ذكريات: جولة مع الجابري بسيارتي في شوارع الرياض

كان ثمرتها خوض تجربته الفكرية في دراسة القرآن الكريم بأجزائها الأربعة

محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

ذكريات: جولة مع الجابري بسيارتي في شوارع الرياض

محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

ما زلت أتذكر ذلك المساء في جنادرية 1987 حين علمت لتوي عن وجود المفكر المغربي د. محمد عابد الجابري في فندق قصر الرياض، فطفقت أبحث عنه، وسط عدد من أبرز مفكري العرب وأدبائهم وشعرائهم، وهم يتناولون طعام العشاء في مطعم الفندق.
توقعته ذا وجه (متفلسف) متجهم! كما بدا - بعد ذلك - المتفلسف المصري د. عبد الرحمن بدوي، وأنا أحاوره في فندق جورج سانك بباريس في صيف 1993.
حين وقفت أمام الجابري وهو وحده يتعشى، حييته معرفاً باسمي، فحياني بأحسن تحية، طالباً بدماثة خلقه ورقة طبعه أن نلتقي، بعد أن ينتهي من تناول طعامه. كان كتابه «تكوين العقل العربي» الصادر سنة 1984 قد ترك في نفوسنا وقعاً ساحراً، بغزارة معلوماته، وبيان لغته الآسرة، ومنهجه التحليلي الجديد، الذي استبان بعد ذلك بمعالجته «الأبستمولوجية» في كتابه «بنية العقل العربي» الصادر سنة 1986 مما جعله نجم مسامرات النقاش المختلفة في أماسي بيوت الأصدقاء في الرياض.
في العام الذي تلا لقاءاتنا المتعددة هذه، أدرت ندوة شارك فيها الدكاترة الأعلام، شوقي ضيف وحسن ظاظا (مصر) وعبد الله الطيب (السودان) وعبد الرحمن الطيب الأنصاري (السعودية)... أما الندوة الإشكالية المتلاطمة! فكانت بعنوان «هل العقل العربي في أزمة؟» التي استفزت مشاركة د. محمد عابد الجابري، المد الصحوي الطاغي - وقتذاك - رغم مشاركة الأكاديمي السوداني الإخواني د. جعفر شيخ إدريس أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إلى جانب د. حمد المرزوقي أستاذ علم النفس بجامعة أم القرى، وكان مدعواً إليها المفكر المصري د. فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أبدى لي موافقته للمشاركة في الندوة، إلا أن أحداً أعاق طريقه إلى الرياض!
وقد بلغ من استثارة وجود الجابري على المنصة، أن حاول أحد أساتذة الإعلام «الإسلامي» بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من السعوديين، اختراق «بروتوكول» الندوة بانتزاع «ميكروفون» المداخلة قسراً! قبل فتح باب النقاش أمام جمهور القاعة، لتنتهي الندوة بتهديدي إذا ما استمرت فعاليتها، والاعتداء بالضرب على أحد أستاذة علم السياسة بجامعة الملك سعود! رغم التزامه الصمت طوال وقت الندوة. كان الجابري بتفكيكه سلطة النص المحافظ، ونقده هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، سبباً في إخضاع التراث العربي الإسلامي إلى جهازه المفاهيمي، وهو يدعو للتحرر العقلي بـ«تدوين (خطاب) عربي جديد» في التداول الفكري (يجب) التدوين القديم بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث الهجريين، متوسلاً في ذلك مناهج المفكرين الفرنسيين... لالاند العقلاني المجدد بمعجمه الفلسفي الموسوعي، والتوسير الذي درس القطيعة المعرفية بين ديالكتيك هيغل ومادية ماركس التاريخية، وهو ما انعكس لدى د. طيب تيزيني أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» الصادر سنة 1971 وما تبعه من أجزاء عديدة، ثم عمق أطروحته حسين مروة في كتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978 برؤية تحليلية تكاد لا تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وكان قد سبقهما د. زكي نجيب محمود أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة بكتابيه «تجديد الفكر العربي» و«المعقول واللامعقول في تراثنا العربي» متأثراً بالفلسفة الوضعية أثناء دراسته البريطانية، وهو يبحث عن الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي، رغم أنه قدم قبل ذلك دراسة لافتة عن «جابر بن حيان» سنة 1961م.
غير أن الجابري سجل مرافعته ضد جملة هذه المشروعات في كتابه «نحن والتراث» سنة 1980 وقد أصدر د. صادق جلال العظم أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق سنة 1969 كتابه «نقد الفكر الديني» على وقع هزيمة 67 المدوية، التي بعثت سؤال الهوية لدى المفكرين العرب، فلم ير الجابري في جملة مشروعاتهم سوى قراءات سلفية، استوى فيها اليميني والليبرالي والماركسي حيث لم تنتج إلا آيديولوجيا من هنا تكمن «لا تاريخيتها» وهي تستعيد سؤال شكيب أرسلان (المُتَردِّم) دون إجابة منذ سنة 1938 في كتابه «لماذا تقدم الغرب وتخلف غيرهم؟».
كان جواب الجابري في الربع الأخير من القرن العشرين، هو نقد الإنتاج النظري، فهو وحده ما سوف يحقق على (يديه) القراءة العلمية الواعية بـ«أحداث» القطيعة الأبستمولوجية التامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط، وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث، حيث ما يزال التراث يعشعش بعناكبه في عقول مجتمعاته، كما كان الظلام الكنسي يعشعش بعناكبه في عقول المجتمعات الأوروبية، فانبرى إيمانويل كانت يكتسحه بمشروعه العقلاني التنويري!
