{الهولوكوست} الأرمنية.. صراع التاريخ والسياسة.. والمال

تحتفل بمئويتها.. وأرمن العالم مصرّون على اعتراف تركيا بالذنب

{الهولوكوست} الأرمنية.. صراع التاريخ والسياسة.. والمال
TT

{الهولوكوست} الأرمنية.. صراع التاريخ والسياسة.. والمال

{الهولوكوست} الأرمنية.. صراع التاريخ والسياسة.. والمال

سبقت «المذبحة الأرمنية» نظيرتها اليهودية بعقود، لكنها لا تزل تصارع للاعتراف بها بشكل كامل رغم مرور مائة عام عليها، من دون أن يكل الأرمن عن السعي لهذا الاعتراف، وعينهم أولا على «المتهمة» تركيا، وريثة السلطنة العثمانية، التي لا تزال تصر على رفض الاعتراف بها، وتقاتل من أجل منع الاعتراف العالمي.
ورغم النشاط اللافت للأرمن، واللوبيات التي أنشأوها، فإن الاعتراف بالإبادة الأرمنية لم يحصل على نطاق واسع، إذ اعترفت 20 دولة فقط بحصولها ليس من بينها الدولة الأهم، أي الولايات المتحدة، على الرغم من اعتراف 40 من ولاياتها بالإبادة، فالرئيس الأميركي باراك أوباما تجنب في خطابه هذا العام وصف ما حصل بالإبادة. ومع هذا كله، فالأمم المتحدة اعترفت بالإبادة، وكذلك البرلمان الأوروبي والكثير من المنظمات الدولية الأخرى.
في الذكرى المئوية تخلت ألمانيا عن حذرها ورفضها لاعتماد تعبير «الإبادة» فخرج الرئيس الألماني يواكيم جاوك، ليستعمل هذه الصفة، مقرا بمسؤولية بلاده الجزئية باعتبارها كانت حليفة لتركيا في الحرب العالمية الأولى حين وقعت الأحداث هذه. وقال: «إن مصير الأرمن هو مثال لتاريخ الدمار الشامل والتطهير العرقي والطرد والإبادة الجماعية، الذي يصادف القرن العشرين بمثل هذه الطريقة الرهيبة». لكن المتهم الأساسي، لا يزال يرفض الاعتراف، على الرغم من توجيه رئيس الوزراء التركي آنذاك، رئيس الجمهورية الحالي رجب طيب إردوغان رسالة تعزية إلى الأرمن، في العام الماضي، هي كل ما حصل عليه هؤلاء من اعتراف تركي. وأقر إردوغان بأن معاناة الأرمن ناجمة عن «أحداث كانت لها آثار غير إنسانية مثل الترحيل خلال الحرب العالمية الأولى»، لكنه لم يلفظ كلمة «إبادة».
تتحدث الروايات التاريخية عن مجازر عدة سبقت ما يسمى بالابادة التي تعرض لها الأرمن في السلطنة العثمانية، أولها كانت ما يعرف بالمجازر الحميدية التي قام بها السلطان عبد الحميد الثاني بين عامي 1894 و1896، والتي شملت المسيحيين عامة ومن بينهم الأرمن، ثم أتت في التوقيت نفسه مجازر ديار بكر التي يعتبرها الأرمن مدينتهم، حيث سموها على اسم ملكهم ديكران الكبير الذي يقولون بناها فنالت اسم «ديكراناجيرد»، أي المدينة التي بناها ديكران.
