كافكا إلى ميلينا: أنا صامت طيلة الوقت... انطوائيٌّ كئيبٌ... متذمرٌ وسوداوي

يوميات صاحب «المحاكمة» ورسائله من فوق سرير المرض في ترجمة عربية

كافكا - ميلينا
كافكا - ميلينا
TT

كافكا إلى ميلينا: أنا صامت طيلة الوقت... انطوائيٌّ كئيبٌ... متذمرٌ وسوداوي

كافكا - ميلينا
كافكا - ميلينا

تعد رسائل فرانز كافكا (1883- 1924) إلى حبيبته الصحافية والمترجمة ميلينا، واحدة من أشهر نماذج أدب الرسائل في القرن العشرين. وقد كتب كافكا هذه الرسائل وهو على حافة الموت مصاباً بمرض «السل الرئوي»، ينزف الدم من فمه، ويقاومه متشبثاً بطبيعته الصارمة التي تميل إلى الانطواء.
صدرت الرسائل حديثاً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، في طبعة أنيقة، ولغة أدبية رشيقة، للمترجم وليد سامي. وتغطي الرسائل التي بعث بها كافكا إلى ميلينا يسينسكا الفترة الزمنية من 1920 حتى 1923، كاشفة عن عديد من المعضلات النفسية والاجتماعية والعاطفية التي عاشها صاحب «المسخ»، و«المحاكمة»، في تلك الفترة؛ حيث أحب ميلينا حبّاً يكاد يكون مستحيلاً، فهي متزوجة وبعيدة عنه جغرافياً، وإن كانت شديدة الحماس له كأديب، فقامت بترجمة عدد من أعماله من الألمانية التي كان كافكا يكتب بها إلى التشيكية، كما كانت متعاطفة معه في محنة المرض والعزلة.
في إحدى تلك الرسائل يتبادلان الأدوار، فنجد أن كافكا هو من يتعاطف معها، قائلاً: «لماذا –بالمناسبة- أكون كائناً بشرياً في الوقت الذي أتحمل فيه كل عذابات هذا الوضع بالغ الاضطراب؟ لماذا لا أكون -مثلاً- ذلك الدولاب السعيد في حجرتك؟ ذلك الدولاب الذي يتطلع إليك مباشرة عندما تجلسين إلى مكتبك، أو عندما تستلقين، أو تأوين إلى النوم. لماذا لا أكون أنا ذلك الدولاب؟ ذلك لأنني سأنهار تحت وطأة الأسى، لو أنني اطلعت على آلامك في خلال الأيام الأخيرة الماضية، وربما حدث لي ما هو أكثر من ذلك».
وتكشف رسالة أخرى عن تردده عاطفياً إزاء علاقته بها، فيقول: «نصحتُك بالأمس بعدم الكتابة إليَّ يومياً، ولا يزال هو ما أراه اليوم، وسوف يكون هذا خيراً لكلينا. ومرة أخرى أعود إلى هذا الاقتراح اليوم، وفوق ذلك فإنني أطلبه بمزيد من الإلحاح؛ لكن أرجوك يا ميلينا ألّا تلتزمي بهذا الاقتراح؛ بل اكتبي إليَّ يومياً. على الرغم من ذلك، قد تكتبين في اختصار شديد، رسائل أقصر من الرسائل التي ترسلينها إليَّ الآن، في سطرين فقط، أو سطر واحد، المهم هو أن حرماني من هذا السطر الواحد، سيكون معناه عذابي الرهيب!».
ويعود في رسالة ثالثة ليقطع الطريق على أي مستقبل محتمل يجمع بينهما: «لن تستطيعي البقاء إلى جانبي مدّة يومين. أنا رخو أزحف على الأرض. صامت طول الوقت، انطوائيٌّ، كئيبٌ، متذمرٌ، أنانيٌّ وسوداويٌّ. هل ستتحملين حياة الرهبنة كما أحياها؟ أقضي معظم الوقت محتجزاً في غرفتي أو أطوي الأزقَّة وحدي، هل ستصبرين؟».
