ماكرون: حرب بوتين على أوكرانيا «منعطف فاصل» في التاريخ الأوروبي

باريس مستعدة لتزويد كييف بالسلاح بخلاف سياستها السابقة

اجتماع ماكرون في الإليزيه مع قادة (G7) أمس حول الأزمة الأوكرانية (أ.ف.ب)
اجتماع ماكرون في الإليزيه مع قادة (G7) أمس حول الأزمة الأوكرانية (أ.ف.ب)
TT

ماكرون: حرب بوتين على أوكرانيا «منعطف فاصل» في التاريخ الأوروبي

اجتماع ماكرون في الإليزيه مع قادة (G7) أمس حول الأزمة الأوكرانية (أ.ف.ب)
اجتماع ماكرون في الإليزيه مع قادة (G7) أمس حول الأزمة الأوكرانية (أ.ف.ب)

بعد أن كان الرئيس الفرنسي، منذ زيارته الأخيرة لموسكو في السابع من الشهر الجاري يستبق الأحداث ويسعى، بما توافرت له من عزيمة واتصالات، للسيطرة عليها من خلال التوسط مع نظيره الروسي، ساعياً إلى توفير إجماع غربي يقتنص الفرصة لإيجاد تسوية سياسية - دبلوماسية للنزاع بين روسيا وأوكرانيا ولتدجين طموحات الرئيس بوتين، فإن باريس أخذت تلهث وراء الأحداث التي يرى الجميع أنها خرجت عن السيطرة. والدليل على ذلك، وفق الأوساط الفرنسية، أنه لا الوعود ولا الوساطات ولا التهديدات نجحت في ثني الرئيس فلاديمير بوتين عن غزو أوكرانيا والسعي لتحقيق الأهداف التي حددها بوضوح، وهي تدمير القوات العسكرية الأوكرانية وإزاحة حكومة «النازيين» التي تحكمها وفرض حالة «الحياد» عليها ومنعها من الانضمام إلى الحلف الأطلسي. وحجته المباشرة للغزو تكمن في حماية سكان الجمهوريتين الانفصاليتين اللتين طلبتا منه المساعدة.
وفي الساعات الأخيرة، كثف ماكرون اتصالاته وواظب على حراكه الدبلوماسي منذ الصباح الباكر فاتصل بالرئيس الأوكراني مرتين في أقل من 12 ساعة، وكذلك برئيس المجلس الأوروبي والرئيس التركي وقادة غربيين آخرين، وغرّد معرباً عن تضامن بلاده مع أوكرانيا وسعيها لوقف الحرب. ولاتصال ماكرون بإردوغان معنى خاص بالنظر إلى موقع تركيا الجغرافي وسيطرتها على المضايق البحرية «بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط» التي سبق للرئيس الأوكراني أن طلب إغلاقها في وجه السفن الروسية التي تشارك في الحرب على أوكرانيا. بيد أن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق باعتبار أن المضايق ممرات بحرية عالمية وتحكمها اتفاقيات خاصة.
عملياً، رأس ماكرون مجلساً استثنائياً للدفاع وطلب عقد قمة عاجلة للحلف الأطلسي، وهو الطلب الذي دعمته ألمانيا وبريطانيا، ومن المقرر أن تنعقد اليوم. ونظراً لخطورة الأوضاع، فقد توجه ماكرون بكلمة خاصة إلى «الأمة الفرنسية»، ووجه رسالة رسمية لمجلسي الشيوخ والنواب اللذين يلتئمان اليوم وستُقرأ في المحفلين. وبالتوازي، سيستقبل اليوم في قصر الإليزيه الرئيسين السابقين نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند للتشاور معهما ولإطلاعهما على القرارات التي اتخذها. كذلك شارك في قمتي مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي اللتين حصلتا أمس. وبعد أن كان ماكرون من أشد المدافعين عن ضرورة مواصلة الحوار مع الرئيس الروسي، فإن إخفاقه في انتزاع أي تنازل منه جعل خطابه ينتقل من النقيض إلى النقيض بحيث اعتمدت باريس في الأيام الأربعة الأخيرة خطاباً بالغ التشدد وشهدت سياستها تحولاً خصوصاً بالنسبة لمد القوات الأوكرانية بالسلاح. وأخذت فرنسا تدفع باتجاه تبني الأوروبيين أقسى العقوبات بعد أن كانت تدعو لعقوبات «متناسقة ومحددة الأهداف».
وفي كلمته للفرنسيين أمس، ندد ماكرون بالهجوم العسكري الروسي المكثف على أوكرانيا الذي ينقض «كل التزامات السلطات الروسية وينتهك شرعية الأمم المتحدة والمبادئ التأسيسية للنظام الأوروبي والعالمي». وفي تغريدة صباحية، دعا روسيا إلى «وضع حد فوراً لعملياتها العسكرية». كذلك رأى أن بوتين الذي قطع الاتصالات معه منذ اعترافه باستقلال الجمهوريتين الانفصاليتين، قد وجه «ضربة قاضية للسلام والاستقرار في أوروبا»، مضيفاً أن الحلفاء والشركاء الأوروبيين «مستعدون لمواجهة الأزمة» وأنه إزاء الأعمال الحربية الروسية سوف يرد الحلفاء والشركاء الأوروبيون «بأعصاب هادئة، وبحزم ووحدة الموقف ومن غير ضعف» عبر قرارات القمم الثلاث المشار إليها. وهدد ماكرون روسيا بمحاسبتها أمام مجلس الأمن الدولي، ووعد بأن تكون العقوبات «الجديدة» التي ستُفرض عليها «بمستوى الاعتداء الذي قامت به»، وأن الحلفاء والشركاء «لن يتهاونوا إزاءها لا على المستوى العسكري ولا الاقتصادي ولا في مجال الطاقة». وفي جملة تحمل تأويلات كثيرة، أكد ماكرون أن فرنسا «ستدعم أوكرانيا من غير تردد وستتحمل مسؤولياتها لحماية سيادة وأمن حلفائنا الأوروبيين».
باستثناء الدعم السياسي والدبلوماسي، فإن باريس رفضت تزويد القوات الأوكرانية بالأسلحة. وقالت مصادر رئاسية أكثر من مرة إن الأسلحة التي قد توفرها فرنسا لأوكرانيا «لن تغيّر في موازين القوى شيئاً وإن الأفضل هو العمل السياسي». ولم يهمل ماكرون الإشارة إلى أن الهجوم على أوكرانيا يشكّل «لحظة فاصلة» في تاريخ فرنسا وأوروبا كما «ستكون له تبعاته العميقة على حياة الفرنسيين ونتائجه الجيوسياسية» على القارة القديمة. إلا أنه طمأن الفرنسيين بقوله: «إننا سنعرف معاً كيف نردّ على ذلكّ» ووعدهم بتوفير الحماية لهم واتخاذ القرارات الضرورية التي تفرضها الأزمة.
من جانبه، ندد وزير الخارجية جان إيف لو دريان، بسماح نظام «الرئيس» لوكاشنكو باستخدام أراضي بيلاروسيا منطلقاً للاعتداء على دولة ذات سيادة «أوكرانيا»، منبهاً إلى أنه سيكون «باهظ الثمن ونتائجه وخيمة». ووعد لو دريان الذي شارك صباحاً في اجتماع مجلس الدفاع، بأن «تعزز فرنسا دعمها لأوكرانيا بالأشكال كافة». بيد أن لو دريان تحاشى الدخول في تفاصيل الدعم وما إذا كان يشمل تقديم أسلحة ومعدات عسكرية لأوكرانيا.
في المقابل، أعلن السفير الأوكراني في باريس فاديم أميلتشينكو، أنه قدم لائحة بالمعدات العسكرية، خصوصاً الدفاعات الجوية، إلى وزارة الدفاع الفرنسية. وأضاف السفير الأوكراني أن ماكرون قال لنظيره زيلينسكي إن رد باريس «سيكون إيجابياً» على مطالب كييف.
وحتى اليوم، رفضت باريس وبرلين إعطاء أسلحة لأوكرانيا بعكس الكثير من الدول الأوروبية الأخرى مثل دول بحر البلطيق وبريطانيا وبولندا. وعمدت باريس إلى تعزيز حضورها في رومانيا كعضو في الحلف الأطلسي وفي سياق تعزيز جناحه الشرقي تحسباً لتمدد الحرب إلى الفضاء الأطلسي. وقال السفير إن العالم أصبح اليوم «على شفير الحرب العالمية الثالثة». وبالنظر إلى التطورات الخطيرة في أوكرانيا، فقد عمدت الخارجية الفرنسية إلى تشكيل «خلية أزمة» لمتابعة أوضاع الفرنسيين الذين ما زالوا موجودين في أوكرانيا.
تأتي التطورات على المسرح الأوكراني في توقيت صعب لـماكرون الذي يُنتظر أن يعلن خوضه الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى دورتها الأولى بعد 45 يوماً. وكان كثيرون يتوقعون أن نجاح وساطته ستنعكس إيجاباً على حظوظه في الفوز بولاية ثانية. وبعد أن كانت مواقف الأحزاب السياسية متأرجحة بالنسبة إلى مطالب روسيا من أوكرانيا، فإن العمليات العسكرية الواسعة التي أمر بها الرئيس بوتين وحّدت الطبقة السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مروراً باليمين المعتدل واليسار الاشتراكي، في التنديد بها.


مقالات ذات صلة

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة.

«الشرق الأوسط» (برست (فرنسا))
بيئة قِطع جليد عائمة في المحيط المتجمد الشمالي (رويترز-أرشيفية)

القطب الشمالي يسجّل أعلى معدل حرارة سنوي بتاريخ السجلات

سجّل العام المنصرم أكثر السنوات حرارة على الإطلاق في المنطقة القطبية الشمالية، وفق تقرير صادر عن وكالة أميركية مرجعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم بحلول نهاية القرن لن يتبقى سوى 9 في المائة من الأنهار الجليدية (رويترز)

باحثون يتوقعون ذوبان آلاف الأنهر الجليدية سنوياً بحلول منتصف القرن

أظهرت دراسة حديثة أن آلاف الأنهر الجليدية ستختفي سنوياً خلال العقود المقبلة، ولن يتبقى منها سوى جزء ضئيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق درجات الحرارة المرتفعة سجلت أرقاماً قياسية (أرشيفية- رويترز)

2025 قد يكون ضمن أكثر 3 أعوام حرارة في التاريخ

أعلنت خدمة «كوبرنيكوس» لتغير المناخ -وهي وكالة تابعة للاتحاد الأوروبي- أن عام 2025 يسير في اتجاه أن يصبح واحداً من أكثر 3 أعوام حرارة منذ بدء تسجيل القياسات.

«الشرق الأوسط» (برلين)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.