كان الجابري قد مهد لكتابه في «نقد العقل العربي» بكتابه «الخطاب العربي المعاصر» سنة 1983 وفق القطيعة المعرفية لدى باشلار، التي أثراها محمد وقيدي أستاذ الفلسفة بجامعة الملك محمد الخامس في دراسته اللافتة عن «فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار» سنة 1980 متجاوزاً فلسفة العلوم إلى خطاب أبستمولوجي، معارضاً الفلسفات التقليدية (بدأ الجابري تجربته التأليفية وهو أستاذ جامعي بكتابه «مدخل إلى فلسفة العلوم» بجزئيه سنة 1976 مستفيداً في تحليل النظام المعرفي في مشروعه بما ورد في كتابه «الكلمات والأشياء» لميشيل فوكو في تحليل الأنظمة المعرفية، كاشفاً عن (اللا مفكر فيه) من (لا وعي) فرويد في تحليله النفسي ماسكاً بمفاتيح مشروعه في تحليل العقل العربي في «البيان والعرفان والبرهان» من أحمد أمين في دراسة التاريخ الثقافي العربي الإسلامي، التي بدأها سنة 1938 في «فجر الإسلام» ثم «ضحى الإسلام» فـ«ظهر الإسلام» لتنتهي بـ«يوم الإسلام» دون أن يذكر الجابري في هذا كله إحالاته المرجعية!!! وهو ما تطارحته وإياه في مقابلتي التلفازية السجالية معه في برنامجي «ستون دقيقة» في أحد أيام شهر فبراير (شباط) 2009 وسبقْتُ ذلك بمقال في جريدة الرياض سنة 1995 حثثت فيه جورج طرابيشي على مواصلة نقده لمشروع الجابري، وقد تحول إعجاب الأول بفكر الثاني الذي (يثير ويغير) إلى نقد متواصل، تقول هنرييت عبودي زوجة طرابيشي في كتابها عنه الصادر سنة 2020 إن زوجها حينما (غادر بيروت سنة 1984 أخذ معه كتاب «نقد العقل العربي» وقد واظب على قراءته طوال الرحلة بالطائرة قائلاً: إنه عمل عظيم رائع وهائل وحينما علم بمقدم الجابري إلى باريس دعاه إلى العشاء ولكن هذا الإعجاب لم يدم طويلاً، إذ بدأ جورج يكتشف أخطاء وتفسيرات مغلوطة في كتابه) فانتهى بالرد على الجابري بكتابه ذي الأربعة أجزاء في «نقد نقد العقل العربي».
حينما تطارحت والجابري إشكالات طرابيشي على مشروعه، وجدته يغمغم ولا يبين، متسائلاً: «لماذا تحول الإعجاب المفرط إلى النقد المتواصل؟» فكان جوابه في مقابلتي التلفازية: (عقدت ندوة في دمشق حول كتابي «نقد العقل العربي» بإطراء الحاضرين بما فيهم طرابيشي، وحين أعلنت أنني أؤلف كتاب «بنية العقل العربي» أراد طرابيشي أن يستبق بحسن نية ولا أظن شيئاً غير هذا متنبئاً - أي طرابيشي - بما سأقوله في الكتاب القادم بناءً على ما ورد في كتاب «تكوين العقل العربي» فقلت له: كيف تسمح لنفسك أن تتوقع ما سأقوله فيه فأنت - يقصد طرابيشي - ما فهمت هذا ولا فهمت ذاك... انفعلت ولم أقصد شيئاً آخر فهذه من طبيعتي وأكثر الطلبة يعرفون في هذا أثناء مناقشتي أطروحات الدكتوراه عندما أكون في لجنة المناقشة عادة ما أنفعل وربما يعلو صوتي لا أقصد بهذا أحداً لكن هي هكذا طبيعتي)!!!
كان جواب الجابري مهلهلاً، ويفتقر إلى المنطق، بل إنه بهذا كان يناقض ما دعا إليه في أحد كتبه المبكرة، بضرورة اختراق اللغة والمنطق بـ«الحدس»، فهو وحده الذي يجعل الذات القارئة (جورج طرابيشي) تعانق الذات المقروءة (الجابري) إذ تعيش في إشكالاتها باستشراف ما ستقول.
يقول طرابيشي في كتابه «مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة» سنة 1993:
(ما الذي يسكت عنه نص الجابري المطول في عصر التدوين، إنه مرة أخرى يسكت عن المصدر الذي أخذ منه الفكرة والتسمية - يقصد أخذ الجابري مفاتيح كتابه «بنية العقل العربي» في تحليل الأنظمة المعرفية وتسميتها «البيان والعرفان والبرهان» من موسوعة أحمد أمين مؤكداً - طرابيشي - أنه لا يجوز أن يعاد تجليد المجلد أو يعاد نسخه مرتين، لا سيما والدراسات المتراكمة خلال النصف الثاني من القرن العشرين قد أبطلت أسطورة عصر التدوين من أساسها).
استلهم الجابري فكرة «الكتلة التاريخية» من المفكر الإيطالي العضوي غرامشي، ذاكراً ذلك حين دعا في عدد نوفمبر (تشرين الثاني) 1982 من مجلة المستقبل العربي، مقارباً حال الأمة العربية في تمزقها، بما كانت عليه إيطاليا في بداية القرن العشرين من تفاوت بين شمالها وجنوبها، وأن الكتلة التاريخية العربية هي البديل الاستراتيجي لحالة الإقصاء والتهميش، غير أن هدا التهميش هو ما يهمن على فكر الجابري، وهو يختزل التراث العربي في ثلاثيته (البيان ونموذجه الجاحظ، والعرفان ونموذجه جابر بن حيان وابن سينا، والبرهان ونموذجه ابن رشد)، فإذا بثنائية الظاهر والباطن الكامنة في «تهرمس» مذهب جابر بن حيان، حسب مقولة ماسينيون المهتم بالفكر الباطني - والصوفي الحلاجي خاصة - خالطاً بين الشيعة الإمامية والإسماعيلية والمتصوفة بضربة يد واحدة! وقد استقاها منه هنري كوربان في أحد كتبه الأولى «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، فإذا بالعقل المشرقي المتجسد في ابن سينا رائد علم الطب التاريخي عالمياً، هو المسؤول - في نظر الجابري - عن انحطاط العقل العربي! وأن جابر بن حيان رائد علم الكيمياء التاريخي عالمياً، هو - في نظره - من أسس للتصوف ودمر الحضارة العربية ببذره الغنوصية في تربة العالم العربي!
أنا هنا لا أريد الاستفاضة فيما كتبه علماء أوروبيون، منهم من كان متحاملاً على جابر بن حيان، فهذا هو الكيميائي البريطاني (هولبارد) سنة 1923 يؤكد على استحقاق جابر لقب مؤسس علم الكيمياء، معادلاً أرسطو في علم المنطق، أما ما قاله مؤرخو العلوم عن مكانة ابن سينا وكتابه «القانون في الطب» المتداول في الجامعات العالمية فهو ثابت ومعروف.
لكن لماذا اهتمام الجابري المفاجئ بابن رشد رائد علم الفقه المقارن، ومترجم التراث الأرسطي والأفلاطوني هل هو إعادة تمركز ذاتي حول مغرب متفوق ببرهانه، على عقل مشرقي بياني وعرفاني؟!
أم هي محاولة تماهي بدور ابن رشد، بحيث يتبدى الجابري في عصرنا العربي ابن رشد آخر؟! رغم أن من اهتم بـ«المتن الرشدي» وتخصص فيه منقباً وباحثاً هو جمال الدين العلوي، الذي جمع شتات النصوص الرشدية من المكتبات الأوروبية.
أحسب أن للمصدر الفرنسي دوماً دور التنبيه لذهن الجابري... هذه المرة بما كتبه مؤرخ الأفكار أرنست رينان عن «ابن رشد والرشدية» سنة 1852 مثبتاً مكانة فيلسوف قرطبة العربي المسلم في الأكاديميات الأوروبية، وقد استوى مؤسساً لعصر التنوير في بداية نهضة مجتمعاتها، مؤثراً على الفلسفة اللاتينية والعبرية (عبر تلميذه موسى بن ميمون) بوصفه الشارخ الأكبر لأرسطو.
