن «حياد» بلاده، بمعنى الامتناع عن الانضمام إلى الحلف الأطلسي، مقابل الحصول على ضمانات أمنية.
وتجدر الإشارة إلى أن بقاء كييف خارج الحلف الأطلسي كان أحد المطالب الرئيسية التي شددت عليها موسكو، في الرسالتين اللتين نُقلتا إلى واشنطن والحلف الأطلسي؛ بينما الشرط الثاني كان أن يسحب الحلف تجهيزاته ومنظوماته العسكرية من بلدان أوروبا الشرقية التي انضمت إليه بعد انهيار حلف وارسو والاتحاد السوفياتي؛ ما يعني العودة لما كان عليه الوضع في أوروبا الشرقية والوسطى وبلدان البلطيق قبل عام 1997. ويقوم الموقف الفرنسي اليوم على تأكيد أن «وقف النار يجب ألا يكون مرتبطاً بأي شرط تفرضه روسيا، مثل القبول سلفاً بإلقاء السلاح، أو الاستسلام، أو التخلي عن شبه جزيرة القرم. المطلوب وقف النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات».
من هذه الزاوية، يمكن فهم قرار باريس «وغيرها من البلدان الغربية» بتزويد أوكرانيا بالسلاح والاكتفاء بذلك، باعتبار أن كييف لا تنتمي إلى الحلف الأطلسي، وبالتالي لا يعنيها البند الخامس من شرعة الحلف الأطلسي الذي ينص على إلزامية التضامن مع أي عضو في الحلف يتعرض لاعتداء. وتعني هذه الخطوة أن الغربيين يراهنون على أن حرب بوتين على أوكرانيا لا يتعين أن تنتهي سريعاً، كما أنهم يراهنون على إرادة المقاومة التي عكستها مواقف زيلينسكي المتلاحقة.
وتذهب المصادر الفرنسية إلى اعتبار أن «سقوط كييف ليس حتمياً»، رغم أن روسيا نشرت كافة أسلحتها. وترى أوساط غربية أنه إذا تحقق هذا الهدف، وزادت كلفة الحرب وطال أمدها، فإن ثمة احتمالاً أن تزداد الضغوط الداخلية على بوتين من أجل إنهاء الحرب؛ خصوصاً إذا تبين للشعب الروسي أن كلفتها المادية والبشرية كبيرة.
من هنا، فإن الرهان الغربي -وليس الفرنسي فقط- هو على الزمن، وعلى قدرة الأوكرانيين على المقاومة. وباختصار: إن الغربيين يرون أن العنصر الأساس اليوم هو منع انهيار أوكرانيا، والتوصل إلى وقف سريع للعمليات العسكرية الروسية.
وصباحاً، اعتبر ماكرون أن الحرب في أوكرانيا «سوف تطول»، وأنه «يتعين الاستعداد لها»، منبهاً إلى أن تبعاتها سوف تنعكس على الاقتصاد الفرنسي. وأشار ماكرون -تحديداً- إلى القطاع الزراعي؛ لكن الخبراء ينبهون إلى أن هذه التبعات ستطال عديداً من القطاعات، بما فيها الصناعية والتجارية والسياحية والمالية. وتقوم بين الشركات الفرنسية ومثيلاتها الروسية شراكات قوية، ترجع إلى عدة عقود.
إلى جانب ما تقدم، ترى باريس أن أحد الأهداف الملحة اليوم وغداً، تعزيز الجناح الشرقي للحلف الأطلسي، وما يقوم به أعضاؤه من خلال نشر قوة الرد السريع. وتتحمل باريس قسطها من الأعباء من خلال استكمال إرسال وحداتها إلى رومانيا، وتعزيز حضورها الجوي في بلدان البلطيق.
يضاف إلى ذلك أن باريس كانت السباقة في استشعار الحاجة إلى طمأنة جمهوريتي مولدافيا وجورجيا. وأمس، اتصل ماكرون برئيستي البلدين، ودعا رئيسة جورجيا إلى المجيء إلى باريس يوم الاثنين القادم، لجولة من المحادثات.
ونقلت مصادر الإليزيه عنه «تصميمه على دعم الشركاء في الجوار الشرقي للاتحاد الأوروبي، ضد أي محاولة لإثارة التوتر وزعزعة الاستقرار». وأضافت مصادر الإليزيه أن ماكرون قال ما حرفيته: «نقف إلى جانب مولدافيا وجورجيا للدفاع عن سيادتهما وأمنهما».
ولاحقاً، أفادت المصادر نفسها بأن باريس «تريد أن تكون إلى جانب من يخشون على أمنهم اليوم»، بحيث يتسع الإطار ليضم بلدان البلطيق وحتى كازخستان. وينتظر -بحسب الإليزيه- أن يمضي ماكرون في مشاوراته بهذا الخصوص. وقد ترأس عصر أمس اجتماعاً جديداً لمجلس الدفاع للنظر في قضايا المرتبطة بحرب أوكرانيا.
وأمس، اعترضت الجمارك الفرنسية سفينة تجارية روسية لدى مرورها في بحر المانش، متجهة إلى سان بطرسبرغ، ويعتقد أنها مرتبطة بشركة روسية تخضع للعقوبات الأوروبية.
وردت السفارة الروسية في باريس على ذلك بطلب استيضاح لما جرى من الخارجية الفرنسية. وبأي حال، فإن البادرة الفرنسية تعكس رغبة التشدد الفرنسية في تطبيق العقوبات الأوروبية القوية التي فرضت على روسيا، والتي يضاف إليها المشاورات الجارية في الوقت الحاضر لإخراج موسكو من نظام «سويفت» للتبادلات المالية، الذي ما زال يلقى معارضة من عدة دول أوروبية.
باريس تتمسك بوقف غير مشروط لإطلاق النار قبل التفاوض
ماكرون: الحرب في أوكرانيا ستطول
يقوم الموقف الفرنسي اليوم على تأكيد أن «وقف النار يجب ألا يكون مرتبطاً بأي شرط تفرضه روسيا» (أ.ف.ب)
باريس تتمسك بوقف غير مشروط لإطلاق النار قبل التفاوض
يقوم الموقف الفرنسي اليوم على تأكيد أن «وقف النار يجب ألا يكون مرتبطاً بأي شرط تفرضه روسيا» (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
