«أمم أفريقيا»: حزن وغضب... وصغار يحرجون الكبار

«الغارديان» تسترجع فترات الصعود والهبوط في البطولة التي طغت عليها مأساة ملعب «أوليمبي»

TT

«أمم أفريقيا»: حزن وغضب... وصغار يحرجون الكبار

خيّم شبح تدافع مأساوي أودى بحياة ثمانية أشخاص في ملعب «أوليمبي» بالعاصمة الكاميرونية ياوندي، على أوّل كأس أمم أفريقية تفوز بها السنغال على حساب مصر، في نهائيات اعتبرت في بعض الأحيان فوضوية، لكنها أظهرت التقدم الحاصل بكرة القدم في القارة السمراء من ناحية أسلوب اللعب. «الغارديان» تستعرض هنا فترات الصعود والهبوط في البطولة.

- ذكريات لا تُنسى
تأثرت بطولة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة كثيراً منذ اللحظة التي لقي فيها ثمانية مشجعين حتفهم خارج ملعب «أوليمبي». في الحقيقة، لا يوجد أي عذر لما حدث في ملعب محاط بمساحات شاسعة، ويبقى الإحساس المحبط يتمثل في أن أسباب هذه الكارثة ستصبح في طي النسيان. وبعد عودتي إلى ياوندي في اليوم التالي والتحدث مع روماريك، الذي كان في الملعب وواجه أشخاصاً كانوا محاصرين وسط الزحام أثناء مغادرته، بدأ رعب ما حدث يتضح جلياً. وقمت بزيارة لاحقة لمستشفى الطوارئ واستمعت إلى بعض الشهادات المروعة، وما زالت بعض الكلمات والصور عالقة في ذهني. (نيك أميس)
من المؤكد أن مأساة ملعب «أوليمبي» ستهيمن - لأسباب مفهومة وحتمية - على تحليلات البطولة. كنت في بافوسام عندما حدث ذلك، لكنني عدت إلى ياوندي في اليوم التالي. كان التحدث إلى اثنين من الناجين والطبيبة التي عالجتهما، الرائعة ديانا بيكيلي، بجناح المستشفى في اليوم التالي، أمراً مرعباً. لقد كُتب تقريرنا الأولي بشعور من الحزن الشديد، ثم شعرنا بغضب أكبر فيما بعد عندما فهمنا حجم عدم الكفاءة الذي أدى إلى الكارثة. (جوناثان ويلسون)

- مباراة البطولة
مباراة ساحل العاج وسيراليون التي انتهت بالتعادل بهدفين لكل فريق. لم تتأهل سيراليون إلى نهائيات كأس الأمم الأفريقية منذ عام 1996، وبالتالي لم يكن من المتوقع أن تقدم مستويات جيدة في الكاميرون. لكن سيراليون أجبرت الجزائر على التعادل في المباراة الأولى، ثم صدمت منتخب ساحل العاج المدجج بالنجوم واللاعبين أصحاب الخبرات الكبيرة. تعادلت سيراليون في البداية عن طريق لمسة ساحرة من موسى كامارا، الذي يلعب في الدوري الممتاز المحلي، وأدركوا التعادل مرة أخرى في اللحظات الأخيرة من المباراة عن طريق الحاج كامارا بعد خطأ كارثي من الحارس الإيفواري بدرا سانغارا. (نك أميس)
المباراة التي فازت فيها جزر القمر على غانا بثلاثة أهداف مقابل هدفين. من الواضح أن النظام الحالي للبطولة لا يؤدي إلى مباريات قوية في دور المجموعات، لكن الغريب أنه كانت هناك مباراتان قويتان للغاية: فوز ساحل العاج على الجزائر، وفوز جزر القمر على غانا، التي كانت تلعب بعشرة لاعبين ومتأخرة بهدفين دون رد وتواجه خطر الخروج المبكر من دور المجموعات، لكنها لم تستسلم وظلت تقاتل حتى الرمق الأخير. نجحت غانا في إحراز هدفين متتاليين لتصبح النتيجة التعادل بهدفين لكل فريق، لكن منتخب جزر القمر المنظم جيداً والذي كان يهاجم بشراسة في الشوط الثاني تمكن من إحراز هدف الفوز في الدقيقة 84 عن طريق أحمد موغني، ليتأهل منتخب جزر القمر إلى دور الستة عشر في أول مشاركة له في البطولة. (جوناثان ويلسون)

