معارك ضارية في مدن أوكرانيا والانفصاليون «يتقدمون بصعوبة»

اتصالات لترتيب مفاوضات روسية ـ أوكرانية في بيلاروسيا

معارك ضارية في مدن أوكرانيا والانفصاليون «يتقدمون بصعوبة»
TT

معارك ضارية في مدن أوكرانيا والانفصاليون «يتقدمون بصعوبة»

معارك ضارية في مدن أوكرانيا والانفصاليون «يتقدمون بصعوبة»

شهد اليوم الثاني للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا اتساعاً للمواجهات على طول خطوط التماس في مناطق الشرق الأوكراني تزامن مع تصعيد موسكو هجومها على كييف من دون أن تتقدم داخل العاصمة. وتحدثت أوساط عسكرية عن أحكام تطويق المدينة بعد السيطرة على مطار استراتيجي بالقرب منها، في حين بدا أن تقدم الانفصاليين المدعومين من جانب موسكو يواجه صعوبات جدية، وقال عسكريون في دونيتسك ولوغانسك إن «معارك ضارية» جرت أمس على طول خطوط الجبهات.
وتزامنت التطورات العسكرية مع بروز مؤشرات احتمال ترتيب لقاء روسي أوكراني على مستوى مسؤولين دبلوماسيين وعسكريين في مينسك، لكن الغموض أحاط بمصير هذه المبادرة بعدما انقطعت قنوات الاتصال أمس بشكل مفاجئ بين الجانبين.
وفي الشأن السياسي، تواصل تصعيد اللهجة الخطابية الروسية ضد حكومة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي ووصفها تارة بأنها «ألعوبة» بيد الغرب، وتارة أخرى بأنها «خاضعة لسيطرة النازيين» وفقاً لتصريحات الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا.
وقالت في إيجاز صحافي إن الهدف من العملية الروسية في أوكرانيا هو تقديم «النظام العميل والدمية» في كييف إلى العدالة على الجرائم المرتكبة.
وزادت أن «المطلوب محاسبة الشخصيات الحاليين (نظام كييف) النظام الدمية، على الجرائم التي ارتكبها خلال هذه السنوات ضد المدنيين، بمن فيهم مواطنو روسيا». لكن برغم هذه اللهجة، ظهرت مؤشرات إلى احتمال عقد لقاء روسي أوكراني، استجابة لطلب زيلينسكي الذي أعلن استعداده للحوار مع موسكو وتقديم ضمانات أمنية بالتزام بلاده الحياد. جاءت تصريحات زيلينسكي في إطار شكواه من أنه «ترك وحيداً» في مواجهة روسيا، وقال في بيان تلفزيوني إنه مستعد للحديث مع الروس لحقن الدماء وتقديم الضمانات اللازمة في مسألة الحياد. ووجه زيلينسكي خطابه باللغة الروسية في إشارة متعمدة.
وسرعان ما علق الكرملين على هذه التصريحات بأنها إيجابية، وقال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف إن موسكو تدرس الاقتراح.