هذا.. وتبقى مشكلة عدم ذكر الإحالات إلى مصادرها، في مشروع الجابري قائمة عند كثير من زملائه وباحثيه، ومنهم د. فهمي جدعان أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي في الجامعة الأردنية، وقد كتبت مقالاً بعنوان «هل سرق الجابري فهمي جدعان» هو ما حثثت فيه جورج طرابيشي على استكمال كتاباته النقدية في أعمال الجابري، وكان قد ضمّن نتائج بحث جدعان عن «المحنة» في مسألة خلق القرآن عند المعتزلة، التي عارضها الإمام أحمد بن حنبل في كاتبه «مثقفون في الحضارة العربية»، دون ذكر الإحالة! فقد أجابني حين سألته بنفس الغمغمة! «إن المسألة انتهت وأن علاقتنا الشخصية والعائلية» أصبحت على ما يرام!!! وهو نفس ما استمعته من د. عبد الله العروي أستاذ الفلسفة بجامعة الملك محمد الخامس حين قابلته تلفزيونياً في فيلته بالدار البيضاء صيف 1993. متهماً الجابري الأخذ من عدته المنهجية في التحليل، مستنداً إلى كتابيه المبكرين «العرب والفكر التاريخي» و«الآيديولوجيا العربية المعاصرة» الصادرين في منتصف السبعينات.. أن هذا الخلل المنهجي الفاضح، هو ما أكد عليه كذلك د. عبد الإله بلقزيز في كتيب صدر له مؤخراً من مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان «محمد عابد الجابري ونقد العقل العربي» مؤاخذاً الجابري على أخذه الحر المتصرف في الدلالات الأصلية للمفاهيم (المستعارة) من مفكرين غربيين، والإحجام عن التصريح بمصادره.
بعد غزو صدام حسين دولة الكويت 1990 ما كان أحد يتوقع، أن يقف ناقد العقل العربي، في صف الشعبوية السياسية، التي ركب موجتها - إذ ذاك - كثير من اليساريين والإسلاميين، ومن بينهم محمد عابد الجابري، الذي ربط مناصرته المعارضة الكويتية في استرجاع وطنها المسروق، بوقوفها موقف صدام حسين ضد القيادة الكويتية! وهي في المنفى تعمل على استعادة الكويت.
عبر هذه المغالطة المنطقية، طفق المفكر القومي ينشر فصول كتابه «نقد العقل العربي» في صفحات جريدة حزبه «الاتحاد الاشتراكي» متمحورة حول ثلاثية جديدة «العقيدة والقبيلة والغنيمة»، منتقداً العقل البدوي! القائم على الاستحواذ، متأثراً بأطروحة المفكر العراقي د. علي الوردي في الدكتوراه حول ابن خلدون التي نالها من جامعة تكساس الأميركية سنة 1950 وقد استقى من مقدمته المركوزة حول صراع البداوة والحضارة، أطروحة الصراع بين الصحراء والنهر، موحياً للجابري بأطروحته عن «فكر ابن خلدون العصبية والدولة» سادّاً قصور الوردي في دراسته عن ابن خلدون.
أتذكر أن الجابري راسلني والكويت محتلة، بأن أعمل على نشر فصول كتابه «نقد العقل السياسي العربي» (البدوي) في جريدة الرياض! متزامناً مع نشرها في جريدة «الاتحاد الاشتراكي» بوصفه منظر حزب الجريدة السياسي.
بعدها تأبى علي إجراء حوار تلفازي معه في برنامجي «هذا هو» بقناة MBC أثناء زيارتي المغرب في صيف 1993 إلا أنه لم يتحرر من عرفه «البدوي» وهو المولود في فجيج، بالإصرار على تلبية دعوته لتناول طعام الغداء، مرفوقاً بزوجتي وبنتي وابناي، في فيلته بالحي الفرنسي في الدار البيضاء، امتناناً منه لاستضافتي إياه في بيتي بالرياض.
ولم يفتأ متواصلاً مع المملكة، التي فتحت له صحيفتها «الشرق الأوسط» ومجلتها «المجلة» باباً واسعاً نشر فيهما الكثير من مقالاته بعد انتهاء حرب الخليج الثانية.
بل أن مركز البحوث الإسلامية التابع لمؤسسة الملك فيصل الخيرية، دعاه لإلقاء محاضرة عن العولمة، وقد لبيت الدعوة لحضورها، لا للاستماع للمحاضرة فحسب، وإنما لتجديد أواصر صداقة تقادم عهدها بعدما قارب الجابري على الانتهاء أشار بيده علي بالبقاء دون مغادرة القاعة، فأخذته في جولة إلى شوارع الرياض، متحاوراً معه حول قضايا الساعة، فتحدث معي حول المستجدات في مجتمعه السياسي المغربي، وكذلك عن الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وكانت في أوجها، وقد بدا النظام الإقليمي العربي متعثر الخطوات، إثر تداعيات حرب الخليج الثانية، مثقلاً باستحقاقات مجتمعاته المستفيقة على وقع العولمة المدوي.
كان الجابري قد انتهى من رباعيته في نقد العقل العربي، أدعه يكمل الحديث كما جاء في مقدمة كتابه «مدخل إلى فهم القرآن الكريم» صفحة 14 الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2006 من مركز دراسات الوحدة العربية:
(انتهيت من العقل الأخلاقي العربي 2001 وأنا في شبه نشوة مثل تلك التي تنتاب المتجول في غابة عند بلوغه مخرجاً من مخارجها! غير أني أخذت أفرك عيني على ضوء الفضاء - الفراغ المحيط بالقاعة إذا ببعض الأصدقاء يمطرونني بأسئلة من نوع وماذا بعد؟ بعضهم أجاب بنفسه فاقترح كتاباً في «الجمال في الفكر العربي» باعتبار اتصال الموضوع بالأخلاق، فكلاهما بحث في القيم وبعضهم اقترح كتاباً في «الفكر العلمي عند العرب» بعد أن تناولت الفكر النحوي والفقهي والبلاغي والسياسي والأخلاقي في الأجزاء السابقة.
وفي نفس الفترة التي اقترحت علي هذه الموضوعات أو قبلها بقليل، اقترح علي صديق من السعودية، ونحن على سيارته متجهين إلى عزيمة عشاء في منزل صديق مشترك بالرياض فاقترح قائلاً: «لماذا لا يكون الكتاب القادم عن القرآن».
كان هذا ثمرة حوار جولتي مع أستاذنا الجابري بسيارتي في شوارع الرياض مساء يوم الثلاثاء 24 أكتوبر 2000 وقد أفصح عما ذكره مرة في مقابلتي التلفازية معه، وأخرى في محاضرته المسائية بمعرض الرياض الدولي للكتاب في أحد أماسي فبراير 2009 بأنني من كان وراء خوض تجربته الفكرية، بل قل الروحية في دراسة القرآن الكريم بأجزائه الأربعة، التي استثارت جدلاً واسعاً داخل المغرب وخارجه، يكاد لا يتوقف إلى اليوم حول الإشكالات التي وقع فيها!



وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج

جيسون أرداي
جيسون أرداي
TT

وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج

جيسون أرداي
جيسون أرداي

عُثر يوم الجمعة الماضي على جثة جيسون أرداي، أصغر أستاذ جامعي أسود في جامعة كمبريدج، التي كانت قد تجاهلت سلسلة من التحذيرات بشأنه.

وكان جيسون أرداي قد عين عام 2023 ليصبح أصغر أستاذ أسود في الجامعة. وعندما أجرت جامعة كامبريدج مقابلة مع جيسون أرداي لشغل أحد أرقى المناصب في مجال علم الاجتماع على مستوى العالم، كان أكاديمياً في بداية مسيرته المهنية ويفتقر إلى المؤهلات الكافية وفقاً لمعايير الجامعة نفسها.

كانت متطلبات الجامعة -التي اطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز»- تشترط وجود «سجل بحثي متميز ذي مكانة دولية» و«سجل نجاح مثبت» في الإشراف على طلاب الدكتوراه. في المقابل، كان لدى الدكتور أرداي سجل متواضع في النشر العلمي، كما تنقل بين عدة جامعات دون البقاء في أي منها لفترة كافية للإشراف على برنامج دكتوراه كامل يمتد 3 سنوات أو أكثر.

ورغم ذلك، وظّفته كامبريدج في عام 2023، ليصبح -وهو في السابعة والثلاثين من عمره- أصغر أستاذ أسود في الجامعة، وذلك في وقت كانت فيه المؤسسة تواجه ضغوطاً لتعزيز التنوع. وبذلك، وضعت كامبريدج أرداي تحت الأضواء العالمية، مانحةً إياه منبراً في واحدة من أرقى جامعات العالم، وفي الوقت نفسه جعلته هدفاً للانتقادات.

عُثر على الدكتور أرداي ميتاً، وذلك بعد أيام من استقالته من منصبه وسط اتهامات بأنه سرق أجزاء من أوراقه البحثية، وبالغ في تفاصيل مذكراته المنشورة حديثاً، واختلق جوانب من قصة حياته. وقد تفجرت هذه القضية المثيرة للجدل لتلامس قضايا حساسة تتعلق بالعرق، والتنوع، والوسط الأكاديمي.

في خطاب استقالته المؤرخ في 5 أغسطس (آب)، كتب أرداي: «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار، حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق والحكم العام». وأضاف: «هذه ليست نهاية عملي، بل هي مجرد نهاية لهذا الفصل». وذكرت عائلة الدكتور «أرداي» أنه واجه، منذ بدء عمله في جامعة كامبريدج، حملة تدقيق استهدفت النيل منه والتشكيك في أهليته، وهي ضغوط فاقت قدرته على التحمل.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تنتهي التساؤلات حول مسيرة الدكتور «أرداي» المهنية بوفاته، إذ هذه التساؤلات تتعلق بجامعة كامبريدج بقدر ما تتعلق به شخصياً. فالجامعة العريقة -التي يعود تاريخها لقرون مضت وتخرج فيها عظماء مثل إسحاق نيوتن وويليام وردزورث، فضلاً عن ملوك وملكات- تواجه الآن تدقيقاً واسع النطاق بشأن آليات اتخاذ القرار فيها، حتى من جانب أعضاء هيئة التدريس العاملين بها.

