(حوار سياسي): التزام أميركي بـ«محاسبة المسؤولين عن الفظائع» في سوريا

إيثان غولدريتش قال لـ«الشرق الأوسط» إن {حزب الله منظمة إرهابية مكرسة لتعزيز أجندة إيران الخبيثة}

إيثان غولدريتش (الخارجية الأميركية)
إيثان غولدريتش (الخارجية الأميركية)
TT

(حوار سياسي): التزام أميركي بـ«محاسبة المسؤولين عن الفظائع» في سوريا

إيثان غولدريتش (الخارجية الأميركية)
إيثان غولدريتش (الخارجية الأميركية)

لا تغيير في الموقف الأميركي من التطبيع مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد... هذا ما يؤكده المبعوث الأميركي إلى سوريا نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي، إيثان غولدريتش، في حوار مع «الشرق الأوسط»، داعياً إلى التركيز على المساءلة عن الفظائع التي ارتكبها النظام، وعلى أهمية القرار الدولي 2254 في ضمان الاستقرار المستقبلي في سوريا، وهو ما بحثه في جولة له في المنطقة مؤخراً. ووصف غولدريتش الحالة في لبنان بأنها «مثيرة للقلق»، مشيراً إلى «مساعدة الشعب اللبناني بطريقة تتسق مع القانون الأميركي». واستعرض المسؤول الأميركي دور الوجود الإيراني في زعزعة استقرار سوريا ولبنان ودور «حزب الله» في ترسيخ «الأجندة الخبيثة» لطهران.
أكد غولدريتش، في بداية الحوار، أن موقف بلاده «لم يتغير من التطبيع مع نظام الأسد. نحن لم ولن ندعم أي جهد لتطبيع العلاقات مع نظام بشار الأسد أو إعادة تأهيله. لم تتغير عقوباتنا الحالية على نظام الأسد. كما أننا ما زلنا نفرض عقوبات جديدة ومحددة الغرض على نظام الأسد كي نوضح التزامنا بحقوق الإنسان وبقانون قيصر. نُذكّر جميع الدول، لا سيما تلك التي تنظر في الارتباط بنظام الأسد، بأن تنتبه بعناية إلى الفظائع التي ارتكبها نظام الأسد ضد الشعب السوري على مدى العقد الماضي، بما في ذلك الهجمات بالأسلحة الكيميائية واختفاء أكثر من 100 ألف رجل وامرأة وطفل وسجنهم بصورة غير قانونية، وبالتالي فإننا نحض على مواصلة التركيز على المساءلة».
- العملية السياسية والقرار 2254
وعن العملية السياسية التي يُتهم نظام الأسد بعرقلتها والبدائل المتوافرة لواشنطن، رأى غولدريتش أنه «عندما يتعلق الأمر بإيجاد حل سياسي للشعب السوري، بعد أكثر من عقد من الحرب، كان نظام الأسد دون شك أكبر عقبة أمام التقدم على ذلك المسار. وكانت النتيجة المخيّبة للآمال التي أسفرت عنها الجولة السادسة من مناقشات اللجنة الدستورية في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، خير دليل على افتقار النظام إلى النية للتوصل إلى حل سياسي. وفي تلك المناسبة، شعرنا بخيبة أمل خاصة لأن ممثلي نظام الأسد لم يكونوا مخوّلين بإحراز أي تقدم في صياغة نص دستور جديد».
ورأى أن «إحراز تقدم على الجبهة السياسية أمر ممكن. ولا تزال الولايات المتحدة ملتزمة التزاماً قوياً بالحل السياسي للصراع. نعتقد أن العملية المحددة في قرار مجلس الأمن رقم 2254 تبقى المسار الأكثر قابلية للتطبيق لضمان الاستقرار المستقبلي في سوريا، وندعم بقوة جهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة، غير بيدرسن، لجمع السوريين معاً. وسوف نواصل العمل مع الأمم المتحدة وحلفائها والمعارضة السورية وشركائنا الدوليين لضمان استقرار سوريا في المستقبل... انتهيتُ للتوّ من رحلة إلى عدة بلدان في المنطقة لتعزيز نهج تعاوني لحل الصراع السوري، وتشجيع السبل الخلاقة لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254».
- «قيصر» وكهرباء لبنان
