كافكا إلى ميلينا: أنا صامت طيلة الوقت... انطوائيٌّ كئيبٌ... متذمرٌ وسوداوي

يوميات صاحب «المحاكمة» ورسائله من فوق سرير المرض في ترجمة عربية

كافكا - ميلينا
كافكا - ميلينا
TT

كافكا إلى ميلينا: أنا صامت طيلة الوقت... انطوائيٌّ كئيبٌ... متذمرٌ وسوداوي

كافكا - ميلينا
كافكا - ميلينا

تعد رسائل فرانز كافكا (1883- 1924) إلى حبيبته الصحافية والمترجمة ميلينا، واحدة من أشهر نماذج أدب الرسائل في القرن العشرين. وقد كتب كافكا هذه الرسائل وهو على حافة الموت مصاباً بمرض «السل الرئوي»، ينزف الدم من فمه، ويقاومه متشبثاً بطبيعته الصارمة التي تميل إلى الانطواء.
صدرت الرسائل حديثاً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، في طبعة أنيقة، ولغة أدبية رشيقة، للمترجم وليد سامي. وتغطي الرسائل التي بعث بها كافكا إلى ميلينا يسينسكا الفترة الزمنية من 1920 حتى 1923، كاشفة عن عديد من المعضلات النفسية والاجتماعية والعاطفية التي عاشها صاحب «المسخ»، و«المحاكمة»، في تلك الفترة؛ حيث أحب ميلينا حبّاً يكاد يكون مستحيلاً، فهي متزوجة وبعيدة عنه جغرافياً، وإن كانت شديدة الحماس له كأديب، فقامت بترجمة عدد من أعماله من الألمانية التي كان كافكا يكتب بها إلى التشيكية، كما كانت متعاطفة معه في محنة المرض والعزلة.
في إحدى تلك الرسائل يتبادلان الأدوار، فنجد أن كافكا هو من يتعاطف معها، قائلاً: «لماذا –بالمناسبة- أكون كائناً بشرياً في الوقت الذي أتحمل فيه كل عذابات هذا الوضع بالغ الاضطراب؟ لماذا لا أكون -مثلاً- ذلك الدولاب السعيد في حجرتك؟ ذلك الدولاب الذي يتطلع إليك مباشرة عندما تجلسين إلى مكتبك، أو عندما تستلقين، أو تأوين إلى النوم. لماذا لا أكون أنا ذلك الدولاب؟ ذلك لأنني سأنهار تحت وطأة الأسى، لو أنني اطلعت على آلامك في خلال الأيام الأخيرة الماضية، وربما حدث لي ما هو أكثر من ذلك».
وتكشف رسالة أخرى عن تردده عاطفياً إزاء علاقته بها، فيقول: «نصحتُك بالأمس بعدم الكتابة إليَّ يومياً، ولا يزال هو ما أراه اليوم، وسوف يكون هذا خيراً لكلينا. ومرة أخرى أعود إلى هذا الاقتراح اليوم، وفوق ذلك فإنني أطلبه بمزيد من الإلحاح؛ لكن أرجوك يا ميلينا ألّا تلتزمي بهذا الاقتراح؛ بل اكتبي إليَّ يومياً. على الرغم من ذلك، قد تكتبين في اختصار شديد، رسائل أقصر من الرسائل التي ترسلينها إليَّ الآن، في سطرين فقط، أو سطر واحد، المهم هو أن حرماني من هذا السطر الواحد، سيكون معناه عذابي الرهيب!».
ويعود في رسالة ثالثة ليقطع الطريق على أي مستقبل محتمل يجمع بينهما: «لن تستطيعي البقاء إلى جانبي مدّة يومين. أنا رخو أزحف على الأرض. صامت طول الوقت، انطوائيٌّ، كئيبٌ، متذمرٌ، أنانيٌّ وسوداويٌّ. هل ستتحملين حياة الرهبنة كما أحياها؟ أقضي معظم الوقت محتجزاً في غرفتي أو أطوي الأزقَّة وحدي، هل ستصبرين؟».