ورغم أن الدكتور «أرداي» لم يكن يمتلك المؤهلات الكافية للوظيفة التي شغلها، فإن قصته كانت استثنائية؛ فقد شُخِّصت حالته مبكراً بإصابة بطيف التوحد، وعانى من تأخر نمائي حادّ لدرجة أنه قضى طفولته بأكملها في مدرسة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة. ووفقاً لروايته، فإنه لم ينطق بكلمة حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، ولم يتمكن من القراءة حتى سن الثامنة عشرة، ومع ذلك نجح في الحصول على درجة الدكتوراه وبدأ في إلقاء كلمات رئيسية في المحافل الأكاديمية. وعلاوة على ذلك، فقد اشترك، كما يقول في مذكراته، في 30 سباق ماراثون خلال 35 يوماً لأغراض خيرية، وهو إنجاز كان من شأنه أن يضعه في مصافّ نخبة الرياضيين في العالم.

وإذا كانت بعض تفاصيل قصة الدكتور «أردي» تبدو -عند النظر إليها بأثر رجعي- مثالية لدرجة يصعب تصديقها، فإن جامعة كامبريدج تجاهلت مؤشرات تحذيرية متكررة. فقد أظهرت مراجعة لوثائق داخلية للجامعة ومقابلات مع زملاء سابقين ومقربين منه أن الإداريين -إلى جانب تجاوزهم لمرشحين أكثر خبرة لشغل الوظيفة- دأبوا على الإشادة علناً بالمستوى الأكاديمي للدكتور «أرداي»، بينما تجاهلوا سراً الشكاوى المتعلقة بعمله. كما رفضوا التحقيق في مخاوف بشأن الانتحال العلمي، واتهموا منتقديه بشنّ «حملة دنيئة» للنيل من مصداقيته.

وصرّح زميل سابق ومختص في علاج النطق، عمل مع الدكتور «أرداي»، لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن ادعاءاته بشأن عدم قدرته على الكلام كانت عارية عن الصحة. ويؤكد خبراء في مجال التأخر النمائي واضطرابات النطق أن مسيرته -التي وُصفت بالاستثنائية- والمتمثلة في الانتقال من طفل لا ينطق قبل سن المراهقة إلى حاصل على الدكتوراه، ليست لها سابقة في الأدبيات الطبية. وكان ينبغي لهذا الأمر أن يثير الشكوك لدى لجنة التعيين في كامبريدج، التي ضمّت في عضويتها طبيباً نفسياً متخصصاً في طب نفس الأطفال وأجرى أبحاثاً حول التوحد، حسبما أفاد الخبراء.

وقبيل وفاة الدكتور «أرداي»، استغل معلقون محافظون تعثر مسيرته كدليل على خروج جهود «التنوع والشمول» عن مسارها الصحيح؛ إذ رأوا أن حرص جامعة كامبريدج الشديد على تعزيز التنوع قد أدى إلى تشويش حكم الإداريين على الأمور. وقال جاكوب ريس-موغ، وهو نائب سابق عن حزب المحافظين في بريطانيا، في وقت سابق من هذا الأسبوع خلال مشاركته في بودكاست «ديلي تي» (Daily T) التابع لصحيفة «التلغراف»: «يبدو أنهم قد انقادوا تماماً لأفكار التنوع والإنصاف والشمول (D.E.I)».

من جانبه، بذل الدكتور أرداي جهوداً حثيثة لإسكات أي تساؤلات حول مؤهلاته. فعندما سأل صحافي من صحيفة «تايمز للتعليم العالي»، وهي مجلة أكاديمية مرموقة، عن الانتحال العام الماضي، ساعدت شركة محاماة بريطانية بارزة متخصصة في قضايا التشهير في منع نشر المقال، وفقاً لما ذكره الصحافي. وقد أبلغ الدكتور أرداي الشرطة لاحقاً عن الصحافي.

وعندما شكك باحث من جامعة أخرى في عمله، قلب الدكتور أرداي الطاولة وقدّم شكوى عنصرية إلى الجامعة الأخرى، بحسب مصدر مطلع على الشكوى. وقد تحدث هذا المصدر، كغيره ممن تحدثوا إلى صحيفة «التايمز»، شريطة عدم الكشف عن هويته لتجنب الزجّ به علناً في هذه القضية.

لم يتطرق الدكتور أرداي بشكل مباشر إلى مسألة الانتحال والتلفيق. لكن ما يتضح من المقابلات والسجلات العامة هو أن بعض جوانب القصة كان من السهل على جامعة كامبريدج التحقق منها.

مذكراته ضمّت ادّعاءات كاذبة

نشأ الدكتور أرداي، وهو ابن مهاجرين غانيين، في مساكن شعبية في حيّ مختلط الأعراق من الطبقة العاملة في جنوب لندن. وقد شُخّصت لديه صعوبات في التعلم منذ صغره.

وادّعى أنه قبل بلوغه الحادية عشرة من عمره، كان يفهم اللغة، لكنه لا يستطيع الكلام. وفي عام 2022، قبل مقابلته مع جامعة كامبريدج، صرّح بأنه تلقى تعليمه حصرياً في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة «مع تلاميذ آخرين يعانون من صعوبات تعلم شديدة وإعاقات جسدية».

وفي مذكراته، التي نُشرت يوم الثلاثاء، قدّم رواية مختلفة، إذ قال إنه التحق بمدرسة عادية، لكنه كان يقضي وقتاً معزولاً بمفرده في الفصل، دون أن يتكلم أيضاً.

كلا الروايتين كاذبتان، وفقاً لأشخاص عرفوا الدكتور أرداي في طفولته وتحدثوا إلى صحيفة «التايمز» قبل وفاته. وذكر أحد إخصائيّي النطق، الذي عمل عن كثب مع الدكتور أرداي الشاب، أنه كان يعاني من تأخر في اللغة، لكنه كان يتحدث مع الأطفال والبالغين على حد سواء. وتذكر زميل دراسة له، وهو جوناثان ستيوارت، أن الدكتور أرداي كان يطلق النكات ويقلّد لهجات عديدة عندما كانوا صغاراً.