وعن استثناءات من «قانون قيصر» وما إذا كانت تخفيفاً للعقوبات، بعد الاتفاق على تزويد لبنان بالكهرباء عبر سوريا، يقول غولدريتش: «كما قلنا مراراً من قبل، لم نرفع أو نخفف العقوبات المفروضة على سوريا. يواجه لبنان أزمة حادة في الطاقة تهدد تقديم الخدمات الحيوية وتتخذ بعداً إنسانياً مهماً. تتركز جهودنا على مساعدة الشعب اللبناني بطريقة تتسق مع القانون الأميركي، ونحن على اتصال وثيق مع حكومات لبنان ومصر والأردن للوقوف على كيفية هيكلة وتمويل ترتيبات الطاقة بشكل أفضل وضمان معالجتها للمخاوف المحتملة من العقوبات». ويضيف: «نواصل العمل بشكل وثيق مع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية لضمان الامتثال لبرنامج العقوبات على سوريا».
- محاربة «داعش» بعد مقتل القرشي
وعن استراتيجية محاربة تنظيم «داعش» بعد مقتل زعيمه أبو إبراهيم القرشي، رأى أن «الهجوم على مركز الاحتجاز في الحسكة (سجن الصناعة بحي غويران) كان تذكيراً صارخاً بأن (داعش) لا يزال يشكّل تهديداً لأمن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، بمن في ذلك السوريون. كما أظهر قيمة شراكتنا مع قوات سوريا الديمقراطية. إن الجهود الحثيثة والقادرة التي بذلها شركاؤنا المحليون إلى جانب التحالف العالمي لهزيمة (داعش) ضمنت قدرتنا على الحد من شدة الهجوم. ونحن نشيد بعملهم ونقدم تعازينا لأسر الحراس المصابين والقتلى في الهجوم الأوّلي بالقنابل وما تلا ذلك من قتال».
ورأى أن «هجوم الحسكة أكد أيضاً ضرورة ضمان الاحتجاز الآمن لمقاتلي (داعش). من المهم للغاية أن تقوم البلدان الأصلية بإعادة مواطنيها المحتجزين في شمال شرقي سوريا، وإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع ومقاضاتهم، حسب الاقتضاء». وأضاف: «أما بالنسبة إلى العملية ضد الإرهابي القاتل، الذي كان القوة الدافعة وراء الإبادة الجماعية للإيزيديين، الزعيم الداعشي أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، فإننا نؤكد مجدداً أنها كانت نصراً مهماً في المعركة العالمية لعرقلة (داعش) وتفكيكه. وكانت العملية جزءاً من مهمة أكبر للتحالف الدولي لهزيمة هذا التنظيم، تقوم بها دول كثيرة لحرمانه من أي سيطرة إقليمية في العراق وسوريا، ومواجهة دعايته وتمويله، وتثبيت المناطق التي تم تحريرها منه لمنع انتشاره. وعلى الرغم من أن هذه كانت ضربة خطيرة للتنظيم، فإن القتال لم ينتهِ بعد. وسوف تواصل الولايات المتحدة وشركاؤنا المحليون والتحالف العالمي لهزيمة (داعش) جهودهم في سوريا إلى أن نضمن الهزيمة الدائمة للتنظيم». وأشار إلى «أننا نحافظ على وجودنا المحدود في شمال شرقي سوريا كجزء من استراتيجيتنا للعمل مع، ومن خلال، قوات سوريا الديمقراطية وغيرها من الشركاء المحليين لمنع عودة ظهور (داعش)».
- تعزيز المساءلة
أكد غولدريتش أن «التزامنا بتعزيز محاسبة المسؤولين عن الفظائع في سوريا، وتحقيق العدالة لضحاياها، ثابت لا يتزعزع. ويظل تعزيز المساءلة واحترام القانون الدولي من أولويات السياسة الرئيسية لهذه الإدارة. ونعتقد أن الشعب السوري لن ينعم أبداً بسلام مستقر وعادل ودائم من دون مساءلة عن أخطر الجرائم».
وقال: «في أبريل (نيسان) 2021، أيّدت الولايات المتحدة القرار التاريخي للدول الأعضاء الصادر عن مؤتمر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الذي يُدين استخدام سوريا للأسلحة الكيميائية، ويعلق بعض حقوقها وامتيازاتها بموجب الاتفاقية، وتحديداً حقها في التصويت والترشح لمنصب في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية». وتابع أنه للدفع باتجاه المساءلة «تدعم الولايات المتحدة أيضاً العمل المهم الذي تقوم به لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن سوريا، فضلاً عن الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، التي تعمل على جمع الأدلة وتوحيدها والحفاظ عليها وتحليلها في ما يتعلق بانتهاكات القانون الإنساني الدولي وانتهاكات حقوق الإنسان وتجاوزاتها، وإعداد ملفات لتسهيل الإجراءات الجنائية العادلة والمستقلة وتسريعها».