وعن ميلينا يسينسكا، يوضح وليد سامي أنها صحافية ومترجمة تشيكية، وُلدت في براغ عام 1896، والدها يان يسينسكا، طبيب أسنان، وأستاذ في جامعة «تشارلز» في براغ، ووالدتها هي ميلينا هيزلاروفا التي تنحدر من أسرة غنية، وتُوفيت بسبب مرض الأنيميا، وميلينا في الثالثة عشرة من عمرها. سجلها والدها في مدرسة للطب، وأجبرها على مساعدته في علاج الجنود أثناء الحرب العالمية الأولى، ورغم تعاطفها مع هذا العمل سرعان ما تركت المدرسة لتختلط بكل الطبقات، فلم تكن تُعِر اهتماماً للفوارق الطبقية، واستمتعت بصحبة المثقفين التشيك والألمان، وانضمت أيضاً للحركة النسوية البوهيمية. وفي تلك الفترة التقت ميلينا في حفلة بإرنست بولاك، ونشأت بينهما علاقة حب. كان إرنست يهودياً، ويعمل موظفاً في بنك في براغ، وناقداً أدبياً. قدم إرنست ميلينا إلى كافكا، وماكس برود، ورودلف فوخس، وفراتز فيرفيل. وكوَّنت ميلينا صداقة استمرت عشرين عاماً مع فيلما لوفينباخ؛ حيث جمعهما حب الشعر، وقامتا معاً بجمع مختارات من ترجمات ألمانية لقصائد شعر تشيكية، في سابقة لم تحدث من قبل.
مر زواجها بمشكلات منذ البداية، فقد كان بولاك يؤمن بالحب الحر، فانغمس في عديد من العلاقات، وحاولت ميلينا أن تكون متسامحة نظراً لحبها له، وكان عليها أن تعمل كي تتمكن من دفع إيجار المسكن، فعملت عاملةً في محطة القطار، وأعطت دروساً في اللغة التشيكية، وبدأت في كتابة مقالات، حتى أصبحت مراسلة الأزياء لصحيفة «تريبونا» التشيكية اليومية، وقامت بترجمة أعمال كافكا: «الفحام»، و«المحاكمة»، و«المسخ»، و«تأمل»، من الألمانية إلى التشيكية. وبعد عدة سنوات من هذا الزواج المليء بالمعاناة، وضعت ميلينا نهاية له في 1924. وبعد عام غادرت فيينا عائدة إلى براغ؛ حيث كانت موضع ترحيب، وظلت تفضل رفقة المثقفين والفنانين. وفي 1926 التقت المهندس الشاب يارومير كريسار ووقعت في غرامه، وتزوجا عام 1927.
على الجانب الآخر، نشأ والد كافكا في الريف في ظروف فقر مدقع؛ لكنه استطاع أن يرتقي حتى أصبح تاجراً ثرياً، بعد انتقاله بأسرته إلى براغ في بداية ثمانينات القرن التاسع عشر. لم يتزوج كافكا قط؛ لكن حياته كانت مليئة بعلاقات مع عديد من النساء. في بداية عام 1919 التقى بيولي وورزيك التي كانت تبلغ من العمر 28 عاماً؛ مقترحاً أن تستمر علاقتهما دون زواج، وبالفعل استمرت خلال عام 1920؛ لكن ظهور ميلينا في حياته وضع نهاية لعلاقته بها.
أدرك كافكا من البدايات الأولى أنه لن يستطيع الزواج من ميلينا؛ ليس فقط لأنه لن يكون قادراً على ضمان علاقة هادئة لها؛ لكن أيضاً لأنها كانت تحب زوجها، وتشعر بأنها تنتمي إليه ولا تستطيع تركه، لذا قرر أن ينهي هذه العلاقة. لم يسترجع المحبان مطلقاً الأيام الأربعة التي قضياها معاً في فيينا، وكانت هذه الرسائل هي ثمرتها الوحيدة.
بعد وفاة كافكا كتبت له ميلينا نعياً نشر في 6 يونيو (حزيران) 1924، في جريدة «ناردوني ليستي»، ومما جاء في النعي:
«ذات مرة كتب في رسالة لي: (عندما لا يستطيع القلب والروح تحمل المزيد، تتحمل الرئة نصف العبء بصورة متساوية بقدر أكبر)؛ وهكذا كان الحال مع مرضه، حمل كافكا جسدياً خوفه الفكري من الحياة على كتفَي مرضه. ومن المعروف أنه كان خجولاً ووديعاً ولطيفاً؛ لكن الأعمال التي كتبها مخيفة ومؤلمة. لقد رأى العالم وكأنه مليء بأرواح شريرة تمزق وتدمر البشر. كان بعيد النظر وذكياً بدرجة أكبر من أن تجعله قادراً على العيش، وضعيفاً بدرجة أكبر من أن يقاتل. لقد كان ضعيفاً بالطريقة التي عليها الأشخاص النبلاء الرائعون، الأشخاص غير القادرين على القتال ضد خوفهم من سوء الفهم والضغينة أو الخداع الفكري؛ لأنهم يدركون عجزهم سلفاً. إنها مخاوف حقيقية وقاسية ومؤلمة للدرجة التي تجعلها واقعية عندما تكون رمزية. إنها مليئة بالسخرية اللاذعة والمنظور الحساس لرجل كان مصيره الموت لا محالة؛ حين رفض تقديم تنازلات، أو اللجوء إلى مغالطات العقل المختلفة».
يقسِّم المترجم الرسائل إلى ثلاثة أقسام: الأول هو «رسائل ميران وفيينا»، والثاني: «رسائل براغ وفيينا»، ويغطي القسمان عام 1920؛ حيث تبدو الرسائل في معظمها معمقة مطولة تتطرق إلى مسائل وجودية وقضايا فلسفية. أما القسم الثالث فيغطي عام 1923، وتميل فيه الرسائل إلى الاقتضاب والطابع السوداوي؛ حيث تضاعفت معاناة صاحبها مع المرض، وأصبح على حافة الموت.
في أبريل (نيسان) 1920، يقول كافكا في رسالة حزينة يروي فيها اكتشافه للمرض: «إذن إنها الرئة، في حالتي بدأ المرض منذ ثلاث سنوات تقريباً بنزيف حاد في منتصف الليل. شعرت بالإثارة مثلما يشعر المرء دائماً وهو مقدم على شيء جديد. جلست على الفراش؛ لا نهاية للدماء، غير أنني لم أكن حزيناً على الإطلاق منذ ذلك الحين، لإدراكي للمرة الأولى خلال ثلاث أو أربع سنوات تقريباً من الأرق، أنه يوجد لدي سبب واضح كي أنام، بشرط توقف النزيف».
وبالتاريخ نفسه يعود ويكشف لها جانباً خفياً من علاقته بالمرأة وتجاربه النسائية: «تسألين عن خطبتي، لقد خطبت مرتين، أو في الواقع ثلاث مرات، منها مرتان للفتاة نفسها، وفي كل مرة كانت تفصلني عن الزواج بضعة أيام فقط، ولقد وجدت أن الرجال ربما كانوا يعانون بدرجة أكبر، أو لو كنت تفضلين لديهم مقاومة أقل في مثل هذه الأمور؛ لكن المؤكد أن النساء يعانين دائماً دون ذنب».
وبتاريخ مايو (أيار) 1920، تعاوده هواجسه وتأملاته السوداوية تجاه الموت والوجود، وهو يقول: «على الرغم من كل هذا، تُعد الكتابة شيئاً جيداً حقاً. أنا الآن أكثر هدوءاً مما كنت عليه قبل ساعتين في الشرفة بالخارج برفقة رسالتك. وبينما كنت مستلقياً هناك سقطت خنفساء على ظهرها على بعد خطوة مني، وكانت تحاول باستماتة تصحيح وضعها، كنت سأسعد بتقديم يد العون لها، كان أمراً يسيراً للغاية، الخطو خطوة واحدة فقط وإعطاؤها دفعة بسيطة؛ لكني نسيت أمرها بسب رسالتك. كانت الخنفساء بالفعل ساكنة تماماً، لدرجة أنني قلت لنفسي: هذه ليست مصادفة، إنها سكرات الموت، الدراما التي نادراً ما تُشاهد لوفاة حيوان بصورة طبيعية».
وفي رسالة أخرى مؤرخة بـ3 يونيو 1920، يخاطبها قائلاً: «أعتقد أننا نتشارك خاصية غريبة؛ كلانا خجول وقلق للغاية، لدرجة أن كل رسالة مختلفة تقريباً، كل منا -على ما أعتقد- خائف من الرسالة السابقة، وحتى أكثر من ذلك خائف من الرد. ربما أكون لست كذلك بالفطرة؛ لكن ذلك كاد أن يصبح من طبيعتي التي أتجاوزها فقط عندما أكون يائساً أو في الأغلب غاضباً. وغني عن القول، عندما أكون خائفاً».
لقد قدَّم المترجم عملاً مدهشاً وراقياً لكاتب مثل كافكا؛ لكن لم يوضح لنا عن أي لغة بالضبط قام بنقل العمل إلى العربية. صحيح أنه أورد عديداً من الهوامش بالتشيكية والألمانية في نهاية الكتاب؛ لكنه أورد كذلك عدداً من المراجع بالإنجليزية التي استند إليها في مقدمة العمل.



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».