وعند نشوب الحرب العالمية الأولى تمرد الكثير من الشعوب التي كانت خاضعة لسيطرة الدولة العثمانية عليها سعيا لنيل الاستقلال عنها، ومن بين هؤلاء الأرمن الذين ساعدوا جيوش الإمبراطورية الروسية التي هاجمت الدولة العثمانية واحتلت جزءا من أراضيها. أتى رد العثمانيين قاسيا، فكان أن تعاملوا مع الأرمن جميعهم كخونة وجواسيس. وفي 24 أبريل (نيسان) 1915 قام العثمانيون بجمع المئات من أهم الشخصيات الأرمنية في إسطنبول وتم إعدامهم في ساحات المدينة، ثم صدر قرار بترحيل الأرمن عن مناطق الأناضول سعيا لمنعهم من تشكيل ما يشبه «حصان طروادة» في الأناضول. ونقل مئات الآلاف من الأرمن نحو الولايات العثمانية الجنوبية، أي سوريا ولبنان والأردن ومصر. ويتهم الأرمن الأتراك بإبادة مئات القرى الأرمنية شرق البلاد في محاولة لتغيير ديموغرافية تلك المناطق. كما يتهمونهم بإجبار القرويين على العمل كحمالين في الجيش العثماني ومن ثم بإعدامهم بعد إنهاكهم. بعدها أمرت جميع العوائل الأرمنية في الأناضول بترك ممتلكاتها والانضمام إلى القوافل التي تكونت من مئات الآلاف من النساء والأطفال في طرق جبلية وعرة وصحراوية قاحلة. ويقول الأرمن إن هؤلاء حرموا من المأكل والملبس. فمات خلال حملات التهجير هذه نحو 75 في المائة ممن شارك بها وترك الباقون في صحارى بادية الشام. ويورد أحد المرسلين الأميركيين إلى مدينة الرها في كتاب عن الإبادة الأرمنية ما حرفيته: «خلال ستة أسابيع شاهدنا أبشع الفظائع تقترف بحق الآلاف.. الذين جاءوا من المدن الشمالية ليعبروا من مدينتنا. وجميعهم يروون نفس الرواية: «قتل جميع رجالهم في اليوم الأول من المسيرة، بعدها تم الاعتداء على النسوة والفتيات بالضرب والسرقة وخطف بعضهن حراسهم.. كانوا من أسوأ العناصر كما سمحوا لأي من كان من القرى التي عبروها باختطاف النسوة والاعتداء عليهن. لم تكن هذه مجرد روايات، بل شاهدنا بأم أعيننا هذا الشيء يحدث علنا في الشوارع».
ويصر الأتراك، على وضع ما يسميه الأرمن بالإبادة في سياق تاريخي، مشككا بأعداد الضحايا من جهة، وواضعا إياها في إطار مآسي الحرب العالمية الأولى من جهة أخرى. ويقول نائب رئيس الوزراء التركي السابق أمر الله إيشلر، أحد مساعدي إردوغان البارزين، أن غالبية المؤتمرات، لمناقشة أحداث 1915 كانت متحيزة وبعيدة عن الحقائق العلمية، خصوصا أنها لم تتناول ظروف الحقبة بموضوعية، واعتمدت على الآراء المنحازة، لا على الوثائق المستخرجة من الأرشيف. وشدد على أن «الدولة العثمانية اعتمدت على سياسة التسامح بين جميع مكونات الدولة الدينية والعرقية (..) وظاهرة التسامح الديني والعرقي على امتداد تاريخ الدولة العثمانية ظاهرة ضربت جذورها عميقا في بنية الدولة والحكومة، وبفضلها تمكنت الدولة العثمانية من إدارة المجتمعات المكونة لها بشكل ناجح لعدة قرون. وأشار إلى أن الغاية من عملية نقل الأرمن، من بعض مناطق وجودهم، إلى أخرى داخل حدود الدولة العثمانية آنذاك.. «لم تكن محو وجودهم، إنما ضمان أمن الدولة، وحماية أولئك المواطنين، بعد انخراط الكثيرين منهم، خلال سنوات الحرب، في صفوف الجيوش الروسية الغازية، بهدف إقامة دولة أرمنية في الأناضول، وتورطهم بتنفيذ مذابح جماعية ضد المسلمين، في مناطق مختلفة من الأناضول، بغية إنشاء دولة متجانسة لهم».
ويقول إيشلر في مقالة خص بها «الشرق الأوسط»، إن الوثائق الخاصة بالدولة العثمانية، تؤكد أن الهدف من عملية التهجير، لم يكن التسبب بتلك الأحداث، وقيام الحكومة العثمانية، آنذاك، بمعاقبة من ثبت ارتكابهم تجاوزات، تثبت مصداقية ذلك، كما قامت الحكومة العثمانية بمحاكمة الموظفين الحكوميين الذين أخلوا بانتظام وأمن عملية التهجير، أمام محكمة «ديوان الحرب العليا» (محكمة الجرائم العسكرية)، التي عقدت في العاصمة إسطنبول، حيث حكمت تلك المحكمة بالإعدام، على كل من ثبت تورطهم بارتكاب انتهاكات، حتى قبل أن تكون الحرب العالمية الأولى قد وضعت أوزارها، كما حصل عام 1916.
ويقول الخبير في مركز التفكير الاستراتيجي جاهد طوز لـ«الشرق الأوسط»، إن حكومة بلاده ترى أن ما حصل ليس أمرا يقره السياسيون، بل هو وقائع تاريخية يجب أن يحسمها المؤرخون والخبراء. وأكد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة التركية ترفض الإقرار بجريمة لمرتكبها، وربما لم تحصل. ويشير إلى أن تركيا عرضت فتح الأرشيف العثماني أمام لجنة مشتركة تركية - أرمينية، للتحقيق في الواقعة، لكن الجانب الأخر لا يزال يرفض هذا الأمر.
ويقول: «الأرمن كانوا من رعايا الدولة العثمانية، لكنهم انضموا إلى الروس في قتال العثمانيين مع بدء الحرب العالمية الأولى وشكلوا عصابات نهبت وقتلت الكثير من الأتراك، فقررت الدولة تهجير الأرمن القاطنين في مناطق الحرب إلى مناطق أخرى داخل السلطنة (سوريا والعراق) كإجراء احترازي لوقف دعمهم للجيش الروسي». ويضيف: «الدولة كانت تقاتل على جبهات مختلفة، وكانت هناك أمراض منتشرة وقلة في الغذاء، ما أدى إلى موت الكثير من المهجرين، على غرار الكثير من رعايا السلطنة الآخرين». ورأى أن تسمية ذلك إبادة «غير أخلاقي وغير قانوني». ويشير إلى أن الأرمن استمروا في العيش في مناطق أخرى من تركيا، حتى اليوم. ويوضح طوز أن الأتراك عاشوا متسامحين، وما زالوا، مستدلا على ذلك بأن أتيان محجوبيان، كبير مستشاري رئيس الحكومة داود أوغلو هو شخص أرمني، كاشفا عن أن ثمة مرشحا أرمنيا، هو ماركر إسبان سينزل على لوائح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة وفوزه شبه مضمون.
ويلمح طوز إلى «أهداف اقتصادية» من الإصرار الأرميني على الاعتراف بالإبادة، مشيرا إلى أن أرمينيا تمر بظروف اقتصادية صعبة، وقد تطمح بالحصول على تعويضات مالية تسد بها عجزها». وأكد أن ثمة ممارسات كثيرة ارتكبت تحت حجة الإبادة المزعومة، فهناك 31 دبلوماسيا تركيا قتلوا على أيدي منظمات أرمنية متطرفة حول العالم، بالإضافة إلى نحو 43 مواطنا تركيا.
ويبدو أن عدم الاعتراف التركي ليس مجرد «مكابرة تاريخية»، فهذا الاعتراف تترتب عليه تبعات كبيرة على تركيا التي قد تصبح في حال اعترافها بالذنب، مجبرة على تقديم تعويضات مالية هائلة، كما يتخوف قادتها من استغلال الأمر للمطالبة بأراض يعتبرها الأرمن ملكا لهم عند الحدود بين البلدين، خصوصا أن الأرمن يسمون المناطق المحاذية لحدودهم الدولية «أرمينيا الغربية» لاحتوائها على الكثير من الأراضي التي يعتبرونها أرمنية، بالإضافة إلى جبل أرارات التاريخي الذي يقع في الأراضي التركية.
ويبدي الدكتور شفيق المصري، الخبير في القانون الدولي ثقته بأن تركيا «لن تعترف بالإبادة»، معتبرا أن «مسألة الاعتراف لها قيمة معنوية قبل أي شيء آخر، علما بأن الإبادة من الجرائم الدولية التي لا تخضع لمرور الزمن، وبالتالي حتى وبعد مرور 100 عام على المجازر الأرمنية، فتركيا وفي حال قررت الاعتراف بها فسيكون عليها تلبية كل الواجبات القانونية، ما يطرح إشكالية جديدة بعد عملية الاعتراف لجهة تحديد الضحايا والمبالغ الواجب دفعها بالإضافة إلى تحديد الأراضي التي يجب إعادتها لهم». ويضيف المصري: «مسألة الاعتراف لتركيا هي بحد ذاتها بمثابة انتحار كامل، لذلك نحن متأكدون أنّها لن تقدم على ذلك في يوم من الأيام وستصر على الإنكار وخاصة أنّها قادرة على شمل الضحايا الأرمن مع ضحايا الحرب».
وأوضح المصري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن اعتراف تركيا بـ«المجازر الأرمنية» يترتب عليه «تبعات كثيرة وجسيمة» يفرضها القانون الدولي، لجهة دفع التعويضات اللازمة وإعادة الأراضي لأصحابها، لافتا إلى أن «تركيا هي الوريثة القانونية للإمبراطورية العثمانية وبالتالي مسؤوليتها تقتضي وفي حال الاعتراف بـ«الإبادة» بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه وذلك من خلال التعويض.
بدوره، أشار نائب الأمين العام لحزب «الطاشناق» أفيديس كيدانيان إلى أن «الأرمن كانوا يكتفون خلال الـ50 سنة الأولى من الإبادة بمطالبة تركيا بالاعتراف بما اقترفته خلال زمن السلطنة العثمانية، إلا أنهم يصرون اليوم على أن يلي الاعتراف دفع التعويضات اللازمة واسترجاع الأراضي المحتلة».
وأعرب كيدانيان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن أسفه لكون الظروف الإقليمية والدولية مواتية لاستمرار الأتراك بإنكار اقترافهم الإبادة الأرمنية، مع العلم بأن رئيس جمهورية ألمانيا اعترف بمشاركة ومساهمة بلاده مع الأتراك بهذه الإبادة خلال الحرب. وأضاف: «فإذا كانت ألمانيا أقرّت بذلك، فورثة السلطنة العثمانية ملزمون بالاعتراف أيضا والقيام بواجباتهم تجاه الضحايا».
بعد مائة عام، لم يبقَ من يخبر. الجيل الأول الناجي من تلك الحرب، ذهب بأغلبيته الساحقة، لكن بعد أن روى لأبنائه وأحفاده ذكريات معاناته خلال عملية الترحيل. وجيل الأحفاد الذي لا يزال يعيش التجربة عبر روايات أجداده، يحاول نقل هذه الروايات نفسها إلى أبنائه.
ويؤكد آرا سيسريان، وهو ناشط أرمني لبناني، أن شعبه لا يزال مستمرا في حمل القضية «لكي لا تتكرر مثل هذه الإبادات على يد أنظمة أخرى في العالم». ويروي سيسريان لـ«الشرق الأوسط» تجربته العائلية مع الإبادة، التي سمعها من جديه لأبويه، وجدته لأمه، الذين نجوا من «الإبادة» وبقيت لديهم قصص مرعبة رووا بعض تفاصيلها لأحفادهم، وأبقوا بعضها الآخر لأنفسهم خوفا على براءة طفولتهم.
تبدأ القصة مع جد آرا لأبيه، الذي كان أستاذا تهجر من بلدته زيتون، وهرب إلى الأراضي السورية، حيث أقام في دير الزور التي شهدت أكبر المجازر بحق الأرمن ميتما لبنات الأرمن اليتيمات اللاتي تشردت بعد مقتل عائلاتهن، فآوتهن عائلات مدينة دير الزور من القبائل المسلمة. وأدار مع رفيقين له، هما أستاذان أيضا، الميتم المؤلف من منزل بغرف قليلة كانت كافية لجمع الفتيات اللاتي كانت أعمارهن تتراوح بين ثلاث وعشر سنوات. واستمروا في عملهم إلى أن تمكنوا من إلحاق هؤلاء الفتيات بأقاربهن الناجين في مصر والأردن ولبنان، وأمنوا تبني من ليس لديهن أقارب. وهناك في دير الزور، نقب الرفاق الثلاثة للوصول إلى عظام وجماجم الضحايا الأرمن، وجمعوها في قبر جماعي واحد، ونصب تذكاري تحول في وقت لاحق إلى مزار للأرمن يستذكرون من خلاله «ضحايا الإبادة». بعدها انتقل الجد إلى حلب حيث استقر وتزوج وأنجب 8 أولاد، كبقية الأرمن الذين كانوا يردون على المجازر بالإنجاب قدر الإمكان.
أما جده لأمه، فهو من ديار بكر، وقد نجا مع عائلته لأن عائلة كردية أخفتهم في منزلها، وأمنت لهم طريقا للهرب بطريق أخرى غير قوافل الموت. لكن جدته لأمه التي كانت تبلغ من العمر نحو 10 سنوات، فقد شهدت المأساة الأكبر. يقول سيسريان إن الأتراك قبضوا على شقيقيها وهما في الـ15 والـ17 من العمر. وبعد ثلاثة أيام أرسلوا من يبلغ العائلة بأخذ الطعام لهم، فذهبت والدتها، وأخذت الطفلة معها لزيارة شقيقيها. وبينما هما تنتظران في باحة السجن مع الطعان، أحضر الشقيقان إلى الباحة، وأعدما أمامهما. بعد ذلك نقلت العائلة التي تبقت منها الجدة ووالدتها ووالدها العجوز عبر قوافل التهجير إلى حلب، لتكتمل معاناتهن مع ما شهدته من تعذيب وعمليات اغتصاب كانت تجري أمام الجميع، لكن أموال والدها جعلت النجاة من رحلة الموت ممكنة بفضل الرشى التي قدمها للجنود.
وفي حلب التقى والدار آرا، تزوجا، وانتقلا إلى لبنان حيث أنشأت عائلتهما الجديدة. يقول آرا إن جدته كانت قليلة الكلام، تتحدث قليلا عما شاهدته وعندما تهم بالبكاء، تتوقف عن الحديث وتذهب للصلاة. ويشير إلى أنه يروي هذه الحكايات لأولاده كي لا ننسى معاناة شعبنا، وكي نتعلم منها العبر. ويؤكد أنه - كبقية الأرمن - لا يحملون المواطنين الأتراك مسؤولية ما حصل، ولا يعتبرون أنه كان إبادة دينية، فلم يقتلونا لأننا مسيحيون ولأنهم مسلمون والدليل أن من أنقذنا دائما كانت العائلات المسلمة في سوريا وتركيا.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.