وعلى الرغم من أن الأطفال غير الناطقين قادرون على تعلم الكلام، حتى في سن متأخرة، فإن التطور السريع الذي وصفه الدكتور أرداي غير مسبوق في الأدبيات السريرية، وفقاً لـ3 خبراء في التوحد والنطق. ويقول ستيفن كاماراتا، خبير علوم النطق في مختبر الإعاقات النمائية التابع لجامعة فاندربيلت: «خلال أكثر من 40 عاماً من الممارسة، ومع إلمامي الواسع بالأدبيات، لم أسمع بمثل هذا الأمر قط. إنه أمر يصعب تصديقه».

أصغر أستاذ أسود في الجامعة

يُعدّ منصب الأستاذية المرموق في جامعة كامبريدج، وهو منصب دائم التمويل يتمتع بمكانة مرموقة ودعم بحثي، من بين أكثر الوظائف الأكاديمية طلباً.

وتقدم الدكتور أرداي لشغل منصب الأستاذية، عندما أعلنت الجامعة عن الوظيفة دولياً، وشكّلت لجنة من 9 خبراء لمراجعة المرشحين.

اختارت اللجنة 4 مرشحين نهائيين، ودعتهم إلى كامبريدج لإجراء مقابلات لمدة يومين. وتنافس الدكتور أرداي مع 3 باحثين كبار آخرين، من بينهم سيدتان من ذوات البشرة الملونة، وفقاً لشخص مطلع على عملية التوظيف.

واحتوت أوراق الدكتور أرداي المنشورة وأطروحته على عشرات الأخطاء النحوية، بالإضافة إلى اقتباسات متطابقة منسوبة إلى أشخاص مختلفين.

وليس من الواضح ما إذا كان أعضاء لجنة التوظيف قد راجعوا خطابات الدكتور أرداي ومقابلاته. ولو فعلوا، لوجدوا في قصته عناصر يصعب تصديقها، مثل ادعائه المشاركة في الماراثون، أو عناصر زائفة بشكل واضح، مثل زعمه العلني مشاركته في المسلسل التلفزيوني البريطاني «سفن أب» (صرح المتحدث باسم الدكتور أرداي مؤخراً بأنه لا ينبغي أخذ هذا الزعم حرفياً).

وكان بإمكان بول رامشانداني، وهو طبيب نفسي للأطفال وعضو بارز في لجنة التوظيف، التشكيك في ادعاء الدكتور أرداي بأنه تعلم الكلام في سن الحادية عشرة والقراءة في سن الثامنة عشرة.

ولم يستجب الدكتور رامشانداني ولا غيره من أعضاء اللجنة لطلبات التعليق.

لقد قامت اللجنة بتعيين الدكتور أرداي، في قرار وصفه رئيس قسم التعليم آنذاك بأنه بالإجماع. وسلّط توظيفه في جامعة كامبريدج، ثم موته، الضوء على قصته الشخصية المؤثرة، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة على جانبي المحيط الأطلسي.

* خدمة «نيويورك تايمز»

في خطاب استقالته كتب أرداي «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق»


قصيدة النثر وغناؤها الحديث

قصيدة النثر وغناؤها الحديث
TT

قصيدة النثر وغناؤها الحديث

قصيدة النثر وغناؤها الحديث

منذ مدة طويلة وأنا أتابع أصدقائي الشعراء وأقرأ لهم ما تيسر لي من الوقت جديدهم الشعري، وأفرح أيما فرح حين يدهشني احدهم بقصيدة أو ومضة أو بيت شعري فارق، ولكن ويا للأسف مر وقت ليس بالقصير دون أن تهزني قصيدة، أو دون أن أقول «يا الله» من كل قلبي، حتى ظننت أن ذائقتي عطبت، أو أن العمل الإداري أكلني، وترك روحي جافةً أمام النصوص الإبداعية، فما بين مذكرات مُديري الإدارة والحسابات إلى مدير القانونية ومطالعاته إلى مشاكل اللجان وصعوباتها، حتى ظننت أني نشفت تماماً من ماء الشعر كتابةً وتلقياً، حتى استقبلت قبل أيام الشاعر عباس حسين، وأنا أراه للمرة الأولى قادماً من محافظة بابل، حيث أهداني نسخةً من ديوانه الأول، الذي طبعته «دار الشؤون الثقافية» 2026 «القبور ظروف والموتى رسائل». وهذا الأمر أسعدني كثيراً أن تطبع الدار مجموعة شعرية لشاعر أو لشعراء لا أعرفهم مباشرة، وليسوا أصدقاء لي، إنما العمل يأخذ طريقه من حيث عرضه على لجنة التأليف والنشر، ومن ثم خبير مختص، وبعدها مصحح، ليأخذ طريقه الروتيني لطباعة العمل، وكل هذه الرحلة للكتاب داخل المؤسسة لا علاقة لي بها، من حيث التأثير والضغط في طباعة الأعمال؛ لأن العمل الجيد هو من يفصح عن نفسه دون وساطات، المهم أنني التقيت الشاعر عباس حسين وسلمني نسخة من ديوانه، وبدأت أتصفح المجموعة وأنا في طريقي إلى البيت، فتوقفت عند جملة مضيئة في بداية المجموعة صرخت عندها وصحت «يا الله»، ماذا يقول عباس حسين:

لستُ صفحةً لتطويها

أنا دمعةٌ

امسحني

بصراحة هزتني هذه الومضة الساحرة، فقد اكتنزت بالتكثيف الشديد والحاد، كما يحمل النص القصير هذا دلالته التي تُمسك ولا تُمسك، تشير على المعنى ولا تدل عليه، أعدت قراءة النص هذا مرة أخرى وثالثة ورابعة وما زال محتفظاً بحرارته، انقطعت القراءة حين رن الهاتف وأنا في السيارة، فتركت المجموعة حتى وصلت البيت، ومع إعجابي الشديد بهذا المقطع، لكني قلت بيني وبين نفسي لا تكن انطباعياً فتهزك جملة شاعرية، فاستيقظ بداخلي فجأةً الأكاديمي الذي كنت أقمعه أمام برية الشعر ولا منطقيته، ولكني بقيت مصرّاً ولا همّ لدي إلا التفرغ لهذه المجموعة، واكتشاف هذا الشاعر الذي وجدته ممتلئاً صدقاً وانكساراً وشاعرية، فهو بلا ضجيج، حيث يأخذ بيدك ليدلك على جمرات هذه الحياة، ولكنها جمرات لغوية تشعر أنها لك، ولكنك لا تعرف سر كتابتها، وكيف خرجت بهذه الشاعرية.

