منتديات خاصة تضيء فضاء الإبداع في مصر

كسرت نمطية المؤسسة الرسمية واحتضنت تيارات الكتابة الجديدة

لقطة من إحدى ندوات «منتدى المستقبل للفكر والإبداع»
لقطة من إحدى ندوات «منتدى المستقبل للفكر والإبداع»
TT

منتديات خاصة تضيء فضاء الإبداع في مصر

لقطة من إحدى ندوات «منتدى المستقبل للفكر والإبداع»
لقطة من إحدى ندوات «منتدى المستقبل للفكر والإبداع»

تطل الثقافة المصرية بوجهها الإيجابي خارج صندوق المؤسسة الثقافية الرسمية، التي بات المثقفون لا يعولون عليها كثيرا في شد أزرهم وهمومهم الإبداعية، رغم أنها مؤسسة خدمية بالأساس. الأمر نفسه ينطبق على اتحاد كتاب مصر، والذي يفتقر إلى خطة عملية، تحتضن تيارات الإبداع المصري، في سلسلة منتظمة من الندوات، وفي سياق حوار نقدي ومعرفي جاد، يضيء الخطاب الإبداعي، ويكشف ملامح خصوصيته، وما ينطوي عليه من أوجه إضافة ونقص على شتى المستويات.
تتجلى حيوية هذا الوجه الثقافي عبر عشرات الإصدارات، من الشعر والرواية والقصة وقضايا النقد والفكر والأعمال المترجمة، لا تكف عن ضخها دور النشر في سوق الثقافة المصرية، لكن معظم هذه الإصدارات يظل يتيما، مفتقدا أي ضوء نقدي، خاصة إذا كان يمثل الشرارة الأولى لكتاب وشعراء شباب، بينما يحتفي النقد غالبا بأعمال لكتاب مكرسين، طالما أكل على موائدهم وشرب إلى حد التخمة والغثيان.
اللافت أن الكثير من الإصدارات الشابة، تمتلك جرأة المغامرة والتجريب، وتنبئ بطاقات إبداعية موهوبة، من الممكن أن تثري الحياة الأدبية، وتحتاج إلى من يكشف لها عثرات الطريق، ويساعدها في صقل مغامراتها، حتى لا تصبح مجرد صراخ في البرية، وهو ما التفت إليه عدد من المنتديات الأدبية الخاصة في القاهرة والإسكندرية، وبعض الأقاليم الأخرى، أخذت على عاتقها مهمة الاحتفاء بالتجارب الجديدة في الكتابة، وتقديمها بالشكل اللائق للجمهور في ندوات خاصة، أو حفلات توقيع، ترافقها دراسات نقدية عن العمل نفسه.
في مقدمة هذه المنتديات الخاصة يبرز «منتدى المستقبل للفكر والإبداع»، الذي دشنه مجموعة من الشعراء والكتاب، على رأسهم الناقد الأدبي الدكتور يسري عبد الله، والشاعر محمود قرني، والروائي عبد الستار حتيتة. ويعقد المنتدى ندوة ثقافية أسبوعية، بـ«مكتبة خالد محيي الدين» بميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، محاولا تنشيط الحياة الثقافية، وإيجاد صيغة أدبية بديلة عن نشاط المؤسسة الثقافية الرسمية، وطابعه الكرنفالي التقليدي النخبوي، وذلك بالتركيز على الأصوات الجديدة الفاعلة في الإبداع المصري، وإعلاء قيمة التنوع الثقافي عبر الحوار النقدي البناء لإبراز هذه الأصوات وتسليط الضوء عليها.
يستهدف المنتدى تبني وتوسيع دائرة التلقي الإبداعي والنقدي مصريا وعربيا عبر قراءات نقدية لأهم الأعمال الإبداعية مصريا وعربيا في كل الأنواع الأدبية، وكذلك مناقشة أهم الأعمال الفكرية التي تغطي مساحات طليقة وحرة ومتجددة من المعرفة الإنسانية. ويرى القائمون على المنتدى أن «الواقع المصري بات يفتقر إلى آليات شفافة للعمل الثقافي، بعد أن تعاظم فساد المؤسسة الثقافية الرسمية وبات وجودها تعبيرا فجا عن استعادة قيم أزاحتها وثارت عليها ثورتان كبيرتان». ويؤكدون أن المنتدى «يعتد بالتنوع والاختلاف المثمر، بين شتى أطياف الكتاب والمبدعين، ويسعى لأن يكون طاولة مفتوحة يلتقي عليها الجميع، بكل الحب والاحترام، كما يسعى إلى إزاحة الغبار عن كتاب حقيقيين في أقاليم البلاد، يعانون من التهميش والإقصاء، ولا يجدون فرصة حقيقية، تقدر إبداعهم، وتضعه في السياق الصحيح».
وأقام المنتدى في الآونة الأخيرة عددا من الندوات الأدبية اللافتة، من بينها ندوة رواية «جد كاب» للكاتب يحيي مختار، ورواية «بولاق أبو العلا» للكاتب فتحي سليمان، ورواية «الحريم» للكاتب حمدي الجزار. كما أقام أمسيتين شعريتين شارك فيهما شعراء من مختلف التيارات الشعرية، وناقش المنتدى في بادرة جديدة مخطوط ديوان جديد للشاعر محمود قرني.
أيضا في هذا السياق الذي يأخذ على عاتقه إبراز الوجه المضيء للثقافة في مصر، وتقاطعاتها عربيا، يبزر صالون ابن رشد الثقافي، وهو عبارة عن ملتقى ثقافي نصف شهري تعقده دار ابن رشد للطباعة والنشر والتوزيع بمقرها بالقاهرة، وتنهض فكرة الصالون على الحوار الحي المباشر بين الكاتب والجمهور. واستضاف الصالون مؤخرا الكاتب والمؤرخ الفلسطيني فؤاد أبو حجلة، في ندوة تحدث فيها عن تجربته مع الإبداع والإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، كاشفا عن تفاصيل تنقله بين عدد من العواصم العالمية حاملاً بين يديه قضية وطنه في محاولة لطرحها والتعريف بها عبر القنوات الإعلامية المختلفة. واستمع الحضور إلى عدد من المقالات الصحافية ذات الصيغة الأدبية، من أرشيف الكاتب، والتي وصفها كاتب هذه السطور بأن كلا منها في ذاته هو نواة لمشروع روائي مكتمل الأركان، كما استضاف الكاتب المصري أحمد هريدي، صاحب الإنجاز المتميز في أدب الرحلات.
ودشنت دار ابن راشد جائزة سنوية للشعر، يتم الإعلان عن الفائزين بها في الرابع والعشرين من يناير (كانون الثاني)، بالتزامن مع ذكرى الثورة واستشهاد الناشطة السياسية الشابة الشاعرة شيماء الصباغ، عضو حزب التحالف الشعبي الاشتراكي. وقال أحمد إبراهيم مدير دار ابن رشد للنشر: «إن تسمية الجائزة باسم شيماء الصباغ تأتى لتخليد ذكراها، خصوصا أنها عانت بشكل كبير في نشر الديوان الشعري الأول لها». كما قامت الدار بطبع ديوانها الشعري «على ظهر تذكرة»، وأقامت له ندوة موسعة بأتيلييه القاهرة للفنون والآداب، بالإضافة إلى حفلات التوقيع التي تقيمها لكتاب وشعراء، تقوم بإصدار مؤلفاتهم، ومنها حفل توقيع للشاعر حمدي عابدين بمناسبة صدور ديوانه «رجل الهاى لوكس» عن الدار نفسها، وأيضا الشاعر عبد الحفيظ طايل، بمناسبة صدور كتابه «فقه الانتهاك».
ويتوالى المشهد نفسه في الإسكندرية العاصمة الثانية لمصر، فرغم وجود الكثير من المنابر الثقافية بها، ومنها مكتبة الإسكندرية، وقصر الإبداع، وعدد آخر من قصور الثقافة، فإن النشاط في هذه المنابر يخضع للسياق الرسمي، ويفتقر إلى الحيوية والاستقلالية، كما أن أغلب نشاطه روتيني مناسباتي يقام من قبيل سد الخانة وملء الفراغ، كما يقول أحد أدباء الإسكندرية.
ومن بين المنتديات الثقافية الخاصة بالإسكندرية مؤسسة «التراسينا» للثقافة والفنون، والتي أقامت في الفترة الأخيرة، مجموعة من الأنشطة الأدبية المهمة، من بينها، ندوة لمناقشة الفضاء الأدبي والمعرفي في رواية الكاتبة التركية إليف شفاق «قواعد العشق الأربعون» والتي ترجمت للعربية أخيرا. كما أقام ملتقى «الكابينة» الثقافي بعروس المتوسط، حفل توقيع لرواية «الحالة صفر» للشاعر المصري عماد فؤاد، وشهد الحفل إضاءات نقدية للرواية، قدمها عدد من النقاد والكتاب.
ويرى الناقد الأدبي الدكتور يسري عبد الله، أحد مؤسسي منتدى المستقبل للفكر والإبداع، أن وجود هذه المنتديات ضروري، للنهوض بالإبداع المصري، وإبراز دوره الخلاق في المجتمع، مشيرا إلى أن تنامي هذه المنتديات وطبيعتها الحرة المستقلة من شأنه أن يكشف خواء الثقافة الرسمية والتي بحاجة لمراجعة حقيقية لراهنها المتعثر، وماضيها القريب المثقل بالخيبات.
ويلفت الدكتور يسري إلى أن هذه المراجعة لن تتم برأيه إلا «عبر مسارين مركزيين، أولهما يستلزم وجود تصور محدد المعالم صوب الثقافة المصرية، وماهيتها، ودورها، والمأمول منها، وآليات استعادة ما تمثله من قوة ناعمة مضافة إلى متن الدولة المصرية، وهذا جميعه يحتاج إلى وسط بيئي مسكون بالحرية، والمنطق الديمقراطي لهيئات الوزارة المختلفة، وتفعيل لامركزية الإدارة الثقافية، والإيمان المطلق بحق الاختلاف، بوصفه حقا إنسانيا، وثقافيا لازما وواجبا في آن، وإيجاد طرائق واضحة وخطوات إجرائية ذات طابع عملي للخروج من مأزق انفصال الثقافة الرسمية عن جماهير شعبنا في القرى والنجوع المصرية، والتي تركت فريسة للجهل وللأفكار المتطرفة»، مؤكدا أن هذا الدور تقوم به ضمنيا هذه المنتديات الثقافية الخاصة.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.