- هدف البطولة
هدف يوسف مشانغاما في مرمى الكاميرون. لو لم تلقَ الأحداث المأساوية التي وقعت خارج الملعب بظلالها على كل شيء في تلك الليلة، لتحدث الجميع عن الأداء الرائع لمنتخب جزر القمر أمام الكاميرون، رغم أنه كان يلعب من دون حارس مرمى. ومع ذلك، سيظل الهدف الذي سجله منتخب جزر القمر في تلك المباراة مدوناً في الذاكرة وفي السجلات كأحد أجمل أهداف المسابقة على الإطلاق، حيث سدد يوسف مشانغاما كرة صاروخية في الزاوية العليا من المرمى من مسافة بعيدة لدرجة أن أصحاب الأرض لم يشكلوا جداراً من اللاعبين أمام الركلة الحرة المباشرة، لأنهم لم يكونوا يتوقعون أن يتم التسديد مباشرة من هذه المسافة البعيدة. ونتيجة لقوة التسديدة وسرعتها الفائقة، لم يتمكن أندريه أونانا من التصدي لها رغم أن زاوية الرؤية كانت مفتوحة تماماً. (نيك أميس)
هدف غابدينيو مانغو في مرمى المغرب. لم تصل مالاوي من قبل إلى دور الستة عشر، ودخلت مواجهة المغرب وهي الأقل حظاً للفوز في المباراة. لكن بعد سبع دقائق، تسلم غابدينيو مانغو الكرة على الجهة اليمنى ورأى أن حارس المغرب ياسين بونو مبتعداً عن منطقة جزائه فسدد كرة قوية من فوقه. لقد لمس بونو الكرة بأطراف أصابعه، وهو الأمر الذي ربما قلل من جمال الهدف بعض الشيء، لكن هذا الهدف يظل رائعاً من حيث الرؤية والتنفيذ. (جوناثان ويلسون)

- تجربة شخصية
قمت بزيارة إلى مخيم ميناواو للاجئين في أقصى شمالي الكاميرون المضطرب، وهو ما جعلني أفكر في الكيفية التي يمكن أن تساعد بها كرة القدم في تمكين وتعزيز الأمل بمستقبل أفضل. لقد فرت لاعبات فريق الفتيات في ميناواو عبر الحدود مع نيجيريا بحثاً عن الأمان من جماعة «بوكو حرام»، عندما كن صغاراً للغاية. لقد عانين من كثير من المصاعب والأهوال، لكن الشيء المذهل، في أحد أصعب وأخطر الأماكن على وجه الكرة الأرضية، يتمثل في روحهن الجماعية وتفاؤلهن. لقد أظهر هذا الفريق رغبة هائلة للتدريب واللعب والتعلم على مدار خمسة أيام في الأسبوع، لكن من المؤسف حقاً أن اللاعبات ما زلن يفتقرن إلى الملابس والأدوات اللازمة - خصوصاً الأحذية - للقيام بذلك بشكل مريح. (نيك أميس)
شاهد لاعبو بوركينا فاسو الانقلاب الذي وقع في بلادهم عبر شاشات التلفزيون وهم يقيمون في فندقهم قبل مباراة الدور ربع النهائي ضد تونس. وقال المدير الفني لبوركينا فاسو، كامو مالو، إنه «متأثر للغاية»، وأعرب عن نيته «إهداء هذا الفوز لشعبنا الذي يتعرض للاختبار من خلال الأحداث الجارية». وبالفعل، أحدث هذا الفوز فارقاً واضحاً من خلال المشاهد المقبلة من واغادوغو وبوبو ديولاسو، حيث تم خرق حظر التجول الذي فرضه الجيش من قبل الآلاف الذين خرجوا إلى الشوارع للاحتفال العفوي بهذا الفوز. لقد كان هذا بمثابة تذكير بالقوة التي ما زالت تحتفظ بها كرة القدم، رغم كل شيء. وعلاوة على ذلك، فإن مقابلة الزملاء والأصدقاء من جميع أنحاء العالم والذين لا أراهم إلا كل عامين، ورغم كل القيود المفروضة بسبب تفشي فيروس كورونا، ربما تعني المزيد هذه المرة. (جوناثان ويلسون)

- أكبر خيبة أمل
على الرغم من أن البطولة كانت ممتعة، فإن مستواها كان أقل كثيراً عن النسختين السابقتين. بالطبع، هناك بعض الأمور القهرية التي أدت إلى ذلك، بما في ذلك الاضطرابات الناجمة عن تفشي فيروس كورونا التي أفسدت خطط كثير من المنتخبات للاستعداد للبطولة، وقلة وقت التحضير بالنسبة لكثير من اللاعبين البارزين. وعلاوة على ذلك، كانت جودة الملاعب سيئة للغاية، ولم تساعد في تحرك الكرة بالسلاسة أو السرعة المطلوبة. وكانت أرضية ملعب المباراة في دوالا سيئة للغاية، وتسببت بشكل مباشر في هدف التعادل الذي أحرزه منتخب سيراليون في مرمى ساحل العاج. لم تكن الأمور أفضل بكثير في ياوندي، حيث تدهورت أرضية ملعب «أوليمبي» بشكل ملحوظ في الأسبوع الأخير. لقد كان لدى الكاميرون الوقت والمال لحل هذه المشكلة، وبالتالي فإن عدم قيامها بذلك تسبب في ضرر كبير لأفضل لاعبي القارة. (نك أميس)
اتسمت نهائيات كأس الأمم الأفريقية في الكاميرون بشيئين: الفوضى وكرة القدم السلبية. من المفهوم أن المنشآت المخصصة للصحافيين لا تعني أحداً سوى الصحافيين أنفسهم، لكنها كانت مهمة لسببين: أولاً لأنها تعكس مشاكل وقضايا أوسع بكثير، وثانياً إذا كانت كأس الأمم الأفريقية تهدف إلى الترويج لكرة القدم الأفريقية في جميع أنحاء العالم، فكان يجب أن تكون هذه المنشآت أفضل من ذلك! في دوالا وفي ياوندي، كان هذا هو الوضع الأسوأ منذ بطولة كأس الأمم الأفريقية في أنغولا 2010: لا توجد مكاتب، ولا كهرباء، بينما كان هناك قدر هائل من البيروقراطية والسلبية. أما داخل الملعب، فإن السلبية التي كانت موجودة داخل المستطيل الأخضر لم تكن تتعلق بالاعتماد على الخطط الدفاعية بقدر ما تتعلق بإفساد المباراة من خلال التظاهر بالإصابة وإضاعة الوقت وكسر إيقاع المباراة والضغط على الحكام: مصر كانت الأبرز في هذا الصدد، لكنها لم تكن الوحيدة. (جوناثان ويلسون)

- فريق البطولة
محمد أبو جبل (مصر)، أشرف حكيمي (المغرب)، عمر كولي (غامبيا)، محمد عبد المنعم (مصر)، نوهو تولو (الكاميرون)، إبراهيم سانغاري (ساحل العاج)، إدريسا غاي (السنغال)، بلاتي توريه (بوركينا فاسو)، ساديو ماني (السنغال)، فينسينت أبو بكر (الكاميرون)، إيبان إيدو (غينيا الاستوائية). (نيك أميس)
محمد أبو جبل، أشرف حكيمي، إدمون تابسوبا (بوركينا فاسو)، عمر كولي، ساليو سيس (السنغال)، إبراهيم سانغاري، إدريسا غاي، محمد النني (مصر)، سفيان بوفال (المغرب)، فينسينت أبو بكر، ساديو ماني. (جوناثان ويلسون)

- أطرف لحظة
لم تؤدِ الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية لإثارة حماس صحافي وصحافية من الموجودين في الصف أمامي، اللذين يبدو كأنهما في موعد غرامي. لقد أمضيا المساء يشاهدان مقاطع فيديو موسيقية على موقع «يوتيوب» من خلال سماعات رأس مشتركة. وبينما كان اللاعبون يستعدون لركلات الترجيح، كانا يستمعان إلى بعض الأغنيات للمغني الإسباني إنريكي إغليسياس. لكن تجب الإشارة إلى أنه عندما بدأت ركلات الجزاء، واستناداً إلى رد فعلهما عندما فازت السنغال، لم تتسبب هذه الليلة الطويلة والمرهقة في حدوث أي ضرر دائم للعلاقة بينهما. (نك أميس)
تم إيقافنا ثلاث مرات من قبل دوريات السلامة على الطرق خلال الرحلة التي استمرت خمس ساعات و30 دقيقة من ياوندي إلى دوالا لمتابعة مباراة دور الستة عشر بين مصر وساحل العاج. ووجدوا أسباباً زائفة في مرتين لتغريمنا. وخلال رحلة العودة، على الرغم من ذلك، كان لدى سائقنا، بيغ سايل، «سلاح سري» يمكنه من عبور الدوريات من دون أي مشكلة، حيث كانت لديه قبعة بحار يبدو أنه حصل عليها من متجر ملابس تنكرية رخيص، وعندما كنا نقترب من أي دورية كان سايل يرتدي القبعة ويسرع وكان القائمون على الدورية يلوحون لنا بالعبور من دون أي مشكلة. (جوناثان ويلسون)


مقالات ذات صلة

المخضرم كلود لوروا مدرباً لمنتخب الكونغو

رياضة عالمية كلود لوروا (رويترز)

المخضرم كلود لوروا مدرباً لمنتخب الكونغو

عُيّن المخضرم الفرنسي كلود لوروا (78 عاماً) مدرباً جديداً لمنتخب الكونغو، في مهمة تهدف إلى قيادة «الشياطين الحمر» للتأهل إلى كأس أمم أفريقيا 2027.

«الشرق الأوسط» (باريس )
رياضة عالمية مدرب منتخب السنغال لكرة القدم باب ثياو (رويترز)

ثياو مدرب السنغال: كأس أمم أفريقيا أصبحت من الماضي

أكد مدرب منتخب السنغال لكرة القدم باب ثياو، الاثنين، أن مسألة كأس أمم أفريقيا 2025 أصبحت من الماضي.

«الشرق الأوسط» (إيست راذرفورد)
رياضة عربية الآمال كبيرة على محمد صلاح في كأس العالم (الاتحاد المصري)

محمد صلاح أمام الفرصة الأخيرة... هل يكسر منتخب مصر عقدة كأس العالم؟

في مدينة سبوكان الهادئة بولاية واشنطن الأميركية، بعيداً عن صخب المدن الكبرى وأضواء كأس العالم، يستعد المنتخب المصري لخوض تحدٍّ ربما يكون الأهم بمسيرته الحديثة.

The Athletic (سبوكان (واشنطن))
رياضة عالمية المشجعون الذين مُنحوا عفواً ملكياً في المغرب لدى وصولهم إلى مطار بليز دياغني الدولي في ندياس بالسنغال (أ.ف.ب)

رئيس «كاف»: عفو ملك المغرب عن جماهير السنغال «خطوة ملهمة»

توجه باتريس موتسيبي رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف» بالشكر للملك محمد السادس، بعد قرار  الأخير بالعفو عن جماهير السنغال.

«الشرق الأوسط» (داكار )
رياضة عالمية كأس الأمم الأفريقية 2028 تنتظر الإعلان عن مستضيفها (رويترز)

4 دول تؤكد ترشحها المشترك لاستضافة كأس الأمم الأفريقية 2028

قدمت جنوب أفريقيا وبوتسوانا وناميبيا وزيمبابوي عرضاً مشتركاً لاستضافة نهائيات كأس الأمم الأفريقية 2028 لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (كيب تاون)

حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
TT

حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)

تحتفظ الذاكرة الرياضية الآسيوية بمفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم كل أربعة أعوام صوب المحفل الكروي الأكبر، يظل ثاني أكبر تكتل بشري على وجه الأرض خارج دائرة الضوء.

الهند، هذا العملاق الديموغرافي والجغرافي الذي يتنفس رياضة الكريكيت بشغف يصل حد التقديس، يواصل غيابه اللغز عن نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

ورغم أن القارة الصفراء باتت تحظى بنصيب وافر من المقاعد، ورغم التاريخ المنسي الذي يربط «النمور الزرقاء» باللعبة، فإن الهوة بين الطموح والواقع لا تزال سحيقة.