المجموعة «القبور ظروف والموتى رسائل» صغيرة جداً، حيث لا تتجاوز الـ130 صفحة من القطع المتوسط، وتحتوي 29 نصاً أو قصيدة من قصائد النثر، القصائد بمجملها قصائد قصار تكاد تأخذ معماراً معتمداً على الومضات داخل النص الواحد، فالنص لدى عباس حسين مبني بطريقة النصوص المتعددة أو المفككة، كل مقطع يتحدث عن موضوعة ما، ولكنه يربطها بخاتمة تجمع النصوص في وحدة عضوية كاملة تندب فيها الإنسان ووحشته على هذا الكوكب:

اقلبِ الصفحة

ولكن برفق

هذه

صفحة

حياتي

يا لها من مفارقة ذكية، حيث يربط القارئ الذي يقلب صفحات هذا الديوان بالشاعر نفسه وبحياته، التي سكبها على الورق، دون أن يحشر القارئ بالاستعارات والكنايات وحذلقة اللغة أو التجريب الممل على النصوص، إنها الحياة على شكل قصيدة بلا رتوش، تلك الحياة التي افتتح بها مجموعته الشعرية أيضاً حين قال:

لم أتعلم من حياتي سوى أن أكتبها هكذا

ح ي ا ة

واضح أنها ممزقة

وما زلت أنتظر امرأةً تخيطها

إنه يتلاعب بقصيدة النثر برشاقة لاعب سيرك ماهر، يمسك بها فيمسح عنها غبار التجريب الصعب والتلاعب اللغوي المجتر ويمنحها الصدق فقط، حين يكون الشعراء صادقين فإنهم يمنحون اللغة حساسية مختلفة، وحين يكونون منغمسين مع طينهم اليومي وحياتهم الطبيعية سينتجون نصوصاً تشبههم:

أتذكر القلب الطيني

الذي صنعناه معاً في صغرنا

يدق الآن في صدري

أي اختزال وأي تكثيف للغة وللوقائع وللذاكرة والطفولة والحياة والحب، كل ذلك بسطرين وبجملة صادمة «يدق الآن في صدري» دون أن يلتف الشاعر على المعنى ليذهب بعيداً ويتحذلق باللغة ويجرّها من شعرها، دون أن يصل للمعنى الذي يريد، ليرهق نفسه، والقصيدة، والمتلقي، وهذا ما تجاوزه عباس حسين في هذه المجموعة الصادمة والمكثفة ذات الجملة الخاطفة، والجمل الخاطفة بصراحة من أكثر الأشياء التي يحتاج إليها الشاعر، فالشاعر من دون رشاقة جمله والتماعها بشكل سريع وخاطف لا يعول عليه وعلى تجربته؛ ذلك أن عدداً كبيراً من شعراء العربية الذين يكتبون وفي الأشكال كافة، سواء الموزونة منها أو النثر فإنهم يميلون إلى التفصيل والإسهاب واللغو بدل اللغة، فكلما اقتصد الشاعر بلغته وفكرته فإنه سيصل أسرع إلى القلب، وينفذ سهمه سريعاً، أما الذين يجرجرون بالكلام ويلتفون حوله وفيه، فإنهم يمنحون نصوصهم ترهلاً يمنعهم من التحليق ويكتفون بالسير ببطء داخل المنزل فقط.

أعود إلى عباس حسين وإلى تجربة جيله الشعري الذين لا يقلون جمالاً عن هذه التجربة، فالشعر العراقي ما زال حياً بوجود هذه الأجيال التي تضخ القصيدة بكل ما هو جديد، رغم أن تجربة عباس حسين ربما ترتبط بخيط خفي بتجربة محمد الماغوط، فأنا أزعم أن مرجعية عباس الثقافية تكاد تدور في فلك الماغوط من حيث البناء الشعري والجمل المكثفة والصادمة، وكذلك من حيث الغنائية التي تتسرب لروح قصيدة النثر، فتجربة عباس في هذا الديوان تجربة ممتلئة غنائية واضحة ومتشربة بالعاطفة دون أن تستثمر تقنيات الحداثة من رموز وأساطير ودراما، وربما هذه الصفات هي التي منحت هذه الأريحية والتلقائية في نصوص عباس بحيث يدخل المتلقي لهذه النصوص، دون استئذان ودون تعقيد، إنها نصوص الحياة المباشرة الحارة والساخنة والحادة في الوقت نفسه، وهي تلتقي إلى حد كبير بتجربة الماغوط، خصوصاً في بدايته «حزن في ضوء القمر»، حيث قصيدة النثر لم تعرف بعد التقنيات الشعرية الحداثية لتنطوي على نفسها وتبني جداراً صلداً بينها وبين المتلقي؛ لهذا تجدها فتاة متمردة ناثرة شَعرها في البرية دون قيود، ولكن فيما بعد مرت تلك القصيدة بفلترة كبيرة منعت وصدت جموحها ونفورها، وبدأ الشاعر الحديث يفكر بتقنيات الحداثة أكثر من القصيدة.

* شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار

، لهذا صرنا أمام ركام كبير من التراث الشعري الفاقد للحرارة والعاطفة وتحول الشاعر إلى ماكنة ينتج نصوصاً جافة ولكن هذه النصوص الجافة صادفت نقادا جاهزين لها يبررون جفافها وبرودتها تحت مفاهيم لا يفهمونها، ومصطلحات يلوكونها فقط في الدراسات دون أن يكون لها أي أثر على الشعر وحرارته؛ وبهذا فقد فقدنا الكثير من التجارب الساخنة التي أطفأت تحت خانة التحديث وتحول الشاعر إلى نجار يصنع نصاً وليس إلى مجنون يهيم مع نصه؛ لهذا فإننا نحتفي بالمجانين القلة في هذا العالم الذين ينطلقون دون أن يعرفوا إلى أين، يضيعون فقط ولا يصلون، تلك هي الشاعرية، وقبل سنوات قال محمد الثبيتي:

قصائدي أينما ينتابني قلقي

ومنزلي أينما أرمي مفاتيحي

ولهذا؛ فإن صدور مثل هذا الديوان لعباس حسين هو مصدر للفرح وللإضافة في الشعرية العراقية التي أتمنى عليه التواصل والصعود عالياً في هذه التجربة، وأن يبقى رشيقاً في قصائده لكي يحلق عالياً:

تسألينني عن الشمس

وأخبرك بأن الأرض عندما كانت طفلة

كانت الشمس طائرتها الورقية

فتبتسمين

ثم نمد أيدينا في الرمل ونحفر حتى نتصافح

اليوم أفعل كل ذلك وحدي

أجيء متأخراً وأقف على قبرك

أتوهم بأنك زعلانة

أسال عن الشمس

وأجيب بأن أحداً ما قطع خيطها وهربت.

* شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار


الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟
TT

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعرياً من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعرياً من كل شعر لأنها تحتوي في ضربة واحدة على عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنه يتلاعب باللغة والفكر كيفما شاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته.

وجان جاك روسو في اعترافاته العبقرية ألا تحتوي على الشعر؟ ألا تحتوي على شعر أكبر فنياً وجمالياً من كل شعر. وقس على ذلك... ولكن ليس كانط. لا تطلب من كانط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياساً إلى نيتشه من هذه الناحية. وقلَّ الأمر ذاته عن هابرماس: كانط العصور الحديثة. فهو صاحب أسلوب وعر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه.

وأما في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنَّه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس في مؤلفاته لكي ندرك ذلك. المقابسات، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، الإشارات الإلهية... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جواهر. وأما المعري فقد وصفوه بأنه «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». اسم على مسمى. هل هناك أعمق منه فكرياً في قصائده؟ «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قصيدة فلسفية ليس فقط على مستوى الآداب العربية وإنما على مستوى الآداب الكونية بأسرها.

كان الناقد الفرنسي هنري لوميتر قد نشر كتاباً بعنوان: «الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية». لاحظوا العنوان ما أجمله: «الانفجار الرومانطيقي». الشعر العظيم ينبثق انبثاقاً أو ينفجر انفجاراً وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتاباً مهماً وممتعاً جداً بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلاً كبيراً لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلك أنَّ بودلير، بحسب وجهة نظره، هو شاعر الأعماق العميقة، الأعماق السحيقة. مَن يعلم إلى أي المهاوي المرعبة كان يهبط بودلير عندما يجن جنونه في خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الشعرية؟ مَن كان يعرف حجم الآفاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً:

لا تبحث عن تخوم البحر

إنها ملكك، بين يديك

لقد وهبت لك في ذات اللحظة

كحياتك المتبخرة العابرة

العاطفة كما تعلم

هي بنت المادة

إنها نظرتها المتموجة الرائعة.

شاعر كبير يتحدث عن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

في الكتاب ذاته يخصِّص جان بيير ريشار فصلاً كاملاً لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو:

«الثالثة فجراً. وحدي في الغرفة. الشمعة تذوب رويداً رويداً وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة في الأشجار. جوقة موسيقية رائعة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبقَ لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنا في حالة من الذهول والانخطاف لا تكاد توصف. إني أعيش اللحظة الحاسمة: لحظة موت اليوم السابق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها من لحظة. إني مذهول بهذه اللحظة الخارقة للفجر».

يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هذه اللحظة الخارقة، هذه اللحظة التي لا يكاد يستبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذه اللحظة التي تمثل الولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يراها». ولكن هناك لحظة أخرى قد لا تقل أهمية، هي تلك التي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلى لحظة الموت بعد أن ضجر وملَّ من هذه الحياة:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر

فإنَّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا فرق

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعماً جديداً!

كان بودلير قد جرَّب كل شيء في الحياة وملَّ من كل شيء ولم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقاً لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟

مع بودلير حصلت النقلة من الشعر الرومانطيقي إلى الشعر الحديث. من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرموزة. من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف الملجومة الباردة. من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي. باختصار شديد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوماً ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت الفرنسية بعد 100 سنة. ولم تكن أقل بهاءً وروعةً منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة أن تسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد الصور الجديدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها من العدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالةً عليه أو على مجازاته الخارقة حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على «قتله»: أي على تجاوزه والانحراف عنه، عن طريق تدشين فضاءات أخرى للشعر، عن طريق ابتكار مجازات وصور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعراً كبيراً إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. ولكن مَن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد.

أخيرا من أهم ما كُتب عن فلسفة الشعر رسائل ريلكه الشهيرة إلى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الشعر، إلى أعماق الشعر، إلى مطبخ الشعر: أي إلى الكيمياء السحرية المولدة للشحنات الشعرية. قال له: إذا لم يكن الشعر بالنسبة لك مسألة حياة أو موت فلا داعي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلك فلم يحظَ بجائزة نوبل وإنما حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم.

هل سمعتم باسمه؟ حتماً لا. مَن هو هذا الأحمق الذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومعلوم أنَّ الفيلسوف الكبير كرَّس له دراسة مطولة في كتابه المعروف: «دروب تؤدي إلى لا مكان». وهذا العنوان مأخوذ حرفياً من عنوان قصيدة لريلكه ذاته. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن.أخيراً ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الشعر هو تلك الدراسات المطولة التي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يلي: بالنسبة لهيدغر فإنَّ الشعر ليس فقط مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى وإنما هو عصارة اللغة والمحل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الوجود. إنه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يتيح له أن يسكن الأرض شعرياً. ومن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر.

وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة