الرئيس السوداني يمنح جنوب السودان فرصة أخيرة لوقف دعمها للتمرد

الملوك والرؤساء يهنئون البشير.. والمعارضة ترفض نتائج الانتخابات

الرئيس البشير يحيي أنصاره (أ.ب)
الرئيس البشير يحيي أنصاره (أ.ب)
TT

الرئيس السوداني يمنح جنوب السودان فرصة أخيرة لوقف دعمها للتمرد

الرئيس البشير يحيي أنصاره (أ.ب)
الرئيس البشير يحيي أنصاره (أ.ب)

بعد يوم واحد من إعلان فوزه بدورة رئاسية جديدة تمتد لخمس سنوات، توعد الرئيس السوداني عمر البشير دولة جنوب السودان حال عدم توقفها عن إيواء المتمردين ضد نظام حكمه، بأن يكون له معها «شأن آخر» لم يحدده. وفي حين تلقى البشير تهاني الملوك والأمراء والرؤساء العرب والأفارقة، فإن المعارضة السودانية جددت رفضها لنتائج تلك الانتخابات، وأعلنت الشروع في عمل جماهيري يرمي لإسقاط حكمه، وقطعت بعدم جدوى الحوار معه.
وقال البشير في خطاب لقوات «الدعم السريع» التابعة لجهاز الأمن والمخابرات بولاية جنوب دارفور أمس، إن دولة جنوب السودان ما لم تتوقف عن دعم الحركات المسلحة، سيكون لحكومته شأن آخر معها، وأضاف: «أمام حكومة الجنوب فرصة أخيرة، لتتخذ القرار السليم، بتجريد كل الحركات المتمردة والمسلحة من أسلحتها وإلا فسيكون لنا حديث آخر». وأوضح البشير الذي كان يخاطب قواته وبرفقته وزير الدفاع عبد الرحيم محمد حسين، ومدير جهاز الأمن والمخابرات محمد عطا عباس، ووالي الولاية الفريق آدم محمود جار النبي، وقادة عسكريين ميدانيين في المنطقة، ووفقا لوكالة الأنباء الرسمية «سونا» من منطقة «قوز دنقو» بمحلية تلس، أن السودان منح الجنوبيين دولة كاملة الدسم ببترولها، فردت عليه بما سماه التآمر والخيانة وقال: «أمام دولة الجنوب خيار واحد، إما أن يجردوا هؤلاء من أسلحتهم، وإما فإن قوات الدعم السريع جاهزة لتجريدهم، وإنها تملك الحق في مطاردتهم في كل مكان».
ونشبت معارك عنيفة بين الجيش السوداني وقوات حركة العدل والمساواة في أكثر من موقع بولاية جنوب دارفور منذ أيام، وتبادل الطرفان بيانات ادعى كل منهما تحقيق انتصارات كل على الآخر.
وهي المعارك التي أشار إليها البشير في خطاب إعلان فوزه أول من أمس بأنها كانت «هدية المعارضة» له بالمناسبة، لأن قواته استولت على 200 عربة مسلحة كاملة التجهيز من قوات التمرد بعد أن لحقت بها هزيمة كبيرة.
وذكر الجيش السوداني وقتها في بيان أنه وقوات الدعم السريع، ألحقا هزائم فادحة بقوات التمرد، واتهم دولة جنوب السودان بدعمها وإيوائها وتسهيل منافذ مكنتها من مهاجمة مناطق في دارفور، وأنه استدرجها لـ«المعركة المنتظرة» في منطقة «النخارة»، قرب محلية «تلس» - نحو 80 كيلو جنوبي العاصمة نيالا - وألحق بها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد الحربي، وأجبرها على الفرار مخلفة أعدادا كبيرة من القتلى بأرض المعركة.
بيد أن حركة العدل والمساواة المسلحة نفت قدوم قواتها من جنوب السودان، وقال المتحدث باسمها جبريل آدم بلال لـ«الشرق الأوسط» إن قواته أعادت الانتشار من معسكرات التدريب في أنحاء الإقليم دارفور، وقال إن الخرطوم تسعى لاصطناع مشكلة مع دولة جنوب السودان.
ووصف بلال المعركة بأنها كانت فاصلة استولت قواته خلالها على معسكر تابع للجيش الحكومي وسيطرت عليه تماما، وألحقت بالقوات الحكومية خسائر بالعشرات، واستولت على عدد كبير من الآليات والذخائر والمؤن العسكرية، وأن القوات الحكومية انسحبت باتجاه نيالا وتلس.