وأعرب عن الترحيب «بالجهود المستمرة التي تبذلها المحاكم الوطنية للتحقيق في الجرائم التي تقع ضمن ولايتها القضائية والتي ارتُكبت في سوريا. نُشيد بالحكم المؤبد الصادر بحق العقيد السابق أنور رسلان في 13 يناير (كانون الثاني) على الجرائم المروعة التي ارتكبها ضد السوريين. كما نرحب بالقبض مؤخراً في فرنسا على مواطن فرنسي سوري مزدوج الجنسية بتهمة التآمر لارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والمشاركة في جرائم حرب في ما يتعلق بدعمه لإنتاج الأسلحة الكيميائية في سوريا».
وقال: «لا يزال برنامجنا الخاص بالعقوبات على سوريا أداة مهمة للضغط من أجل محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، لا سيما نظام الأسد. على سبيل المثال، إن تسميتنا في 7 ديسمبر (كانون الأول) اثنين من كبار ضباط سلاح الجو السوري المسؤولين عن الهجمات بالأسلحة الكيميائية على المدنيين، وثلاثة من كبار الضباط في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية القمعية في سوريا، هي إشارة واضحة إلى التزامنا بالمساءلة والعدالة للشعب السوري. إن تحديد عقوباتنا لا يقتصر على النظام. ففي يوليو (تموز) 2021 صنفت الولايات المتحدة جماعة (أحرار الشرقية) السورية المسلحة للمشاركة في ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، كما فرضت عقوبات على اثنين من قادة الجماعة».
- الوجود الإيراني في سوريا ولبنان
وقال غولدريتش، متحدثاً عن الوجود الإيراني في سوريا ولبنان: «نحن نعارض بشكل أساسي الوجود الإيراني في سوريا. وتهدد الأعمال الإيرانية في سوريا أفراد الولايات المتحدة والتحالف الذين ينفذون الحملة ضد (داعش) والشعب السوري. ويلعب هذا الوجود دوراً مزعزعاً للاستقرار بشكل خاص في البلاد والمنطقة المحيطة بها، مما يقوض احتمالات التوصل إلى حل سلمي للصراع.
وفي لبنان، يقوّض نفوذ إيران عبر شريكها (حزب الله) استقرار لبنان وأمنه، والمنطقة بنطاقها الأوسع أيضاً».
- دور «حزب الله»
وعدّ غولدريتش «الحالة في لبنان مثيرة للقلق». وقال: «اتخذ القادة اللبنانيون لسنوات قرارات اقتصادية مبنيّة على شبكات المحسوبية والصفقات السرية بين الأحزاب السياسية، وليس على ما هو أفضل للشعب اللبناني. لقد انقضى الوقت بالنسبة إلى لبنان، والحكومة اللبنانية في حاجة ماسّة إلى تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتثبيت استقرار الاقتصاد واستعادة ثقة الشعب والمجتمع الدولي. ومن المهم أيضاً أن تُجري السلطات اللبنانية انتخابات حرة ونزيهة في موعدها هذا الربيع».
وأضاف: «فيما يتعلق بـ(حزب الله)، كانت الولايات المتحدة واضحة منذ فترة طويلة بأن أنشطته الإرهابية وغيرها من الأنشطة غير المشروعة تهدد أمن واستقرار المنطقة ولبنان. لقد عرف العالم بشكل متزايد (حزب الله) على ما هو عليه، وليس مدافعاً عن لبنان كما يدّعي، بل منظمة إرهابية مكرسة لتعزيز أجندة إيران الخبيثة. إنه تنظيم أكثر اهتماماً بمصالحه الخاصة ومصالح إيران بأكثر مما هو أفضل بالنسبة للبنان».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.