وعن ميلينا يسينسكا، يوضح وليد سامي أنها صحافية ومترجمة تشيكية، وُلدت في براغ عام 1896، والدها يان يسينسكا، طبيب أسنان، وأستاذ في جامعة «تشارلز» في براغ، ووالدتها هي ميلينا هيزلاروفا التي تنحدر من أسرة غنية، وتُوفيت بسبب مرض الأنيميا، وميلينا في الثالثة عشرة من عمرها. سجلها والدها في مدرسة للطب، وأجبرها على مساعدته في علاج الجنود أثناء الحرب العالمية الأولى، ورغم تعاطفها مع هذا العمل سرعان ما تركت المدرسة لتختلط بكل الطبقات، فلم تكن تُعِر اهتماماً للفوارق الطبقية، واستمتعت بصحبة المثقفين التشيك والألمان، وانضمت أيضاً للحركة النسوية البوهيمية. وفي تلك الفترة التقت ميلينا في حفلة بإرنست بولاك، ونشأت بينهما علاقة حب. كان إرنست يهودياً، ويعمل موظفاً في بنك في براغ، وناقداً أدبياً. قدم إرنست ميلينا إلى كافكا، وماكس برود، ورودلف فوخس، وفراتز فيرفيل. وكوَّنت ميلينا صداقة استمرت عشرين عاماً مع فيلما لوفينباخ؛ حيث جمعهما حب الشعر، وقامتا معاً بجمع مختارات من ترجمات ألمانية لقصائد شعر تشيكية، في سابقة لم تحدث من قبل.
مر زواجها بمشكلات منذ البداية، فقد كان بولاك يؤمن بالحب الحر، فانغمس في عديد من العلاقات، وحاولت ميلينا أن تكون متسامحة نظراً لحبها له، وكان عليها أن تعمل كي تتمكن من دفع إيجار المسكن، فعملت عاملةً في محطة القطار، وأعطت دروساً في اللغة التشيكية، وبدأت في كتابة مقالات، حتى أصبحت مراسلة الأزياء لصحيفة «تريبونا» التشيكية اليومية، وقامت بترجمة أعمال كافكا: «الفحام»، و«المحاكمة»، و«المسخ»، و«تأمل»، من الألمانية إلى التشيكية. وبعد عدة سنوات من هذا الزواج المليء بالمعاناة، وضعت ميلينا نهاية له في 1924. وبعد عام غادرت فيينا عائدة إلى براغ؛ حيث كانت موضع ترحيب، وظلت تفضل رفقة المثقفين والفنانين. وفي 1926 التقت المهندس الشاب يارومير كريسار ووقعت في غرامه، وتزوجا عام 1927.
على الجانب الآخر، نشأ والد كافكا في الريف في ظروف فقر مدقع؛ لكنه استطاع أن يرتقي حتى أصبح تاجراً ثرياً، بعد انتقاله بأسرته إلى براغ في بداية ثمانينات القرن التاسع عشر. لم يتزوج كافكا قط؛ لكن حياته كانت مليئة بعلاقات مع عديد من النساء. في بداية عام 1919 التقى بيولي وورزيك التي كانت تبلغ من العمر 28 عاماً؛ مقترحاً أن تستمر علاقتهما دون زواج، وبالفعل استمرت خلال عام 1920؛ لكن ظهور ميلينا في حياته وضع نهاية لعلاقته بها.
أدرك كافكا من البدايات الأولى أنه لن يستطيع الزواج من ميلينا؛ ليس فقط لأنه لن يكون قادراً على ضمان علاقة هادئة لها؛ لكن أيضاً لأنها كانت تحب زوجها، وتشعر بأنها تنتمي إليه ولا تستطيع تركه، لذا قرر أن ينهي هذه العلاقة. لم يسترجع المحبان مطلقاً الأيام الأربعة التي قضياها معاً في فيينا، وكانت هذه الرسائل هي ثمرتها الوحيدة.
بعد وفاة كافكا كتبت له ميلينا نعياً نشر في 6 يونيو (حزيران) 1924، في جريدة «ناردوني ليستي»، ومما جاء في النعي:
«ذات مرة كتب في رسالة لي: (عندما لا يستطيع القلب والروح تحمل المزيد، تتحمل الرئة نصف العبء بصورة متساوية بقدر أكبر)؛ وهكذا كان الحال مع مرضه، حمل كافكا جسدياً خوفه الفكري من الحياة على كتفَي مرضه. ومن المعروف أنه كان خجولاً ووديعاً ولطيفاً؛ لكن الأعمال التي كتبها مخيفة ومؤلمة. لقد رأى العالم وكأنه مليء بأرواح شريرة تمزق وتدمر البشر. كان بعيد النظر وذكياً بدرجة أكبر من أن تجعله قادراً على العيش، وضعيفاً بدرجة أكبر من أن يقاتل. لقد كان ضعيفاً بالطريقة التي عليها الأشخاص النبلاء الرائعون، الأشخاص غير القادرين على القتال ضد خوفهم من سوء الفهم والضغينة أو الخداع الفكري؛ لأنهم يدركون عجزهم سلفاً. إنها مخاوف حقيقية وقاسية ومؤلمة للدرجة التي تجعلها واقعية عندما تكون رمزية. إنها مليئة بالسخرية اللاذعة والمنظور الحساس لرجل كان مصيره الموت لا محالة؛ حين رفض تقديم تنازلات، أو اللجوء إلى مغالطات العقل المختلفة».
يقسِّم المترجم الرسائل إلى ثلاثة أقسام: الأول هو «رسائل ميران وفيينا»، والثاني: «رسائل براغ وفيينا»، ويغطي القسمان عام 1920؛ حيث تبدو الرسائل في معظمها معمقة مطولة تتطرق إلى مسائل وجودية وقضايا فلسفية. أما القسم الثالث فيغطي عام 1923، وتميل فيه الرسائل إلى الاقتضاب والطابع السوداوي؛ حيث تضاعفت معاناة صاحبها مع المرض، وأصبح على حافة الموت.
في أبريل (نيسان) 1920، يقول كافكا في رسالة حزينة يروي فيها اكتشافه للمرض: «إذن إنها الرئة، في حالتي بدأ المرض منذ ثلاث سنوات تقريباً بنزيف حاد في منتصف الليل. شعرت بالإثارة مثلما يشعر المرء دائماً وهو مقدم على شيء جديد. جلست على الفراش؛ لا نهاية للدماء، غير أنني لم أكن حزيناً على الإطلاق منذ ذلك الحين، لإدراكي للمرة الأولى خلال ثلاث أو أربع سنوات تقريباً من الأرق، أنه يوجد لدي سبب واضح كي أنام، بشرط توقف النزيف».
وبالتاريخ نفسه يعود ويكشف لها جانباً خفياً من علاقته بالمرأة وتجاربه النسائية: «تسألين عن خطبتي، لقد خطبت مرتين، أو في الواقع ثلاث مرات، منها مرتان للفتاة نفسها، وفي كل مرة كانت تفصلني عن الزواج بضعة أيام فقط، ولقد وجدت أن الرجال ربما كانوا يعانون بدرجة أكبر، أو لو كنت تفضلين لديهم مقاومة أقل في مثل هذه الأمور؛ لكن المؤكد أن النساء يعانين دائماً دون ذنب».
وبتاريخ مايو (أيار) 1920، تعاوده هواجسه وتأملاته السوداوية تجاه الموت والوجود، وهو يقول: «على الرغم من كل هذا، تُعد الكتابة شيئاً جيداً حقاً. أنا الآن أكثر هدوءاً مما كنت عليه قبل ساعتين في الشرفة بالخارج برفقة رسالتك. وبينما كنت مستلقياً هناك سقطت خنفساء على ظهرها على بعد خطوة مني، وكانت تحاول باستماتة تصحيح وضعها، كنت سأسعد بتقديم يد العون لها، كان أمراً يسيراً للغاية، الخطو خطوة واحدة فقط وإعطاؤها دفعة بسيطة؛ لكني نسيت أمرها بسب رسالتك. كانت الخنفساء بالفعل ساكنة تماماً، لدرجة أنني قلت لنفسي: هذه ليست مصادفة، إنها سكرات الموت، الدراما التي نادراً ما تُشاهد لوفاة حيوان بصورة طبيعية».
وفي رسالة أخرى مؤرخة بـ3 يونيو 1920، يخاطبها قائلاً: «أعتقد أننا نتشارك خاصية غريبة؛ كلانا خجول وقلق للغاية، لدرجة أن كل رسالة مختلفة تقريباً، كل منا -على ما أعتقد- خائف من الرسالة السابقة، وحتى أكثر من ذلك خائف من الرد. ربما أكون لست كذلك بالفطرة؛ لكن ذلك كاد أن يصبح من طبيعتي التي أتجاوزها فقط عندما أكون يائساً أو في الأغلب غاضباً. وغني عن القول، عندما أكون خائفاً».
لقد قدَّم المترجم عملاً مدهشاً وراقياً لكاتب مثل كافكا؛ لكن لم يوضح لنا عن أي لغة بالضبط قام بنقل العمل إلى العربية. صحيح أنه أورد عديداً من الهوامش بالتشيكية والألمانية في نهاية الكتاب؛ لكنه أورد كذلك عدداً من المراجع بالإنجليزية التي استند إليها في مقدمة العمل.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.