ولتأكيد انتصار قواته على قوات حركة العدل والمساواة، أعلن البشير منح كل من شارك في المعركة التي دارت هناك قبل يومين «وسام الشجاعة»، وعن موافقته على كشوف الترقيات والحوافز لتلك القوات، وقال: «كل من يتآمر على السودان سيكون مصيره مصير العدل والمساواة»، مشيرا إلى أن قواته حسمت المعركة في أقل من نصف ساعة، مضيفا في حديثه لقوات الدعم السريع: «لا نريد أن نسمع مرة أخرى بأي قوة تسمى العدل والمساواة وتحرير السودان، لأن قوات الدعم السريع ستحرر السودان من الخونة والمارقين والمرتزقة لأنهم يعملون على ترويع الآمنين».
من جهة أخرى، توالت ردود الأفعال المؤيدة والرافضة لنتائج الانتخابات التي أعلنت أول من أمس، وحصدها الرئيس البشير وحزبه، فيما قاطعتها قوى المعارضة الرئيسة.
وتلقى الرئيس البشير أمس التهاني بفوزه من ملك الأردن الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، بعد أن كان قد تلقى أول من أمس التهاني بالفوز من كل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريام ديسالين، والأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز وزير الدفاع السعودي رئيس الديوان الملكي المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، ونائب الأمير بدولة قطر الشيخ عبد الله بن حمد آل ثاني، ورئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية القطري الشيخ عبد الله بن ناصر بن خليفة آل ثاني.
بينما قال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأميركية جيف راتكة إن بلاده لا تعتبر نتائج الانتخابات السودانية تعبيرا صادقا عن إرادة الشعب السودان، منتقدا ما سماه فشل الخرطوم في خلق «بيئة مناسبة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة». وأضاف راتكة أن فرض قيود على الحقوق السياسية والحريات، وغياب الحوار الوطني ذي المصداقية، واستمرار النزاع المسلح في محيط السودان أدت وأسباب أخرى لانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات.
وكانت دول الترويكا والاتحاد الأوروبي قد أعلنت مسبقا عدم اعترافها بنتيجة الانتخابات السودانية، وهو ما جعل رئيس القطاع السياسي في حزب الرئيس البشير مصطفى عثمان إسماعيل يستنكر مجددا الموقف المعلن من الاتحاد الأوروبي وأميركا تجاه الانتخابات التي جرت في البلاد.
وقال عثمان إنها «مواقف غير مبررة، لن تؤثر على الحوار الوطني، لأنها منحازة لاستمرار الحروب في السودان واستهداف قياداته، وإن أبواب الحوار ستظل مفتوحة».
وقطع عثمان بأن تشهد الأيام المقبلة تنشيط الحوار الوطني، وانعقاد اجتماع آلية الحوار الوطني، وآلية 7+7. واجتماع آخر بين الآليتين لرفع ما يتم التوصل إليه للرئيس، وهو آليات تم تكوينها وفقا لدعوة البشير للحوار في يناير (كانون الثاني) 2014 بين حزبه والقوى التي ارتضت الحوار.
من جهتها، جددت قوى المعارضة رفضها لنتائج الانتخابات، وتوعدت بتكثيف العمل ضمن حملتها لمقاطعة الانتخابات المعروفة باسم «ارحل»، للوصول لثورة شعبية تسقط النظام، أو أن يرضخ لشروطها التي تتمثل في تكوين حكومة انتقالية ووقف الحرب وإتاحة الحريات، والاتفاق على كيفية حكم السودان بصياغة دستور دائم مجمع عليه، ومن ثم إجراء انتخابات حرة ونزيهة بعد فترة انتقالية متفق عليها.
وقال الحزب الشيوعي السوداني في بيان حصلت عليه «الشرق الأوسط»، إن تحالف المعارضة «قوى الإجماع الوطني» يعمل على تطوير مقاطعة الانتخابات لفعل ثوري لصياغة خارطة طريق للخروج بالبلاد من الأزمة الحالية وإسقاط النظام عبر انتفاضة شعبية. وأضاف الحزب الذي يعد من بين أهم أحزاب المعارضة: «أكدت التجارب عدم جدوى أي حوار أو تفاوض مع النظام، الذي دمر الشعب والوطن وأفقده حريته واستقلاله وكرامة شعبه».



8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
TT

8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

تعرَّض «مجمع مطار بغداد الدولي»، الذي يضمّ «مركزاً للدعم اللوجيستي» يتبع السفارة الأميركية في العاصمة العراقية، إلى 8 هجمات بالصواريخ والمسيَّرات ليل السبت - الأحد، وفق ما قال مسؤول في «قيادة العمليات المشتركة العراقية» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدث مسؤول أمني عن «8 هجمات في أوقات متفرقة استمرّت حتى فجر اليوم (الأحد) بالصواريخ والمسيَّرات، وسقط قسم من الصواريخ في محيط وقرب (مركز الدعم اللوجيستي)، دون أن تسفر عن إصابات». وأشار إلى أن إحدى المسيَّرات «سقطت على منزل مدني بمنطقة السيدية» القريبة من المطار، مما خلَّف «أضراراً مادية».

من جهته، تحدَّث مسؤول أمني آخر عن وقوع 6 هجمات على الأقلّ. وعُثر في منطقة حيّ الجهاد القريبة من المطار، فجر الأحد، على «مركبة تحمل قاذفة صواريخ استُخدمت في هجوم» على «مركز الدعم اللوجيستي»، وفق مسؤول في الشرطة أكَّد أن المركبة كانت «متروكة في موقف خالٍ للسيارات».

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني، الأحد، أن الحكومة لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

وقال السوداني ، خلال زيارة أجراها اليوم إلى مقر جهاز المخابرات الوطني في العاصمة بغداد حيث اطلع ميدانياً على تفاصيل الاعتداء الذي تعرض له مقر الجهاز يوم أمس وأدى الى إرتقاء أحد المنتسبين، إن «من ارتكب هذه الجريمة الغادرة، هم مجموعة جبانة استباحت الدم العراقي، وتجاوزت على مؤسسات الدولة».

وأضاف أن «من يتجرأ على الدم العراقي لا يمثل العراق، ولا تبرر أي عقيدة هذه الجريمة، ولو كانت هناك عقيدة وراء الجريمة، فهي بلا شك مشوهة وهدامة»، مؤكداً أن الحكومة تتصرف وفق منطق الحكمة والمسؤولية، لكنها لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

ودعا القوى السياسية الوطنية إلى الاضطلاع بدورها، واتخاذ موقف واضح وصريح مما يحصل من اعتداءات تستهدف الدولة ومؤسساتها، وتغامر بمستقبل البلد ، مشيراً إلى أن «هناك من أعطى لنفسه الحق بتحديد قرار الحرب والسلم، لكننا نؤكد أن هذا القرار هو للدولة وحدها، وهي من تحدد وتحمي مصالح العراق».
ووفق بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزارء، «أمر السوداني الجهات المعنية في الجهاز وبالتعاون مع باقي الجهات الأمنية بالاستمرار في
التحقيق الدقيق بملابسات الاعتداء، والكشف عن النتائج والإعلان للشعب العراقي عن الجهة التي تقف وراء هذا الفعل الإرهابي المشين، وعدم التردد في فضحها وتقديمها الى العدالة».

كما اجتمع السوداني برئيس الجهاز والكادر المتقدم والمسؤولين، واستمع إلى عرض أمني شامل، تضمن معطيات العمل المعلوماتية والميدانية، في إطار المهام والواجبات المناطة.

ومنذ الهجوم الذي بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أصبح العراق إحدى الدول التي امتدت إليها الحرب، إذ تتوالى غارات على مقار لفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران، فيما تستهدف هجمات المصالح الأميركية، كما تنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية معارضة في شمال البلاد. وتتبنى فصائل عراقية موالية لإيران منضوية ضمن ما تُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، يومياً هجمات بمسيّرات وصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون أن تحدد أهدافها في معظم الأحيان.

تصاعد ألسنة اللهب والدخان من منشأة دبلوماسية أميركية قرب مطار بغداد يوم 20 مارس 2026 (رويترز)

وفي بيانها اليومي، قالت «المقاومة الإسلامية في العراق»، فجر الأحد، إنها نفذت خلال 24 ساعة «21 عملية بواسطة عشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ». في المقابل، أقرّ البنتاغون، الخميس الماضي، لأول مرة بأن مروحيات قتالية نفذت غارات ضد فصائل موالية لطهران.

ومنذ بدء الحرب، هاجمت فصائل مسلحة موالية لإيران السفارة الأميركية في بغداد و«مركز الدعم اللوجيستي» التابع لها في المطار. واعترضت الدفاعات الجوية معظم تلك الهجمات التي نُفّذت بصواريخ أو مسيّرات.

كذلك تعترض منذ بدء الحرب الدفاعاتُ الجوية في أربيل؛ عاصمة إقليم كردستان شمال العراق، مسيّرات في أجواء المدينة التي يستضيف مطارها قوات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014، وقنصلية أميركية ضخمة.

وكانت «كتائب حزب الله» العراقية الموالية لإيران تعهّدت فجر الخميس وقف استهداف سفارة واشنطن «لمدة 5 أيام» بموجب شروط، هي «كفّ يد الكيان الصهيوني عن تهجير وقصف الضاحية (الجنوبية) في بيروت، والالتزام بعدم قصف المناطق السكنية في بغداد والمحافظات، وسحب عناصر (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية - CIA) من محطاتهم وإيقافهم داخل السفارة».

وأكّدت أنه «في حال عدم التزام العدو، فسيكون الرد مباشراً، وبشكل مركز مع رفع وتيرة الضربات بعد انتهاء المدة». ومنذ ذاك الإعلان، لم ترصد «وكالة الصحافة الفرنسية» أي هجوم على السفارة الأميركية.

Your Premium trial has ended


مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.