فما الذي يحرم دولة يقطنها أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة من حجز مقعد لها في محفل الساحرة المستديرة؟

اللغز البرازيلي عام 1950: خطيئة «الفرصة المهدرة»

تبدأ السردية التاريخية لكرة القدم الهندية من مفترق طرق دراماتيكي عام 1950. في ذلك العام، كان المونديال يعود إلى الحياة في البرازيل بعد مخاض الحرب العالمية الثانية.

ووضعت الأقدار منتخب الهند على أعتاب التاريخ بتأهل تلقائي بعد انسحاب منافسيه في المجموعة الآسيوية (إندونيسيا والفلبين وميانمار). لكن الرحلة لم تكتمل، وانسحبت الهند قبل أيام من ركل الكرة الأولى.

عقود طويلة عاشت الجماهير على أسطورة تزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منع الهنود من اللعب لأنهم اشترطوا خوض المباريات «حفاة الأقدام» كما فعلوا قبلها بسنتين في أولمبياد لندن 1948، لكن الحقيقة التاريخية الموثقة في أروقة الاتحاد الهندي لكرة القدم تكشف عن حسابات مغلوطة؛ إذ اعتبرت الإدارة الرياضية آنذاك أن تكلفة السفر الباهظة عبر المحيطات إلى أميركا الجنوبية لا تبرر المشاركة في بطولة كانت تنظر إليها نيودلهي بوصفها حدثاً أقل شأناً من دورة الألعاب الأولمبية أو الألعاب الآسيوية، كانت خطيئة استراتيجية دفعت الكرة الهندية ثمنها تهميشاً دام عقوداً.

العصر الذهبي المنسي: صدمة فرنسا ومباركة ملك بريطانيا

لم تكن الهند نكرة في عالم كرة القدم، بل عاشت «عصراً ذهبياً» امتد بين عامي 1951 و1964 تحت قيادة المدرب الأسطوري سيد عبد الرحيم. غير أن الشرارة الحقيقية التي أبهرت الغرب سبقت ذلك العصر بقليل، وتحديداً في أولمبياد 1948، حين واجه المنتخب الهندي منتخب فرنسا العتيد، وخسر بصعوبة بالغة بنتيجة (2 - 1) بعد إهدار ركلتي جزاء

قائد الهند (يمين) في أول مباراة دولية للمنتخب بوصفهم مواطنين يمثلون دولة الهند المستقلة في أولمبياد لندن 1948 (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

في تلك الملحمة، لعب أغلب عناصر الهند حفاة الأقدام برباط طبي، ونالوا إعجاب الصحافة البريطانية.

وعندما سُئل قائد الفريق تاليميرن آو عن سر غياب الأحذية، أطلق جملته الشهيرة الساخرة: «نحن نلعب كرة القدم بينما أنتم تلعبون كرة الأحذية».

وامتدت الأصداء إلى قصر باكنغهام عندما استقبل الملك جورج السادس الفريق، ورفع مازحاً طرف سروال اللاعب سيلين مانا ليتأكد إن كانت ساقاه من فولاذ حقاً كما يُشاع، وكان النجم سارنغاباني رامان هو صاحب الهدف الهندي الوحيد بـ«الأقدام العارية».

صورة من أرشيف صحيفة «إكسبريس» الهندية الصادرة في الأول من أغسطس 1948

هذا المشهد التاريخي استغلته الفضاءات الرقمية في السنوات الأخيرة؛ إذ ضجت بمنشورات تزعم أن لاعبي الهند خاضوا المباراة حفاة لأن الحكومة حديثة الاستقلال لم تكن تملك الموارد لشراء أحذية رياضية.

غير أن التحقيقات التوثيقية لـ«تقصي الحقائق» فككت هذه الرواية المزيفة بالكامل؛ إذ لم تكن الأزمة شحاً مالياً، بل مسألة «راحة واعتياد فني» للاعبين ترعرعوا على اللعب دون أحذية لرؤيتهم أنها تمنح مرونة أكبر للتحكم بالكرة. الأرشيف البصري يفضح هذا المجاز، فالصورة الشهيرة المتداولة نُشرت مجتزأة لإثبات الفقر، بينما تُظهر نسختها الأصلية الكاملة المدافع الشهير «ثينمادوم ماثيو فارغيز» (بابان) وهو يرتدي حذاءه الرياضي كاملاً على اليمين إلى جوار زملائه.

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ضد فرنسا في أولمبياد لندن 1948 وهم حفاة الأقدام (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

وبحسب تقارير صحيفة «إكسبريس الهندية» الصادرة في الأول من أغسطس 1948، فإن 8 لاعبين فقط من أصل 11 فضلوا اللعب بلا أحذية طواعية.

ورغم نجاح تجربة الحفاء أولاً، فإن قرار فرض الأحذية قسرياً صدر سريعاً بعد صدمة أولمبياد هلسنكي 1952، عندما تجمدت أقدام الهنود من البرد وخسروا بنتيجة ثقيلة أمام يوغوسلافيا (10 - 1).

منتخب يوغوسلافيا يسجل في شباك الهند على ملعب «تولون بالوكينتا» في هلسنكي خلال أولمبياد 1952 (ويكيبيديا)

ومع التزامهم بالدخول في «عصر الأحذية»، لم تقف معجزات تلك الحقبة، ففي الجولة الأوروبية التمديدية صدمت الهند نادي أياكس أمستردام الهولندي العريق وهزمته بنتيجة (5 - 1).

تلاها الإنجاز التاريخي الأبرز في أولمبياد ملبورن 1956، باحتلال الهند المركز الرابع آسيوياً، وشهدت البطولة تسجيل النجم نيفيل ديسوزا لأول «هاتريك» آسيوي في تاريخ الأولمبياد، وكان ذلك في شباك أستراليا.

منتخب الهند لكرة القدم في أولمبياد 1956 خلال مباراة ضد بلغاريا (ويكيبيديا)

أسر الكريكيت: كيف التهمت اللعبة الواحدة ميزانيات الرعاية؟

لا يمكن فهم المشهد الرياضي في شبه القارة الهندية دون تلمّس «السطوة الطاغية» للعبة الكريكيت، منذ التتويج التاريخي للهند بكأس العالم للكريكيت عام 1983، تحولت هذه الرياضة من مجرد إرث استعماري بريطاني إلى «دين وطني» يجمع الأمة.

الرئيس الهندي الأسبق غياني زيل سينغ يستقبل المنتخب الهندي للكريكيت بعد التتويج بلقب كأس العالم 1983 (ويكيبيديا)

هذه الهيمنة أحدثت تجفيفاً كاملاً للمنابع المالية للرياضات الأخرى. تتدفق أموال الشركات الرائدة وحقوق البث المليارية نحو الدوري الهندي الممتاز للكريكيت، بينما تُركت كرة القدم لسنوات طويلة تعاني شح التمويل، وغياب البنية التحتية، وملاعب لا ترقى للمعايير الدولية.

في الهند، يولد الطفل وفي يده مضرب كريكيت، بينما تظل كرة القدم خياراً ثانوياً في المدارس والأكاديميات، باستثناء بعض الجيوب الجغرافية التاريخية مثل ولايات البنغال الغربية، وغوا، وكيرالا.

المعضلة الهيكلية: غياب التكوين وتأخر الاحتراف

على الصعيد الفني، عانت الكرة الهندية طويلاً من غياب الرؤية طويلة المدى، فالدوري المحلي ظل لسنوات يعتمد على الهواة والمؤسسات الحكومية، ولم يدخل نظام الاحتراف الحقيقي إلا متأخراً مع إطلاق «الدوري الهندي الممتاز في العقد الماضي.

ورغم أن هذا الدوري نجح في جذب أسماء عالمية في أواخر مسيرتها وجلب بعض الزخم الجماهيري، فإنه لم يفلح بعد في سد الفجوة الفنية العميقة. المشكلة الأساسية تكمن في «جذور اللعبة»، حيث تفتقر البلاد إلى نظام كشافين محترف يغطي الأقاليم الشاسعة، وتغيب أكاديميات الفئات السنية التي تصنع لاعباً قادراً على المنافسة في الرتم السريع للكرة الحديثة. اللاعب الهندي، وإن امتلك الموهبة الفطرية، يصطدم بنقص التكوين التكتيكي والبدني مقارنة بنظرائه في اليابان، وكوريا الجنوبية، أو دول الخليج العربي.

استشراف المستقبل: هل تكسر زيادة مقاعد المونديال العقدة؟

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ودية مع بورتو ريكو سبتمبر 2016 (ويكيبيديا)

قد تكمن بارقة الأمل الحالية في التغييرات التي أحدثها فيفا برفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخباً، مما منح القارة الآسيوية حصة أكبر. هذا التحول وضع أمام صانع القرار الرياضي الهندي فرصة تاريخية ثانية لترتيب الأوراق.

الوصول إلى المونديال لم يعد حلماً مستحيلاً، لكنه يتطلب ثورة شاملة تبدأ من المدارس، وتمر عبر خصخصة الأندية وتطوير المنظومة التدريبية، وصولاً إلى تغيير العقلية الإدارية لترى في كرة القدم استثماراً قومياً وقوة ناعمة قادرة على وضع الهند على خريطة الثقافة العالمية بجانب ثقلها الاقتصادي والسياسي.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى «العملاق الآسيوي» متفرجاً من مقاعد الجماهير، بانتظار اليوم الذي تزأر فيه «النمور الزرقاء» في المونديال.


خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية
TT

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

لا تبدو موقعة «هيوستن» المرتقبة بين المغرب وكندا مجرد صدام عابر بين قارتين كرويتين مخضرمتين، بل هي امتداد لقصص زمالة وصراعات تكتيكية خفية تدور رحاها أسبوعياً في الملاعب الأوروبية الكبرى. فالعديد من الأسماء في كتيبة «أسود الأطلس» لمدربهم محمد وهبي، يتشاركون غرف الملابس أو يتواجهون وجهاً لوجه مع نجوم منتخب كندا «الحُمر» تحت قيادة جيسي مارش، مما يحول مباراة السبت إلى حوار تكتيكي مكشوف ومألوف للاعبين.

البريميرليغ يجمع فولهام... حوار عيسى ديوب ولوك دي فوجيرول

عيسى ديوب مثَّل المغرب في مواجهة الإكوادور(منتخب المغرب)

في الدوري الإنجليزي الممتاز، تبرز زمالة مباشرة وحية في خط دفاع نادي فولهام الإنجليزي. حيث يلعب المدافع المغربي عيسى ديوب (البالغ من العمر 29 عاماً) جنباً إلى جنب مع المدافع الكندي الشاب والموهوب لوك دي فوجيرول (صاحب الـ20 عاماً). هذه الزمالة اليومية في تمارين النادي اللندني تمنح ديوب معرفة دقيقة بنقاط قوة وضعف زميله الكندي، وهي أسرار تكتيكية ثمينة سينقلها المدافع المغربي لخط هجوم الأسود لتفكيك الحصون الدفاعية للمنتخب الكندي في هيوستن.

المدافع الكندي لوك دي فوجيرول (ويكيبيديا)

معارك الليغا الإسبانية... صراع لارين وأمرابط في الأندلس

خط الوسط المغربي سفيان أمرابط (غيتي)

بالانتقال إلى الملاعب الإسبانية، يتحول المشهد من الزمالة إلى الصراع المباشر والشرس في خط الوسط والدفاع؛ فالمهاجم الكندي القوي سايل لارين (البالغ 31 عاماً)، والذي يقود خط هجوم نادي ريال مايوركا الإسباني، يجد نفسه دائماً في مواجهات بدنية طاحنة ضد صمام الأمان المغربي سفيان أمرابط (29 عاماً)، الذي ينشط في صفوف نادي ريال بيتيس. هذا الاحتكاك المستمر في الـ«لا ليغا» يجعل من مراقبة لارين مألوفة تماماً لأمرابط، الذي يملك شفرة إيقاف خطورته البدنية ومنعه من المحطة الهجومية التي يعتمد عليها الكنديون.

المهاجم الكندي سايل لارين (ويكيبيديا)

مدرسة ليل وتحديات الكالتشيو... إرث جوناثان ديفيد وأيوب بوعدي

أيوب بوعدي لاعب المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

في الدوري الفرنسي، ترك الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (26 عاماً) إرثاً كبيراً في نادي ليل قبل انتقاله الأخير إلى يوفنتوس الإيطالي. وخلال فترته في فرنسا، عاصر ديفيد صعود الموهبة المغربية في خط وسط ليل أيوب بوعدي (المولود عام 2007). رغم انتقال ديفيد إلى الملاعب الإيطالية، فإن بوعدي وبقية زملائه في خط الوسط يدركون تماماً أسلوب تحرك الهداف الكندي وسرعته في التموقع، مما يمنح الدفاع المغربي قراءة مسبقة لخطورة الهداف الأول لمنتخب كندا.

الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (ويكيبيديا)

صراع بلجيكا الساخن... الواحدي يتحدى ساليبا

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

لا يقتصر الصراع على الدوريات الكبرى، ففي الدوري البلجيكي الممتاز، يشتعل التنافس بصفة مستمرة بين الظهير الأيمن المغربي المتألق زكرياء الواحدي (24 عاماً)، النجم الأبرز لنادي جينك البلجيكي، ومدافع خط الوسط الكندي الصلب ناثان ساليبا (22 عاماً)، الذي يدافع عن ألوان غريمهم التقليدي نادي أندرلخت.

مدافع خط الوسط الكندي ناثان ساليبا (ويكيبيديا)

المواجهات المباشرة بين الواحدي وساليبا في البطولة البلجيكية تنعكس بوضوح على قمة السبت؛ إذ يعرف كل لاعب منهما مفاتيح السرعة والاندفاع للآخر، مما يجعل الجبهات الجانبية للملعب كتاباً مفتوحاً للطرفين.


دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
TT

دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)

في الوقت الذي تشرئب فيه أعناق الملايين نحو الملاعب وتشتعل المدرجات بهتافات الفوز والهزيمة، أثبتت نهائيات كأس العالم 2026 أن ما وراء الخطوط الفنية ليس مجرد تكتيك وخطط، بل هو مسرح لدراما إنسانية قاسية يتجرعها القادة في صمت وتدبر. هذا ما عاشه المدربان الفرنسيان، ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا، وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، اللذان خاضا أشرس معاركهما الكروية وهما مثقلان بآلام الفقد الأبدي لأعز ما يملكان.

ديشامب وعزاء الوالدة خلف مستطيل أميركا الشمالية

فقد عاش ديدييه ديشان أياماً عصيبة ومحطمة تماماً بعدما فُجع بنبأ وفاة والدته عقب نهاية الجولة الثانية من دور المجموعات، مباشرة بعد فوز الديوك على العراق بثلاثية نظيفة.

مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشامب (أ.ب)

اضطر ديشان لمغادرة معسكر المنتخب على عجل والعودة إلى فرنسا للوقوف بجانب عائلته وتشييع جثمانها، مما منعه من قيادة فريقه في المباراة اللاحقة ضد النرويج. ومع ذلك، فضّل الرجل العودة سريعاً لقيادة بلاده في دور الـ32 أمام السويد، معترفاً بأن البقاء مشغولاً في معترك المونديال كان متنفساً ضرورياً وملاذاً للتغلب على أحزانه العميقة.

مشهد سريالي لوداع ديسابر المزدوج في أتلانتا

أما السيناريو الأكثر قسوة والتهاماً للمشاعر، فقد كان من نصيب مواطنه سيباستيان ديسابر في مدينة أتلانتا الأميركية، ففي الوقت الذي كان يقاتل فيه على خط التماس ويوجه كتيبة «الفهود» في ملحمة بطولية كادت تقصي إنجلترا قبل أن تخسر الكونغو بصعوبة (2-1)، كان ديسابر يجهل تماماً أن والده فارق الحياة.

سيباستيان ديسابر (إ.ب.أ)

ولم تكن خسارة حلم المونديال هي الصدمة الوحيدة، بل تحول المؤتمر الصحافي اللاحق إلى مشهد سريالي تناقلته وسائل الإعلام العالمية باستهجان وذهول.

فبمجرد انتهاء الأسئلة الفنية، أخذ المنسق الإعلامي الكلمة ليعلن ببرودة تامة أمام الكاميرات: «نعلن أن المدرب فقد والده، خالص تعازينا». اتسعت عينا ديسابر مصدوماً من المفاجأة وإخراج فاجعته الخاصة إلى العلن، قبل أن يتمسك بوقاره ويرد مقتضباً شكراً، ويغادر القاعة بوجه منهار حاملاً في قلبه مرارة وداعين، وداع بطولة تاريخية شرف بها الكرة الكونغولية، ووداع أبدي لوالده الراحل.