وفي وقت لاحق أمس، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب متلفز إنه «من الممكن إرسال وفد روسي يضم ممثلين عن وزارتي الدفاع الخارجية والديوان الرئاسي الروسي للتفاوض مع وفد أوكراني». وأشارت مصادر إلى أن المقترح شمل تنظيم الاجتماع في مينسك عاصمة بيلاروسيا.
وأوضح بيسكوف بعد ذلك، أن بوتين أبدى استعداده للتجاوب مع هذه المبادرة وأوضح في حديث مع الصحافيين أن «زيلينسكي أعلن عن استعداده لمناقشة الوضع المحايد لأوكرانيا. ومنذ البداية، قال الرئيس بوتين إن الغرض من العملية العسكرية هو مساعدة جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، بما في ذلك نزع السلاح من أوكرانيا. وهذا، في الواقع، هو جزء لا يتجزأ من الوضع المحايد».
ولفت بيسكوف إلى أن رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو أكد لبوتين خلال مكالمة هاتفية جرت بينهما أمس، أن مينسك ستكون مستعدة لتهيئة جميع الظروف اللازمة لعملية التفاوض بين روسيا وأوكرانيا، بما في ذلك على صعيد «تهيئة جميع الظروف اللازمة لوصول الوفود، وضمان سلامتهم»، لكن بدا مساء أمس، أن الطرفين لم يتوصلا إلى اتفاق نهائي، وأن الحوارات التمهيدية حول هذه المبادرة ما زالت محاطة بأجواء توتر. وهو ما انعكس عندمنا قال بيسكوف إن «روسيا أبلغت أوكرانيا بموافقتها على المفاوضات، لكن كييف قطعت قنوات الاتصال بعد إبلاغها بالموافقة». ولم تتضح حتى مساء أمس ما إذا كان الطرفان سوف يتوصلان إلى تفاهم، لكن بدا أن التوتر سببه اقتراح كييف عقد الاجتماع في وارسو وليس في مينسك التي تتهمها بالمشاركة في العدوان على أوكرانيا.
وفي إشارة لافتة قال بيسكوف إن «التوقف في تأمل كييف بشأن المفاوضات رافقه نشر أنظمة صواريخ في المناطق السكنية بما فيها العاصمة كييف». ورأى أن «هذه نقطة مهمة جداً. بدأ الأوكرانيون الحديث عن المفاوضات أولاً، ثم سرعوا عمليات تسليم أسلحة للمدنيين واختبأوا خلف دروع بشرية». وقال: «من جانبنا، على الفور ونيابة عن الرئيس، تم تشكيل الوفد، وجرى إطلاع الأوكرانيين على كل هذه المعلومات». قال بيسكوف، إن توقعات روسيا من أوكرانيا بشأن الوضع الحيادي والتخلي عن نشر الأسلحة وكذلك نزع السلاح، تظل دون تغيير.
وفي موضوع متصل قال الناطق الرئاسي إن روسيا طالبت في مقترحاتها بشأن الضمانات الأمنية، شركاءها الغربيين بضمانات قانونية بخصوص التخلي عن خطط التوسيع اللاحق للناتو نحو الشرق وعن فكرة انضمام أوكرانيا إلى الحلف، وعن إنشاء قواعد عسكرية في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي. كما تضمنت المقترحات، بنداً حول عدم نشر أسلحة الناتو الضاربة بالقرب من حدود روسيا وانسحاب قوات الحلف من أوروبا الشرقية إلى مواقع عام 1997، وأضاف بيسكوف: «تبقى هذه المطالب في شكلها السابق، لقد تمت صياغتها بشكل دقيق وواضح إلى حد كبير. روسيا ليست معتادة على تغيير المواقف مثل الفراشة. مواقفنا متسقة ومفهومة جيداً، وهي منطقية وتمت صياغتها بشكل واضح».
وحملت إشارة بيسكوف إلى نشر أسلحة مضادة للمدرعات في كييف تلميحاً إلى معطيات ميدانية دلت إلى إعادة كييف ترتيب قدراتها الدفاعية في العاصمة الأوكرانية رغم توغل وحدات روسية إلى مناطق قريبة منها وإحكام سيطرتها على مطار استراتيجي تم استخدامه كنقطة انطلاق لتعزيز العمليات الحربية حول العاصمة الأوكرانية. ووفقاً للمعطيات فقد نشرت أوكرانيا بطاريات صاروخية من طرازات مختلفة بينها «غراد» كما أعادت توزيع وحداتها الدفاعية لمنع الروس من التوغل داخل المدينة. واتهمت كييف في الوقت ذاته، موسكو بتوجيه ضربات صاروخية إلى مناطق وأحياء سكنية في العاصمة. وهو أمر ردت عليه وزارة الدفاع الروسية بتأكيد أن «الجيش الروسي لم يوجه أي ضربات صاروخية أو جوية أو مدفعية للمدن الأوكرانية»، وأن القوات الروسية ضربت البنية التحتية العسكرية ومنشآت الدفاع الجوي والمطارات العسكرية والطيران الأوكراني بأسلحة عالية الدقة. وأكدت الوزارة أن «المدنيين ليسوا في خطر»، وأن «حرس الحدود الأوكراني لا يبدي أي مقاومة، وأن أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية قد تم تدميرها بالكامل».
وفي تأكيد لاحق، قال الناطق باسم الوزارة إيغور كوناشينكوف إن الجيش الروسي «لن يضرب المناطق السكنية في كييف». وبدت هذه إشارة طمأنة للمدنيين الأوكرانيين الذين خاطبهم كوناشينكوف بالقول إن «قيادتكم تستخدم نفس الأساليب التي يستخدمها الإرهابيون. في الشرق الأوسط ومناطق أخرى، يريدون أن يستخدموكم كدروع بشرية». وأضاف أن نشر بطاريات صواريخ غراد في ميدان شيفتشينكو شمال العاصمة الأوكرانية يهدف في الغالب لتوجيه ضربات إلى مطار جوستوميل الذي سيطرت عليه القوات الروسية.
وقال كوناشينكوف: «قام مستشارو البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية بتعليم القيادة العسكرية الأوكرانية كيفية وضع أنظمة مدفعية صاروخية في المناطق السكنية لإثارة نيران الرد على السكان المحليين». وأشار ممثل وزارة الدفاع إلى أن وحدات القوات المسلحة لأوكرانيا «لا تشارك في الأعمال القتالية في دونباس، فقط كتائب من النازيين الأوكرانيين تقاوم. كما قاموا بتفجير الجسور حتى يستحيل عليهم التراجع».
وسبق ذلك إعلان وزارة الدفاع الروسية أن قواتها نجحت في السيطرة على المطار بعد عملية إنزال جوي ناجحة شاركت فيها أكثر من 200 مروحية روسية وساعد في ذلك وفقاً للوزارة «إسكات كافة الدفاعات الجوية في منطقة الإنزال، والعزل الكامل لمنطقة القتال من الجو، إضافة إلى إجراء حرب إلكترونية بشكل فعال». وذكر البيان أنه «خلال عملية الاستيلاء على المطار قتل أكثر من 200 عنصر من القوميين المتطرفين في صفوف الوحدات الخاصة الأوكرانية، من دون أن تتكبد القوات الروسية أي خسائر». ولمطار جوستوميل أهمية خاصة فضلاً عن قربه من كييف، فهو جزء من مجمع «أنتونوف» لصناعات الطيران، الذي ينتج طائرات «أنتونوف» العملاقة، ما يعني أن مدرجات المطار قادرة على استقبال طائرات ثقيلة من أي طراز. وكان لافتاً أمس، في البيانات العسكرية الروسية أنها تستخدم عبارات «النازيين» و«القوميين المتشددين» عند الإشارة إلى المجموعات العسكرية الأوكرانية التي تقاوم تقدم الروس، في حين تتحدث عن العسكريين الذين يلقون السلاح أو ينسحبون من المناطق باعتبارهم «وحدات الجيش الأوكراني».
وفي مناطق الشرق الأوكراني التي شهدت أمس، في اليوم الثاني للعمليات العسكرية اشتباكات عنيفة، قالت وزارة الدفاع إن «وحدات المقاومة الشعبية (الانفصاليين) تواصل تقدمها ببطء برغم الصعوبات التي تعترضها ويغطيها دعم ناري من الجيش الروسي، رغم مقاومة الكتائب الأوكرانية المكونة من القوميين المتطرفين». وأوضح كوناشينكوف أن الوحدات التابعة لقوات لوغانسك تقدمت على مسافة 12 كيلومتراً باتجاه نهر سيفيرني دونيتس، فيما تقدمت قوات دونيتسك مسافة 11 كيلومتراً في عمق خطوط الدفاع باتجاه بلدة فولنوفاخا. وأضاف كوناشينكوف أن وحدات القوات المسلحة الأوكرانية «لا تشارك في المعارك بشكل نشط، على خلاف «كتائب النازيين الأوكرانيين الذين يبدون مقاومة شرسة».
ووفقاً لبيان عسكري فقد قامت القوات الروسية بمحاصرة مدينة تشيرنيغوف شمال أوكرانيا، وزاد أن العسكريين الروس يتخذون ما في وسعهم من التدابير لمنع سقوط ضحايا في صفوف المدنيين. وفي حصيلة عمليات اليوم الثاني، أفاد بيان عسكري بأن القوات الروسية دمرت 211 منشأة عسكرية و6 طائرات ومروحية واحدة و5 مسيرات في أوكرانيا. وأفاد بأن بين المنشآت المدمرة 17 موقعاً للقيادة ومركزاً للاتصالات للقوات المسلحة الأوكرانية، و19 نظاماً صاروخياً مضاداً للطائرات، و39 محطة رادار».
كما تم إسقاط 6 طائرات مقاتلة وطائرة هليكوبتر و5 طائرات بدون طيار... وتم تدمير 67 دبابة ومركبات قتالية مصفحة أخرى، و16 قاذفة صواريخ متعددة، و87 وحدة من المركبات العسكرية الخاصة.
وأضاف البيان أنه تمت خلال العملية العسكرية الجارية مصادرة عدد كبير من الأسلحة التي سلمتها الدول الغربية إلى أوكرانيا خلال الأشهر القليلة الماضية... ومن بين الأسلحة أنظمة صواريخ جافلين الأميركية المضادة للدبابات وأنظمة بريطانية مضادة للمدرعات. ولفت البيان إلى أن قوات جمهورية دونيتسك ولوغانسك الشعبية تواصل تقدمها والهجوم على مواقع القوات المسلحة لأوكرانيا بدعم من القوات المسلحة الروسية، برغم الصعوبات التي تعترضها. على صعيد آخر، أصدر رئيس وزراء بولندا ماتيوز موراوسكي، تعليماته بإعداد قرار للحكومة بشأن إغلاق المجال الجوي للبلاد أمام الخطوط الجوية الروسية. وكتب موراوسكي على تويتر: «أصدرت تعليماتي بإعداد قرار من مجلس الوزراء سيؤدي إلى إغلاق المجال الجوي لشركات الطيران الروسية».
وتعد بولندا أول بلد أوروبي يغلق مجاله الجوي أمام الطيران المدني الروسي وشكلت هذه إشارة إلى احتمال أن تحذو بلدان أوروبية أخرى حذو وارسو. وتزامن هذا مع ظهور إشارة أخرى إلى معاقبة روسيا بعيداً من رزم العقوبات الحازمة التي أعلنها الغرب، إذ برزت دعوات إلى حرمان روسيا من استقبال أو تنظيم أي فعاليات رياضية أو أولمبية على خلفية الحرب الدائرة ضد أوكرانيا.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».