الجفاف يستمر في تهديد مواقع الحضارات القديمة

الجفاف يستمر في تهديد مواقع الحضارات القديمة
TT

الجفاف يستمر في تهديد مواقع الحضارات القديمة

الجفاف يستمر في تهديد مواقع الحضارات القديمة

في أواخر الألف الثانية قبل الميلاد، اندثرت الحضارات التي كانت تمتد من اليونان إلى مصر وبلاد الرافدين. وفي غضون بضعة عقود لم تعد حواضر الحيثيين والبابليين والميسينيين والكنعانيين قائمة، واختفت بغيابهم نُظم كاملة للكتابة والعمارة والتكنولوجيا. وفيما يربط كثيرون بين هجمات «شعوب البحر» وانهيار هذه الحضارات، تشير الدراسات إلى أن سلسلة من حالات الجفاف الشديدة استمرت لنحو 150 سنة كانت المحرك الأساسي لاندثار الحضارات في شرق البحر المتوسط. والمدهش أكثر أن الجفاف لا يزال يطارد ما تبقى من آثار هذه الحضارات.
- الجفاف «يبتلع» المناطق الأثرية
تسبب الجفاف في شرق المتوسط قبل 3200 سنة بإطلاق سلسلة من الأحداث، بدأت باقتلاع مجموعات من الناس من أراضيهم في المناطق الشمالية، وأرغمتهم على الانتقال شرقاً وجنوباً للقيام بغزوات بحثاً عن الطعام والموارد. ودفعت هذه الغزوات مجموعات بشرية أخرى لهجرة مواطنها، مما تسبب تباعاً في إشعال الاضطرابات وتعطيل النُظم الاقتصادية والتجارية الهشة في المنطقة.
وقد تكرر هذا «الحراك الإنساني» في مراحل كثيرة عبر التاريخ، بمقاييس أصغر وعلى نطاق أضيق. فعلى سبيل المثال، تسببت «قصعة الغبار» الشهيرة في الولايات المتحدة خلال ثلاثينات القرن العشرين بنزوح كبير للأُسر من أوكلاهوما وتكساس إلى كاليفورنيا. وفي العالم العربي، تُشير الدراسات إلى أن الجفاف، الذي دفع الكثير من الأسر للهجرة من أراضي الجزيرة السورية إلى المناطق الهامشية في مدن حلب ودمشق وحمص اعتباراً من سنة 2006 كان أحد أسباب فقدان سوريا لاستقرارها.
وبينما لا توجد صلة مباشرة بين الجفاف وأعمال التخريب والسطو التي طالت أماكن أثرية وتاريخية كثيرة في سوريا، مثل تدمر وحلب القديمة وبصرى وأفاميا ودورا أوروبس وإيبلا وماري وعين دارة وغيرها، لكن لا يمكن، في الوقت ذاته، إنكار أن الجفاف كان محركاً لغياب الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، الذي وفر الظروف المناسبة لمثل هذه الأعمال.
وحتى في أوقات السِلْم، تلعب المخاوف من فقدان الأمن المائي دوراً سلبياً في إعطاء المشروعية للتعدي على المناطق الأثرية. ففي منتصف ستينات القرن الماضي، أثار إنشاء السد العالي في أسوان اهتماماً غير مسبوق بحماية التراث الثقافي. وفي ذلك الحين، اعتقد كثيرون بحتمية الاختيار بين الثقافة والتنمية، أو بين المحاصيل الغذائية المزدهرة وآثار التاريخ المجيد. ولكن بفضل المبادرات الوطنية المخلصة والتعاون الدولي، أمكن نقل أحجار معبد أبو سمبل وحمايته من الغمر بمياه بحيرة ناصر، وكان من نتائج المشروع لاحقاً إطلاق اتفاقية اليونيسكو بشأن التراث العالمي.
ولكن النجاح الذي تحقق في مصر لم يحالف مواقع أثرية أخرى. ففي سوريا، تسبب إنشاء سد الفرات في نهاية الستينات ومطلع السبعينات في إغراق موقع «حبوبة كبيرة» الذي يعود لفترة أوروك في منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد. وتتميز مستعمرة «حبوبة كبيرة» بمرافقها العامة، لا سيما الطرقات المرصوفة وأنظمة أنابيب الصرف الصحي والمطري، التي تعد من بين الأقدم في العالم، إن لم تكن أقدمها. كما ألحق الغمر خلف السد أضراراً بموقع مملكة إيمار، التي يعود تاريخها إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، واكتُشفت سنة 1972 في إطار حملة الإنقاذ الدولية لآثار حوض الفرات برعاية اليونيسكو.
وعلى الضفة الغربية لنهر دجلة، بالقرب من مدينة الشرقاط العراقية، تتعرض مدينة آشور الأثرية لتعديات متكررة بسبب غياب الاستقرار والجهل بأهميتها. ومع اتساع الجفاف في المنطقة، أعلنت الحكومة العراقية في 2002 عن خطة لبناء سد في ناحية مكحول على بعد نحو 40 كيلومتراً جنوباً، مما جعل اليونيسكو تصنف مدينة آشور على أنها موقع تراث عالمي معرض للخطر.
توقف المشروع بسبب الحرب العراقية سنة 2003، ولكن بسبب المخاوف من نقص المياه في المنطقة أعادت الحكومة العراقية إحياءه، ووضعت حجر الأساس له في أبريل (نيسان) الماضي. ومع بدء أعمال الحفر والبناء، يخشى كثيرون من تعريض أكثر من 200 موقع أثري بالقرب من الشرقاط لخطر الغمر بمياه السد في منطقة مكحول.
- نُظم مائية تاريخية عرضة للاندثار
قبل 100 ألف عام، كانت شبه الجزيرة العربية تلتقي الصفيحة الأوراسية بأرض غنية بالأنهار، سواء تلك الآتية من الشمال مثل نهري الفرات ودجلة أو تلك القادمة من الشرق مثل نهر كارون. ومع تغير المناخ الطبيعي، طغى المحيط الهندي على هذه الأرض، فتشكل الخليج قبل 8000 سنة، وكانت حدوده أوسع حيث لم يكن شط العرب قد تشكل بعد، ثم أخذت مياه الخليج بالتراجع تدريجياً.
وطرأ الجفاف على وسط شبه الجزيرة العربية نتيجة لتقلبات جيولوجية حدثت في الألف الثالثة قبل الميلاد. وارتبط هذا الجفاف بانحسار المياه عن أطراف شبه الجزيرة العربية، مما أدى إلى تناقص الرطوبة التي تحملها الرياح الغربية التي تهب على أرضها. وتسبب الجفاف الناشئ بموجات هجرة بشرية جديدة باتجاه الشمال والشرق. ويبدو أن مياه الخليج، التي انحسرت عن الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وتفجر الينابيع العذبة في هذه المنطقة، وفر الظروف المناسبة لقيام حضارات مهمة، أشهرها حضارة دلمون في جزر البحرين المعاصرة.
على أن وفرة المياه والخصوبة الزراعية، التي كانت السبب المباشر في نشأة حضارة دلمون، كانت السبب أيضاً في انهيارها، إذ اجتذبت أنظار الآشوريين والكلدانيين واستتبعت سيطرتهم عليها لاحقاً. ومع تغير طرق التجارة واستمرار انحسار مياه الخليج، تراجعت أهمية دلمون إلى أن أُهملت تماماً في القرن السادس قبل الميلاد.
وحتى وقت قريب، كان أهل البحرين يعتمدون بشكل كبير على الينابيع التاريخية، مثل عين عذاري وعين قصاري وعين أم السجور وعين أم شعوم، لتأمين مياه الشرب وري الأراضي الزراعية. كما ابتكر البحرينيون منذ مئات السنين أسلوباً خاصاً بهم في حفر القنوات من أجل الاستفادة من العيون في المناطق البعيدة، بشق أخاديد متحدرة تحافظ على سرعة تدفق المياه وغزارتها.
وبسبب الإفراط في استنزاف المياه الجوفية وتملحها، تعتمد البحرين حالياً على تحلية مياه البحر لتأمين نحو 60 في المائة من إجمالي احتياجاتها المائية. وتقترن هذه التقنية بالتكاليف المالية العالية، التي تتطلب الدعم الحكومي، كما تستنزف قدراً كبيراً من الطاقة، مما يؤدي إلى تراجع موارد البلاد من الغاز الطبيعي الذي تستخدمه محطات التحلية.
وفي عُمان، التي امتدت إليها حضارة دلمون، ونشأت على أرضها حضارة مجَان في الفترة الزمنية ذاتها، تواجه قنوات المياه التاريخية التي تروي أراضيها خطر الجفاف. وتُعرف هذه القنوات محلياً بالأفلاج، وهي تشق الصخور لتصل بين المصادر المائية في الأماكن المرتفعة والأراضي القابلة للزراعة. وكانت لجنة التراث العالمي التابعة لليونيسكو أدرجت في سنة 2006 خمسة أفلاج عُمانية ضمن مواقع التراث العالمي.
ويوجد في السلطنة أكثر من 4000 فلج يبلغ عمر بعضها نحو ألفي سنة. وبسبب الجفاف وإهمال الصيانة توقف جريان الماء في حوالي ألف فلج. وفيما يُلقي البعض باللائمة على تغير المناخ، يرتبط جفاف الأفلاج في عُمان باستنزاف المياه الجوفية عن طريق الآبار الخاصة التي يحفرها المزارعون.
وفي محاولة لضمان استمرار جريان المياه في الأفلاج، فرضت السلطات العُمانية مناطق حرم في محيط الينابيع المغذية للأفلاج، يُمنع ضمنها حفر الآبار الجديدة. كما قامت ببناء عدد من السدود لتغذية الأحواض المائية ورفع منسوب طبقات المياه الجوفية. ويرى كثيرون أن مفتاح الحفاظ على الأفلاج قد يكون اقتصادياً، من خلال إدخال زراعات ذات مردود أعلى، مما يتطلب أيضاً زيادة كفاءة استخدام مياه الأفلاج وتقليل الهدر.
إشكالية الحفاظ على المواقع التاريخية وحمايتها من آثار الجفاف ومشاريع الأمن المائي لا يمكن حلها إلا من خلال تعريف الأجيال الناشئة بأهمية ما تمثله هذه المواقع من أصول ثقافية وسياحية. وكما كان الحال في مشروع الحفاظ على معبد أبو سمبل، توجد في كثير من الأحيان فرص للوصول إلى تسوية تدعم خطط التنمية وتحافظ في الوقت نفسه على الكنوز الحضارية.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

وجد باحثون درسوا بيانات من الأقمار الاصطناعية في ولاية كاليفورنيا الأميركية أن الأحياء التي يزداد بها عدد السيارات الكهربائية شهدت تراجعا في ​تلوث الهواء الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

وعلى العكس من ذلك، أكدت بيانات الأقمار الاصطناعية أيضا أن الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث. وقالت رئيسة الدراسة ساندرا إيكل من كلية كيك للطب في جامعة جنوب كاليفورنيا في بيان «إننا حتى لم نصل بعد إلى مرحلة الاستخدام الكامل للسيارات الكهربائية، لكن ‌بحثنا يظهر أن ‌تحول كاليفورنيا نحو السيارات الكهربائية يحدث بالفعل ‌اختلافات ⁠يمكن ​قياسها ‌في الهواء الذي نتنفسه».

وذكر الباحثون في مجلة «ذا لانست بلانيتاري هيلث» أنه مقابل كل 200 سيارة عديمة الانبعاثات أضيفت إلى أحياء كاليفورنيا بين عامي 2019 و2023، انخفضت مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 1.1 بالمئة. ويمكن أن يؤدي هذا الغاز الملوِث، الذي ينبعث من حرق الوقود الأحفوري، إلى نوبات ربو والتهاب ⁠بالشعب الهوائية وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

ولإجراء التحليل، قسم الباحثون ‌كاليفورنيا إلى 1692 حيا وحصلوا على البيانات ‍المتاحة للجمهور من إدارة ‍المركبات في الولاية بشأن عدد السيارات المخصصة للاستخدامات الخفيفة ‍وعديمة الانبعاثات المسجلة في كل حي. وتشمل هذه المركبات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية، والسيارات الهجينة القابلة للشحن، والسيارات التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين.

ثم حصلوا بعد ذلك على بيانات من جهاز استشعار عالي ​الدقة بقمر اصطناعي يراقب مستويات ثاني أكسيد النيتروجين من خلال قياس كيف يمتص الغاز أشعة الشمس ويعكسها. وقال ⁠الباحثون إنهم يعتزمون مقارنة البيانات المتعلقة باستخدام السيارات عديمة الانبعاثات بعدد زيارات غرف الطوارئ ودخول المستشفيات للعلاج بسبب الربو في جميع أنحاء كاليفورنيا.

وتفضل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيارات التي تعمل بالوقود وألغت الإعفاءات الضريبية التي كانت تهدف إلى تشجيع استخدام السيارات الكهربائية. وأشار التقرير إلى أنه من المتوقع أن يؤدي الانتقال الكامل إلى السيارات الكهربائية إلى تقليل تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الطلق بنسبة 61 بالمئة في الولايات المتحدة وبنسبة تصل إلى 80 بالمئة في الصين.

وقالت إيكل إن النتائج الجديدة «‌تظهر أن الهواء النقي ليس مجرد نظرية، بل إنه يحدث بالفعل في مجتمعات محلية في أنحاء كاليفورنيا».


السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.